سوابق و أحكام قضائية منشورة في مجلة الأحكام القضائية العام 1979م
.png)
المحكمة العليا
القضـــاة :
سعادة السيد هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد صالح وهبي محمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضواً
محمد أحمد يوسف طاعن
ضد
محمد حمد أبو سبيب
الشركة السودانية لتأمين العربات مطعون ضده
(م ع/ط م/198/1979)
المبادئ:
قانون حركة المرور – وقوع حادث في جزء من الطريق العام – وجزء من الطريق الخاص – يحكمه قانون المرور .
قانون حركة المرور – البنطون – ليس من الطريق العام – المادة 3 .
2- إذا وقع حادث من مركبة وكان جزء منها في طريق عام ينطبق عليه قانون الحركة وجزء منها في طريق خاص لا ينطبق عليه قانون الحركة ، فإن ما استقر عليه القضاء باعتبار الحادث وقع على طريق يحكمه قانون الحركة _ ذلك لأن الحادث نشأ أثناء استعمال العربة للطريق أو نتيجة لاستعمال عربة في الطريق ولا ينتفي عنه هذا الوصف إلا إذا تجاوزت العربة كلها الطريق عند وقوع الحادث .
1- البنطون شئ متحرك وما هكذا يكون الطريق العام والبنطون وسيلة نقل للجمهور وأمتعته وليس للطريق وسيلة نقل وإنما هو شئ تسير عليه وسائل النقل ، ولا يكون البنطون طريقاً بناءً على ذلك .
الحكـــــم
28/2/1980:
القاضي محمد محمود أبوقصيصة :
بينما كان المدعي يقف داخل بنطون رفعة _ الحصاحيصا دخلت البنطون عربة يقودا المدعى عليه الأول . وأصاب إطار العربة قدم المدعي فتقدم للمحكمة طالباً التعويض . وكانت دعواه ضد السائق صاحب العربة وشركة التأمين .
أصدرت المحكمة الجزئية حكمها للمدعي بالتعويض بمبلغ 850 جنيه في مواجهة المدعى عليهم الثلاثة بالتضامن والانفراد . وأيد ذلك الحكم السيد قاضي المديرية .
تقدمت شركة التأمين باستئناف لدى محكمة استئناف الجزيرة والنيلين تطعن في صحة الحكم الصادر في مواجهتها . فدفعت بان البنطون ليس طريقاً وبذلك فلا تسأل شركة التأمين عن الحوادث التي تقع به لأن عقد التأمين يغطي الحوادث التي تقع على الطريق .
بعد استعراض السوابق قضت محكمة الاستئناف أن البنطون ليس طريقاً وشطبت الحكم فيما يتعلق بمسئولية شركة التأمين . ولما لم يستأنف سائق العربة المدعى عليه الأول ولا صاحبها المدعى عليه الثاني فأن محكمة الاستئناف لم تتعرض شئ فيما يتعلق بهما .
تقدم صاحب العربة المدعى عليه الثاني بهذا الطعن في حكم محكمة الاستئناف وهو ينعى على الحكم مخالفته للقانون وتأويله في أمور ثلاث هي الوقائع وتقدير التعويض ومسئولية شركة التأمين .
وأعلن المدعى عليه الذي ذهب مذهب الطاعن بأن تكون شركة التأمين . كما ذهب إلى أن الوقائع التي توصلت اليها محكمة أول درجة صحيحة في أن المدعى عليه الأول هو المتسبب كلياً في الحادث . ثم يمضي إلى القول بما يفهم منه أن مقدار التعويض صحيح .
أما الوقائع فقد أوجزتها البينة بجلاء . فقد ثبت بشهادة المدعي ربان البنطون أن المدعى عليه الأول كان داخلاً بعربته فأصاب المدعي بها . وكان المدعي يقوم بإدخال بهائمه للبنطون وقد كان البنطون مكتظاً بالناس والبهائم فقد كانت تلك رحلته الأولى في ذلك اليوم وهي رحلة في العادة لا تنقل العربات وإنما تنقل الناس والبهائم وعدد من الحمير التي تحمل اللبن . وشهد ربان البنطون أنه أطلق صفارته ليوقف المدعى عليه الأول ولكن المدعى عليه الأول لم يمتثل لإشارة الربان وكان المدعي يتجه غرباً بحيث لا يرى العربة وهي قادمة . وقد أصيب في الحادث خروف يخص المدعي كما جاء في شهادة المتحري .
إن الوقائع تشير إلى إهمال المدعى عليه الأول . فقد دخل البنطون المكتظ بالناس والبهائم ولم يمتثل لإشارة ربان البنطون التي تمنعه من دخول البنطون .
المتصور أن يصيب بعضاً من الناس وقد فعل . وكان دخوله من وراء ظهر المدعي الذي لم يكن في وضع يستطيع مشاهدة العربة وهي تدخل البنطون وكان المدعي في شغل وراء بهائمه التي كان يدخلها للبنطون .
في هذا الموضوع فإن الوقائع تثبت إهمال المدعى عليه الأول عند دخوله في بنطون غير مخصص لنقل العربات في وقت ازدحم فيه البنطون ولم ينصاع المدعى عليه الأول لإشارة ربان البنطون . ولسنا في حاجة إلى ما قدمه الادعاء من بينة أخرى حول عطل فرامل العربة ذلك لوجود الشك في عطل الفرامل قبل الحادث ووجود الاحتمال بأن الفرملة تعطلت فجأة في وقت الحادث ثم أن البديل موجود وهو فرملة اليد . ولكن المهم هو عدم الاكتراث عند دخول البنطون في هذا الوقت وهذا الظرف المتصور فيه حدوث أذى فاصطدم المدعى عليه الأول بالمدعي ملحقاً به الأذى .
ولا يعفى المدعى عليه الثاني (صاحب العربة) المدعي من بعض اللوم فيقول أن الإهمال المشترك . ولكن الوقائع لا تبين شيئاً من ذلك . فلم يكن المدعي يرى من وراء ولم يكن البنطون مخصصاً لنقل العربات في تلك الرحلة . وبذلك نصل إلى أن ما وصلت إليه المحكمة من إهمال المدعى عليه الأول وحده تسنده البينات المقدمة في الدعوى .
نرى أن ننظر بعد ذلك ي مسئولية شركة التأمين . والتأمين واجب يفرضه القانون بشأن الأخطار التي قد تقع على الغير . على أن المادة 53 من قانون حركة المرور توجب التأمين في حالة استعمال عربة على طريق . وعرفت المادة 3من نفس القانون وهو :-
( أي طريق مفتوح لمرور الجمهور عامة وتشمل الكباري التي يمر عليها الطريق والأرصفة وأحواش السكك الحديد والأفنية وأمكنة الانتظار والأمكنة المسورة مما ليكون مباحاً لعبور الجمهور عامة).
عرضت المحكمة الجزئية إلى قضية محمد عبد المجيد(1968) المجلة القانونية 90 عند صفحة 93 . وفي تلك القضية وصفت المحكمة الطريق بأنه قد يكون خاصاً أو غير ذلك وأن يكون استعماله للجمهور عامة وليس لفئة معينة منه وأن لا يكون به عائق يمنع استعمال الجمهور إياه . ثم وصلت المحكمة الجزئية إلى الآتي :
(وبما أن البنطون مفتوح للجمهور بدون أي منع أو تحديد فإنه يدخل في تعريف (الطريق) حسب هذه السابقة ) .
استعرضت محكمة الاستئناف سوابقها ووجدتها تقضي بأن البنطون ليس طريقاً . ولذلك شطبت محكمة الاستئناف الدعوى ضد شركة التأمين .
في الطعن الذي أمامنا يقول الطاعن أن السوابق التي بنت عليها محكمة استئناف الجزيرة والنيلين حكمها لهي سوابق أصدرتها محكمة الجزيرة والنيلين نفسها . بينما هنالك سوابق أصدرتها أعلى محكمة في وقتها وهي قضية محمد عبد المجيد . وهي التي عرضتها المحكمة الجزئية .
ردت شركة التأمين بأن قضية محمد عبد المجيد لم تكن قضية كبرى . يصبح أمامنا الآن تعريف الطريق في المادة 3 من قانون حركة المرور . وسوابق محكمة الجزيرة والنيلين بأن البنطون ليس طريقاً . وحكم محكمة الاستئناف القديمة بأن الكوبري يدخل ضمن تعريف الطريق .
وفي واقع الأمر يتفق حكم محكمة الاستئناف القديمة مع المادة 3 من قانون حركة المرور التي نصت على أن كلمة (طريق) تشمل الكباري. ولا يصبح هناك وجه لمقارنة الكوبري مع البنطون وقد نص القانون على الكباري باعتباره طريقاً .
السؤال الذي يتصارع فيه أطراف هذا الطعن إلى الآن هو : هل يعتبر البنطون طريقاً حسب تعريف الطريق في المادة 3 من قانون الحركة ؟
لقد أحالتنا قضية محمد عبد المجيد (1986) المجلة القانونية 93إلى السوابق الإنجليزية لاستنارة بها عندما وجدت محكمة الاستئناف القديمة في السوابق وتشابهاً بين قوانين الحركة في البلدين . وما أحسب أن محكمة الاستئناف كانت بحاجة لذلك حيث نصت المادة 3 من قانون الحركة أن الطريق شمل الكوبري . ولكن قانون الحركة سكت عن البنطون فها نحن نرجع للاستعانة بالقانون الإنجليزي . على أنا لا نجد في المراجع التي بين أيدينا منه ، ولا نحسبه قليلة ، ذكرا للبنطون أو السفينة عند تعريف الطريق أو وصفه . وقد غطت السوابق الإنجليزية الطرق العامة والطرق الخاصة ، وساحات المباني والفنادق والمطارات وأحواض السفن ووجدت أن بعضها يعتبر طريقاً وبعضها لا يعتبر طريقاً لأغراض قانون الحركة . والشئ الملاحظ أن ما بحثته السوابق عند تعريف الطريق هو ما كان درباً للمرور في كل الحالات . وأعني بذلك أنه لم يأت ذكر لوسائل النقل في البحث عن الطريق . عرضت السوابق إلى مختلف الدروب ، منها الأزقة والطرق المعبدة والمماشي والساحات . وكلها أشياء ثابتة لا تنتقل فالطريق عموماً هو شئ ثابت يمر الجمهور والحيوانات ووسائل المواصلات والنقل المختلفة . فالطريق إذاً لا يتحرك وإنما يتحرك من يسير عليه . هذا الطريق الذي ينطبق عليه هذا الوصف قد يكون أحد طريقين أما إن كان طريقاً خاصاً لا يمر علي الجمهور عادة وهذا ليس مكاناً لتطبيق قانون الحركة ، وأما إن كان طريقاً لا يمر عليه الجمهور وهذا محل لتطبيق قانون الحركة بصفة عامة .
ودون أن نصل إلى مرحلة النظر في حق دخول الجمهور للبنطون . سوف نجد أن البنطون شئ متحرك وما هكذا يكون الطريق . والبنطون وسيلة نقل للجمهور وأمتعتهم وليس الطريق وسيلة نقل وإنما هو شئ تسير عليه سائل النقل . ولا يكون البنطون في تقديرنا طريقاً بناءً على ذلك .
ورب حادث يحدث من مركبة يكون جزء منها في طريق عام وجزء منها في طريق خاص لا ينطبق عليه قانون الحركة . في مثل ذلك الحادث حكمت المحكمة الإنجليزية بأن الحادث وقع على طريق يحكمه قانون الحركة . وكان ما ذكرنا محل النظر في قضية إنجليزية هي :
Randall V.Motor Insurance Eureau(1969) 1 All. E.R.21.
في تلك القضائية كانت تلك القضية كانت عربة لوري تسير خارجة من فناء المدرسة إلى الطريق وبينما كانت مقدمة اللوري قد دخلت الطريق العام قد دخلت الطريق العام أصابت العجلة الخلفية صول المدرسة مسببة كسراً في ساقه . وكان خط الدفاع أن الصول أصيب وهو يقف في طريق ليس طريقاً . أما الإدعاء فيقول أن الجزء الأكبر من اللوري كان في الطريق العام فيكون السائق مسئولاً عن الحادث وقضت المحكمة بأن استعمال العربة على الطريق هو الذي أدى إلى الحادث فيكون المدعى عليه مسئولاً ولا يغنيه في شئ قوله أن المصاب كان في عقار خاص خارج الطريق عند الحادث . رأينا أن البنطون ليس طريقاً . ولكن ماذا لو أن جزءاً من اللوري كان في البنطون والجزء الآخر في المرسى ؛
لنعد إلى البينة ثانية لاستجلاء هذا الجزء من الوقائع قبل بحثنا عن إجابة لهذا السؤال .
حدد المدعي مكان الحادث عندما ذكر أنه كان آخر شخص في البنطون وخلفه السقالة . وأيده ربان البنطون .(شاهد الادعاء الرابع) فقال أن المدعي كان في السقالة في أول السقالة يجر بهائمه . وحدد مكان الحادث بتفصيل أكثر من أقواله المدونة في صفحة 42 حيث قال :-
(اللوري لم يدخل في البنطون إذ أنه توقف بعد الحادث ، ولم تكن هناك فرصة لدخوله إذ أن هناك مواشي وناس في البنطون ) .
هذه البينات تشير إلى أن اللوري لم يكن كله داخل البنطون . فقد كان الحادث في السقالة أو أمامها . وقد شهد ربان البنطون بأن الحادث في السقالة وأن اللوري لم يدخل البنطون ولم يكن دخوله ممكناً لكثرة الركاب مواشيهم بالبنطون . بهذا الوصف فإن الجزء الأمامي من اللوري كان في البنطون وفي السقالة أو أمامها مباشرة . وتكون بقية اللوري بالبداهة في الطريق . وقد أوضح رسم محل الحادث الطريق الذي تسير فيه العربات لتدخل البنطون ، وإن لم يوضح موضع اللوري من البنطون وإنما وقف عند السقالة , وهذه شهادة بأن جزء من اللوري كان على اليابسة .
هذه الوقائع تتفق مع وقائع السابقة الإنجليزية التي سقناها ، ففي كلا الحالتين كان جزء من العربة على الطريق وجزء خارجه . . وإذا ارتكب حادث وكانت العربة قد جاوز الطريق طالما كان هناك جزء من العربة في الطريق . ذلك لأن الحادث نشأ أثناء استعمال العربة في الطريق ولا ينتفي هذا الوصف إلا إذا تجاوزت بالعربة كلها الطريق عند وقوع الحادث .
بل إننا نجد أن ما وصلت اليه المحكمة الإنجليزية يوافق من جهة أخرى ما جاء في التشريع السوداني . . فالمادة 54 من قانون حركة المرور لسنة 1962 تقول :-
(... يجب أن تكون وثيقة التأمين وثيقة تؤمن الشخص أو الأشخاص فئة الوارد ذكرهم بتلك الوثيقة عن أية مسئولية مما يقع على عاتق أي منهم بالنسبة لوفاة أي شخص أو إصابته إصابة جسمانية بسبب استعمال العربة على أي طريق أو تكون ناشئة عن ذلك الاستعمال) .
وإن لم يعرض محامي المدعي في المحكمة الجزئية للسابقة الإنجليزية إلا أنه يقول أن الحادث كان ناتجاً عن استعمال العربة للطريق المؤدي للبنطون عندما منع ربان البنطون السائق من الدخول ولكن السائق استمر في السير . وهو بذلك يرى أن السائق استعمل العربة استعمالاً خاطئاً في الطريق المؤدي إلى البنطون فنِشأ الحادث ولقد شهد ربان البنطون في صفحة 43 بأنه وعندما شاهد اللوري نازلاً رفع يده لإيقاف العربة وضرب صفارة طويلة ولم تقف العربة .
وفي كلتا الحالتين ، باتباع القاعدة الإنجليزية أو نص قانون الحركة نجد السائق مسئولاً ومن ورائه شركة التأمين . ويطعن المدعى عليه الثاني في مقدار التعويض فيما يطعن فيه . وإذا ذكرنا أن المدعي أصيب في الحادث فعلينا أن نتطرق الآن للإصابة .
ويفيدنا تقرير اللجنة الطبية أن المصاب قد فقد أربعة أصابع مع شلل الإصبع الخامس من الرجل اليمنى . ويفيدنا المدعي أنه أجريت له ثلاث عمليات جراحية ، ووصفها المدعي في شهادته . فالأولى بتر فيها أحد الأصابع . والثانية عملية بترت فيها بقية الأصابع بعد مرور أسبوعين على العملية الأولى . والثالثة عملية رقعة قطع فيها جزء من جلد الساق رقع بها جرحاً لم يبرأ . وكان بقاؤه في المستشفى ثلاثة أشهر . وظل بعدها في المنزل عاماً كاملاً دون عمل . وكانت رجله مرفوعة ومشددة على المخدات لمدة ثلاثة أشهر . هذه صورة توضح الآلام التي عاناها المدعي ومداها .
شفي المدعي بعاهة مستديمة . وقدرت اللجنة الطبية بعشرين في المائة . وأوضح الطبيب الذي كان عضواً في اللجنة الطبية أن هذه العشرين في المائة هي نسبة العجز في أداء وظيفة الرجل وليست نسبة للعجز في الجسم كله .
طالب المدعي بتعويض قدره ألفان من الجنيهات عن الآلام والعجز المستديم وفقدان مباهج الحياة . وقد تصورنا هذه الآلام . ويبقى لنا أن ننظر في آثار العجز المستديم .
يقول المدعي أنه يعمل مزارعاً بالسلوكة ويقدر دخله بجنيه واحد يومياً طوال العام . فهو بعد موسم الزراعة يعمل في دق العيش والبناء . ولم يتمكن بعد الحادث من زراعة أرضه فأجرها . وإذا استطاع أن يذهب على السوق فإنه يقوم ببيع الخضار يقول المدعي أن الإصابة أفقدته القدرة على أداء بعض الواجبات الاجتماعية وأفقدته مباهج الحياة . فهو أعرج الآن . ولا يستطيع أن يخرج للصيد ولا أن يعرض في الدلوكة كما كان يفعل من قبل .
ويقدر المدعي إنتاجه بخمسة وعشرين أردباً من الذرة وانخفضت بعد الإصابة إلى ثمانية أرادب كان قيمة الأردب في المتوسط عشرة جنيهات .
من الناحية الأخرى شهد الطبيب بأن الأثر الموقع للإصابة يكون في مشيه ولبسه ومظهره وعمله ولا يمكن أن يكون كالشخص الطبيعي . على أن الإصابة لا تمنع المدعي عن أداء عمله كمزارع للسلوكية ولكن نسبة الإنتاج سوف تكون أقل . ولا تمنعه الإصابة عن العرضة . ولكن منظره سيكون أقل وسامة ورشاقة فيها . ويمكن للمدعي _ في رأي الطبيب_ أن يجري ولكن ليس بكفاءة الشخص السليم .
رأت المحكمة الجزئية بعد النظر في ما ورد حول التعويض ، أن يعوض المدعي خمسمائة جنيه عما يؤثر في مقدرة الكسب للعيش بسبب الإصابة . ورأت أنه لا يستحق شيئاً عن الكسب الضائع بسبب أن أهل المروءة قاموا بجمع محصوله عوناً منه له ، ولم تزرع البلاد في العام التالي لشح الأمطار وخلصت إلى أن يكون جملة التعويض بعد النظر على الآلام وفقدان مباهج الحياة مع ما قدرته من قبل ، مبلغ ثمانمائة وخمسين جنيهاً .
وإن كانت المحاكم قد درجت عموماً على أن لا تتدخل في تعويض قدرته محكمة أدنى . فإنها درجت على التدخل إن كان في التعويض المقدر شئ من الشطط . . ولقد تمعنت المحكمة الجزئية بحق في ما قاسى المدعي من آلام في الأشهر الثلاثة الأولى . ولا بد أن المدعي تكلف مصاريف سببها رقاده في المنزل عاماً كاملاً عاجزاً . على أنه لا يغيب عنا أن العجز وإن كان مستديماً فإنه عجز جزئي . ولا يفوت عنا أن كسب المدعي ينخفض في ميدان عمله بسبب الإصابة على أنه اختار بديلاً لكسب عيشه هو بيع لخضار . وإن وجد البديل فإن حكمنا سيضع ذلك في الاعتبار ليقدم له ما يعنيه على السير في بيع الخضار . فهو يقول أنه يبيع الخضار عندما يستطيع أن يذهب على السوق واستطاعته عندنا تعني وجود شئ بيديه يذهب به للسوق والتجارة تحتاج لشيء من مال .
هذا المعيار الذي نسير عليه يختلف عن معيار الشخص الذي يفقد المقدرة على الكسب بسبب الإصابة وهو معيار نرمي فيه إلى وضع المدعي في موضوع يحفظ توازنه في كسب عيشه بقدر الإمكان . على ذلك نرى أن يكون مجموع التعويض ستمائة جنيه وأن تحسب الرسوم في حدود ذلك المبلغ . على ذلك نرى أن يكون مجموع التعويض ستمائة جنيه وأن تحسب لرسوم في حدود ذلك المبلغ . أما رسوم هذا الطعن فتقع على الطاعن والمطعون ضدها الثانية (شركة التأمين) .
لذلك نأمر بما يلي :_
1-نقض الحكم المطعون فيه جزئياً وإلزام المدعى عليهم بالتضامن والانفراد بدفع مبلغ 600 جنيه (ستمائة جنيه) للمدعي .
2- يلزم الطاعن وشركة التأمين برسوم هذا الطعن .
القاضي هنري رياض سكلا :
أوافــــق .
القاضي صالح وهبي محمد :
أوافــــق .
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد صالح وهبي محمد قاضي المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد فاروق أحمد إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد عبد الله الأمين قاضي المحكمة العليا عضواً
أبو القاسم حسن القاش الطاعن
ضد
فريقوري لمبريلي المطعون ضده
(م ع/ط م/56/1979)
المبادئ:
إجراءات مدنية – إعادة الحال إلى ما كان عليه – سكوت قانون الإجراءات المدنية – إمكانية صدوره وفقا للمادة 303 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974.
بالرغم من خلو قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 من أي نص يسمح أو يمنع المحكمة من إعادة الحال إلى ما كان عليه فإن للمحكمة أن تصدر أمرا بذلك إعمالا لسلطاتها الطبيعية تحت المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية.
الحكــم
2/3/1980:
القاضي عبد الله الأمين:
هذا طعن بالنقض في الحكم الصادر من محكمة استئناف الخرطوم في استئنافها المدني رقم 478/78 بتاريخ 2/10/1978.
الوقائع الأساسية في هذا الطعن بسيطة وغير مختلف عليها وتتلخص فيما يلي:-
الطاعن و المالك المسجل للمنزل رقم 3 مربع 7/د شرق الخرطوم والمطعون عليه هو المستأجر للمنزل المذكور.
في 3/8/1977 أقام الطاعن الدعوى رقم 1383/77 أمام محكمة الخرطوم الجزئية يطلب الحكم له في مواجهة المطعون بإخلاء المنزل المذكور لفشله في دفع الأجرة المستحقة عن شهري يونيو ويوليو 1977. أنكر المطعون عليه الدعوى ومن ثم حددت محكمة الموضوع نقاط النزاع وحددت جلسة 3/12/77 للسماع وفي هذه الجلسة حضر محامي الطاعن وطالب بتعديل الدعوى بإضافة الشهور سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر سنة 1977 فقبلت المحكمة التعديل وحددت جلسة 20/12/1977 للرد عليه وفي تلك الجلسة وفي غياب محامي المطعون عليه وبناء على إقرار مشفوع باليمين قدمه الطاعن قضت له محكمة الموضوع بالإخلاء والمتأخرات عن الشهور التي شملتها العريضتان الأصلية والمعدلة وتبرعت له من عندها بأجرة شهر أغسطس التي لم يرد لها ذكر في أي من العريضتين المذكورتين.
في 13/6/1978 ألغت محكمة المديرية حكم محكمة الموضوع المشار إليه في الفقرة (2) أعلاه.
في الفترة بين صدور حكم المحكمة الموضوع المذكور في 20/12/197 وإلغائه في 3/6/1978 وعلى وجه التحديد في 13/4/1978 أقام الطاعن إجراءات التنفيذ رقم 186/78 لتنفيذ ذلك الحكم وفي 3م5/1978 حصل على أمر بتنفيذ الإخلاء جبرا وفي اليوم التالي مباشرة وجد المطعون عليه نفسه في عرض الطريق وفي نفس اليوم أيضا انتقل الطاعن بأسرته إلى المنزل محل النزاع.
تقدم المطعون عليه بطلب لاعادته للمنزل بعد أن ألغى الحكم الذي طرد بموجبه ولكن محكمة التنفيذ رفضت الاستجابة لهذا الطلب بحجة أن الطاعن قد سكن في المنزل بعد إخلائه وانتهى الأمر ولكن قاضي المديرية ألغى قرارها هذا وأمر بإعادة المطعون عليه إلى المنزل بعد طرد الطاعن منه. أيدت محكمة الاستئناف حكم محكمة المديرية هذا بأسبابه ومن ثم تقدم إلينا محامي الطاعن بهذا الطعن مؤسسا إياه فيما أرى على سبب وحيد يتلخص في أن محكمة المديرية (ومن بعدها محكمة الاستئناف) لا تملك سندا في القانون يمكنها من إعادة الحال إلى ما كان عليه وحجته في ذلك أن خلو قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 من نص صريح يسمح للمحكمة بإعادة الحال إلى ما كانت عليه خلافا لما كان عليه الوضع في ظل قانون القضاء المدني الذي حوى نصوصا صريحة في هذا المعنى يعني أن نية المشرع قد اتجهت إلى تجريد المحكمة من هذه السلطة. أتحنا لمحامي المطعون عليه فرصة الرد على هذه الأسباب ولم ير الاستفادة منها.
إن تفسير نص معين في قانون معين قد يقتضي الرجوع إلى الوضع القانوني الذي كان سائدا قبل صدوره وذلك في الحالات التي يكتنف فيها النص المراد تفسيره غموض والفكرة هنا الكشف عن قصد المشرع من إصدار القانون محل التفسير مما قد يساعد على إزالة الغموض: (The mischief Rule of interpretation)هذا أمر غير وارد فيما نحن بصدده لأن قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 واضح تماما من حيث أنه خلا من أي نص يسمح أو يمنع المحكمة من إعادة الحال إلى ما كان عليه على نحو ما كان منصوصا عليه في قانون القضاء المدني سنة 1929 وبذلك فإن السؤال الحقيقي في هذا الطعن ينحصر فيما إذا كانت المحكمة تملكه بالرغم من سكوت قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 ن تصدر أمرا بإعادة الحال إلى ما كان عليه وعلى وجه الخصوص هل تستطيع المحكمة ذلك إعمالا لسلطاتها الطبيعية تحت المادة 303 من نفس القانون؟ الإجابة في رأيي بالإيجاب وفيما يتعلق بالنزاع المعروض علينا الآن أقول أنني لا أكاد أعرف حالة ادعى والزم لاستخدام سلطات المحكمة الطبيعية، يطالبنا محامي الطاعن أن نسمح لموكله بالاحتفاظ بالحيازة للعين المؤجرة التي استردها بموجب حكم الغى وزال أثره تماما وأنني لأتساءل هل نجرؤ إذا أجبناه إلى طلبه أ، نصر على أن ذلك الحكم قد ألغي وزال أثره. أن ما يطالبنا به محامي الطاعن هو في حقيقة الأمر دعوة لنا بأن نسمح لموكله باسترداد الحيازة وهو عين ما يطالب به في دعواه التي ما زالت (بعد إلغاء حكم الإخلاء) في مرحلة نقاط النزاع –وهكذا. دون سماع أن مرافعات أو حكم. أنه يريد أن يكسب دعواه مقدما وبغير معركة وما أصدق السيد قاضي المديرية حين قال (هذا لأننا إن أعطينا للمستأنف ضده منزله في هذه المرحلة ورغم أننا أمرنا بالسير في الدعوى تصير الدعوى لا معنى لها ولن يكلف المستأنف ضده عناء الحضور للمحكمة. لماذا يحضر وقد استرد بيته وهذا هو بيت القصيد؟
إن من حق الطاعن بطبيعة الحال أن يسعى لتنفيذ حكم قابل للاستئناف أو استؤنف فعلا ولكن عليه أن يفعل ذلك على مسئوليته الخاصة متحملا كافة النتائج المترتبة على نجاح الاستئناف وأني لأعجب العجب كله مما يدعوننا إليه محامي الطاعن من الإبقاء على حيازة موكله التي زال سندها تماما وإلزام المطعون عليه بإقامة دعوى جديدة لإعادة الحال إلى ما كان عليه –هكذا بخبطة واحدة يريد أن يقلب الأوضاع ويبدل المراكز بأن يجعل من المطعون عليه مدعيا. أحسب أن محامي الطاعن يشتط كثيرا ويطالبنا بما ليس في وسعنا. ربما أمكن النظر في شيء مما يقوله محامي الطاعن لو أن شخصا ثالثا اكتسب بحسن نية حقوقا على العقار بعد إخلائه.
أرى أن نؤيد الحكم المطعون فيه ونأمر برفض هذا الطعن.
أمــر:
يرفض الطعن .
يلزم الطاعن بالرسوم.
القاضي فاروق أحمد إبراهيم.
أوافق.
القاضي صالح وهبي محمد:
أوافق. لقد احتل الطاعن المنزل موضوع النزاع بناء على حكم غيابي وألغى ذلك الحكم واصبح كأن لم يكن. وإلى أن يثبت المدعي دعواه يصدر الحكم لصالحه يجب أن يبقى المستأجر على المنزل ولا يتأتى إلا بإعادة الحال لما كان عليه قبل الحكم الغيابي.
المحكمــة العليــا
القضــــاة:
سعادة السيد عبد الله أبو عاقلة أبو سن قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد الصادق عبد الله قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد محمد ميرغني مبروك قاضي المحكمة العليا عضواً
لويس عزيز يوســف طاعن
ضــد
نرجس بولس عبد الشهيد وآخر مطعون ضده
(م ع/ط م/147/1979م)
المبادئ:
إجراءات مدنية – 1974- الأوامر التي تقبل الطعن المباشر – شرط أن تنتهي بها الخصومة كلها وليس بعضها – المادة 176.,
1-إن نص المادة 176 من قانون الإجراءات المدنية جاء واضحاً وقاطعا بحيث أنه قصر الأوامر التي تقبل الطعن المباشر على تلك الأوامر التي تنتهي بها الخصومة كلها وليس بعضها أو جزء منها ويبدو أن المشروع لم يشأ أن يجارى قانون المرافعات المصري الذي اقتبس منه هذا النص والذي أورد قاعدة عامة مفادها أن الأحكام التي تصدر قبل الفصل في الموضوع ولا تنتهي بها الخصومة كلها أو بعضها، لا يجوز الطعن فيها إلا مع الطعن في الحكم الصادر في الموضوع.
2-رأي معارض:
إن الخصومة كما تنتهي قد ينتهي بعضها أو جزء منها كما هو الحال عند رفض بعض الطلبات فيكون في ذلك إنهاء جزئي للخصومة في ذلك الطلب والمطعون عليه المدعية هي زوجة الطاعن المدعى عليه وهما سودانيان من طائفة الأقباط الأرثوذكس وقد أثمر زواجهما ولدا واحد اسمه جورج. وفي يونيو 61 هجر الطاعن منزل الزوجية وغادر السودان إلى ألمانيا الغربية وتوقف عن الإنفاق على زوجته وابنه من ذلك التاريخ.
وفي 9/9/1973 رفعت المطعون ضدها دعوى على زوجها الطاعن طالبة الحكم لها ولابنها بنفقة متجمدة قدرها 7300 جنيه عن الفترة من يونيو 1961 وحتى يناير 1972 وبنفقة شهرية قدرها 30 جنيه للطاعنة وأخرى قدرها 20 جنيه لابنها، وذلك اعتبارا من فبراير 1973. ودفع المدعى عليه الدعوى بأنه اعتنق الدين الإسلامي في 3م4/1973 وطلق المدعية في 17/5/1973 طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية وبما أن المدعية غنية لا تحتاج إلى نفقة وأنه كان طالبا منذ أن غادر السودان في 1961 وحتى يوليو ولم يكن له دخل ينفق منه وأن المدعية لا تستحق نفقة عن مدة الخمس سنوات السابقة على رفع الدعوى، وبدأت محكمة أول درجة –محكمة مديرية الخرطوم- سماع دعوى المدعية المطعون عليها في 30/2/1974 وفرغت في 30/3/1975. وفي تاريخ الفراغ من سماع المدعية طلب الأستاذ محامي المدعية عليه الطاعن أن تؤخذ أقوال الطاعن عن طريق التفويض لأنه يقيم في برلين الغربية بصفة دائمة فوافق الأستاذ محامي المدعية المطعون عليها وحددت المحكمة جلسة 10/4/1975 لإحضار الأسئلة. وأخيرا جاء الأسئلة في 38/4/1975 وأمرت المحكمة بتحصيل رسم إرسال الأسئلة تم إرسالها وحددت جلسة 9/8/1975 للمتابعة. واتضح في 9/8/1975 أن الرسوم لم تدفع ولم يشأ الأستاذ محامي الطاعن أن يوضح الأسباب التي أدت إلى عدم دفع الرسوم وطلب مهلة لدفعها. ودفعت الرسوم في 30/8/1975.
وفي 6/12/ 1975 تبين للمحكمة أن الأسئلة لم ترسل فأمرت بإرسالها فورا، ثم تعاقب بعد ذلك استعلام الأستاذ محامي المدعية المطعون عليها وتعاقب استعجال المحكمة لرئاسة إدراة المحاكم لحث وزارة الخارجية على الإسراع في الحصول على إجابة المدعى عليه الطاعن على الأسئلة. إلى أن كان يوم 9/4/1977 حيث حضر محاميا الطرفين والتمس الأستاذ جريس –محامي المدعية المطعون عليا أن يسمع المدعى عليه أمام المحكمة مباشرة لأنه سوداني الجنسية وقد استغرقت محاولة أخذ أقواله عن طريق التفويض سنتين دون جدوى في دعوى نفقة عاجلة بطبيعتها. وأضاف الأستاذ جريس أن أخذ أقوال أطراف الخصومة عن طريق التفويض و إجراء استثنائي إذ أن على الأطراف تقديم بينتهم بأشخاصهم أو عن طريق وكلاء لهم. وطلب الأستاذ جوهان عن الأستاذ عبد الله نجيب عن المدعى عليه الطاعن مهلة يومين للرد كتابة على طلب الأستاذ جريس ولكن المحكمة رفضت طلب الأستاذ جوهان دون أن تبدي سببا وحددت جلسة 21/5/1977 (للقرار),.
وفي 21/5/1977 تلت المحكمة على الطرفين قرارا وافقت فيه على طلب الأستاذ جريس وقالت أن المادة الخامسة عن الأمر الثاني (وتعني الفقرة الخامسة من القاعدة الثانية) قاصرة على الشهود المقيمين خارج البلاد ولا تنطبق على أطراف الخصومة الذي ينبغي عليهم أن يباشروا دعاواهم بأنفسهم أو عن طريق وكيل ثم قررت بناء على ذلك وبسبب فشل المدعى عليه منذ 30/3/1975 في أن يحضر بنفسه أو بوكيل عنه إلغاء إجراءات التفويض لأخذ بينة واعتباره قد فشل في سماع دعواه وحيث أن الدعوى لنفقة زوجة وصبي وهي عاجلة بطبيعة الحال فإني اقرر قفل قضية المدعى عليه تطبيقا للمادة 66 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 وحجز الدعوى للحكم.
وفي 5/9/1977 أصدرت محكمة أول درجة حكمها في الدعوى وقالت أن المدعى عليه الطاعن لم يثبت دخوله الإسلام وطلاقه المدعية وأنه حتى لو ثبت إسلام المدعى عليه فإن المحكمة ستبقى مختصة بنظر النزاع لأن المدعية مسيحية الديانة، وأن المدعية وابنها في حاجة إلى النفقة وأن المدعى عليه أكمل دراسته واصبح قادرا على الكسب منذ يناير 1973.
ولذلك قضت المحكمة للمدعية بنفقة شهرية قدرها 30 جنيها ولابنها بنفقة قدرها 20 جنيها ابتداء من أول يناير 1973 وصرفت النظر عن متجمد النفقة.
وطعن الأستاذ محامي المدعى عليه بالاستئناف أمام محكمة الاستئناف فرفض استئنافه شكلا لرفعه بعد موعده القانوني، فطعن الأستاذ محامي المدعى عليه بالنقض في قرار محكمة الاستئناف وقضت هذه المحكمة بنقض محكمة الاستئناف وإعادة الأوراق إليها للفصل في الاستئناف. وقد أقام المستأنف استئنافه على ثلاث أسباب جوهرية أولها أنه لم يكن يحق لمحكمة أول درجة أن تلغى أمرا أصدرته أو ترجع فيه وهو الخاص بأخذ أقوال المدعى عليه عن طريق الانتداب وثانيها أن المدعى عليه يعمل ويقيم بألمانيا وأن إمكاناته المادية لا تمكنه من الحضور إلى السودان وأنه ليس عدلا أن يحرم من الاستماع إلى أقواله وأن العمل جرى أمام محاكم السودان على أخذ أقوال الخصوم عن طريق التفويض سواء أكان ذلك أمام المحاكم المحلية أم الأجنبية ثالثها أن محكمة المديرية غير مختص بالفصل في مسألة الطلاق التي تختص بها المحكمة الشرعية وحدها، وفي الرد على أسباب الاستئناف قال الأستاذ جريس أن قرار محكمة أول درجة بإلغاء التفويض (كان صائبا ومن شأنه تصحيح الأمر السابق) وأن إلغاء التفويض كان عدلا لأن إجراءات التفويض ربما استمرت إلى ما لا نهاية في قضية نفقة المدعية وابنها دامت سنتين لم تسمع فيها للمدعى عليه أقوال. ثم قال الأستاذ جريس آخر الأمر أن القرار الخاص بإلغاء التفويض هو أمر منه للخصومة وجائز استئنافه ولكن الطعن فيه بالاستئناف قد رفع بعد موعده القانوني فقط الحق في الطعن.
وقضت محكمة الاستئناف بأن إصدار حكم أول درجة تحت المادة 66 كان خاطئا لأن محامي المدعى عليه كان موجودا في الجلسة المحدودة ولا يمكن بالتالي القول بأن المدعى عليه قد غاب وتخلف عن الحضور وقالت أن المادة 2(5) (وتعني القاعدة 2-5) من الأمر النهائي ليست قاصرة على الشهود دون الأطراف لأن الأطراف شهود أيضا. وأقر الأستاذ محامي المستأنف عليها على أن القرار الخاص بإلغاء التفويض وقفل دعوى المدعى عليه هو قرار منه للخصومة. ثم قالت أن محكمة أول درجة مختصة بنظر مسألة دخول المدعى عليه الإسلام. وتطليقه المدعية، وانتهت آخر الأمر بأن أعادت القضية إلى محكمة أول درجة للفصل في ما إذا كان المدعى عليه قد أسلم وطلق المدعية وذلك في ضوء المستندات التي قدمها المدعى عليه إلى محكمة أول درجة التي رأت محكمة الاستئناف ضرورة الاستعانة على معرفة محتوياتها بالسفارة الألمانية لأنها مكتوبة باللغة الألمانية.
ثم كان هذا الطعن بالنقض في حكم محكمة الاستئناف وقد رفع في موعده القانوني. وينصب الطعن على جزء من حكم الاستئناف وهو الجزء الذي رفض فيه الحكم المطعون فيه الأمر بأن أعادت القضية إلى محكمة أول درجة للفصل في ما إذا كان المدعى عليه قد أسلم وطلق المدعية وذلك في ضوء المستندات التي قدمها المدعى عليه إلى محكمة أول درجة التي رأت محكمة الاستئناف ضرورة الاستعانة على معرفة محتوياتها بالسفارة الألمانية لأنها مكتوبة باللغة الألمانية.
ثم كان هذا الطعن بالنقض في حكم محكمة الاستئناف وقد رفع في موعده القانوني. وينصب الطعن على جزء من حكم الاستئناف وهو الجزء الذي رفض فيه الحكم المطعون فيه إلغاء قرار محكمة أول درجة الخاص برفض أخذ أقوال المدعى عليه عن طريق التفويض وقفلل دعواه. ويقول الأستاذ عبد الله النجيب في توضيح هذا الوجه للطعن أن الحكم المطعون فيه قد قضى بخطأ القرار الصادر برفض التفويض وقفل دعوى المدعى عليه ولكنه لم يلغ ذلك القرار بحجة أنه لم يطعن فيه بالاستئناف في موعده القانوني وهو القرار المنهي للخصومة. ولكن الأستاذ عبد الله النجيب لا يرى أن ذلك القرار منه للخصومة ويقول في بيان ذلك –بعد أن ذكر أن كلمة (قرار) لم ترد في الحالات المنصوص عليها على سبيل الحصر في المادة 176 من قانون الإجراءات (أن القرار الصادر من محكمة المديرية بإلغاء قرار أخذ شهادة المدعى عليه عن طريق الانتداب وقفل قضيته. دون أخذ بيناته وشهوده ليس بحكم وفقا لما نص عليه قانون الإجراءات المدنية. كما أننا ندفع بأن ذلك القرار لا يمكن أن يكون أمراً (منهي) للخصومة لأن إنهاء الخصومة لا يتم إلا بصدور الحكم المنهي للخصومة. فالخصومة استمرارها وانتهاؤها لا يكون إلا بصدور الحكم في النزاع. فإن لم يصدر الحكم لا يمكن أن تكون تلك الخصومة قد انتهت.
وفي الرد على ذلك يقول الأستاذ جريس (الخصومة لا تنتهي بصدور الأحكام فحسب بل أن هناك أوامر تصدرها المحاكم أثناء سير الدعوى وتنتهي بها الخصومة. والقول بغير ذلك –كما يدعي محامي الطاعن- يترتب عليه أن نصف المشرع بالخطأ وعدم المعرفة لإيراده نصا مستحيلا أو معدوما أو مفتقراَ إلى التطبيق العملي وهذا أمر يجب أن نتره عنه الشارع الذي يفترض فيه السمو والحكمة والبعد عن الخطأ) قال الأستاذ جريس ذلك بعد أن أشار إلى المفهوم المباشر للمادة 176 وإلى مفهوم المخالفة لصدر تلك المادة التي تنص على عدم جواز الطعن في الأوامر التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة إلا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها فيما عدا حالات عشر مستثناة. ثم يدلل الأستاذ جريس على قوله بالأمر برفض طلب التدخل والإدخال والضم والأبعاد ورفض طلب المقاضاة بدون رسوم، وكل هذه –فيما يرد الأستاذ جريس- أوامر لا تنتهي بها الخصومة كلها ولكنه يجوز استئنافها قبل صدور الحكم المنهي للخصومة. ويمضي الأستاذ جريس ليقول (أن استعمال المشرع لكلمة (كلها) يعني أن الخصومة يمكن أن ينتهي بعضها أو جانب ما أو مرحلة منها وهذا دون جدال لا يتم إلا بأمر من النوع الذي أسلفت ذكره، ويستبين ما تقدم أن انهاء الخصومة لا يعني حتما الفصل في النزاع نهائيا كما يدعي الزميل محامي الطاعن. ثم يتطرق الأستاذ جريس إلى القرار الذي أصدرته محكمة أول درجة بقفل دعوى المدعى عليه وما إذا كان ذلك القرار قد أنهى الخصومة فيقول أن قرار محكمة أول درجة قد انتهى إلى أمرين هما قفل قضية المدعى عليه وحجز الدعوى للحكمم أن محل الطعن أمام محكمة الاستئناف وأمام هذه المحكمة هو هذان الأمران وليس القرار لأن (أسباب القرار تنتهي بالأمر الذي تصدره المحكمة استنادا على قرارها) وأن الأمرين المذكورين (تعتبر من الأوامر المنهية للخصومة لأنها أوصدت الباب أمام المدعى عليه في تقديم بينة النفي وأنهت فرصته في تقديم قضية الدفاع بحيث صارت الدعوى مهيأة للحكم المنهي للخصومة كلها)، ويضيف الأستاذ جريس إلى ذلك أن الأستاذ عبد الله النجيب (يعتبر قد قبل تلك الأوامر... لأنه في جلسة 21/5/1977 غير أن المرافعة لم تقدم في الجلسة المذكورة بل أن محامي المدعى عليه قد تخلف عن الحضور أمام المحكمة. وباعتبار المدعى عليه قد قبل حتما تلك الأوامر فإنه لا يجوز له الطعن في الأحكام ممن قبلها إلا المنصوص عليها في المادة 175 إجراءات).
وأنا أميل إلى رأي الأستاذ جريس في شقيه فمن حيث تفسير الأستاذ عبد الله النجيب للأمر المنهي للخصومة بأنه هو الحكم المنهي للخصومة –وهذه هي حقيقة ما يقول به- فإن ذلك خروجا صريحا على نص صريح هو نص المادة 176 التي تتحدث عن الأوامر التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة مما يدل بمفهوم المخالفة كما قال الأستاذ جريس بحق –على وجود أوامر تصدر أثناء سير الدعوى وتنتهي بها الخصومة. وما حديث المادة 176 بعد حديثها عن تلك الأوامر مباشرة عن الحكم المنهي للخصومة كلها إلا توكيد للتفرقة بين تلك الأوامر وبين الأحكام المنهية للخصومة وتوكيد لوجود مثل تلك الأوامر التي تنتهي بها الخصومة دون ا لأحكام. ولو كان الأستاذ عبد الله قد قال في وضوح أنه كان على المشرع أن يختار كلمة (الأحكام) بدلا من (الأوامر) في صدر المادة 176 –كما فعل المشرع المصري في المادة 212 من قانون المرافعات الجديدة والتي أخذت منها المادة 176 لقبلت ذلك منه ولقت أن المشرع السوداني أنما اختار كلمة (الأوامر) لتشمل الأوامر والأحكام الفرعية (والتي تنتهي بأوامر كما أوضح الأستاذ جريس، وعلى ذلك أوافقه) وذلك لكثرة ما كان يرفع من طعون في الأوامر العار ضم التي تصدرها محاكم أول درجة أثناء سير الدعوى قبل صدور قانون الإجراءات المدنية 1974 والذي استحدث نص المادة 176 على أنك بأي اسم سميت ذلك الذي يصدر أثناء سير الدعوى. حكما أو أمرا فإنه يتعين لجواز الطعن فيه بالاستئناف أن يكون ما تنتهي به الخصومة وعلى استقلال عن الحكم الصادر في الخصومة كلها. وهنا يبدو لي مرة أخرى أن الأستاذ عبد الله لم يفرق بين إنهاء الخصومة وبين الفصل في النزاع لأنه يرددهما كمترادفين على أهمية التفرقة بين الأمرين إذ أن الخصومة قد تنتهي كلها دون فصل في النزاع أي في الموضوع كما هو الحال في الأحكام الصادرة بعدم الاختصاص أو ببطلان صحيفة الدعوى، أو بانقضاء بالتقادم، أو بشطبها للتخلي –وكل هذه الأحكام فرعية صادرة قبل الفصل في الموضوع وتنتهي بها الخصومة كلها ولكن النزاع على أصل الحق باق لم يفصل فيه. وذلك أن الخصومة هي تلك الحالة القانونية التي تنتج عن مباشرة الدعوى والتي تتمثل في مجموعة هي تلك الحالة القانونية التي تنتج عن مباشرة الدعوى والتي تتمثل في مجموعة من الإجراءات تبدأ من رفع الدعوى وتنتهي بصدور الحكم في موضوعها ولكنها قد تنتهي أيضا بصدور أمر أو حكم فرعي ينهي الخصومة ولا يمس أصل النزاع وموضوعه على النحو السابق بيانه.
وصحيح عندي ما قاله الأستاذ جريس من أن الخصومة كما قد تنتهي كلها فقد ينتهي بعضها أو جزء منها كما هو الحال عند رفض بعض الطلبات فيكون ذلك إنهاء جزئي للخصومة في ذلك الطلب المرفوض. غير أني لا أرى مع الأستاذ جريس أن إنهاء بعض الخصومة (دون جدال لا يتم إلا بأمر من النوع الذي أسلفت ذكره) ويعني الأوامر التي تصدر أثناء سير الدعوى. ومعنى هذا عند الأستاذ جريس (أن الحكم ينهي الخصومة كلها غير أن الأمر قد ينهي جزءا منها). ويبدو أن الأستاذ جريس ينطلق في هذا التقرير من رأي في معنى الخصومة يوافق رأي الأستاذ عبد الله ولا يضع بينها وبين موضوع الدعوى أو الحق المتنازع عليه أحدا. وعندي أن المقصود بالحكم (المنهي للخصومة كلها) كما جاء في صدر المادة 176 هو الحكم الذي يصدر في موضوع الدعوى برمته. أو الحكم الذي ينهي الخصومة بغير حكم في موضوعها لأن الخصومة لا تنتهي بداهة إلا بواحد من هذين الطريقين. وعلى ذلك فإن الخصومة يمكن أن تنتهي كلها أو بعضها بأمر يصدر أثناء سير الدعوى ولكن الفصل في النزاع لا يتم إلا بصدور الحكم في موضوع الدعوى.
هذا ما كان من أمر ما جاء في عريضة الطعن حول انتهاء الخصومة. ومن حيث ما جاء في الرد على عريضة الطعن من أن القرار الصادر بقفل دعوى المدعى عليه الطاعن هو أمر منه للخصومة، فإنه يلاحظ أن الأستاذ عبد الله لم يتعرض على استغلال لما جاء في الحكم المطعون فيه من أن إلغاء أمر التفويض وقفل دعوى المدعى عليه هو أمر منه للخصومة، فإنه يلاحظ أن الأستاذ عبد الله لم يتعرض على استقلال لما جاء في الحكم المطعون فيه من أن إلغاء أمر التفويض وقفل دعوى المدعى عليه هو أمر منه للخصومة وإنما أذاب هذا الوجه من أوجه الطعن في السبب الجوهري الذي أقام عليه طعنه حيث قال (... إن قفل ذلك الباب بأي صورة من الصور لا ينهي الخصومة لأنه في رأينا المتواضع يقصد بإنهاء الخصومة الفصل في النزاع نهائياً بين الأطراف بواسطة المحكمة المختصة، ولا يمكن أن ينحصر تغيير إنهاء الخصومة على إنهاء المذكرات بين الأطراف أو قفل قضيتي الدفاع والإدعاء وحجز الدعوى للحكم) إذن لم يقف الأستاذ عبد الله عند الأمر بقفل دعوى المدعى عليه في ذلك للنظر في ما إذا كان مثل هذا الأمر بطبيعته مما تنتهي به الخصومة بوصفها المتقدم.
ولا شك عندي في أن الأمر الصادر من محكمة أول درجة بقفل دعوى المدعى عليه قبل سماع دعواه هو أمر منه للخصومة فيما يتصل بدعوى المدعى عليه لأن ذلك الأمر قد وضع لدعوى المدعى حدا قبل أن يتاح للمدعى عليه أن يقول فيها كلمة. ولعل هذه أن تكون أكثر حالات إنهاء الخصومة في أثناء سير الدعوى حدة لأنها قد ألحقت بالمدعى عليه ضررا بينا ليس أقله أنه حرم من حقه في أن تسمعه المحكمة قبل أن تحكم عليه. وإذا كان أهم ما يثيره هذا الطعن هو وضع الفيصل بين الأوامر التي تصدر أثناء سير الدعوى وتنتهي بها الخصومة فتقبل الطعن المباشر قبل صدور الحكم الذي ينهي الخصومة كلها وبين تلك الأوامر التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة فلا تقبل الطعن المباشر، فإن الفيصل هو قدرة الحكم الذي يصدر في الموضوع على إزالة الضرر الذي يلحقه الأمر الذي يصدر أثناء سير الدعوى بالمحكوم عليه بحيث يكون الأمر الذي لا يقبل الطعن المباشر هو الذي قد يغني صدور الحكم في الموضوع عن الطعن فيه فور صدوره أما الأمر الذي لا يجزي صدور الحكم في الموضوع عن الطعن فيه مباشرة بسبب ما يلحقه بالمحكوم عليه من ضرر لا يزيله الحكم في الموضوع عن الطعن فيه فور صدوره أما الأمر الذي لا يجزي صدور الحكم في الموضوع عن الطعن فيه مباشرة بسبب ما يلحقه بالمحكوم عليه من ضرر لا يزيله الحكم في الموضوع فهو أمر يقبل الطعن المباشر فور صدوره.
ولما كان الأمر الصادر بقفل دعوى المدعى عليه الطاعن كما أنهى خصومة الطاعن على ما تقدم ومن حيث أن المدعى عليه الطاعن لم يطعن بالاستئناف في ذلك الأمر في الموعد المقرر فسقط بذلك حقه في الطعن ومن حيث أنني أرى رغم ذلك أن أتناول –لأهمية ما قاله الأستاذ جريس عن الأستاذ عبد الله قد قبل الأمر الصادر بقفل دعواه لأنه (طلب إمهاله لتقديم مرافعة مكتوبة فأصبح ممتنعا عليه الطعن بقفل دعواه لأنه (طلب إمهاله لتقديم مرافعة مكتوبة فأصبح ممتنعا عليه الطعن في ذلك الأمر عملا بأحكام المادة 175 التي تمنع من قبل الحكم أو الأمر من الطعن فيه ولما كان الثابت من محضر أول درجة أن الأستاذ جوهان الذي حضر عن الأستاذ عبد الله لم يطلب إمهاله لتقديم مرافعة في الموعد الذي حددته المحكمة بناء على طلب الأستاذ جريس وليس طلب الأستاذ جوهان مما يتعين معه رفض هذا الوجه من أوجه الرد على الطعن. لما كان ذلك كله فإنني أرى رفض الطعن برسومه.
24/7/1980:
مذكرة برأي مخالف:
القاضي محمد ميرغني مبروك:
لقد نصت المادة 176 صراحة على أن الأوامر التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة لا يجوز الطعن فيها إلا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها فيما عدا الحالات التي وردت على سبيل الحصر في الفقرات من (أ) إلى (ي).
وواضح أن الغرض من هذا النص هو – كما أشار أخي عبد الله الحد من الطعون في الأوامر العارضة حتى تتوفر المحاكم للفصل في الدعوى كلها وتفادي ما قد يترتب على ذلك من زيادة في نفقات التقاضي.
وتطبيقا لأحكام هذا النص فإن هناك طائفتين من الأوامر: (أوامر تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة وهذا لا يجوز الطعن فيها إلا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة ومن أمثلتها: الأوامر التي تقضي برفض الدفوع الشكلية والأوامر العارضة الأخرى.
أما الطائفة الأخرى فهي الأوامر التي تصدر أثناء سير الدعوى وتنتهي بها الخصومة كالأمر ببطلان عريضة الدعوى أو كالأمر بسقوط الخصومة بالتقادم أو التخلي الخ وهذه يجوز الطعن فيها فور صدورها مباشرة وعلى استقلال من الحكم الصادر في الخصومة كلها).
يرى السيد/ محامي المطعون ضده وقد وافق أخي عبد الله على ذلك –أن الخصومة كما قد تنتهي كلها فقد ينتهي بعضها أو جزء منها كما هو الحال عند رفض بعض الطلبات فيكون في ذلك إنهاء جزئي للخصومة في ذلك الطلب المرفوض مما يجوز الطعن فيه على استقلال ومثال ذلك الأمر برفض طلب التدخل أو الإدخال أو الضم وكالأمر برفض طلب المقاضاة بدون رسوم.
غير أنني –مع احترامي- أرى أن نص المادة 176 جاء واضحا وقاطعا بحيث أنه قصر الأوامر التي تقبل الطعن المباشر على تلك الأوامر التي تنهي بها الخصومة كلها وليس بعضها أو جزء منها ويبدوا أن المشرع لم يشأ أن يجاري قانون المرافعات المصري الذي اقتبس منه هذا النص والذي أورد قاعدة عامة مؤداها أن الأحكام التي تصدر قبل الفصل في الموضوع ولا تنتهي بها الخصومة كلها أو بعضها لا يجوز الطعن فيها إلا مع الطعن في الحكم الصادر في الموضوع... ولذا فإني مع وضوح النص لا أرى مجالا للتوسع في تفسيره بحيث يشمل الأوامر التي تنهي بعض الخصومة أو جزء منها وفي اعتقادي أن الأوامر التي أشار إليها السيد محامي المطعون ضده كالأمر برفض طلب التدخل أو الإدخال لا تعتبر من الأوامر المنهية للخصومة كلها كما أنها لا تقع من الحالات التي استثنتها المادة 176 وبالتالي لا يجوز الطعن فيها على استقلال أي قبل صدور الحكم المنهي للخصومة كلها . كذلك الأمر برفض طلب المفاضلة بغير رسوم فهو أيضا لا ينهي الخصومة ولكن يمكن الطعن في الأمر بشطب الدعوى كنتيجة لرفض طلب الإعفاء من الرسوم.
ويرى أخي عبد الله أن الأمر بقفل قضية المدعى عليه وحجز الدعوى للحكم بمقتضى المادة 66 يعتبر من الأوامر المنهية للخصومة مما يجوز الطعن فيها مباشرة ذلك أن هذا الأمر قد ألحق ضررا بينا بالمدعى عليه ليس أقله أنه قد حرمه من حقه في أن تسمعه المحكمة قبل أن تحكم عليها ثم يستطرد قائلا بأن الأمر الذي لا يقبل الطعن المباشر هو استثنتها المقاضاة يغني صدور الحكم في الموضوع عن الطعن فيه قبل صدوره أما الأمر الذي لا يجزي صدور الحكم في الموضوع عن الطعن منه مباشرة بسبب ما يلحقه بالمحكوم عليه من ضرر لا يزيله الحكم في الموضوع فهو أمر يقبل فيه الطعن المباشر قبل صدوره.
وأنني في بادئ الأمر –أرى الأمر المطعون فيه ليس هو الأمر بقفل قضية المدعى عليه وحجز الدعوى للحكم وإنما هو الأمر الذي قضى بإلغاء أمر التفويض السابق حيث قررت محكمة الاستئناف في حكمها المطعون فيه: (أن رفض أخذ بينة المدعى عليه بألمانيا بطريق الإنابة الدبلوماسية بخطاب وقفل قضيته فهو أمر منه للخصومة بلا شك) وعلى ذلك تقدم محامي الطاعن بهذا الطعن الذي بدأه بقوله:-
(إن هذا الطعن ينصب على جزء فقط في حكم محكمة الاستئناف الموقرة وهو الجزء الذي رفضت فيه أن تلغى قرار محكمة المديرية الذي ألغى أخذ شهادة المدعى عليه عن طريق الانتداب وقفل قضية المدعى عليه دون أخذ أي بينات في قضية تحت المادة 66، ومن هذا يتضح أن الأمر بقفل قضية المدعى عليه قد جاء نتيجة لأمر المحكمة بإلغاء أمر إذ أن الأمر لم يكن أمامها بعد أصدرت أمرها الأخير سوى أن تأمر بقفل القضية وحجزها للحكم.
هذا وأنني أرى –مع احترامي لرأي أخي عبد الله- أن كلا الأمرين (الأمر بإلغاء التفويض والأمر بقفل قضية المدعى عليه) لا يعتبران من الأوامر المنهية للخصومة كلها ولاتي تقبل الطعن المباشر – وفي تقديري أن المعيار الذي يفرق بين الطائفتين من الأوامر ليس هو الضرر الذي يلحقه الأمر بأحد الأطراف ذلك أن أي أمر يصدر يحدث ضررا ما فلو طبقنا ما قال به أخي عبد الله فإن أي أمر يصدر أثناء سير الدعوى ولا ينهي الخصومة يمكن أن يقبل الطعن مباشرة وبذا يكون قد فوتنا الغرض من النص الذي جاء أساسا للحد من الطعون في مثل هذا الأوامر وفي رأي أن المعيار هو أن يكون الأمر كما أسلفت من الأوامر التي تنهي الخصومة كملها –أما إذا كان غير ذلك يصدر بموجب المادة 66 قد يغني عن الطعن في الأمر وذلك أن المحكمة وفقا لهذه المادة تستطيع أن تصدر حكمها في موضوع الدعوى وقد يكونه ذلك الحكم لصالح المدعى أو المدعى عليه كما يجوز لها أن تكفي بإصدار أي أمر تراه مناسبا. وعلى ذلك فإن المدعى عليه لا يستطيع في هذه الحالة أن يطعن في ذلك الأمر إلا بعد صدور قرار المحكمة ومعرفة ما ينطوي عليه من ضرر أو خلافه.
ولذا فإنني أرى أن يقبل هذا الطعن وأن نأمر بنقض ذلك الجزء من قرار محكمة الاستئناف وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع السير في الدعوى وإتاحة الفرصة للمدعى عليه لتقديم ببناته.
29/7/1980:
القاضي الصادق عبد الله:
المبدأ الذي أرسته المادة 176 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 هو أن الأوامر التي تصدر أثناء سير الدعوى ولا تنه الخصومة لا يطعن فيها إلا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها.
أن الأمر بقفل قضية المدعى عليه بعد إعلانه وعدم حضوره لم ينه الخصومة بل هو توطئة لإنهائها بإصدار الحكم تحت المادة 66 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974.
إن التفويض لأخذ الشهادة خارج السودان قد نظمته القاعدة الخامسة بالأمر الرابع من الجدول الأول الملحق بقانون الإجراءات المدنية كالآتي: (يجوز للمحكمة أن تصدر بدلا من التفويض خطابا تطلب فيه سؤال شاهد غير موجود في السودان).
يبين من ذلك أن أخذ الأقوال قضائياً خارج السودان لا تطلب إلا من شاهد وليس من طرف في الدعوى ذلك أن غياب أحد الأطراف بعد إعلانه تترتب عليه الأحكام الواردة تحت (أثر الغياب) بقانون الإجراءات المدنية وتنظمها المواد 60-66.
لذلك فالمدعى عليه إذا فشل في الحضور بعد إعلانه سواء للمرة الأولى أو لجلسة أجل إليها السماع فما على المحكمة ألا تطبيق الحكم المناسب – من بين أحكام المواد المشار إليها على حالة الغياب ولكنها تلاحقه بالأسئلة خارج السودان.
فما دامت المحكمة قد أعلنته للحضور في وقت مناسب أو لتوكيل من ينوب عنه في مباشرة الدعوى فقد أدت واجبها وعليها تطبيق القانون في حالتي حضور المدعى عليه أو توكيله أو في حالة غيابه أيضا ولديها من نصوص القانون ما يتعين عليها تطبيقه في كل حالة.
ويلاحظ أنه في الدعوى للمدعى عليه محامي يمثله منذ بداية الدعوى وحتى تاريخ الأمر المطعون فيه صحيح أن للمحكمة سلطة لترسل أسئلة لأي شخص للإجابة عليها ولكنها في مثل هذه الحالة ليس عليها أي الزام للحصول على دفاع المدعى عليه من خارج السودان. فالحصول على دفاع المدعى عليه هو من صميم واجب وكيله المحامي فإذا فشل المحامي في تقديم دفاعه رغم كل الفرص التي أتيحت له منذ تصريح الدعوى في 9/9/1973 وحتى صدور القرار المطعون فيه في 7/5/1977 فيجب ألا يقع عبء هذا الفشل على عاتق المدعية.
وعليه فإن إلغاء المحكمة لأمر التفويض وحجزها للدعوى للحكم لم ينهيا الخصومة لوم يحرما المدعى عليه من دفاعه إذ أن ذلك قد تم في حضور محاسبة الذي حرص على حضور الجلسات السابقة والأمران كما أسلفنا عبارة عن تمهيد لإصدار الحكم الذي ينهي الخصومة ولا أعتقد أنه سيكون حكما غيابيا ما دام المدعى عليه كان يمثله محام في مباشرة الدعوى منذ بدايتها.
وبمناسبة ما أثاره الزميلان والمحاميان من جدل حول المادة 176 من قانون الإجراءات المدنية وما توصي به هذه المادة من فهم في بعض الأحيان من أنها تحظر استئناف الأوامر أو بعض الأوامر أرى أن أشارك في تفسيرها بأن الأوامر التي يشملها حكم هذه المادة تقع في ثلاثة أقسام.
أولاها: الأوامر التي تنهي الخصومة فهذه تستأنف فورا وعلى استقلال وأثناء سير الدعوى.
ثانيها: الأوامر التي لا تنهي الخصومة وتصدر أثناء سير الدعوى فهذه أيضا تستأنف شأنها شأن القسم الأول غير أن استئنافها لا يتم إلا مع استئناف الحكم النهائي.
ثالثها: الأوامر المستثناة صراحة بحكم المادة نفسها فهذه ولو أنها صادرة أثناء السير في الدعوى ومع أنها لا تنهي الخصومة إلا أنه يجوز استئنافها فورا وعلى استقلال وأثناء سير الدعوى.
بناء على ما تقدم من أسباب أرى أن نؤيد إعادة الدعوى لمحكمة الموضوع للسير فيها.
الأمــر:
يقبل هذا الطعن ونأمر بنقض ذلك الجزء من قرار محكمة الاستئناف وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى وإتاحة الفرصة للمدعى عليه لتقديم بيناته.
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد فاروق أحمد إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد عبد الله الأمين البشير قاضي المحكمة العليا عضواً
عبد الفتاح القباني الطاعن
ضد
عز الدين محمد عثمان المطعون ضده
(م ع/ط م/16/1979)
المبادئ:
قانون الوكالة لسنة 1974 – الوكالة – انتهاؤها بوفاة الأصيل علم الوكيل أم لم يعلم – المادة 36/10.
قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953 – الإخلاء – التأخير في دفع الأجرة لخطأ في كتابه اسم المالك في موضعه الصحيح بحسن نية – لا يبرر الحكم به.
1- تنتهي الوكالة ويزول كل أثر لها بمجرد وفاة الأصيل علم الوكيل أم لم يعلم وفقا لنص المادة 36/10 من قانون الوكالة لسنة 1974.
2- التأخير في دفع الأجرة الناتج من خطأ المستأجر بحسن نية في كتابه اسم المالك في موضعه الصحيح من الحوالة البريدية لا يبرر الحكم بالإخلاء ولا يشكل إخلالا من جانب المستأجر بالتزامه في معنى المادة 74 من قانون العقود لسنة 1974.
الحكــم
15/3/1980:
القاضي عبد الله الأمين:
هذا طعن بالنقض في الحكم الصادر من محكمة استئناف الخرطوم في استئنافها المدني رقم 300/78 بتاريخ 19/10/1978.
يتحصل الطعن في أنه بتاريخ 30/7/1977 أقام المطعون عليه الدعوى رقم 1288/77 أمام محكمة الخرطوم الجزئية يطلب له مواجهة الطاعن بإخلاء منزله رقم 3 مربع 2 –ز- شرق مدينة الخرطوم وذلك لفشل الطاعن في دفع الأجرة المستحقة عن شهر يوليو سنة 1977. في 10/8/1977 قدم المطعون عليه عريضة دعوى معدلة طالب فيها بالإخلاء على أساس المتأخرات عن شهري يوليو وأغسطس 1977 أي أنه عدل دعواه بإضافة شهر أغسطس، أنكر الطاعن الدعوى وقال أن الاتفاق يقضي بدفع الأجرة شهريا وأنه دفع أجرة يوليو في موعدها بشيك رفض البنك صرفه لعدم مطابقة التوقيع وأنه دفع أجرة أغسطس في موعدها.. رأت محكمة الموضوع أن الاتفاق بين الطرفين يقضي بدفع الأجرة شهريا أي في أي وقت بين اليوم الأول واليوم الأخير من الشهر المعني ثم قضت بالإخلاء على أساس أن أجرة الشهرين محل النزاع دفعت بعد رفع الدعوى. ألغت محكمة المديرية هذا الحكم على أساس أنه ما دام الثابت أن الاتفاق يقضي بدفع الأجرة شهريا وليس مقدما فإن أجرة أغسطس وقد دفعت في اليوم السادس عشر منه تكون قد دفعت في موعدها وفيما يتعلق بأجرة يوليو رأت أنها وإن كانت قد دفعت بع تاريخ استحقاقها في (15/8/1977) وبعد رفع الدعوى إلا أن هذا حدث في ظرف لا تبرره الحكم ولخصت هذه الظروف فيما يلي:-
(1) أن البنك رفض صرف الشيك لخطأ فني يتعلق بعدم مطابقة الإمضاء.
(2) أن رصيد الطاعن وقت تقديم الشيك وطوال شهر يوليو كان رصيدا دائنا بمبلغ 831 جنيه بينما قيمة الشيك 55 جنيه (3) أن الطاعن لم يكن يعلم بعدم صرف الشيك وأنه قام بسداد الأجرة بمجرد أن علم. أمرت محكمة الاستئناف بإلغاء حكم محكمة المديرية هذا وقضت بالإخلاء على أساس أن فشل الطاعن في دفع أجرة يوليو في موعدها المتفق عليه يوجب الحكم بالإخلاء بصرف النظر عن الأسباب التي أدت إلى ذلك الفشل وقالت أنها تفعل ذلك تطبيقا للقاعدة التي أرستها هذه المحكمة في عدد من القضايا سمتها بأسمائها. ولم يرض الطاعن يحكم محكمة الاستئناف هذا وتقدم إلينا محاميه بهذا الطعن مؤسسا إياه على الآتي:-
1- أن الدعوى فيما يتعلق بأجرة يوليو سنة 1977 كانت سابقة لأوانها متعينا شطبها لما ثبت أمام محكمة الموضوع وأيدته كل من محكمتي المديرية والاستئناف من أن الاتفاق يقضي بدفع الأجرة شهريا أي في أي يوم في خلال الشهر بينما أقيمت الدعوى في 30/7/1977.
2- أن الطعن في حكم محكمة المديرية لدى محكمة الاستئناف قدم ودفعت رسومه نيابة عن المطعون عليه بعد مضي أكثر من شهر على وفاته وكان يتعين لذلك رفضه وقد جاء حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه خاليا من التصدي لهذه النقطة بالرغم من إثارتها أمامها.
3- على سبيل الاحتياط يرى محامي الطاعن أن موكله سلم المطعون عليه شيكا بأجرة يوليو في موعد استحقاقها وأن تسليم الشيك يعتبر وفاء مبرئا لذمة موكله من أجرة ذلك الشهر وعلى سبيل الاحتياط أيضا يرى أن عدم دفع أجرة يوليو في موعدها لأسباب لا دخل لموكله فيها لا يبرر في ظروف هذه الدعوى الحكم بالإخلاء.
أرفق محامي الطاعن مع أسباب طعنه شهادة صادرة من مستشفى سوبا الجامعي تثبت وفاة المطعون عليه في 17/3/1978. أتحنا لمحامي المطعون عليه فرصة الرد على أسباب الطعن كما أتحنا له فرصة التعليق على الشهادة الصادرة من مستشفى سوبا الجامعي ففعل وقال فيما يتعلق بأسباب الطعن أن أجرة يوليو قد دفعت بعد موعدها وبعد رفع الدعوى وهذا وحده كاف للحكم بالإخلاء ولا دخل للمطعون عليه بالأسباب التي أدت إلى امتناع البنك عن صرف الشيك ولا عبرة بحسن نية الطاعن أو سوء نية المطعون عليه في الأمر. لا يسلم محامي المطعون لعيه بأن الدعوى فيما يتعلق بأجرة يوليو كانت سابقة لأوانها لأنه حتى مع التسليم بأن الاتفاق يقضي بدفع الأجرة في أي وقت خلال الشهر فإن الطاعن نفسه قد حدد تاريخ استحقاق باليوم الأول من الشهر وذلك بإعطائه المطعون عليه شيكا يستحق الأداء في ذلك التاريخ.
يرى محامي المطعون عليه أن أجرة أغسطس نفسها دفعت بعد رفع الدعوى وبعد تاريخ استحقاقها مما يبرر الحكم بالإخلاء. في تعليقه على شهادة الوفاة الصادرة من مستشفى سوبا الجامعي طالبنا محامي المطعون عليه بإجراء تعديل فيما يتعلق بالأطراف بحيث يكون ورثة المرحوم عز الدين محمد عثمان هم المطعون عليهم.
أعتقد أن محكمة الاستئناف قد أخطأت خطأ فادحا بعدم تصديقها لنقطتين هامتين أثيرتا أمامها في معرض الرد على أسباب الطعن المقدم إليها (1) النقطة الأولى تقول بأن الطاعن المطروح أمامها مقدم بالنيابة عن شخص توفى لرحمة مولاه قبل أكثر من شهر سابق عل تقديم الطعن إليها (2) النقطة الثانية تقول بأن دعوى الإخلاء على أساس شهر يوليو سنة 1977 سابقة لأوانها من حيث أنه لم تكن هناك أجرة مستحقة الدفع في تاريخ رفع الدعوى. وفي رأيي أن أيا من هذين السببين يكفي لإلغاء حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه وذلك للأسباب الآتية:-
أولا: لا أشك مطلقا في أن المحامين المحترمين عبد الله الحسن وعبد الوهاب أبو شكيمة كانا يعملان وقت تقديم طعنهما لمحكمة الاستئناف بناء على تفويض من المطعون عليه رحمة الله بمتابعة الدعوى في جميع مراحلها ولكن هذا التفويض قد سقط وزال أثره بمجرد وفاة المطعون عليه علم بها المحاميان المذكوران أم لم يعلما (مادة 36(10) من قانون الوكالة لسنة 1974 وحيث أن المطعون عليه توفى لرحمة مولاه في 17/3/1978 على ما يبين من الإعلام الشرعي المرفق مع أوراق الطعن ومنه عدم منازعة محامي المطعون عليه حين طلبنا إليهما التعليق على شهادة الوفاة وحيث أن الطعن قد قدم لمحكمة الاستئناف في 22/4/1978 فإنه يكون مقدما من شخص اختاره الله إلى جواره قبل أكثر من شهر من تاريخ تقديمه. لقد كان بوسع ورثة المطعون عليه بطبيعة الحال أن يكلفا المحاميين عبد الله الحسن وعبد الوهاب أبو شكيمة بمتابعة الدعوى في مرحلة الاستئناف ولكن هذا لم يحدث ربما لأنهم لا يعلمون بالنزاع نفسه أو مع علمهم لا يرغبون في متابعته أو لأي سبب آخر وغني عن القول أنه ليس من شأن المحاكم ولا من وظيفتها ملاحقة نزاع لم يطلب أصحابه ذلك صراحة. ولا أستطيع أن اقبل ما يطالبنا به محامي المطعون عليه من تعديل يكون بموجبه الورثة هي المطعون عليهم.
ثانيا: لقد اتفقت المحاكم الثلاث التي تعاقبت على نظر هذا النزاع في مراحل سابقة على أن الاتفاق بين الأطراف يقضي بدفع الأجرة شهريا في أي يوم خلال الشهر من أوله إلى آخره ولما كان الثابت أن المطعون عليه أقام دعوى الإخلاء على أساس أجرة يوليو سنة 1977 في 30/7/1977 فإن الدعوى تكون سابقة لأوانها متعينا شطبها لأنه في ذلك الوقت لم تكن هناك أجرة مستحقة وكان الباب ما زال مفتوحا أما الطاعن ليقوم بالسداد في أي وقت حتى 31/7/77. لا يرد على هذا بأن المطعون عليه تقدم في 10/8/1977 بعريضة دعوى معدلة طالب فيها بالإخلاء على أساس أجرة شهري يوليو (التي كانت مستحقة الأداء في هذا التاريخ) وأغسطس لأن هذه الدعوى المعدلة لا تخرج في حقيقة الأمر عن إضافة سبب جديد للإخلاء هو أجرة أغسطس) وإلا كان على المطعون عليه أن يدفع رسوما كاملة على الشهرين بينما الذي حدث هو أنه دفع رسوم تعديل وفرق رسوم فقط.
إنني لا أتردد في قبول هذا الطعن وإلغاء حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه خصوصا وأن عدم دفع الأجرة في معنى المادة 74 من قانون العقود لسنة 1974 يبرر الحكم بالإخلاء. إن ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة من وجوب الحكم بالإخلاء متى ثبت أن هناك متأخرات يعني أنه لا بد من الحكم بالإخلاء متى ثبت أن المستأجر قد أخل بالتزامه بدفع الأجرة في موعدها لابد أن يؤخذ نص المادة 74 من قانون العقود في الاعتبار. أي أن الأمر بالإخلاء ليس عملا ميكانيكيا تقوم به المحكمة كلما ثبت لديها عدم الوفاء بالأجرة في موعدها بل لابد للمحكمة في كل حالة على حدة من إمعان النظر في الأمر لترى أن كان ما حدث يشكل إخلالا من جانب المستأجر بالتزامه في معنى المادة 74 من قانون العقود وبمعنى آخر هل هناك مبرر قانوني ينفي صفة الإخلال بالعقد وقد سبق لهذه المحكمة أن أخذت بهذا النظر في قضية التوم محمد الشيخ ضد محمد الحسن عوض الكريم (م ع/ط م/237/1977) حيث قضت بأن التأخير في دفع الأجرة الناتج من خطأ المستأجر بحسن نية في كتابة اسم المالك في موضعه الصحيح من الحوالة البريدية لا يبرر الحكم بالإخلاء في ظروف ذلك النزاع وقد جاء في حكمها المذكور ما يلي: (أن الإخلال بواجب المستأجر في دفع الأجرة في موعدها الذي يبرر الحكم بالإخلاء هو الامتناع الوعي عن دفعها أو الفشل في ذلك لعدم قدرته أو تراخيه وعدم انضباطه. أما مجرد الفشل في الدفع الذي يصح أن يطلق عليه هذا الوصف من الناحية الفنية فقط (Technical non-payment)فلا يبرر الحكم بالإخلاء.) أجد من الضروري هنا أن أؤكد أنني لا أريد بهذا الرجوع إلى مبدأ المعقولية الذي كانت قد اختطته المحاكم منذ قضية ورثة نور الدائم محمود ضد الحاج محمد صلاح الدين واستقر الأمر الآن على رفضه ولكنني أقول ببساطة أن عدم وفاء الطاعن بأجرة يوليو في موعدها المتفق عليه لا يشكل في ظروف هذا النزاع إخلالا من جانبه في معنى المادة 74 من قانون العقود لسنة 1974.
لهذه الأسباب أرى إلغاء حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه ولا أمر بشأن الرسوم.
القاضي فاروق أحمد إبراهيم:
أوافق.
القاضي أحمد التجاني عبد الهادي:
لقد اتفق الطرفان على أن تدفع الأجرة مقدماً... وحتى 30/7/1977 لم يدفع الطاعن الأجرة المستحقة عن شهر يوليه... وأختلف مع الزميل عبد الله .
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد محمد الفضل شوقى قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد أحمد التجانى عبد الهادى قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان / ضد / حسن محمد متعنى وآخر
م ع/ م ك/7/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي- العقوبة وجوب توقيع عقوبة منفردة من كل جريمة أدين بها الم
إجراءات جنائية-عدم توجيه تهمة في مرحلة التحقيق أو المحاكمة-أثره مادة156 إجراءات
إثبات-قرابة الشاهد للأطراف- آثارها
1- ينبغي أن توقع عقوبة منفردة لكل جريمة أدين بها المتهم تحسباً لإحتمالات عدم التأييد لواحدة أو أكثر من الإدانات التي صدرت ضد المتهم.
2- وفقاً لنص المادة 156 من قانون الإجراءات الجنائية فإن محاكمة المتهم بجريمة بدون أن تكون قدحررت له فيها تهمة أمام قاضي الإحالة أو أمام المحكمة الكبرى بعد دخولها في محاكمة تصبح باطلة ويتعين شطب الإدانة بها.
3- إن مجرد قرابة الشاهد بطرف من الأطراف لا تعني بالضرورة تحيزه له و إن قواعد الإثبات لا تحول دون قبول تلك الشهادة و إعطاءها الوزن الكافي و إن التحيز الذي يستدعي إستبعاد الشهادة أو التقليل من شأنها يحتاج إلي إثبات خاص و أدلة مقنعة مستقاة من واقع الحال وليس مجرد القرابة .
الحكــــم
16/4/1979م
القاضي محمد الفضل شوقي :
حدث وقائع هذه القضية يوم 17/1/1977م في ود بندة وقد راح ضحيتها شخصان – رجل وامرأة – وقد جلست محكمة كبرى برئاسة كمال الدين عباس في النهود يوم 6/7/1978 لمحاكمة المتهمين الأربعة فيها وأتبعت في محاكمتها الإجراءات المزدوجة وقسمت المتهمين إلى فريقين الأول ويسمى (أ) والثاني هو الفريق (ب) وفي يوم 8/11/1978م أصدرت قراراتها وقد جاءت كما يلي :
الفريق الأول (أ) :
المتهم الأول حسن محمد متعنى :
مذنب بجريمة الاشتراك في القتل العمد تحت المادة 88/251 من قانون العقوبات لتسببه في وفاة المرحوم إبراهيم سليمان أبشر – ويحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت.
المتهم الثاني محمد أحمد الطالب :
مذنب بجريمة الاشتراك في القتل العمد تحت المادة 88/251 من قانون العقوبات لمساهمته في تسبيب وفاة المرحوم إبراهيم سليمان أبشر – ومذنب أيضاً بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات في وفاة المرحومة فاطمة محمد ومذنب كذلك تحت المادة 259 من قانون العقوبات لشروعه في قتل المجني عليها أمينة عبد الكريم ويحكم عليه في الجرائم الثلاث بعقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت.
الفريق الثاني (ب) :
المتهم الأول آدم سليمان والمتهمة الثانية أمينة عبد الكريم غير مذنبين بجريمة إثارة الاضطراب تحت المادة 127/أ من قانون العقوبات ولا بجريمة تسبيب الأذى الجسيم تحت المادة 278 من قانون العقوبات واللتين وجهت لهما تهمة بهما – وقد أمرت المحكمة بإطلاق سراحهما.
الحادث كما هو واضح حادث مشاجرة بين فريقين وقائعها متداخلة ومتشابكة وقد بذلت المحكمة مجهوداً واضحاً لحصر الحقائق الجوهرية في أضيق نطاق وفي استخلاص البينات التي يعول عليها والتي تثبت تلك الوقائع فوق كل شك معقول وقد خرجت من ذلك بأن المتهمين في الفريق (أ) وهما من قبيلة الحمر كانا يسيران في يوم 17/1/1977م متوجهين لقريتهما وسلكا طريقاً قادهما لزراعة القتيل الأول الذي هو من قبيلة المراته وقد كانت له حزازات معهما من قبل فلما التقى ثلاثتهم داخل الزرع تطور الأمر سريعاً إلى اصطدام دموي وقد انهال المتهم الأول وزميله المتهم الثاني على القتيل صاحب الزرع طعناً بالسكين وضرباً بالفأس حتى بلغت إصاباته عشر إصابات فسقط يلفظ أنفاسه الأخيرة وحضرت حينذاك القتيلة الثانية وهي من أقربائه وسمعت المتهم الثاني يدعو المتهم الأول ليضرب المصاب ضربة تقضي عليه نهائياً. وحاولت المرأة أن تحول دون ذلك. فما كان من المتهم الثاني إلا أن سدد لها طعنتين في بطنها خرجت معها أمعاؤها من مكانها ثم جاءت المجني عليها الثالثة أمينه شاهدة الاتهام الثانية عشر (وهي المتهمة الثانية في الفريق الثاني) جارية لمساندة أهلها المصابين وتحدثت مع القتيلة الثانية التي أخبرتها أن المتهم الثاني (أ) هو الذي طعنها فهجمت أمينة على المتهم الأول (أ) وأصابته في رأسه بعود كانت تتسلح به فتصدى لها المتهم الثاني (أ) وطعنها في ظهرها وبطنها فسقطت في حالة عجز تام ومن بعد ذلك حضر شقيق المتوفى الأول وهو المتهم الأول في الفريق (ب) وكان المتهمان في الفريق (أ) قد غادرا مكان الحادث فلحق بهما ودخل معهما في معركة تبادلوا فيها الضرب وانتهى الحادث في منزل شيخ الحلة حيث تم القبض على المتهمين من الفريق (أ). وقد توفي القتيل الأول لساعته في مكان الحادث أما المصابة الثانية فاطمة فقد قضت نحبها بمستشفى النهود في يوم 11/2/1977. متأثرة بالإصابات التي لحقتها في بطنها وذلك بعد أن أدلت بأقوال في حالة الاحتضار رددت فيها أن الذي طعنها هو المتهم الثاني (أ). والمصابة الثالثة أمينة تم علاجها وشفيت من الجروح التي أصابها بها المتهم الثاني (أ).
تقدم لنا المتهمان في الفريق (أ) بمذكرة يعترضان فيها على الإدانة ويدفعان بأنهما كانا في حالة دفاع شرعي عن النفس ، كما تقدم لنا محاميهما بطعن عن طريق النقض يستند فيه على النقاط الأساسية التالية :-
1- أن المتهمين لم يتعديا على مزرعة القتيل الأول وأن الصدفة فقط هي التي قادتها للالتقاء به.
2- أن المتهمين عندما تحرش بهما القتيل الأول وتصدي لهما ببندقيته اضطر للدفاع عن نفسيهما وكانا في حالة دفاع شرعي عندما وقع الصدام.
3- أن القتيلة والمجني عليها أمينة كلاهما تربطهما بالقتيل الأول رابطة القرابة وشهادتهما تعتبر متحيزة ولا يركن إليها.
4- إن الحادث وقع على أية حال أثناء معركة عنيفة مفاجئة والمتهمين يستحقان الاستفادة من هذا الظرف وأن تنخفض جريمتها لمستوى القتل الجنائي إذا لم يحكم ببراءتهما عن أساس حق الدفاع الشرعي عن النفس.
نبدأ أولاً بالقول بأن مجرد قرابة الشاهد لطرف من الأطراف لا تعنى بالضرورة تحيزه له وأن قواعد الإثبات لا تحول دون قبول تلك الشهادة وإعطائها الوزن الكافي وأن التحيز الذي يستدعى استبعاد الشهادة أو التقليل من شأنها يحتاج إلى إثبات خاص وأدلة مقنعة مستقاة من واقع الحال وليس مجرد القرابة وهو شئ لم يعمل السيد المحامي على تقديمه ، ومن ناحية أخرى أن مهمة تقييم البينات وإعطائها الوزن الذي تستحقه هو من صميم اختصاصات محكمة الموضوع وليس لأي طرف أن يطعن في ذلك متى جاء التقييم سليماً ومتفقاً مع الوضع الطبيعي للأمور ومتسقاً مع التصور الصحيح للحادث كما توحي به القرائن ، لقد أعطت المحكمة بالفعل وزناً كبيراً لأقوال القتيلة الثانية وفي في حالة الاحتضار وكذلك لأقوال المصابة أمينة التي شفيت من جروحها وأدلت بأقوال حازت على ثقة المحكمة ، وعلى ضوء ذلك توصلت المحكمة إلى أن الذي طعن القتيل الأول هو المتهم الأول (أ) الشيء الذي يعترف به هو – كما أنه لا ينازع في أن الوفاة حدثت في الحين والساعة وأنها كانت نتيجة مباشرة للإصابات التي لحقته ولو أنه ينازع في عدد الطعنات التي وجهها للقتيل – وقد جاء استخلاص المحكمة من القرائن إلى أنه هو وزميله المتهم الثاني وحدهما ولا أحد غيرهما المسئولان عن كل تلك الإصابات العشر مستساغاً ومقبولاً ولا يتحمل الجدل والشهادة الطبية تؤكد أن الوفاة كانت نتيجة مباشرة لذلك الأذى الذي أصابه أثناء الحادث ، وفي نوعية الإصابات وأوصافها ما يقوم إلى الجزم بتوفر القصد الجنائي ، وفي نطاق الظروف الطارئة لم تجد المحكمة أساساً لأعمال ظروف الإباحة التي لا محل لها حسب التصور الذي توصلت إليه من الوقائع التي ثبتت. واستبعدت المحكمة أيضاً ظرف الاستفزاز إذ أن المتهمين كانا هما باعترافهما اللذين تعديا بدخول مزرعة القتيل الأول. ثم ناقشت المحكمة ظرف الدفاع الشرعي عن النفس الذي تشبث به المتهمان معتمدين على قصة البندقية التي تمسكا بأن القتيل حاول أن يطلقها عليهما وقد تضاربت البينات في شأن هذه البندقية ولكن ما خلصت له المحكمة كان منطقياً ومفحماً وهو أنه حتى لو فرضنا جدلاً أن القتيل صاحب المزرعة كان يحمل بندقية وهددهما بها فإن خطورتها قد زالت في اللحظة التي نجحا في استخلاصها منه وكان لأي منهما أن ينهال بكل تلك الطعنات بعد أن أصبح اعزلاً وأصبحت البندقية في يد المتهم الأول (أ). أعطت المحكمة أيضاً ظرف المعركة المفاجئة حقه الكافي من الاعتبار وكادت أن تمنح المتهم الأول الفرصة للاستفادة منه لولا تخلف شرط جوهري من شروطه وهو عدم القسوة وعدم المبالغة في العنف وقد وجدت المحكمة في كثرة الطعنات وتعددها حتى بلغت العشرة ما يسبغ على التصرف وصف الشراسة والقسوة وهذه حقيقة واقعة. ولهذا كان لزاماً على المحكمة أن تستبعد أيضاً هذا الظرف وأدانت المتهم الأول (أ) بجريمة القتل العمد ولكنها قرنتها خطأ بالمادة 88 من قانون العقوبات حيث كان يجدر أن يكون الاقتران بالمادة 78 لأن الفعل الإجرامي الذي ارتكبه هذا المتهم الأول (أ) جاء أساساً حسب البينات التي اقتنعت بها المحكمة منطوياً على عنصر الاشتراك مع زميله المتهم الثاني (أ) وليس على مجرد عنصر التحريض ولذا نعدل إدانة المتهم الأول مع زميله المتهم الثاني (أ) وليس على مجرد عنصر التحريض ولذا نعدل إدانة المتهم الأول لتكون تحت المادة 78/251 من قانون العقوبات ونؤيد عقوبة الإعدام الصادرة ضده. أما عن المتهم الثاني من الفريق (أ) فإن موضوعه أكثر تعقيداً وجسامة وقد أنكر هو من جانبه اشتراكه في الطعن والضرب ونجد أن زميله المتهم (أ) حاول أن يحميه وأن يتحمل هو وحده المسئولية عن الحادث فزعم أنه هو (المتهم الأول) الذي طعن القتيل الأول والذي طعن أيضاً القتيلة الثانية ولكن جاءت البينات التي اطمأنت لها المحكمة متعارضة مع هذا فقد أكدت القتيلة الثانية وهي في حالة احتضار أن الذي طعنها هو محمد أحمد (المتهم الثاني) ورددت هذا أكثر من مرة قبل وفاتها. ويجدر أن نذكر هنا أن الأقوال في حالة الاحتضار لها في قواعد الإثبات موضوعاً مميزاً ووزناً كبيراً إذ أن المحتضر وهو يتوقع الموت ويودع الحياة يكون أبعد ما يكون عن الكذب وعن التمويه وبمنأى عن النوازع والنزوات التي تدفع إلى الاختلاق والتلفيق ، ومن هنا جاءت ثقة المحكمة في أن ما ذكره هذا المتهم الثاني (أ) كان مجرد كذل وأن مزاعم زميله المتهم (أ) كانت مجرد محاولة للتستر عليه وحصراً للمسئولية في نفسه فقد كان يعلم أنه شخصياً متورط تورطاً لا خلاص منه ويبدو أنه فضل أن يحمل هو كل العبء ورأي أنه أن كان لا مناص من العقاب فخير لهما أن يقع سوطه في ظهر واحد بدلاً من أن يصيب كليهما. ثم جاءت أقوال الشاهدة آمنة مؤكدة أن هذا المتهم الثاني (أ) لعب دوراً في إصابة القتيل الأول وأنه هو وحدة الذي قضى على القتيلة الثانية وأنه هو وحده أيضاً الذي طعنها في ظهرها وبطنها. وهنالك ملاحظة هامة نضيفها عن هذه الشاهدة وهي أنها ليس لديها صالح لأن تلصق بهذا المتهم أفعالاً لم يرتكبها وأن المنطق السليم يقوم للقول بأن ما ذكرته هو الحق وهو الشيء الذي حدث فعلاً. هذه البينات دامغة وكافية تماماً لأن تثبت ضد المتهم الثاني (أ) جريمة الاشتراك في تسبيب وفاة القتيل الأول وفي تسبيب وفاة القتيلة الثانية أما عن الجريمة الأولي فقد سبق أن ناقشنا عناصرها والوقائع في شأنها وقد تبين لنا سداد اقتناع المحكمة الكبرى بأن هذا المتهم الثاني (أ) قد اشترك مع المتهم الأول (أ) في ارتكابها ولذا نؤيد إدانته بها ولكننا نصحح وضع المواد لتكون الإدانة تحت المادة 78/251 من قانون العقوبات – وعن الجريمة الثانية نجد في أقوال القتيلة نفسها وهي في الاحتضار وفي أقوال المصابة آمنة ما يثبت أن هذا المتهم هو الذي طعن القتيلة تلك الطعنات في بطنها التي فشلت فيها كل محاولات العلاج فأدت لوفاتها بالمستشفى وهي طعنات تثبت في حد ذاتها عنصر القصد الجنائي وقد جاءت تلك الطعنات في ظرف لا محل للتحدث فيه عن الاستفزاز ولا عن حق الدفاع الشرعي عن النفس فقد كانت المعتدى عليها قبل كل شئ امرأة لا تشكل خطورة أمام رجل مسلح بسكين – وقد أصبح تصرف المتهم عند طعنها في بطنها حتى برزت أمعاؤها متصفاً بالشراسة والمبالغة مما يتعين معه حرمانه من الإفادة من حالة المعركة المفاجئة التي يمكن القول بأنها كانت سائدة وبناءاً عليه نؤيد أيضاً إدانته بجريمة تسببه في قتل هذه المرأة تحت المادة 251 من قانون العقوبات. أما عن جريمة شروعه في قتل المجني عليها الثالثة آمنة فأول ما يواجهنا في شأنها هو أنه لم توجه له بها تهمة على الإطلاق وأنه وفقاً للمادة 156 من قانون الإجراءات الجنائية فإن محاكمته بهذه الجريمة بالذات بدون أن تكون قد حررت له بها تهمة أمام قاضي الإحالة أو أمام المحكمة الكبرى بعد دخولها في المحاكمة تصبح باطلة ويتعين شطب الإدانة بها ولذا نرفض تأييد إدانته تحت المادة 259 من قانون العقوبات.
ننتقل الآن للعقوبة ونرى أن ننبه أولاً إلى أن المحكمة كان ينبغي أن توقع عقوبة منفردة لكل جريمة أدانت بها المتهم تسحباً لاحتمالات عدم التأييد لواحدة أو أكثر من الإدانات التي صدرت ضده (كما حدث الآن) وأن تكون عقوبة الجريمة التي تؤيد أدانته بها معززة وواضحة على انفصال لننظر في أمرها إذا ألغينا العقوبات الأخرى دون حاجة للرجوع مرة أخرى لمحكمة الموضوع هذا عن المبدأ العام أما في هذه القضية فقد أيدنا إدانة المتهم بجريمتين من الجرائم التي أدانته بها المحكمة وأصبح حكم الإعدام اللازم منهما مجباً بالفعل لجميع العقوبات الأخرى ونحن نؤيد هذا الحكم.
بقي فقط الجانب الآخر للقضية وهو جانب الطرف الثاني (ب) المستضعف والذي يتكون من المجني عليها الثالثة آمنة ومن شقيق القتيل الأول الذي حضر متأخراً وحاول إعاقة الهاربين عن الهروب فالتحم معهما في معركة وتبادل معهما الضرب لقد وجدت المحكمة عن صواب أن تصرف كليهما كان في نطاق الدفاع الشرعي ومعفى من المسئولية الجنائية وبناءاً عليه برأتهما ونحن على وفاق تام معها في هذا الشأن ونؤيد براءة المتهمين الذي يتكون منهما الفريق (ب).
الأمر النهائي :
نؤيد إدانة حسن محمد متعنى تحت المادة 78/251 من قانون العقوبات والحكم بإعدامه شنقاً حتى الموت. ونؤيد إدانة محمد أحمد الطالب تحت المادة 78/251 من قانون العقوبات وتحت المادة 251 من قانون العقوبات والحكم بإعدامه شنقاً حتى الموت ونؤيد براءة المتهمين آدم سليمان بشر وأمينة عبد الكريم من التهم الموجهة إليهما.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
سعادة السيد عمر بخيت العوض قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن على أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد آمال حسين بيومي
م ع/ ط ج/34/ 1979
المبادئ:
إثبات – واقعة قيد شخص ما في مستند ما – واقعة مادية لا تثبت عن طريق تقارير الخبراء.
إثبات – تقرير خبير الخطوط – لا يقع ضمن تقارير الخبراء المنصوص عليها في المادة 229 إجراءات – وجوب مثول كاتب التقرير أمام المحكمة.
1- واقعة قيد شخص ما في أي سجلات إنما هي واقعة مادية وليست حقيقة علمية والوقائع المادية يجب إثباتها بالطرق المعروفة وليس عن طريق تقارير الخبراء لأن هذا لا يدخل في نطاق الخبرة علمية كانت أو غير علمية.
2- فيما يتعلق بشهادة الخبير الفني الذي يقدم تقريره وفقاً للمادة 229 من قانون الإجراءات الجنائية على المحكمة أن تفرق بين قبول المستند وبين وزن وقيمة المستند ومثل هذا التقرير يعتبر مقبولاً دون استدعاء محرره أمام المحكمة.
3- خبير الخطوط الذي يعد تقريراً لتقديمه إلى المحكمة يجب أن يحضر أمامها ويوضح ما تضمنه تقريره إذ لا يقبل التقرير دون حضوره على أساس أن خبير الخطوط لا تشمله المادة 229 من قانون الإجراءات الجنائية.
الحكــــم
19/5/1979م :
القاضي عبد المنعم الزين النحاس :
هذا طلب تقدم به الأستاذ محمد فتح الرحمن المحامى عن المحكوم عليها آمال حسين بيومي التي أدانتها محكمة القاضي المقيم بعطبرة تحت المادة 410 عقوبات لتقديمها شهادة مدرسية لإكمال المرحلة الإعدادية مزورة لتعمل في مكتب مساعد المحافظ للشئون الصحية وأمرت بأن توقع على ضمان حسن السير والسلوك لمدة عام وفي حالة الإخلال مائة جنيه غرامة. أيد قاضى المديرية الإدانة والأمر ولم تر محكمة الاستئناف مبرراً للتدخل في الإدانة.
ملخص الطعن الوحيد أن محكمة الموضوع قد قبلت المستندات الثلاث (م1 ، م2 ، م3) دون إتاحة الفرصة للمتهمة لمناقشة محتوياتها وهذا لا يتمشي ومبادئ العدالة.
وهذا النعي في محله ويتعين قبوله أو نقض الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى محكمة الجنايات لإجراء محاكمة جديدة على ضوء هذه المذكرة.
الثابت والواضح أن قاضى الجنايات قد قبل المستندات الثلاث. الرسالة الصادرة من ناظرة مدرسة الأقباط المصرية للبنات وفحواها أنه بعد الرجوع إلى دفتر تسليم شهادات إتمام الدراسة الإعدادية لسنة 1966 تبين أن السجل رقم 39 يحمل اسم نوال حسين بيومى (وليس آمال حسين بيومى المحكوم عليها) وأن الشهادة قد استلمت في 4/9/1967 بعد توقيع الطالبة نوال في الخانة المعدة لذلك بشهادة الموجه المالي والإداري الذين وقعا على نفس الصفحة إشهاداً منهما بصحة البيانات ، المستند الثاني (م اتهام 2) صادر من قبل مدير عام البعثة التعليمية المصرية (قسم شئون الطلبة والامتحانات) يؤكد فيه أن اسم المتهمة لا وجود له في نتيجة امتحان الشهادة الإعدادية لسنة 1966م ويخلص أن المحكوم عليها لم تجلس لذلك الامتحان وبالتالي لم نحصل على شهادة إتمام الدراسة الإعدادية ، المستند الثالث يتضمن نتيجة فحص أخصائي الخطوط والوثائق والمستندات للشهادات موضوع الاتهام (والتي لم أعثر عليها في أوراق المحاكمة) ويوضح "أن التوقيع في الشهادة باسم نوال حسين بيومي).
قضية الاتهام أسست على أقوال المتحرى الذي استعرض هذه المستندات المشار إليها وبينة الشاكي الذي يمثل مكتب مساعد المحافظ للشئون الصحية وقد اكتفت محكمة الموضوع بهذه البينة ، وبنت قضاءها على مضمون تلك المستندات ولم تستدع محرريها استناداً على أنها "مستندات رسمية صادرة من موظفين عموميين وإن كانوا يتبعون لجهة أجنبية بصفتهم الرسمية هذه وبالتالي فهذه المستندات مقبولة في الإثبات..." ص 13 من الإجراءات. وتضيف محكمة أول درجة (ص 14) أنه كان بود هذه المحكمة أن تتحصل على معلومات أوفر من ناظرة المدرسة.. ولكن لظروف الإجازة الصيفية للمدارس المصرية صرفت المحكمة النظر عن ذلك.. وأيد قاضي المديرية هذا الرأي وأكد أن المستندات الثلاث مستندات رسمية مقبولة في الإثبات دونما حاجة إلى استدعاء الجهات الرسمية التي أصدرتها لوضوحها وأضافت محكمة الاستئناف تأييداً للحكم المطعون فيه أن تقرير خبير الخطوط مقبول بنص المادة 229 إجراءات مقروءة مع المنشور 75 ولا حاجة لاستدعائه إلا إذا رأت المحكمة ذلك سواء من نفسها أو بطلب مقدم لها.
يبدو لي أن محكمة أول درجة قبلت المستندات الثلاث دون ضرورة لاستدعاء محرريها. هذا خطأ مبين.
المادتان 228 ، 229 إجراءات لهما صلة بهذا الاتهام. المادة الأولي تتعلق بالشهادة التي يدلى بها الطبيب .. "كبينة لإثبات طبيعة أي إصابات لحقت بأي شخص والسبب الجسماني لوفاته بعد فحصه..".
وتتعلق المادة الثانية 229 إجراءات بالتقارير التي تصدر من الخبير الفني في علم الجرائم أو علم وظائف الأعضاء أو علم الأحياء أو علم الأمراض أو الكيمياء أو غير ذلك من فروع العلوم في شأن أية مسألة أو شئ عرض عليه بطريقة رسمية للفحص أو للتحليل.
وفي هذه الحالة يجب على المحكمة أن تفرق بين قبول المستند (Admissility)وبين وزن وقيمة وبينة المستند (Cogency)وهذا خطأ وقعت فيه المحاكم الأدنى. وقد أكدت محكمة الاستئناف في سابقة عبد الله الحسن عمارة (المجلة 1963 ص 99) أن التقرير الذي يجهزه الطبيب النفساني لا يقبل إلا إذا حضر ذات الطبيب وقدم مستنده. وقد رفض في محاكمة جبرائيل البنق كانق (المجلة 1963 ص 35) قبول تقرير خبير الخطوط لفشله في الحضور وقد أوضحت المحكمة أن محرر التقرير لا تشمله نصوص المادة 229 إجراءات. ولا مناص من حضوره لقراءة محتوى التقرير وقد ألقى رئيس القضاء الأسبق أبورنات في سابقة محاكمة الطيب محمود جمعة وآخرين. (المجلة 1961 ص 37) مزيداً من التوضيح على وزن بينة خبير الخطوط وذلك بعد حضوره وتوضيح ما تضمنه تقريره وأبان أن بينة خبير الخطوط وذلك بعد حضوره وتوضيح ما تضمنه تقريره وأبان أن بينة خبير البصمة مقبولة دون تعزيز كبينة متخصص حتى ولو لم يكن مؤهلاً تأهيلاً علمياً.
من كل ذلك أخلص أنه لابد من استدعاء ناظرة مدرسة الأقباط المصرية للبنات والمسئول بإدارة البعثة المصرية التعليمية المصرية وخبير الخطوط وتوضيح محتوى المستندات الثلاث ( م اتهام 1 و 2 و 3) وإتاحة الفرصة للمحكوم عليها لمناقشتهم وللمحكمة بعد ذلك أن تبنى عقيدتها على البينة التي تستعرض أمامها.
إزاء كل ذلك نرفض إدانة المحكوم عليها آمال حسين بيومي تحت المادة 410 عقوبات ونأمر بإطلاق سراحها وإعادة الأوراق إلى محكمة جنايات عطبرة لإعادة المحاكمة لسماع أقوال ناظرة مدرسة الأقباط للبنات أو المسئول عن شئون الطلبة والامتحانات برئاسة البعثة التعليمية المصرية وخبير الخطوط الذي فحص الشهادة المشكوك في صحتها (والتي لم ترفق مع الإجراءات) وأية بينة أخرى ترى ضرورة لها.
القاضي عمر بخيت العوض :
لقد أطلعت على المحضر وأوافق الأخ عبد المنعم في الرأي بشأن عدم صحة قبول الأدلة المقدمة كتقرير خبير الخطوط والذي ليس من التقارير الواردة ذكرها بالمادة 229 من قانون الإجراءات الجنائية وبالتالي لابد من حضور الشخص الذي كتبه للإدلاء بأقواله أمام المحكمة ولمناقشة في التقرير.
كذلك ينطبق نفس الشيء على خطاب البعثة التعليمية المصرية وأنه لمن الظلم على المتهمة أن تدان بمثل هذه البينات وأن تحرم حقها في الدفاع عن نفسها بمناقشة كاتب المستند وفي ذات الوقت أخالف الأخ عبد المنعم النحاس في التقرير بإعادة المحاكمة طالما أن الاتهام قد فشل في تقديم الأدلة وتقتصر مهمتنا في النقض على بيان هذا الخطأ مع عدم تعريض المتهمة لإعادة المحاكمة طالما فشل الاتهام في تقديم أدلته.
كذلك فإنه من حيث الموضوع فلم يرد دليل واحد على أن الشهادة محل القضية مزورة وإنما البينات المقدمة بالرغم من عيوبها تتحدث عن أن المتهمة لم تكن مسجلة بين أسماء الطالبات في تلك السنة وهذه قرينة لا تضر بموقف المتهمة لأنه من الثابت أن المتهمة لم تكن طالبة بتلك المدرسة وإنما امتحنت من المنازل وعليه فإن ما ورد بخطاب ناظرة مدرسة الأقباط المصرية بعطبرة لا يفيد شيئاً لأنه لم تدعى المتهمة أنها كانت طالبة مقيدة بتلك المدرسة بل أنها امتحنت للشهادة من المنازل وطالبة المنازل لا تقيد في سجلات المدرسة.
يضاف إلى ذلك أن واقعة قيد المتهمة أو عدمها في سجلات إنما هي واقعة مادية وليست حقيقة علمية والوقائع يجب إثباتها بالطرق المعروفة وليس عن طريق تقارير الخبراء لأن هذا لا يدخل في نطاق الخبرة علمية كانت أو غير علمية.
كذلك فإن ما ورد بخطاب البعثة التعليمية المصرية يفيد بأن اسم آمال حسين بيومي لم يكن من بين أسماع الناجحين في عام 1966 وأن هذه أيضاً واقعة يجب أن تثبت بالأدلة المباشرة وليس عن طريق التقارير وهي ليست مسألة خبراء وكان على الاتهام أن يقدم كاتب الخطاب ليقدم الدليل وهو الكشف الذي به أسماء الناجحين أو صورة طبق الأصل منه الذي لم يفعله.
كذلك أن هذا الخطاب لا يفيد أن كان كشف الناجحين المحفوظ لديهم يحتوى على أسماء طلبة المنازل أم أن لطلبة المنازل كشوفات خاصة وهي نقطة ضرورية للإيضاح وأن الاستطراد الذي جاء بذلك الخطاب من أن صاحبة الاسم أي المتهمة لم تجلس للامتحانات في سنة 1966 أمر لا يقف على قدميه إزاء الشهادة المباشرة التي وردت في قضية الدفاع من حيث جاء في أقوال شاهد الدفاع أنه شاهد المتهمة تجلس للامتحان وأنه كان يذاكر معها وهذه بينة أقوى وتدحض ما ورد في ذلك الخطاب حتى ولو جاء أمام المحكمة من كتبه لأنه يحتوى على واقعة سلبية وشهادة شاهد الدفاع تثبت واقعة إيجابية هي مشاهدته للمتهمة تجلس للامتحان وكاتب الخطاب لم يدعى أنه حضر في اللجنة التي عقدت للامتحان وإنما هو مجرد رأي استنتجه من عدم وجود اسم المتهمة في كشف الناجحين كما يدعى.
كذلك فإن تقرير خبير الخطوط جاء قاصراً على إثبات أن توقيع الشخص مستلم الشهادة هو نوال حسين بيومي وهذا لعمري لا يفيد شيئاً لأن المراد فحصه هو أن كان هناك تزوير في اسم صاحبة الشهادة أي هل كانت الشهادة أصلاً باسم نوال حسين بيومى وأن آمال المتهمة كشطت اسم نوال وكتبت محله اسم آمال؟
وعليه نخلص من كل ذلك أن المحاكم الأدنى قد أخطأت في قبول تلك المستندات لعدم انطباق أحكام المادة 229 من قانون الإجراءات وأنه حتى لو قبلت فإنها لا تحتوى على معلومات تفيد تجريم المتهمة وبالتالي فليس هناك ما يدعونا لكن نأمر بإعادة الأوراق لكي نساعد الاتهام على تحديد قضيته والتي فشل فيها ولأنه لا يقدم شيئاً جديداً اللهم إلا إذا أعيدت هذه التقارير لا تحتوى على وقائع تقيد تجريم المتهمة على وجه القطع وبالتالي لا جدوى من سماع أقوال كاتبها.
من كل ذلك أري أن إدانة المتهمة غير صحيحة لأنه لم يثبت أنها زورت أو عدلت في الشهادة وأنها قدمت دليلاً يثبت أنها امتحنت من المنازل وأن شاهد الدفاع أكد ذلك وهذه الحقيقة الإيجابية تدحض القرينة السلبية التي قدمها الاتهام بأن اسمها غير مسجل في سجلات المدرسة علماً بأنها طالبة منازل وليست طالبة مقيدة وأن الشهادة تحرر في القاهرة وأن المتحرى في استجوابه ذكر أنه لم يتحرى الأمر في مكان تحرير الشهادة لتلك الأسباب أري إلغاء الإدانة والعقوبة.
القاضي حسن على أحمد :
أوافق في الرأي الذي أبداه الأخ عمر.
محكمة الاستئناف
القضاة:
سيادة السيد /بهيج سوريال حنا قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سيادة السيد د. بشارة إبراهيم بشارة قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سيادة السيد مكي عثمان عبد الرحمن قاضي محكمة الاستئناف عضواً
البنك التجاري السوداني المستأنف
ضد
داؤود يوسف المستأنف ضده
(م أ/أ س م/12/1979)
المبادئ:
الإهمال – ضرورة قيام رابطة السببية بين الخطأ والضرر – فعل شخص ثالث – إذا تم على وجه مقبول لا يقطع رابطة السببية.
1- ضرورة قيام رابطة السببية بين الخطأ الذي ارتكبه المدعى عليه والضرر الذي حاق بالمدعي – تنفي رابطة السببية إذا كان الضرر الذي أصاب المدعي لم يكن نتيجة مباشرة لخطأ المدعى عليه وإنما كان نتيجة لعامل جديد وهوخطا شخص ثالث ولا تنقطع رابطة السببية متى ما تم فعل الشخص الثالث على الوجه المقبول.
(الحكــم)
1/6/1980:
القاضي بهيج سوريال حنا:
تتلخص وقائع الدعوى موضوع هذا الاستئناف في أن المستأنف عليه وهو صاحب الاسم التجاري باسم ( دار التخليص والشحن ) وبتاريخ 17/9/1977 سحب الشيك رقم 378134 بمبلغ عشرة ألف جنيه من حسابه الجاري لدى المستأنف لصالح مدير الجمارك قام البنك التجاري السوداني باعتماد الشيك المذكور بناء على طلب المستأنف غير أن البنك لم يسلم المستأنف عليه الشيك رقم 378134 بل سلمه عن طريق الخطأ الشيك رقم 378131 الذي سبق أن صرفه مدير الجمارك.
قام المستأنف عليه بتسليم الشيك الأخير لمدير الجمارك وعندما اتضح لسلطات الجمارك أن الشيك المذكور سبق صرفه تقدمت ببلاغ ضد المستأنف عليه بموجب المادة 362 عقوبات واتخذت ضده إجراءات القبض والتحقيق وما إليها.
أقام المستأنف عليه ( المدعي ) دعواه مطالباً بإلزام البنك المستأنف ( المدعى عليه ) تعويض قدره 30 ألف جنيه لما أصابه من أضرار نتيجة الخطأ الذي ارتكبه البنك المدعى عليه. تقدم البنك بدفاعه وأنكر كافة ادعاءات المدعي واحتياطياً قرر المدعى عليه بأن الضرر الذي تكبده المدعي كان بفعل طرف ثالث هو سلطات الجمارك، صاغت محكمة الموضوع نقاط النزاع واستمعت للطرفين وشهودهما وأصدرت حكماً بإلزام البنك المدعى عليه بأن يدفع للمدعي تعويضاً مقداره 10ألف جنيه زائداً المصروفات.
تقدم البنك بهذا الاستئناف ينعى فيه على الحكم أنه ألزمه بالتعويض رغم انتفاء رابطة السببية بين الخطأ الذي ارتكبه والضرر الذي أصاب المستأنف كما أن التعويض المحكوم به مبالغ فيه.
وبالرجوع إلى المحضر اتضح أن المستأنف عليه قد أثبت كافة الادعاءات الواردة بعريضة دعواه فواقعة القبض عليه وإيداعه الحراسة وكذلك الأمر الذي أصدره مدير الجمارك بإيقاف معاملات المستأنف عليه مع مصلحة الجمارك وإيقاف الترخيص الممنوح له لمزاولة أعمال التخليص وإيقاف التخليص على بضائعه قد ثبتت جميعها. كذلك فقد أثبت المستأنف عليه مدعي الضرر البالغ الذي أصابه في نفسيته وسمعته وعمله التجاري وسمعته التجارية. والسؤال المطروح الآن هل كان ذلك الضرر نتيجة مباشرة للخطأ الذي ارتكبه البنك أم أنه نتج عن فعل طرف ثالث هو سلطات الجمارك ويلي ذلك مناقشة مقدار التعويض المحكوم به.
وفي رأينا أن رابطة السببية بين الخطأ الذي ارتكبه المستأنف والضرر الذي حاق بالمستأنف عليه ذلك أن البلاغ الذي تقدم به مدير الجمارك والإجراءات الجنائية التي اتخذت ضد المستأنف عليه وما استتبعها من أضرار جاء نتيجة للخطأ الذي ارتكبه البنك إذ سلم للمستأنف عليه شيكاً سبق صرفه ومن المبادئ المسلم بها أن رابطة السببية تنفي إذا كان الضرر الذي أصاب المدعي لم يكن نتيجة مباشرة لخطأ المدعى عليه وإنما كان نتيجة لعامل جديد وهو خطأ شخص ثالث. أن المستأنف يرجع الضرر الذي لحق بالمستأنف عليه نتيجة لخطأ مدير الجمارك ولم يكن نتيجة مباشرة لخطأ البنك. وإنني أرى أن هذا الاستنتاج يجانبه الصواب إذ أن مدير الجمارك هو الجهة المستفيدة من الشيك وهو بذلك يعتبر طرفاً في الشيك الذي سحبه المستأنف عليه واعتمده المستأنف ولا يمكن القول بأن مدير الجمارك قد أخطأ بتقديمه الشكوى الجنائية ضد المستأنف عليه لتقديمه الشيك رقم 378131 الذي سبق له صرفه إذ أن ما قام به مدير الجمارك هو الإجراء السليم في مثل هذه الظروف حرصاً على المال العام.
وبالرجوع إلى ( Charles woth on Negligence ) بالصفحات 602 – 605 نرى أن فعل الشخص الثالث إذا ما تم على الوجه المقبول فلا يمكن القول بانقطاع رابطة السببية
If the act of another is done reasonably as result of the defendant’s negli gence the consequences of that act are not too remote.
“A consequence which, thought not the direct result of a negligence act, is one which ought reasonably to have beei foreseen as likely to follow the negligent act, even though there is a fresh intervening act, is not too remote. This is because a person is presumed to intend the natural and probable cense quence of his own act”.
إن الإجراء الذي قام به مدير الجمارك في هذه الظروف هو الإجراء المعقول والمتوقع ولا بد للمستأنف أن يكون قد استقر في ذهنه أن تلك الإجراءات هي النتيجة المحتملة والمتوقعة للخطأ الذي ارتكبه.
أما فيما يتعلق بمقدار التعويض الذي قضت به محكمة الموضوع فإنني أرى أن المدعي قد أثبت من خلاله أقواله على اليمين ومن أقوال شهود الادعاء مدى الضرر الذي لحق به نفسياً وصحياً ومقدار ما أصاب عمله التجاري وسمعته التجارية من أضرار بليغة ومن جهة أخرى لم يقدم المستأنف أي بينة لنفي بينات المدعي.
إن محكمة أول درجة بعد تقديرها لكل الظروف الواجبة الاعتبار قضت بإلزام المستأنف بتعويض قدره بملغ 10 ألف جنيه وفي رأينا أن تقدير محكمة الموضوع لمقدار التعويض تقدير سليم ولا غبار عليه.
لهذا فإننا نرى شطب الاستئناف وتأييد الحكم المطعون فيه ولا أمر بشأن الرسوم.
2/6/1980: 2/6/1980:
القاضي د. بشارة إبراهيم بشارة: القاضي: مكي عثمان عبد الرحمن:
أوفق. أوافق
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / هنري رياض قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / زكي عبد الرحمن قاضي المحكمة العليا عضواً
شركة جوالات البلاستيك المحدودة ضد محجوب محمد أحمد
م ع/ط م/223/1979
المبادئ:
قانون الشركات – الجمعية العمومية صحة انعقاد الاجتماع جواز انعقادها في مدة أقل مما تنص عليه القائمة (أ) بالجدول إذا كان في نظام الشركة ما يسمح بذلك .
قانون الشركات – العمولة أو نسبة في الأرباح – حظر العمولة في مقابل الاكتتاب في الشركات المساهمة الخاصة – المادة 98(2) من قانون الشركات المساهمة .
قواعد العدالة – حجية السلوك وأثرها – تنازل المدير عن الإدارة – السلوك اللاحق – منع المتنازل عن التمسك بالحقوق الأصلية .
انون الشركات لسنة 19 25 الشراكة – عقد نظام – خضوع العقد أو النظام للقواعد الآمرة في القانون والقائمة أ – جواز تديل ما ورد بلائحة الشركة – جواز عزل المدير الدائم .
إن القاعدة 12 من نظام الشركة تحول عقد اجتماع الجمعية العموية في مدة أقل مما تنص عليه القائمة (أ) وبالإجراءات التي يراها الأعضاء مناسبة مما يسمح بالقول بأن العيوب التي أخذها المطعون ضده على سلامة الاجتماع لا تؤثر على صحة انعقاده ومن ثم تكون القرارات الصادرة في الاجتماع صحيحة لا غبار عليها .
2- إن البند 2 من المادة 98 من قانون الشركات لسنة 1925 صريح في حظر اقتضاء أية عمولة أو دفع علاوة أو عمل خصم لأي شخص مقابل اكتتابه أو تعده بالإكتتاب في شيء من أسهم الشركة أو تهده بالحصول على اكتتاب في أسهم الشركة مما مؤداه أنه لا يجوز تمييز المطعون ضده وإعطائه 1% من مبيوعات الشركة أو 6.000 جنيه كمكافأة عن خدماته المجرد أنه كان المؤسس أو المكتتب الأول والمدير النظامي للشركة، لأن السماح بمثل ذلك يعتبر تغولاً ظاهراً وجسيماً في حق جميع المؤسسين والمساهمين الآخرين .
3- لما كان من الثابت أن المطعون ضده قد أبدى رغبته في التنازل عن حقه في الإدارة سواء بصفة مؤقتة أو دائمة بالنسبة للحاضر أو المستقبل فإن التعبير الصادر مته أو السلوك الذي انتهجه مقروناً مع السلوك اللاحق مثل سكوته على إبعاده وعدم تقديم أي عمل للشركة كلها قرائن ودلائل من السلوك تمنعه من التنصل مما صدر عنه ومن المطالبة بمنصب الإدارة أو التعويض، سواء كان ذلك بناء على حجية السلوك ( الأستوبل ) أو التنازل عن الحقوق .
4- إن نظام الشركة أو عقد الشركة مقيد بالقواعد الآمرة التي وردت في قانون الشركات والقائمة (أ) للجدول ومن بينها جواز أو إمكانية تعديل ما ورد بلائحة الشركة المدعى عليها سواء كان ذلك بالنسبة للبند 17 أو 31 أو كليهما وبوجه أخص فيما يتعلق بإمكانية عزل الشركة للمدير سواء كان معيناً في نظام الشركة أو باتفاق خاص بأغلبية الأعضاء حتى لو نص في اللائحة على أنه مدير دائم للشركة
المحامون :
طه إبراهيم
شمس الدين اللدر
(الحكــم)
15/11/80
القاضي هنري رياض :
إنه وفي يوم 29/10/1979 تقدم الطاعنون بعريضة طعن عن طريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في الاستئناف رقم 141/79 بتاريخ 19/9/1979، كما تقدم محامي المطعون ضده بمذكرة لدفاعه .
وتحصل وقائع الطعن في لإيجاز أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم 28/1975م ضد كل من شركة جولات البلاستيك المحدودة كمدعى عليها أولى وشركة اشتكشتوف ويرك : Oesterreichische Stichistoffweshe Aktienge sellescheft .كمدعى عليها ثانية وشركة Cincinnati Malacron Gesellschoft M.B.Hكمدعى عليها ثالثة التي حلت محل مؤسسة أنجر النمساوية : Anger Plastic Verarbeitungsmashinen Gesellaft M.B.H & Co K.G .وذك في سنة 1972م .
وقال محامي المطعون ضده الأستاذ طه إبراهيم المحامي شارحاً لدعواه أنه في 3/9/1968 سجلت المطعون ضدها الأولى كشركة سودانية، خاصة ومحدودة لدى مسجل عام الشركات لسنة 1925م . ولقد وردت في لائحة إدارة الشركة ( أي نظام الشراكة ) القواعد التالية :
أ – يكون محجوب محمد أحمد مديراً دائماً للشركة .
ب- بالنظر إلى أن محجوب محمد أحمد هو الذي أسس هذه الشركة وأول من ساهم فيها وبالنظر إلى أنه وافق برغبته الكاملة على أن يمنح أسهمها للمؤسسين الآخريم المذكورة أسماؤهم في مذكرتي التأسيسي والإدارة فإنه ينال 1% من قيمة المبيعات السنوية بالإضافة إلى أي مكافآت أخرى يكون مستحقاً لها باعتباره عضواً في مجلس إدارة الشركة .
ج- يجوز لأي مدير في هذه الشركة أو أي شركة أو شراكة يكون مديرها عضواً في هذه الشركة يجوز لذلك المدير بصفته هذه أو بصفته مساهماً أن يصوت في الشركة بصدد ذلك العقد وأن يحتفظ لمنفعته الخاصة بكل الأرباح التي يجنيها من ذلك العقد .
واستطر محامي المطعون ضده قائلاً :
بتاريخ 10/10/1968 أرسلت الشركة ( المدعى عليها الأولى ) خطاباً صادراً منها بوصفها شركة جوالات البلاستيك المحدودة إلى المدعى عليها الأولى خطاباً صادراً منها بوصفها شركة جوالات البلاستيك المحدودة إلى المدعي جاء فيه :
( بهذا نود أن نؤيد اتفاقنا معكم بأنه بالإضافة إلىاستحقاقكم لنسبة 1% من جملة مبيعات الشركة كعمولة كما هوموضح في مذكرة التأسيس فإنكم أيضاً ستنالون مبلغ ستة آلاف جنيه سنوياً كمكافأة على خدمامتكم باعتباركم المؤسس الرئيسي لهذه الشركة . وسيدفع لكم المبلغ لأخير على أقساط رباعية يحل أول قسط فيه بعد ثلاثة أشهر من القبول واستلام الشركة للمعدات ) ثم أضاف محامي المطعون ضده إلى ذلك قوله أنه فور صدور الخطاب المذكور وافق المطعون ضده المدعي على ما جاء به وأن الشركة الطاعنة والمدعى عليها الأولى استلمت المعدان سنة 1970م.
ثم قال محامي المطعون ضده : ( في 8/9/1970 وفي اجتماع باكل للشركة صدر قرار باطل بشطب القاعدتين 17 و 31 من لائحة الشركة كما غيرت القاعدة 16 :
أ - الاجتماع المذكور باطل وبالتالي ما أصدره من قرارات باطلة وتعتبر وكأنه لم ينعقد لأنه خرق إجراءات الإعلان والحضور ولتصويت التي نصت عليها لائحة الشركة .
ب- وعلى فرض صحة الاجتماع فإن القرار الصادر منه بشطب القاعدتين 17 و 31 هو قرار باطل لأنه صدر بالتدليس .
واستطرد المطعون ضده شارحاً لدعواه في مواجهة المدعى عليها الثانية والثالثة قائلاً أنه في مقابل إداخالهما كمؤسسين في الشركة قبلاً أن يأخذ المطعون ضده 1% كعمولة من جملة المبيعات وأن يظل مديراً دائماً للشركة وقد نص على ذلك في عقد التأسيس ولائحة الشركة، وأيد ذلك بموجب الخطاب المحرر في 10/10/1968، الماشر إليه آنفاً، ولكنهما ارتكبا إخلالاً بإلتزاماتها وعهودها لما قاما في اجتماع 8/9/1970 بالإدلاء بأصوات أدت لشطب القاعدة 31 من لائحة الشركة .
وذكر المطعون ضده أن المدعى عليهم رفضوا دفع المستحق له من مبيوعات الشركة أو تقديم حساب في هذا الشأن كما رفضوا دفع المكافة السنوية منذ عام 1970، حتى تاريخ رفع الدعوى .
وكنتيجة لإخلال الشركة المدعى عليها الأولى ( المطعون ضدها الأولى ) بإلتزامها على النحو المنفصل المذكور ) طالب المطعون ضدها بما يلي :
1- بأن تقدم المدعى عليها بياناً صحيحاً بجملة مبيعاتها السنوية منذ أن بدأ الإنتاج (1971) وحتى الآن وأن تظل تفعل ذلك حتى تصفية الشركة .
2- أن تدفع المدعى عليها 1% من جملة المبيعات المذكورة ولتي تمت حتى الآن وأن تظل تفعل ذلك حتى تصفية الشركة .
3- أن تدفع المدعى عليها الأولى مبلغ أربعة وعشرين ألف جنيه هي عبارة عن المكافأة المتسقة للمدعي من 1971م إلى 1974 وأن ظل تدفع المكافأة المستحقة المحددة بواقع ستة آلاف جنيه سنوياً حتى تصفية الشركة .
(ب) بالتقرير أن قرارات الاجتماع المشار إليه في الفقرة (4) من هذه العريضة باطل والأمر لمسجل الشركات برفع قرارات ذلك الاجتماع من سجل الشركة واعتبارها كأن لم يكن .
وطالب المطعون ضده المدعى عليها الثانية والثالثة بالتضامن والإنفراد مع المدعى عليها الأولى لدفع كافة المستحق للمطعون ضده لو لم يتم شطب القاعدتين 17و31 من لائة الشركة، كما طالب بالرسوم مقابل أتعاب المحاماة بما يقدر بمبلغ خمسة آلاف جنيه .
وفي 14/4/1975 تقدم محامي المدعى عليم الثلاثة الاستاذ شمس الدين اللدر بمذكرة لدفاعهم، أقر فيها المدعى عليهم وجود شركة مسجلة وتضمين لائحة الشركة القواعد 17 و 31 و 21 وأنكر تحرير الخطاب المؤرخ في 10/10/1968 ودفعوا احتياطاً بأنه غير ملزم لعدم صدوره منمجلس الإدارة .
دفع المدعى عليهم بأن اجتماع الشركة 8/9/1970 لم يكن باطلاً وأن القرارات الصادرة فيه صحيحة وأنكرت المدعى عليها الثانية والثالثة إبرام عقد بينهما وبين المطعون ضده قبل تأسيس الشركة، وأنه بفرض إبرامه فهو تعاقد غير ملزم لأنه ضد مصلحة الشركة، كما أنه لم يكن هناك إلزام على ممثلي الشركيتين التصويت على نحو معين .
وعارض المدعى عليهم في أن يكون للمطعون ضده استحقاق من جملة المبيوعات لإلغاء القاعدة التي تخول ذلك من بنود لائحة الشركة، كما عارضوا المسئولية في دفع أي مكافأة للمطعون ضده لأن المدعي قد نحى عن منصبه بناءً على طلبه في 8/9/1970، وأنه ليس هناك عقداً أصلاً بينه وبين المدعى عليهم .
وتقدم محامي المطعون ضده برده مصراًَ على ادعاءاته الواردة في صحيفة الدعوى، وآخذ المدعى عليهم بما أقروا به وقد أضاف في آخر رده ( ونضيف بأن المطالبة بالمكافأة في هذه الفقرة لا علاقة لها بمنصب المدعي كمدير كما إننا ننكر أن تنحيته عن الإدارة كانت بناءً على طلبه الخاص وإنما قدمإفتراح بتنحيته ورأى نفسه مجبراً لإبداء نيته على الاستقالة لظروف تتعلق به وبالإجتماع والمجتمعين ) .
وبعد أن حددت نقاط النزاع في الدعوى على هدي من المذكرات المتبادلة استمعت المحكمة لأقوال المطعون ضده وشهود الادعاء كما استمعت لأقوال مدير الطاعنة الأولى وأقوال شهود الدفاع وبعد أن تقدم محاميا الأطراف بمذكرات للمرافعات الختامية قضت محكمة المديرية في 10/2/1979 برفض الدعوى في مواجهة المدعى عليهم جميعاً استناداً إلى عدم إلزام المدعى عليهما الثانية والثالثة بأي عقد أبرم قبل تسجيل الشركة .
وذكرت محكمة المديرية ( إن الشركة تنشأ قانوناً في التاريخ الذي تصدر فيه شهادة تسجيلها وعليه فإن أي تصرف أو عقد يتم قبل هذا التاريخ يعتبر من قبيل التصرفات والعقود التي تبرم قبل تأسيس الشركة كما جاء في كتاب Charles Worth orthالمذكورة على صفحة 57 وعليه يكون العقد الذي أشار إليه محامي المدعي قد ابرم قبل ميلاد الشركة وذلك لأن شهادة التسجيل تصدر عادة بعد إيداع عقد التأسيس ونظام الإدارة للشركة أو لم يضمن فإنه يظل مبرماً قبل إيداع نظام الإدارة أما مسجل الشركات الذي عليه أن يقوم بعد مراجعة عقد التأسيس ونظام الإدارة بإصدار شهادة التسجيل والتي يعتبر تاريخ إصدارها هو تاريخ ميلاد الشركة ) .
واستطردت المحكمة قائلة أن المادة 18 من قانون الشركات لسنة 1925 وإن كانت تلزم المساهمين بما ورد في عقد التأسيس ونظام الإدارة ( أن المشرع جعل هذه المادة خاضعة لأحكام قانون الشركات حيث ورد في صلب المادة عبارة ( مع مراعاة أحكام هذا القانون ) ومعنى ذلك أنه إذا ضمن في عقد التأسيس ونظام الشركات أمر تعارض مع أحكام أخرى وردت في قانون الشركات فإن هذا الأمر لا يكون ملزماً بالرغم من أنه ضمن في عقد التأسيس أو نظام الشركة بغض النظر عن تسجيل العقد أو النظام فيما بعد ) .
واستطردت المحكمة قائلة إن قانون الشركات يتشدد بالنسبة لأي عقد يبرمه أحد أعضاء مجلس اإدارة وينطوي علي مصالح شخصية له وأن قول المدعي ( المطعون ضده ) أن المصلحة التي حصل عليها كانت بسبب أنه هو الذي أسس الشركة وأول من ساهم فيها بالنظر إلى أنه وافق برغبته على فتح الأسهم للمؤسسين الآخرين لا يبرر احتفاظ المدعي بالمصلحة التي يدعيها ويتمسك بها بل يعتبر إبرام عقد في هذا الخصوص مع الدعى عليها الثانية والمدعى عليها الثالثة مخالف لأحكام قانون الشركات وأنه حتى بفرض صدور خطاب في 10/10/1968 لإجازة مثل ذلك العقد أو الاتفاق فإنه غير ملزم للشركة وذلك سواء كان اجتماع الشركة في 8/9/1970 صحيحاً أو باطلاً .
وذكرت محكمة المديرية أن التوصية بمنح المدعي ( المطعون شده ) بمكافأة قدرها 6000 جنيه سنوياً غير ملزمة لعدم عرضها على الجمعية العمومية للمساهمين في اجتماع عام .
وفي نهاية الحكم ذكرت المحكمة :
( وفي القضية التي أمامنا نستخلص من الفقرة الثانية من عريضة الدعوى أن الإتفاق المشار إليه قد أبرم باسم الشركة وذلك في الفقرة الثالثة من عريضة الدعوى كانت الشركة المدعى عليها الأولى هي التي منحت المدعي العمولة، كما أجازت الاتفاق أرسلت الخطاب الذي أيدت بموجبه منح السابق وعرضت منحة مكافأة قدرها ستة آلاف جنيه سنوياً لكل ما تقدم لا أرى إلزام المدعى عليهما الثواني والثوالث شخصياً لدفع الاستحقاق الذي يطالب به المدعي ) .
ولم يقبل المطعون ضده بالحكم فتقدم باستئناف لمحكمة الاستئناف فقضت في 19/9/1989 بنقض الحكم المستأنف وأصدرت الأمر التالي ضد شركة جوالات البلاستيك :
أ - أن تدفع 1% من جملة مبيعاتها منذ أن بدأ البيع وحتى تصفية الشركة وعليها بصدد تنفيذ هذا الأمر أن تقدم للمستأنف بياناً صحيحاً وسنوياً بجملة مبيعاتها .
ب- أن تدفع للمستأنف المكافأة المقدرة بستة آلاف جنيه سنوياً ابتداءً من 1971 وحتى تصفيتها .
ج- يكتب لمسجل الشركات بأن يرفع قرارات إجتماع 8/9/1970 للجمعية العمومية فوق العادة للمستأنف عليها من سجل الشركة وأن يعاد وضع القاعدتين 17و31 والتين تم شطبهما من نظام الإدارة إلى مكانها السابق باعتبارهما قاعدتين قائمتين نافيذ حتى تصفية الشركة .
ثالث : يصدر حكم ضد المستأنف عليهما الثواني والثوالث بالتضامن والإنفراد مع المستأنف عليهما الأولى بالآتي :
أ – بالمبالغ المذكورة في الفقرتين (أ) (ب) ( ثانياً ) أعلاه من تاريخ الاستحقاق وحتى تاريخ هذا الحكم .
ب- رسوم الدعوى وأتعاب المحاماة وكذلك رسوم هذا الاستئناف وأتعاب المحاماة .
ج – الفائدة القانونية عن كل المبالغ أعلاه بواقع 9% حتى تاريخ السداد .
واستندت محكمة الاستئناف في قضائها بنقض الحكم المستأنف على أسباب تتحصل فيما يلي :
1- إن الاتفاق على إعطاء المطعون ضده ( المستأنف والمدعي ) عمولة قدرها 1% منصوص عليه في نظام الشركة المرفق بالعقد الأساسي ويؤكد ما ورد بخطاب مجلس الإدارة في 10/10/1968 ومن ثم يكون ما ورد في العقد الأساسي ونظام الشركة ملزماً لكل عضو من أعضاء الشركة كأثر يرتب على التسجيل وذلك إعمالاً لصريح نص البند (1) من المادة 18 من قانون الشركات لسنة 1925 بوجه أخص لأن مؤدى ما نص عليه نظام الشركة قد أكده الخطاب الوارد من أعضاء مجلس الإدارة بل أكثر من ذلك العقد الأخير المبرم عن طريق الإيجاب الوارد بالخطاب والقبول الصادر من المدعي ( لا يجوز أن يخضع بعد ذلك لما يخضع له نظام الإدارة إذ لو شطبت القعدة 31 من نظام الإدارة يظل التعاقد ملزماً بستناده على مستند ادعاء (3) ويصبح مستنداً أيضاً على نص المادة 281(2) من قانون الشركات والتي تنص على أن جميع العقود المبرمة طبقاً لهذه المادة تكون نافذة قانوناً على حسب الأحوال ( وذلك لأن حق الشركة في تغيير لائحتها لا يخولها حق الإخلال بعقودها فيستمر صحيحاً التغيير في اللائحة إن كان قد تم بإجراءات صحيحة كما يستمر إلتزام الشركة بالعقد الذي سبق أن أبرم بموجب عقد التأسيس أو حتى بموجب العقد اللاحق . وإن ذلك العقد اللاحق ملزم للطرفين أيضاً فيما يتعلق بالمكافأة السنوية وقدرها 6000 جنيه ومن ثم لا يستحق المستأنف ( المطعون ضده والمدعي ) 1% من جملة مبيعات المدعى عليها فحسب بل يستحق أيضاً 6000 جنيه سنوياً ابتداءً من أول سنة 1971 وحتى تاريخ تصفية الشركة .
2- إن الإعلان لعقد جمعية عمومية غير عادية للشركة في 8/9/1970 كان باطلاً لمخالفته أحكام القاعدة 49 من القائمة (1) للجدول الأول لقانون الشركات لسنة 1925 ( لأن الإعلان أرسل من مدير لم يكن بالسودان ولم تقدم له دعوة ولم يدعو لاجتماع لمجلس الإدارة بالسودان وقد ثبت وجود نصاب المجلس بالسودان في تاريخ الإعلان وأنه صادر الاجتماع فوق العادة لمناقشة أمور خطيرة .
ومن ثم فإن ذلك الإعلان الباطل لا ينتج اثاراً بل يبطل انعقاد الجمعية العمومية غير العادية بموجب المادة 74(7) من قانون الشركات بل ن هناك بعض العيوب في الإجراءات والتصويت تبرر تقرير البطلان وإصدار أمر ( برفع قرارت هذا الاجتماع من سجل الشركة وإعادة إدراج نصوص القواعد 31و17 في نظام الشركة لأن الاجتماع الذي ألغى هذه القواعد إجتماع باطل وما كان يجوز انعقاده أصلاً .
3- إن الإدعاء بوجود عقد مؤداه أنه مقابل إدخال المدعى عليهما الثانية والثالثة كمؤسسين في الشركة يكون من حق المدعي أن يأخذ عمولة 1% من جملة مبيعات الشركة وأن يظل مديراً دائماً للشركة ليس قائماًَ في مواجهة الشركة فحسب بل في مواجهة شركتين أخريين لكل منهما شخصية قانونية وأهلية للتعاقد ومن ثم يكون ملزماً للأطراف وإخلالهما عن طريق التصويت على خلاف المتفق عليه يجعلهما ملزمين بالتعويض .
4- ليس منتجاً الفصل في نقطة النزاع حول عزل المدعي بناء على طلبه في 8/8/1970 وذلك ( لأن مستند الادعاء3 نفسه يجيب على هذه النقطة إذ يقرر بأن المكافأة التي رصدت للمستأنف لم يكن لها علاقة بوظيفته كمدير دائم لدى المدعى عليها الأولى وإنما منحت له باعتباره المؤسس الرئيسي للشركة بموجب قانون الشركات مقروءة من المادتين 28و30 من قانون العقود لسنة 1974 وبالتالي فهو تعاقد ملزم ) .
لم ترض الطاعنة بذلك فتقدمت بهذا الطعن بطريق النقض . وتتحصل أسباب الطعن في أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وفي تأويله لما قضى للمطعون ضده بكل طلباته في حين أن الشركة المطعون ضدها قامت بإلغاء القاعدتين 17و31 من لائحة الشركة بموجب اجتماع قانوني صحيح لا تشوب إجراءاته عيوب مبطلة كما أن الاتفاق المدعى بأنه صدر في 10/10/1969 بين الشركة والمطعون ضده غير ملزم للشركة لأنه سابق على تكوينها وأنه لا يجوز اعتباره صادراً لتحديد مكافأة المطعون ضده بمقدار 6000 جنيه سنوياً إعمالاً للقاعدة 31 لمخالفة ذلك لأحكان البند 69 من القائمة (أ) من الجدول الملحق بقانون الشركات لسنة 1925 إذ أن ذلك ليس من اختصاص مجلس الإدارة بل الجمعية العمومية .
واستطرد محامي الطاعنة قائلاً ( إن حق الشركة في تعديل نظام إدارتهما حق مطلق كفله القانون بل هو من أوسع الحقوق في رأي فقهاء القانون ومن ثم فإنه ليس هناك ما يمنع الشركة قانوناً من إلغاء القاعدة أو تعديلها وفقاً لسلطاتها التي منحها لها قانون الشركات لسنة 1925 وأمر تأسيسها ولائحة إدارتها .
وأضاف إلى ذلك قوله بأنه حتى بفرض عدم صحة إجراءات لاجتماع المذكور فإن حق المطعون ضده يكون قد سقط بمضي المدة كما أن من الثابت والمقر به أن المطعون قد تنحى عن الإدارة من تلقاء نفسه وبموجب طلب صريح ابداه أمام الإجتماع . واستطرد محامي الطاعنة شارحاً لرأيه بقوله : ( ومهما يكن من أمر فإننا نرى أنه حتى لو افترضنا أن الإعلان الذي انعقدت بموجبه قد جاء مخالفاً لما هو منصوص عليه في لائحة الشركة بخصوص من له الحق في توجيه الدعوة أو بخصوص مكان صدور الإعلان فإننا نرى أن ذلك لا يؤثر على صحة الاجتماع ) .
وفي قضيتنا هذه فقد ثبت أنه قد تم عقد اجتماع لمجلس اإلإدارة قبل انعقاد الجمعية العمومية فوق العادة وقد أجاز هذا الاجتماع الأجندة التي سوف تعرض على الجمعية العمومية وما تم من إجراءات لعقد الجمعية العمومية وقد حضر المطعون ضده اجتماع مجلس الإدارة المذكور كما حضر اجتماع الجمعية العمومية وشارك في النقاش واتخاذ القرارات ومن ثم فهو ممنوع من الادعاء بأن الإعلان لعقد الجمعية العمومية لم يكن صحيحاً . وقد استقرت السوابق القضائية الإنجليزية على أنه يمكن للمساهمين التنازل عن حقهم في مدة الإعلان كما أن لائحة الشركة نفسها تقرر أنه يمكن للأعضاء أن يتفقوا على مدة أقصر للإعلان .
ومما ينعاه محامي الطاعنة أيضاَ عدم صحة مساءلة المدعى عليها الثانية والثالثة قانوناً وقال شارحاً لوجهة نظره : ( الادعاء بأن المطعون عليه أبرم عقدين مع المدعى عليها الثانية والثالثة قبل تأسيس الشركة لا ينتج عنه إلزام على أي منهما لأن المدعى عليها الثانية قد أوفت بالتزاماتها كاملاً عندما وقعت على عقد تأسيس الشركة ولائحة الإدارة التي نصت على أن يكون المطعون ضده مديراً دائماً وتكون له عمولة، ولكن ليس هناك في الاتفاق ما يشير إلى أن يظل هذا الوضع قائماً حتى تصفية الشركة، أي ألا يتم تعديل للقواعد الواردة بلائحة الشركة، إذ أن مثل هذا الاتفاق يعتبر باطلاً إذ أن حق الشركة في تعديل لوائح نظام إدارتها حق لا يمكن الاتفاق على خلافه ).
واستطرد محامي الطاعنة قائلاً : ( أما خطاب 10/10/1968 المشار إليه في نقطة النزاع الثامنة فهو حسب ادعاء المطعون عليه صادر من شركة جولات البلاستيك ومجلس إدارتها، وفي هذه الحالة لا يمكن مساءلة المدعى عليهم الثواني والثوالث عن القرارات التي تصدر عن مجلس إدارة الشركة حتى لو اشترك مندوبهم في إصدارها إذ أن المندوبين في هذه الحالة يصوتون كأعضاء في مجلس الإدارة وليس كوكلاء عن جهة معينة ) .
ثم أضاف محامي الطاعنة إلى كل ذلك قوله : ( كما وأنه قد ثبت من عريضة الدعوى نفسها أن المدعى عليها الثالثة لم توقع على عقد التأسيس الذي يطالب المطعون عليه بمقتضاه إذ أنها حلت بعد تسجيل الشركة محل شركة أخرى كانت قد وقعت على مذكرة التأسيس وفي هذه الحالة فإن المدعى عليها الثالثة لا تكون مسؤولة عن الاتفاقات السابقة على عقد التأسيس أو الاتفاقات التي سبقت انضمامه كعضو في الشركة فهي قد دخلت كعضو في الشركة وفقاً لنظام إدارتها ولوائحها التي تعطي الحق في تعديلها وفقاً لنصوص القانون ) .
وتقدم محامي المطعون ضدها بمذكرة لدفاعه مؤداها ما ورد في عقد التأسيس ولائة الشركة ملزم للشركة والأعضاء جميعاً، كما أن محررها في 10/10/1968 ملزم للشركة أيضاً على النحو الذي أبانته وفصلته محكمة الاستئناف في حكمها، ومن ثم فإن الإخلال بالحقوق الناشئة للمطعون ضده من جانب الشركة يلزمها بدفع المكافأة ونسبة المبيوعات ثم قال : ( لقد خلط الطاعن في فهمه لعقد الذي يبرم بموجب عقد التأسيس فهو في الأصل عقد، وتأتي هذه الصفة من التكييف القانوني الصحيح لاتفاق عدد من المؤسسين على تكوين شركة بالشروط الواردة في عقد التأسيس ونظام الإدارة، كما تأتي هذه الصفة من التكييف الذي قرره قانون الشركات في المادة (18) (1) من حيث قصد النص ليس فقط إجازة التكييف القاضي بإلزامية هذا العقد على من وقعوا عليها كما هو الحال في القاعدة العامة بل إنه قصد إنشاء مسئولية عقوبة حكمية على كل من يأخذ أسهماً في الشركة ويصبح عضواً فيها بل وعلى خلف هؤلاء كان الخلف العام أو الخاص .
ومن هذا يتضح أن المؤسس الذي وقع على عقد التأسيس ليس هو عضو فقط بحكم أنه أخذ أسهماً في الشركة بل أنه عضواً أيضاُ بحكم توقعيه على عقد التأسيس نفسه .
ومن الواضح أن ما جاء بالقاعدة 31 من نظام الإدارة هو نص عقدي بحكم وجوده بعقد التأسيس ونظام الإدارة وبنص القانون أيضاً .
واستطرد محامي المطعون ضده معدداً لأسباب بطلان الاجتماع الذي ألغت فيه الشركة القواعد الواردة بلائحة الشركة بما لا يخرج مما أورده الحكم المطعون فيه، ومذكراً بأن العقد شريعة المتعاقدين، وأنه لا فكاك مما ورد باللائحة إلا إن تم التعديل بموجب إجراءات صحيحة للاجتماع، وإن بطلان الإعلان للاجتماع ذاته ولو بيوم أو يومين يترتب عليه بطلان الاجتماع ذاته وما اتخذه فيه من قرارات .
ولما كان يبدو من أسباب الطعن والرد عليه أنه بينما يذهب محامي الطاعنة إلى أن الشركة نظام أو اتحاد، يذهب محامي المطعون ضده إلى أن الشركة مجرد عقد . فإنه حمل بادئ ذي بدء تناول الفكرتين ببعض التفصيل . أيضاًَ فكرة أن عقد الشركة إنما هو عقد كغيره من العقود الأخرى يعتمدون أساساً على نظرية سلطان الإرادة باعتبارها أساس للتصرف القانوني فهي التي تنشئ العقد وهي التي تحدد بوجه عام آثاره في حرية مطلقة وذلك استناداً على احترام الفرد في إرادته وتفكيره وتصرفاته، اعتبار أن القانون لا يقوم ولا يصدر إلا تقديساً وتبجيلاً لحرية الفرد ومذهب سلطان الإرادة قديم تمتد جذوره إلى القانون الروماني لا سيما في عصوره الأخيرة ووجد المبدأ سنداً من الكنيسة في العصور الوسطى التي نادت باحترام العهود والمواثيق حتى وصل ذروة سطوته وارتفاعه منذ القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر .
وقد أبرز هذه الفكرة ( دوما ) أشهر فقهاء فرنسا لما قال ( إذا تمت الاتفاقات فكل ما اتفق عليه فيها تقوم مقام القانون بالنسبة إلى عاقديها ) وقد تضمن القانون المدني الفرنسي الذي أصدره نابليون نفس المعنى في المادة 1134 التي قالت " الاتفاقات المبرمة بطريقة صحيحة تقوم مقام القانون بالنسبة إلى عاقديها " ) .
وكان من الطبيعي أن تأخذ الدول التي تسود فيها الرأسمالية والنزعة الفردية بمبدأ سلطان الإدارة كمبدأ قانوني وعلى رأس تلك الدول انجلترا كما أن من الطبيعي أيضاً إن ساد مبدأ سلطان الإرادة فيرحاب القضاء السوداين منذ بداية هذا القرن، باعتباره تعبيراً عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي والفكري للمجتمع . ولا يترتب على الأخذ بالفكرة التعاقدية إن إرادة المتعاقدين تتحكم في إنشائه فحسب، بل هي تحكم العقد في تنفيذه أثناء حياته، كما تنظم نقضاءه باعتبار العقد مثل أي كائن حي آخر ينشأ ويعيش ثم ينقضي ومن ثم فإن إرادة الشركاء وحدهم هي التي تؤثر على الروابط بين الأفراد سواء في الإنشاء أو في التنفيذ و الانقضاء ولا يميل أنصار الفكرة العاقدية إلى ضرورة أو وجوب تدخل الدولة لحماية أي جانب من أطراف التعاقد وينفرون من أي قيد يجعل ما اتفقوا عليه باطلاُ أو غير مشروع سواء كان ذلك رعاية للمصلحة العامة أو حسن الأدب أو التغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد .
بيد أن مبدأ سلطان الإرادة قد تضاءل أثره كثيراً منذ أواخر القرن التاسع عشر على أدنى تغير تقدير آثاره تتقلص إلى حد كبير خلال القرن العشرين في سائر التشريعات الحديثة، ومن بينها قانون العقود السوداني لسنة 1974م وقانون الوكالة لسنة 1974م . والأمثلة على ذلك كثيرة لا تحصى، ولا موجب لسردها أو حصرها في هذا المقاتم، ولكن يتعين القول أن قانون الشركات السوداني لسنة 1925م المستمد أساساًَ من التشريعت الإنجليزية لم يجعل لإدارة الشركة الغلبة والسيادة في إنشاء وإدارة الشركة وتصرفاتها وتصفيتها، إذ أورد مواداً وقواعد كثيرة تقيد وتحد بشكل ظاهر وحاسم من من إرادة الشركاء، ومن ثم يبين جلياً من مطالعة أحكام القانون أن إرادة الشركاء تخضع لعدد كبير من القواعد الآمرة المنصوص عليها في صلب قانون الشركات والقائمة (أ) من الجدول الأول للقانون، وذلك فيما يتعلق بعقد تأسيس الشركة ولائحة الشركة أي نظام الشركة .ولعل أبرز قيد هو ما أوردته المادة 17 من قانون الشركات التي تنص على أنه ( مع مراعاة أحكام هذا القانون والشروط المدرجة في عقد تأسيس الشركة يجوز للشركة بقرار خاص أن تعدل نظامها أو تضيف إليه نصوص أخرى، وكل تعديل أو إضافة تتم على هذا الوجه تعتبر صحيحة كما لو كانت قد أدرجت أصلاً في نظام الشركة مع مراعاة أن يكون تعديلها بنفس الطريقة أو بمقتضى قرار خاص ) .
وما قرره البند (1) من المادة 74 من أن ( يعتبر القرار غير عادي إذا أقرته أغلبية لا تقل عن ثلاثة أرباع الأعضاء الذين حق لهم التصويت والحاضرين بأشخاصهم أوبوكلاء عنهم في اجتماع عام أعلن عنه صحيحاً وذكر في الإعلان نية تقديم اقتراح بأن يكون القرار غير عادي ) .
وأن يعتبر القرار خاصاً متى صدر بالطريقة التي يصدر بها القرار غير العادي ( بند 2 م 74) وذلك لأن مؤدى المادتين المذكورتين أنه يجوز تعيير بعض اما ورد في عقد التأسيس ولائحة الشركة بإرادة الأغلبية ( دون أن يتطلب القانون الإجماع ) في حين أن من القواعد الأصولية في العقد أنه لا يجوز تغييره أو تعديله إلا بموافقة طرفيه أو أطرافه ) .
والعلة في التشريع ظاهرة تتطلبها الظروف الاقتصادية التي شجعت على إنشاء وانتشار وازدهار الشركات بوجه عام والشركات المساهمة المحدودة بوجه خاص، إذ أراد المشرع أن يضع نظاماً عادلاً بقدر الإمكان تتوزى وتتعادل فيه المصالح لتحقيق الأغراض التي تستهدفها الشركة التي تضم عدداً من الأشخاص والأطراف، لا تتعارض مصالحهم مثلما تتعارض في العقد العادي مثل البيع أو الإيجار، ولا يتصور أن تدار الأعمال والتصرفات إلا بأغلبية الآراء وإلا فإن أي طرف أو مساهم مشاكس يستطيع أن يقف حجر عثرة في سبيل موالاة الشركة لأعمالها .
ولذلك يميل بعض القضاة إلى وصف الشركة بأنها اتحاد أو نظام بأكثر من وصفها بأنها عقد بيد أنه حتى بالنسبة لمن يميلون إلى تاييد وصف الشركة بأنه ( نظام ) فإنهم لا يتجاهلون بل الحق لا يمكن لهم أن يتجاهلو أن هذا النظام يقوم أساساً على الفكرة التعاقدية أي على العقد .
ولا محل للاستطراد أكثر من ذلك لأغراض الفصل في هذا الطعن، ولكن يجمل التأكيد بأنه وإن كان صحيحاً ما ردده محامي المطعون ضده في مذكرة دفاعه لهذا الطعن وفي مرافعاته الختامية ومذكراته الأخرى، من أن ما ورد بعقد التأسيس وبلائحة الشركة من بنود تعتبر ملزماً للشركة ولكل عضو فيها، سواء وقع عليه ابتداءً لدى التأسيس أو انضم إليها فيما بعد، وذلك إعمالاً لصريح نص المادة 18 من قانون الشركات، وأن قول محامي الطاعنة بأن الشركة المدعى عليها الأولى غير ملزمة بشيء من ذلك، لأن القاعدة 17 والقاعدة 31 لا تشكل عقداً بين محجوب محمد أحمد ( المطعون ضده والمدعي ) وبين الشركة، بل هما يقرران حقاً وامتيازاً فحسب غير سديد، لأن الحق أو الامتياز المقر به من جانبه لا يعدو أن يكون أثراً من آثار العقد أو الاتفاق غلى تكوين شركة، لأن المقصود بالعقد هو إحداث آثار قانونية من بينها بطبيعة الحال ما ورد في لائحة الشركة من أن يكون محجوب محمد أحمد مديراً دائماً للشركة (م) وأن يتناول بوصفه المؤسس الأول للشركة 1% من قيمة المبيوعات السنوية بالإضافة إلى مكافأة أخرى يكون مستحقاً لها لاعتباره عضواً في مجلس الإدارة .
بيد أنه وإن كان ما ذهب إليه محامي المطعون عليه صحيحاً في ذلك المنحى كقاعدة عامة وعلى وجه الإجمال والعموم إلا أنه من الصحيح أيضاً على هدي مما سبق ذكره في محاولة تكييف الشركة تكييفاً قانونياً، أن يقال أن نظام الشركة أو عقد الشركة، مقيد بالقواعد الآمرة التي وردت في قانون الشركات والقائمة (أ) للجدول، ومن بينها جواز أو إمكانية تعديل ما ورد بلائحة الشركة المدعى عليها، سواء كان ذلك بالنسبة للبند 17أو31 أو كليهما وبوجه أخص فيما يتعلق بإمكانية عزل الشركة للمدير سواء كان معيناً في نظام الشركة أو بإتفاق خاص بأغلبية الأعضاء، حتى لو نص في اللائحة على أنه مدير دائم للشركة، وذلك لأن ما نصت عليه المادة 17 من قانون الشركات لسنة 1925 وضح الدلالة تماماً في أنه يعطي الشركة سلطة مطلقة لتعديل نظامها بحيث يصبح التعديل صحيحاً كما لو أدرج في نظام الشركة عند إنشائها، ومن ثم لا يجوز الانحراف عما تدل عليه عباراته الواضحة للأخذ بتفسير مغاير أو مخالف، مما مؤداه أن للشركة المدعى عليها الحق في عزل المطعون ضده رغم النص بأنه مدير دائم، وأيسر سبل لها في ذلك هو تعديل البند الذي ينص على ذلك ثم ممارسة حقها بالأغلبية التي يتطلبها القانون ووفقاً للإجراءات الصحيحة والمقررة أيضاً .
وهذا الحق المخول للشركة ذو أثر كبير على التعويض أو المقابل والأجر الذي يطالب به المطعون ضده، لأن العزل إن تم على الوجه الصحيح لن يخول للمدير المعزول أي حق في التعويض، وبوجه أخص متى كانت هناك أسباب تبرر ذلك .
وقد أيدت القاعدة 86 من القائمة (أ) الواردة بالجدول الأول للقانون ذلك إذ نصت على أنه يجوز للشركة بقرار غير عادي أن تعزل أي عضو من أعضاء مجلس الإدارة قبل انتهاء مدته، ويجوز لها بقرار عادي أن تعين خلفاً له ويشترط أن يتخلى فيه كما أنه أصبح عضواً بمجلس الإدارة في اليوم الذي انتخب فيه للمرة الأخيرة عضو بمجلس الإدارة المعزول الذي عين في محله ) .
هذا من ناحية إنشاء العقد وما يرتبه من حقوق والتزامات وكذلك فإن المفهوم الفكرة التعاقدية أثراً بالنسبة لتنفيذ العقد وانقضائه إذ أن الحقوق الناشئة من العقد، يجوز أن تنقضي بالتنازل عنها أو يمتنع التمسك بها لمجافاة ذلك للعدالة والإنصاف ومبدأ الحجة المعروف والذي يطلق عليه فقهاء الإنجليز ( الأستوبل ) أو غير ذلك من أسباب انقضاء العقد المعروفة.
وبالمثل أيضاً فإن من الجائز أن يكون ما اتفق عليه الأطراف أو بعضه في الشركة مخالفا لنص آمر في القانون، وذلك يكون باطلاً لا يرتب أثراً، وينص المشروع على البطلان أو يحكم به القضاء عادة، متى كان مراد الشارع من المادة أو القاعدة التي أوردها رعاية المصلحة العامة أو النظام العام أو حسن الآداب فالاتفاق بين المؤسس للشركة والشركة على عمولة أو فائدة تصدى لها قانون الشركات بحكم صريح في المادة 98 التفت عنه فيما يبدو الحكم المطعون فيه والحكم الصادر من محكمة المديرية ومحامي الأطراف، في حين أنه يقرر في بعض فقراته أحكاماً آمرة لا يجوز الاتفاق على ما يخالفها، وهو ما سنتناوله ببعض التفصيل فيما بعد .
والاتفاق على أن يكون أحد المساهمين مديراً دائماً غير مشروع أو غير نافذ إن تمسك به أحد المدراء في مواجهة حق الشركة في تعديله على ما قضت به المادة 17 والقاعدة 76 من القائمة الواردة بالجدول الأول من القانون على ما سلف بيانه، وعلى هدي من هذا النظر كله وبالنظر إلى أن الطاعنة ( المدعى عليها الأولى ) قد دفعت بأن المطعون ضده كان بناء على طلب منه في 8/9/1970 ( أي في الاجتماع الذي دعت إليه الشركة وأعلنت فيه إلغاء القواعد 17 و31 و21، فإنه يتعين التصدي للفصل في هذه المسألة أولاً، التي لم يأبه لها كثيراً الحكم المطعون فيه، ولم يركز المحامون اهتمامهم بها على ما يبين من سرد وقائع هذا الطعن، في حين أنها من بين أهم نقاط النزاع في الدعوى، وذلك لما يترتب عليه من آثار قانونية بالغة .
صحيح أن المطعون ضده في مذكرة دره على دفاع الطاعنة أنكر ذلك ودفع بصفة احتياطية بأن الأمر كان اقتراحاً بتنحيته ( ورأى نفسه مجبراً لإبداء نيته على الاستقالة لظروف تتعلق به وبالاجتماع والمجتمعين، بيد أن جماع الأدلة المقدمة في الإثبات بما في ذلك المستندات والظروف الملابسة وقرائن الأحوال وما أعقب ذلك من ظروف تدل دلاله واضحة على أن المطعون ضده قد أبدى رغبة في الاستقالة كمدير للشركة ووافقه المساهمون الآخرون على ذلك بل شكروه على ذلك كما أن ذلك يمكن أن يستشف من أقوال المطعون ضده نفسه رغم ما شابها من غموض والتواء إذ ذكر : ( اجتماع 8/9/1970 عندما اتضح لي أن هناك تآمر من الجانب الأجنبي المدعى عليهما الثاني والثالث زائد إقحام ( الآخرين ) أنفسهم على الاجتماع أبديت النية في الاستقالة ولكن لم أستقل ).
واستطرد قائلاً : ( الاستقالة عندها شروط حسب القانون الأساسي للشركة ولم أستوف شروط الاستقالة المحددة بالنظام الأساسي للشركة خاصة وأنا عضو دائم لا بد من إجراءات لاستقالتي وهذا لم يتسنى ) .
إن مبدأ الحجة على ما سبق ذكره مبدأ يقوم على العدالة والإنصاف . وهو يتلخص وفق مفهوم القضاء والفقه الإنجليزي في أنه متى قام شخص عن طريق الكلمات أو السلوك بوعد أو تأكيد في مواجهة شخص آخر، وكان القصد من ذلك أن يؤثر على الرابطة القانونية بين الطرفين وأن يتصرف الطرف الآخر بناء على ذلك فمتى تبين أن ذلك الطرف الآخر قد أخذ الشخص الأول بكلمته وتصرف بموجبها فإنه لا يجوز لمن صدر منه وعد أو تأكيد ان يتمسك فيما بعد بالروابط القانونية الاصلية كما لو لم يكن قدصدر وعد او تأكيد بل يجب عليه أن يقبل الروابط القانونية كما عدلت على النحو الذي ساهم هو في ترتيبها حتى لو لم يحمل ذلك مقابل بالمعنى القانوني المعروف بل قام على أساس ما صدر منه من تعبير أو تأكيد، وقد عبر عن مدى مبدأ الحجية اللورد ديننج بلغة بسيطة تتناسب مع فهم الرجل العادي بقوله : ( إن الحجية مبدأ للإنصاف والعدالة مؤداه أنه متى أوعز شخص عن طريق الكلمات أو السلوك لشخص آخر بالاعتقاد بأنه يمكن باطمئنان أن يتصرف بناءً على ذلك وتصرف الشخص الآخر فعلاً بموجب ذلك فإنه لا يجوز لذلك الشخص أن يعدل عما قال أو فعل متى كان ذلك من جانبه أمراً يتجافى مع الإنصاف أو العدل ) .
أنظر كتاب الفكر القانوني ص 223 The Discipline of law P. .
والقضية الرائدة التي أرست مبدأ الحجية كما هو معلوم قضية الهاي تريز التي صدر الحكم فيها في 1946م . Central London Projerty Trust L.T.D.V High Trees House L.T.D .
ولم يجر القضاء الإنجليزي على السابقة المذكورة فحسب بل توسع فيها بحيث أصبح من الواضح أن مبدأ الحجية يتسع للسلوك والتنازل عن الحقوق، ففي قضية شارلس ريتشارد ليمتد ضد أوبيهايم والمنشورة أيضاً بكتاب ترشيد الفكر القانوني للورد ديننج بصفحة 210 قررت محكمة الاستئناف ( أنه إذا صدر من شخص سلوك يؤدي إلى أن يعتقد شخص آخر بأن الحقوق الأصلية الحرفية الناشئة من العقد لن يتمسك بها وكان قاصداً بأن يقوم ذلك الشخص الآخر بالاعتقاد وقام بالتصرف بموجب ذلك فعلاً، فإن ذلك الظرف الأول لا يجوز له أن يصر على التمسك بالحقوق الأصلية متى كان في ذلك مجافاة للعدالة، وبالمثل شرح اللورد ديننج مبدأ التنازل في قضية :
W.J.Alanand Go.EI Nasar Export 1972)2QB189 at 212)
بقوله: ( متى أغرى شخص بسلوكه الطرف الآخر للاعتقاد بأن ذلك الشخص لن يصر على التمسك بالحقوق الناشئة للورد من العقد أصلاً قاصداً من ذلك أن يتصرف الطرف الآخر بناء على هذا الاعتقاد بل تصرف بموجبه فعلاً، فلا يكون لذلك الشخص الأول أن يتمسك فيما بعد بحرفية الحقوق الناشئة من العقد أصلاً متى كانت المطالبة بذلك تتجافى مع العدالة .
واستطرد ديننج قائلاً :
وقد لا يكون هناك مقابل صادر من الطرف المستفيد من التنازل أو ضرر يلحق به لدى تصرفه بناء على ما صدر من الشخص الأول ( الواعد ) وقد لا يكون هناك شيء مكتوب في هذا الخصوص .
وللتحقيق من نية المطعون ضده يجب أن تؤخذ أقواله وتصرفاته في محيط الظروف الملابسة مع الأخذ في الاعتبار سلوكه اللاحق لسنوات طوال، ذلك أن من الثابت في الأدلة ومن المقر به من جانب المطعون ضده أن خصص أو أسهم بعض المساهمين السودانيين خضعت للمصادرة بموجب قرارات صادرة من مجلس الثورة أو السلطة المختصة بعد قيام ثورة مايو 1969، ولذلك فإن السبب الدافع للاستقالة أو عدم موالاة منصب الإدارة في الشرك يعزى أساساً إلى الظروف الصعبة الملابسة التي ألمت بالمساهمين السودانيين وهي ظروف لا يد للمساهمين الآخرين فيها . ومن ثم يتعذر القول بوجود إكراه شاب أو عاب إرادة المطعون ضده لما أبدى الرغبة في التنازل عن حقه في الإدارة سواء بصفة مؤقتة أو بصفة دائمة وسواء كان ذلك بالنسبة للحاضر أو المستقبل ، لذلك فإن التعبير الصادر منه أو السلوك الذي انتهجه مقروناً مع السلوك اللاحق، إذ لاذ بالصمت والسكوت على إبعاده منذ عام 1970 حتى تاريخ رفع الدعوى في 1975م كما أضحى بمعزل عن الشركة طوال تلك الأعوام، لم يقم بعمل من أعمال الإدارة ولم يساهم في اجتماع من اجتماعات الشركة، ولم يحرك ساكناً للمطالبة بإعادته لمنصب المدير أو المدير الدائم، كلها دلائل وقرائن من السلوك تمنعه من التنصل مما صدر عنه ومن المطالبة بأن يكون مديراً كما تحول دون مطالبته بمبلغ 6000 جنيه سنوياً كمكافأة على الإدارة أو أي مبلغ آخر كتعويض في هذا الشأن سواء كان ما صدر من المطعون ضده في اجتماع 8/9/1970 وما أعقبه من سلوك يعتبر حجة عليه أو تنازلاً، فإنه يحول دون تمسك المطعون ضده بحقوقه الأصلية فيما يتعلق بالإدارة وما يترتب على ذلك من مكافأة، لأن التمسك بذلك يتجافى مع العدالة والإنصاف من ناحية، كما أن العدول عما صدر منه يتجافى مع العدالة أيضاً، إذ أن ذلك يؤثر على نظام للشركة ارتضته وسارت عليه أغلبية الشركاء ردحاً طويلاً من الزمن، من ثم لا محل للقول بإعادة تضمين لائحة الشركة بنداً مؤداه أن يكون المطعون ضده مديراً عاماً أو مديراً دائماً كما كان عليه الحال من قبل . ذلك لأن السكوت لأعوام طويلة كما هو الحال في واقعة الدعوى يوجب القول بأن العدول ينطوي على إجحاف يأباه الوجدان السليم ويتجافى مع مقتضى العقل والعدل معاً، ذلك لأنه يفرض عدم صحة اجتماع الجمعية العمومية للشركة في 8/9/1970، وعدم ترتيب أثر على ما صدر منها، فإن عدم المبادرة برفع الدعوى أو المطالبة بالحق جعل الشركة تعتقد أن الأمر وقف عند ذلك الحد، ولو تصدى المطعون ضده للمطالبة بشيء من ذلك، فأغلب الظن أن الشركة كان بمقدورها أن تلغي صفة الدوام في الإدارة وأن تعزل المطعون ضده بالأغلبية بعد عقد اجتماع صحيح في خلال ذلك العام نفسه وقبل أن يكون هناك إنتاج للشركة في العام التالي أي بعد وصول الآلات والمعدات، ومن ثم كان يتعذر على المطعون ضده المطالبة بالإدارة أو بمكافأة قدرها 6000 جنيه أو أقل .
ولما كان الحكم المطعون فيه قد خالف ذلك النظر كله في هذا المنحى فإن ما تنعاه الطاعنة بهذا الصدد يكون سديداً مما يتعين معه نقض الحكم في هذا الخصوص دون حاجة للفصل فيما إذا كان اجتماع 8/9/1970 صحيحاً أو غير صحيح .
وإذا كان منصب الإدارة بالنسبة للمطعون ضده يمكن سقوط الحق فيه أو التنازل عنه على النحو السالف بيانه، فإن البند 31 من نظام الشركة والذي ينص على أنه ( بالنظر إلى أن محجوب محمد أحمد هو الذي أسس هذه الشركة وأول من ساهم فيها وبالنظر إلى أنه وافق برغبته الكاملة على أن يمنح أسهمها للمؤسسين الآخرين المذكورة أسماؤهم في عقد التأسيس ونظام الشركة فإنه ينال 1% من قيمة المبيعات السنوية بالإضافة إلى مكافآت أخرى يكون مستحقاً لها باعتباره عضواً في مجلس الإدارة ) .
ويبدو محل نظر بالنسبة لصحته وسلامته منذ البداية ذلك أن تخصيص نسبة 1% من مبيعات الشركة للمطعون ضده لأنه أول المؤسسين صاحب الفكرة أو خلق الشركة يجعله في موقف يتميز به عن سائر المؤسسين الأصليين وعددهم خمسة، إذ ثابت من عقد التأسيس أنه موقع من ستة أشخاص كما يتميز به عن المساهمين الآخرين الذين انضموا إلى الشركة بعد التأسيس، مما يترتب عليه أن يستأثر المطعون ضده بجزء كبير من أرباح الشركة دون تقديم خدمات جدية للشركة في حياتها الجديدة، كما أنه ينتقص بطريق مباشر أو غير مباشر من رأس مال الشركة، ذلك لأن النسبة المئوية تدفع على المبيعات دون أدنى تفكير أو تدبير في المصروفات ومسائل الربح والخسارة، أي حتى لو لم تتحقق أرباح في الأعوام الأولى بل أن هذه النسبة تظل عبئاً يثقل كاهل الشركة طوال حياتها مما ينقص أيضاً مقدار الأرباح لكل المساهمين المؤسسين والمساهمين العاديين، ويتضح ذلك بصورة جلية ما أورده الدكتور الطاهر عبد الباسط الاقتصادي المعروف في تقريره الدقيق بوصفه رئيس مجلس إدارة شركة جوالات البلاستيك ومدير عام البنك الصناعي وقتئذ، في 3/3/1971 من أن الطاقة الإنتاجية للمصنع قد تبلغ عشرة ملايين جوال سنوياً، أي أن نصيب المطعون ضده يكون 10.000 جوال أو ما يعادل ذلك من قيمة، ومن ثم فإن مثل هذا الاتفاق يكون محظوراً بموجب البند 2 من المادة 98 من قانون الشركات المادة 98 تقرأ :
(1) يجوز للشركة أن تدفع عمولة لأي شخص مقابل اكتتابه أو تعهده بالاكتتاب في أية أسهم للشركة اكتتاباً منجزاً أو معلقاً على شرط أو مقابل حصوله و تعهده بالحصول على اكتتابات في أية أسهم للشركة سواء كان ذلك منجزاً أو معلقاً على شروط وذلك إذا كان دفع العمولة مصرحاً به في نظام الشركة وكانت العمولة المدفوعة أو المتفق دفعها لا تزيد عن المقدار أو السعر المصرح به وكان مقدار العمولة المدفوعة أو المتفق على دفعها أو سعرها بالنسبة المئوية هو .
(أ) الموضح في بيان الشركة وذلك في حالة الأسهم المعروضة على الجمهور للاكتتاب .
(ب) الموضح في التقرير الذي يصدره بدلاً عن البيان في حالة الأسهم التي لم تعرض على الجمهور للاكتتاب أو الموضح في أي تقرير غيره يصدره بالشكل المقرر ويوقع عليه بنفس الطريقة التي يوقع بها على ذلك التقرير ويودع لدى المسجل أو الموضح في المنشور أو الإعلان الصادر بدعوة الجمهور للاكتتاب في الأسهم .
(2) فيما عدا ما تقدم لا يجوز للشركة أن تستعمل شيئاً من أسهمها أو من رأس مالها النقدي – سواء مباشرة أو بطريق غير مباشر في دفع أية عمولة أو عمل خصم أو دفع علاوة لأي شخص مقابل اكتتابه منجزاً أو معلقاُ على شرط أو مقابل حصوله أو تعهده بالحصول على اكتتابات في شيء من أسهم الشركة سواء كان ذلك منجزاً أو معلقاً على شرط وسواء أضيفت الأسهم أو النقد التي استخدمت على الوجه سالف الذكر إلى ثمن ما تملكته الشركة من أموال أو إلى قيمة ما يعمل لها من الأشغال بمقتضى عقد من العقود أو دفعت النقود من الثمن الاسمي أو القيمة الاسمية لما ذكر أو غير ذلك .
(3) ليس في هذه المادة ما يمس حق الشركة في دفع العمولة التي جرى العرف بدفعها وكل من باع شيئاً وكل مؤسس لها وكل شخص آخر استلم نقوداًَ أو أسهماً من الشركة يجوز له ويكون له الحق دائماً أن يستعمل أي جزء من النقود أو الاسهم التي استلمها في دفع أية عمولة يعتبر دفعها قانونياً بموجب هذه المادة لو دفعتها الشركة مباشرة .
ولعل انطباق أحكام البند 2 من المادة المذكورة دون غيره من البنود الأخرى على البند 31 من نظام تأسيس الشركة لا يحتاج إلى كثير عناء ذلك أن النسبة المقررة مقصود بها أن تكون في مقابل سماح المطعون ضده لغيره من المؤسسين بالاكتتاب في الشركة . وهو ما يحظره القانون للأسباب السابق شرحها وإيضاحها بالنسبة للشركة الخاصة مثل شركة المدعى عليها، التي يحظر عليها دعوى الجمهور للاكتتاب في أي من أسهم الشركة وسنداتها إعمالاً للفقرة 30 من البند 7 من المادة 2 من قانون الشركات، ومن ثم فإنه لا انطباق لأحكام البند 1 من المادة 98 التي تجيز دفع العمولة في حالة الشركة المساهمة العامة المحدودة بشروط معينة وقيود خاصة صراحة في الفقرتين (أ) ( ب) من عجز البند 1 من المادة 98 .
وإذا كان ذلك صحيحاً فهل ثم مجال لانطباق أحكام البند 3 من المادة 98 أي دفع العمولة المعقولة التي جرى العرف بدفعها لمن كان في موقف المطعون ضده المؤسس الأول للشركة الخاصة أو في نظير إقناع آخرين للمساهمة في الشركة مثلاً؟
لذلك كله فإنه يمكن القول أيضاً أن ما ورد في خطاب المديرين للمطعون ضده بتاريخ 10/10/1968 والذي يؤكد استحقاق المطعون ضده لنسبة 1% من جملة مبيوعات الشركة لا يعدو أن يكون ترداداً لاتفاق غير مشروع ومن ثم كان عديم الأثر قانوناً مثل القاعدة 31 وبالمثل أيضاً ما جاء بالخطاب من وعد بدفع مبلغ 6.000 جنيه سنوياً كمكافأة على خدمات ا لمطعون ضده كمؤسس للشركة إذا أخذنا بظاهر الكلمات ووفق التفسير الضيق الذي يذهب إليه المطعون ضده وذلك لأن البند 2 من المادة 98 صريح في حظر اقتضاء أية عمولة أو دفع علاوة أو عمل خصم مما مؤداه أنه لا يجوز تمميز المطعون ضده وإعطاؤه مثل ذلك المبلغ لمجرد أنه كان المؤسس والمكتب الأول والمدير النظامي للشركة لأن السماح بمثل ذلك يعتبر تقولاً ظاهراً وجسيماً فى حق جميع المؤسسين والمساهمين الآخرين في حين أن ما وضعه القانون من ضوابط وقيود مقصود به أن تسود الديمقراطية والمساواة إلى حد كبير مجتمع الشركة الصغير فيكون للأغلبية لأن تفرض رأيها ولا يجوز أن يستأثر فرد بأرباح وعلاوات وامتيازات تعلو على الآخرين دون مبرر وتنتقص من حقوق الأعضاء المساهمين طوال حياة الشركة .
ولذلك يتعين القول في هذا المقام من أنه ليس صحيحاً قضاءً الحكم المطعون فيه أن الدعوى لاجتماع الجمعية العمومية في 8/9/1970 كان باطلاً وذلك للأسباب التي أوردها محامي الطاعنة على ملا سبق ذكره وبوجه أخص لأن القاعدة 12 من نظام الشركة تخول عقد الاجتماع في مدة أقل مما تنص عليه القائمة وبالإجراءات التي يراها ذكرت مناسبة مما يسمح بالقول بأن العيوب التي أخذها المطعون ضده على سلامة الاجتماع لا تؤثر صحة انعقاده ومن ثم تكون القرارات الصادرة في الاجتماع صحيحة لا غبار عليها . وإذا جانب الصواب هذا الرأي فإن النتيجة التي انتهت إليها هذه المحكمة بالنسبة لعدم أحقية المطعون ضده في تولي منصب الإدارة أو العمولة أو المكافأة فيما سبق من سنوات للأسباب التي ذكرت بالتفصيل في هذا الحكم تكفي لنقض الحكم المطعون ضده لمخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وفي تأويله وذلك حتى لو كان الاجتماع المذكور باطلاً .
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن سكوت المطعون ضده عن المطالبة بالعمولة أو المكافأة السنوات الطوال بعد ذلك الاجتماع يحول دون التمسك بأي منهما لأن في ذلك مجافاة للعدالة والإنصاف فوق مجافاته للقانون وذلك رغم إقرار جميع الشركات والمؤسسين والمساهمين العاديين للمجهودات الكبيرة التي بذلها المطعون ضده في خلق فكرة صنع جوالات البلاستيك في السودان يستغني بها عن استيراد جولات الخيش ويوفر بها عملات صعبة ويطور بها صناعة السودان أحوج ما يكون له. ولا محل للاستطراد أكثر من ذلك في هذا الخصوص لأن المطعون ضده لم يطالب بعمولة معقولة حسب العرف في المعنى الوارد بالنبد 3 من المادة 98، ومع ذلك نرى أن العدالة أن نمر مع نقض الحكم الطعون فيه الأمر بإعادة القضية لمحكمة أول درجة لتحديد نقطة نزاع في هذا الخصوص وحده وإتاحة الفرصة لكل طرف من الأطراف بتقديم المذكرت المعدلة والشهود والمرافعات ثم الفصل من جديد في هذا الأمر وحده.
وإن نقض الحكم المطعون فيه في مواجهة الطاعنة الأولى على أساس من الأسباب المبنية على النظام العام مما يجيز للمحكمة أن تأخذ بها من تلقاء نفسها عملاً بأحكام البند 2 من المادة 212 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م، كان يمكن أن يخول هذه المحكمة أيضاً أن تأمر بضم المدعى عليها الثانية والمدعى عليها الثالثة سواء كان ذلك وفقاً للمادة 179 أو 200 و 210(14) أو المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية، إلا أننا نرى أنه لا موجب لذلك لا لأن اساس الدعوى قد سقط كلياً في مواجهة الطاعنة فحسب بل لأن عريضة الدعوى نفسها والأدلة المقدمة من الإثبات يتعذر معها التحقيق من وجود سبب لتقاضي في مواجهة المدعى عليها الثانية والثالثة ذلك لأن الادعاء بوجود عقدين سابقين بينهما وبين المطعون ضده على تأسيس الشركة بادي الخطأ ذلك لأن عقد الشركة عقد شكلي وهو يرتب للشركة بعد تأسيسها شخصية مستقلة عن أعضائها سواء كانوا من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين ومن ثم يمتنع القول بوجود ربطة أو علاقة بين المطعون ضده أو الشركة المدعى عليها والشركيتين الاجنبيتين، ومن ثم يتعذر مساءلة أيٍ منهما مسئولية عقدية أو تقصيرية بوجه أخص لأنهما أوردا ما أوراده المطعون ضده في عقد التأسيس ونظام الشركة ولأنه لا يجوز الافتراض بان لهما دوراً في التصويت أو إدارة الشركة بعد ذلك لأن مندوبي الشركتين الاجنبيتين يعتبران عضوان في الشركة المدعى عليها ويصوتان في حرية على ذلك الأساس ومن ثم تكون الشركة وحدها هي التي يجوز مقاضاتها والقول بغير ذلك يخال أحكام الشركة المساهمة الخاصة التي تحدد مسئولية كل عضو فيها بمقدار ما ساهم من رأس مال مما لا يسمح بتصور مسئولية الشركة الأجنبية في أموال لم تساهم بها في السودان ومن ثم فإنه يتعين نقض الحكم في مواجه المدعى عليها الثانية والثالثة لأن إلزامها أو موالاة الإجراءات في مواجهتها يتعبر استغلالاً للإجراءات لا مبرر له .
لكل ذلك يتعين نقض الحكم المطعون فيه وتأييد حكم محكم المديرية القاضي بشطب الدعوى لموافقته للقانون بحسب النتيجة التي انتهت إليها والأمر بإعادة القضية لمحكمة المديرية للفصل فيما إذا كان للمطعون ضده حق في العمولة بموجب البند (3) من المادة 98 والالتزام بمؤدى هذا الحكم، على أن يلزم المطعون ضده برسوم هذا الطعن .
لكل ذلك نأمر بما يلي :
1- نقض الحكم المطعون فيه .
2- إعادة القضية للفصل مجدداً فيما يتعلق بأحقية المطعون ضده لأي عمولة مع الالتزام بمؤدى هذا .
3- يلزم المطعون ضده برسوم هذا الطعن .
القاضي محمد محمود أبو قصيصة :
وإذا قد رأينا السرد الضافي في مذكرة زميلي الفاضل مولانا هنري لما سبق من حجج وأسانيد لطرفي الدعوى في مختلف مراحل هذا النزاع ورأيت أن أبدأ بسرد الوقائع والخلفات التي قادت إلى نشوء هذا النزاع .
قفقد أنشأ المدعي محجوب محمد أحمد بجهوده الخاصة الشركة حتى برزت إلى حيز الوجود وسجلت تحت قانون الشركات وقد قام بعمل مضن وتكبد مصاريف عالية فبدأ باستدعاء خبراء من ألمانيا وإيطاليا والنمسا على نفقته وعمل مسحاً في الجزيرة وجبال النوبة وخشم القربة والقضارف . وأجريت الدراسات على نفقته حول المنتجات التي سوف تعبأ في جولات البلاستيك ويقدر المدعي عليه مصروفاته بنحو خمسة وعشرين إلى ثلاثين ألف جنيه وهو الذي سعى إلى اكتتاب المساهمين السودانيين والنمساويين إلى أن سجل الشركة .
على أن الحال سار على غير المتوقع فحدث أن صودرت بعض الشركات في عام 1970 وأصبح هناك بطبيعة الحال تخوف لدى بعض ممن يستثمرون أموالهم في الشركات . ودعا هذا مجلس الإدارة لأن يثقل الخطى في عمل الشركة إلى أن تتضح الرؤية، وقد أحجم المساهمون السودانيون عن دفع ما تبقى عليهم من قيمة الأسهم التي اكتتبوا بها .
في هذا الوقت كانت الشركة قد بدأت بعض الأعمال ودخلت في ارتباطات خارجية وداخلية فقد طلبت الماكينات وكان مبانيها تحت التشييد وقد دخلت في التزامات مع البنك النمساوي وأصبحت الشركة في ضائقة فمن ناحية فهي عليها هذه الالتزامات ومن الناحية الأخرى أحجم المساهمون السودانيون عن دفع متبقي ثمن الأسهم . وكانت الشركة معرضة للانهيار .
بدأ الجانبان السوداني والنمساوي في اتصالاتهما بالحكومة لإنقاذ الموقف وكان المأمول أن تتحصل الشركة على قرض من الحكومة .
أما الجانب النمساوي فبدأ اتصالاته عن طريق سفير النمسا في القاهرة الذي حضر للسودان في محاولة لحماية وإنقاذ المصانع النمساوية وتمت الاتصالات بالرقيب العام والبنك الصناعي ووزارة المالية للتشاور في الأمر .
وكان الجانب السودان من اشترك مع الجانب النمساوي في الاتصالات بالبنك الصناعي للحصول على قرض وانتهت المفاوضات بعدم رغبة الحكومة في إعطاء قرض ولكنها يمكن أن تدخل كمساهمة في الشركة .
عرض الأمر على مجلس الإدارة في اجتماعه المنعقد في الفترة من 4 – 6 يوليو 1970 ودخلت الحكومة كمساهم بمبلغ مائة ألف جنيه نقداً ومائة وثمانين ألف جنيه من ا ستحقاقات الجمارك .
وكان مجلس إدارة الشركة قد قرر إسقاط أسهم السودانيين الذين لم يدفعوا متأخراتهم راجع المواد 24 إلى 26 من القائمة (أ) ولكن تقرر فيما بعد أن يخصص للسودانيين أسهم تعادل قيمة ما دفعوا من قبل .
هذه الخطوات توضح أن هناك نوايا جادة لإنقاذ الشركة من الهلاك وإن الذين سعوا لإنقاذ الشركة هم أصحابها وهم الذين بادروا للجوء إلى الحكومة . ولا يبدو صحيحاً ما يصوره الادعاء بأن الأمر مؤامرة حبكت بليل ليتغول الرقيب العام على الشركة .
بعد ذلك أصبحت الحكومة أكبر مساهم في الشركة واشترطت لذلك تعديل نظام الشركة وهو تعديل لا شك يؤثر على مصالح المدعي الذي رفع دعواه فيما بعد مطالباً بإعادة ما كان .
خصصت أسهم الحكومة باسم البنك الصناعي وأصبح مديره مديراً لمجلس الإدارة ولا يبدو ذلك غريباً في ظل هذه الظروف وفي ظل المبالغ التي تحملتها الحكومة كمساهمة ولا بد لها أيضاً من حماية كمساهم كبير .
إن الذي فعلته الشركة هو أنها عدلت نظامها ولها كل الحق في تعديل نظامها ولا نجد خلافاً في ذلك، وإن كان هناك قصور في شكليات الاجتماع فكان من الممكن – كما أبان زميلي الفاضل بحق عقد اجتماع آخر صحيح الشكليات في أيام معدودة لو أن المدعي حرك ساكناً لتوصل لنفس القرارات بحكم أنها قرارات ينادي بها حملة العدد الكافي من الأسهم. بل إن تأخير المدعي هو الذي أدى إلى ذلك. كما أن استقالته وابتعاده عن الشركة تؤكان صدقه لما ذكر للاجتماع أنه مستقيل .
على ذلك فلا أرى أن المدعي يستحق شيئاً بشأن تعديل الشركة لنظامها . على أن هناك أمراً مستقلاً لم يسمه تعديل نظام الشركة ذلك هو مبلغ الستة ألف جنيه السنوية الواردة في المستند ادعاء -3- هذا المبلغ مكافأة سنوية نظير خدمات المدعي كمؤسس الشركة الرئيسي ولم تقل بدفع هذا المبلغ أي مادة من مواد نظام الشركة، وإنما صدر بذلك قرار من مجلس الإدارة أثبته شاهدان وأظننا نغالي إن طالبنا المدعي بإبراز وقائع ذلك الاجتماع لأن مضابط الشركة بطبيعة الحال لدى الشركة وليست لدى المدعي البعيد حالياً عن الشركة، لكن صدور القرار قد ثبت بالبينة الشفهية يسنده المستند (3) وقد رأينا أن المدعي قام بعمل شاق داخل البلاد وخارجها وتكلف مصاريف وجهود وأسفار ودراسات وتمويل لها، وعلى ذلك فالطبيعي أن يحفظ مجلس الإدارة ذلك للمدعي .
صحيح أن أتعاب مجلس الإدارة تحدد في الاجتماع العام لكن هذا المبلغ لم يكن بسبب أن المدعي عضو في مجلس الإدارة وإنما بسبب أنه المنشئ الرئيسي للشركة وقد تكبد المصروفات ونفث الروح في الشركة التي استفادت بمعلوماته ومجهوداته وخبراته فكانت الأساس الذي يستمر مع الشركة ما بقيت .
ويبدو أن كل ذلك أجمل في هذا المبلغ السنوي إذا لم تعط الشركة المدعي شيئاً مستقلاً عما قد يكون مستحقاً له كعمولة اكتتاب تحت المادة 98 من قانون الشركات لسنة 1925م .
ومجل رأيي إذاً أن المدعي لا يستحق نسبة لا 1% من المبيعات ومن منصب المدير الدائم وذلك بسبب تعديل نظام الشركة. وهو لا يستحق مرتب المدير لأنه استقال من الشركة. وبقي له فقط حقه الممنوح له من مجلس إدارة الشركة إثر اتفاقه مع على مبلغ الستة ألف جنيه السنوية وهو مبلغ لم يمسه تعديل نظام الشركة لأنه أصلاً لم يرد في نظام الشركة وإنما ورد في اتفاق أفرغ في صورة قرار لمجلس الإدارة وإن كان المدعي أحد موقعيه .
في رأيي إذاً أن ينقض الحكم المطعون فيه جزئياً وأن يحكم للمدعي بمبلغ ستة ألف جنيه سنوياً على المدعى عليها الأولى شركة جوالات البلاستيك المحدودة ابتداءً من أول 1971من وأن تشطب الدعوى في مواجهة المدعى عليهما الثانية والثالثة. وتتحمل الطاعنة رسوم هذا الطعن .
القاضي زكي عبد الرحمن :
لا أخالني قادراً على ولست في حاجة على أي حال إلى إضافة شيء للسرد المسهب والواضح لوقائع هذا النزاع وما ساقه طرفاه من حجج كما أوردها مولانا الزميل هنري وتوجها به مولانا الزميل أبو قصيصة من خلفيات للظروف التي أثارت هذا النزاع .
ومع تمام احترامي للزميل أبو قصيصة أجد نفسي على اتفاق تام مع ما ذهب إليه الزميل هنري من رأي مؤداه أنه لا بد من نقض الحكم المطعون فيه، وإن أنا رأيت أن أذيل موافقتي هذه ببعض الكلمات إضافة إلى مذكرة الزميل هنري فلا يتعدى ذلك باب الاستطراد إلى شيء من اختلاف التسبيب ولعل ذلك يصبح ضرورياً بسبب عظمة النزاع وتشعب منابعه ومجاريه وما ورد بشأن كل ذلك من فحص دقيق في مذكرتي الزميلين الجليلين .
وبالنظر إلى ما دار من نقاش في بعض مراحل الدعوى أرى أن حجية الامتيازات التي أسبغت على المطعون عليه لا بد أن تركز على ما ورد في اللائحة التنظيمية في الشركة ثم الوعد الذي قطعته الشركة على نفسها من خلال مديريها – وليس على ما دار قبل تأسيس الشركة حيث أنه لا مجال قانوناً لإلزام الشركة بأي تعاقدات قبل التأسيس حتى إذا تضمن عقد التأسيس نصاً صريحاً في هذا المعني ( أنظر ) (Pennigtons Company Law)الطبعة الثالثة على الصفحات 87 – 91، ولعل أقصى ما يأمل فيه من قدم بعض الخدمات لتأسيس الشركة أن يقتضي ثمن خدماته تلك بمبادئ الإنصاف على سبيل المكافأة ( Quantum Meruit) أنظر في هذا الصدد القضية الإنجليزية ( Re Hereford.........etc (Engineerring Go. 1876 2ch. 621)
والقياس على القانون الإنجليزي في هذا الصدد جائز نظراً إلى أنه بشكل خلفية قانوناً وعلى ما جرى عليه العمل عند تفسير ذلك القانون .
ومع اتفاقي مع الزميل أبو قصيصة على استحقاق المطعون عليه لمكافأة لما بذله من جهد في تأسيس الشركة إلا أنني وتطبيقاً لا انتهيت إليه فيما تقدم أرى أن ذلك لا يمكن أن يمتد إلى تنفيذ الوعد الذي قطعة مديري الشركة بمنح المطعون عليه ستة آلاف جنيه سنوياً إلى الأبد إذ أن ذلك ومهما حاولنا تقريبه إلى مقدار الخدمات التي قدمها يخرج عن أي تقويم فعلي لتلك الخدمات وهذا يوقع الأمر برمته في إطار ما تنص عليه المادة 98 من قانون الشركات لسنة 1925 كما رأى الزميل هنري .
أما بشأن القاعدتين 17 و 31 من اللائحة التنظيمية للشركة فإنني أتفق مع الزميلين المحترمين على أن حق الشركة في تعديل لوائحها مكفول بموجب المادة 17 من القانون وهو حق لا يملك المديرون التنازل عنه نيابة عن الشركة أو التعاقد على خلاف ذلك فإن فعلوا ذلك يكونون قد تعدوا اختصاصهم . والسؤال هو ما إذا كانت إجراءات التعديل صحيحة في الظروف التي تمت فيها؟
والإجابة على هذا السؤال في تقديري وخلافاً لما قضت به محكمة الاستئناف في هذا الصدد ( وهي لم تقدم سنداً لقضائها ذلك ) هي الإيجاب ذلك لأن إجراءات الدعوة للاجتماع المنصوص عنها في القاعدتين 48 من القائمة أ والمادة 71 من القاعدة هي من الإجراءات التي يجوز التنازل عنها بإجماع المساهمين إذا ما حضروا الاجتماع وأدلوا بأصواتهم رغم ما عاب الدعوى له، ومع أن ما يفهم من وضع للقانون الإنجليزي في هذا الصدد من ضرورة الإجماع على المسألة المطروحة للتصويت كشرط لصحة الاجتماع المسبب ( أنظرPennington ) المرجع السالف ذكره على صفحة 558 .
إلا أن العبرة في رأيي ليست بالتصويت الجماعي لصالح المسألة المطروحة وإنما بالإجماع في قبول فكرة الاجتماع ولو كانت الدعوى معيبة إذ أن في الإجماع في ذلك ما يتخذ قوة العدل عما رسمتة الائحة نفسها في عقد الاجتماع فلو كان للمساهمين حق تعديل اللائحة كلية بما هو أقل من الإجماع فلا أقل من أن يكون لهم بإجماعهم حق الخروج عن اللائحة مؤقتاً والثابت هنا من حيث الواقع أن المطعون عليه حضر الاجتماع وأدلى بدلوه في الدلاء فيه .
وفضلاً عن ذلك فإن مبدأ الحجية الذي أشار إليه الزميل هنري يقف حائلاً دون حق المطعون عليه في الادعاء بقيام أمر أو وعد للطاعنة بعدم تمسكه به ردحاً من الزمن وبذلك حرمها من تصحيح الأمر لو كان ثمة يحتاج إلى تصحيح .
بقي أن أشير إلى أمر يتعلق بالقاعدة 17 وهو أنه ومهما كانت صحة إجراءات الاجتماع الذي ألغيت فيه تلك القاعدة فإن المطعون عليه جعل التعديل نفسه أمراً لا معول عليه حين آثر الاستقالة وبذلك تنازل عن حقه صراحة وليس من عدالة تجيز العدول عن ذلك .
مسألة أخيرة هي مدى مسئولية المدعى عليهم الثواني والثوالث الشخصية عن وعدهم، وهنا فإنه صحيح أن استقلال الشركة عن ذواتهم لا تعفيهم من المسئولية الشخصية عن التزامات أوجبوا أنفسهم بها قبل تأسيس الشركة وإبان تأسيسها ولكنني لا أرى أن الالتزام يمتد إلى مستوى الحد من حق العمل في إطار الشركة وفيما يحقق مصالحها كما أن التزموا به كما هو مضمن في المستند المودع بالمحضر كان بوصفهم أعضاء في مجلس الإدارة بعد قيام الشركة مما يجعل عملهم ذلك من أعمال الشركة تسأل هي ولا يسألون هم عنها .
لما سبق فإنني أرى نقض الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للنظر في أحقية المطعون عليه في العمولة .
محكمة الاستئناف
القضاة:
سيادة السيد زكي عبد الرحمن قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سيادة السيد محمد حمزة الصديق قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سيادة السيد بشرى الطاهرة قاضي محكمة الاستئناف عضواً
أنور الحاج علي وآخر المستأنف
ضد
حسب الرسول السيد مكي المستأنف ضده
المبادئ:
قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 – إظهار المستندات – بعد وضوح معالم النزاع الفقرة 6(1) من الأمر الخامس.
طلب إظهار المستندات لدى أحد الخصوم يكون بعد وضوح معالم النزاع بين الأطراف.
(م أ/أ س م/109/1979)
الحكــــــــم
26/9/1979:
القاضي بشرى الطاهر:
رفع المدعي دعواه ضد المدعى عليه مطالباً بمبلغ 3.801.049 مليمجـ وفوائد على هذه المبلغ عمولة على صفقة تمت بيمن المدعى عليه وجهات أخرى يمثلها المدعي.
بعد تصريح الدعوى طالب المدعى عليه بإبراز مستندان ليطلعوا عليها قبل التقدم بالدفاع الموضوعي.
رفض المدعي إبراز المستندات وأفاد أن هذا الوقت ليس وقت إبراز المستندات وإنما ذلك بعد الرد وتحديد نقاط النزاع. وأن تقديم المستندات في هذه المرحلة فيه كشف لوسائل إثباته. ألزمت محكمة أول درجة المدعي بإبراز المستندات وعندما رفض شطبت دعواه.
استأنف المدعي لدى قاضي المديرية الذي أيد المدعي فيما ذكره أمام محكمة أول درجة وبالتالي ألغى أمر الشطب وأمر بإعادة الدعوى للسير فيها وقرر أن إبراز المستندات ليس هذا محله في هذه المرحلة.
من هذا القرار استأنف المدعى عليه مشيراً إلى أن قرار قاضي المديرية خاطئ وأن إبراز المستندات يتم قبل مرحلة تقديم الدفاع، وأنهم لا يطالبون بكشف كل المستندات المتعلقة بإثبات دعوى المدعي وإنما يطالبون بالمستندات التي أشار إليها فقط المدعي في دعواه.
في البداية أقرر أن موضوع إبراز المستندات أو عدمه ( Discovery of documents ) ليس من الأمور التي تنتهي بها الخصومة وهو بالتالي ليس من الأمور التي يجوز الطعن فيها.
ولكن واضح أن هذا الأمر أصبح مثار استئناف لدى قاضي المديرية وهذه المحكمة لأن قاضي الموضوع شطب الدعوى عندما أصر المدعي علة عدم إبراز المستندات. عليه أصبح لزاماً علينا أن نفصل فيه لأن الأمر الأصلي أصبح وجود الدعوى أو عدمها.
إننا في هذه المرحلة نتفق مع قاضي المديرية في قراره بإلغاء أمر الشطب وإعادة الدعوى للسير فيها أمام محكمة الموضوع وذلك للآتي: أولاً وفقاً للأمر الخامس الفقرة 6(1) طلب تقديم المستندات تقول الفقرة الآتي:
( يجوز للخصم أن يطلب من المحكمة تكليف خصمه مع تحليفه اليمين بأن يظهر جميع المستندات الموجودة في حيازته أو تحت تصرفه أو كانت في حيازته أو تحت تصرفه والمتعلقة بأي مسألة من المسائل المتنازع عليها في الدعوى متى كان ذلك ضرورياً للفصل في الدعوى. فهذه الفقرة تشير إلى أنه لا بد أن تكون هناك مسائل متنازع عليها أي أن طلب تقديم المستندات بكون بعد الرد على الدعوى وتحديد المسائل المتنازع عليها.
وقد ورد في كتاب : (O4gers 21st. Ed.)
“Facts should be alleged as facts. It not: necessary to state in the pleadings circumstances which merely tend to prove the truth of the facts already alleged.
It is unnecessary to tell the other side how it is proposed to prove that fact; such matters are merely evidecne Such facts will be relevant at the trial,but they are not material facts for pleading purposes”.
أيضاً يمكن الرجوع إلى صفحة 211 من نفس الكتاب تحت باب Discovery of documentsإننا لا نسلب المدعى عليه حقه في أن يطلع على المستندات ولكن هذا الحق ليس هذا وقته فعلى المدعى عليه أن يرد على الدعوى، وبعد أن تحدد نقاط النزاع عليه. إن طلب إظهار المستندات وبديهي أن له الحق في طلب التفاصيل قبل الرد على الدعوى، وهذا أمر مختلف عما ذكرنا سالفاً . عليه إذا رأى الزملاء أن نقرر شطب الاستئناف وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى.
26/9/1979:
القاضي محمد حمزة الصديق:
أوافق فمرحلة اكتشاف المستندان تأتي بعد وضوح معالم النزاع بين الأطراف في كتاب أودجرز الطبعة التاسعة عشرة صفحة 230 ورد الفصل الخامس باكتشاف المستندات واستهل بالآتي:
“ issues in the action being now clearly stated in the pleadings. each party naturally proceeds to consider how he shalt prove his case”.
والفصل الخامس من كتاب ب.ج.ر.لويس الإجراءات المدنية والجنائية سنة 1968 بالصحيفة 60 حوى أولويات ما قبل المحاكمة.
Preliminaries Be ore Trial
وقد جاء فيه الآتي :
“So, once the issues have tr c1 and the action is obviously going to proceed to trial, the solicitor will take the important preliminary step of obtain ing (discovery of documents”).
من هذا يتضح أن طلب السيد محامي المدعى عليه – المستأنف – كان سابقاً لأوانه ولم تكن محكمة الموضوع محقة في الاستجابة له ولذلك فقد أصاب السيد قاضي المديرة عندما قرر إلغاء قضائها. على أن هذا لا يمنع السيد محامي المستأنف من طلب التفاصيل كما أشار السيد الزميل بشرى.
2/10/1979:
القاضي زكي عبد الرحمن:
أوافق.
محكمة الاستئناف
القضاة:
سيادة السيد / زكي عبد الرحمن قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سيادة السيد / فؤاد الأمين عبد الرحمن قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سيادة السيد / بهيج سوريال حنا قاضي محكمة الاستئناف عضواً
الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات المستأنف
ضد
عبد الرحمن قسم السيد المستأنف ضده
م أ/أ س م/61/1979
المبادئ:
إثبات – البينة المقدمة لإثبات الوقائع الدعوى الجنائية – جواز قبولها في الدعوى المدنية.
تعويض – التعويض الخاص – إثباته.
1- إن اتجاه القضاء هو أن المسائل المتعلقة بالوقائع والتي تقدم في الإجراءات الجنائية، مقبول في الإجراءات المدنية.
2- إن إثبات التعويض الخاص لا يتطلب تقديم مستند عن كل جزء من النفقات فالقول بهذا في ظروف المجتمع السوداني إنما يرقى إلى تعجيز المدعي وحرمانه من التعويض الخاص كية، ذلك لأن نفقات المعيشة والتنقل وما إلى ذلك من النفقات هي بطبيعتها مما لا يمكن تقديم مستند بشأنها، والتسليم بحتمية وجود نفقات لا مفر منه وبعد ذلك يكون وبعد ذلك يكون على المدعي تقديم أفضل البينات لديه وفي مواجهة ذلك يكون للمدعى عليه دحض تلك الأدلة وللمحكمة في النهابة أن ترضخ كل ذلك لمعيار المعقولية.
(الحكــــم)
27/5/1979:
القاضي زكي عبد الرحمن:
حصيلة هذا الطعن أن المستأنف عليه أقام الدعوى رقم 290/1977م أمام محكمة مديرية الخرطوم مطالباً بمبلغ 5000 جنيه جبراً للضرر الذي أصابه نتيجة للحادث الذي وقع عليه عندما صدمه بص يتبع لشركة مواصلات العاصمة مؤمن لدى الشركة المستأنفة
أمام محكمة الموضوع أنكرت المستأنفة جميع فقرات الدعوى ( بما في ذلك الواقعة المتعلقة بتأمين البص لديها ). إلا ادعاء المستأنف عليه بأنه مزارع إذ أن المستأنفة دفعت ذلك بقولها أنه لا علم لها بذلك وعلى ذلك صاغت المحكمة نقاط نزاع تدور حول واقعة الإهمال والضرر والتعويض وقع عبء إثباتها جميعاً على المستأنف عليه.
عند سماع الدعوى انحصرت أدلة المستأنف عليه في إفادته على اليمين وبعض المستندان منها كروكي الحادث والشهادة الطبية بنتائج الحادث عليه كما ضم ملف قضية الحركة للمحضر.
أما الدفاع فقد انحصر في شاهد واحد قدمته شركة مواصلات العاصمة ( المدعى عليه الثانية في الدعوى ) وجاءت إفادته في جوهرها تأييداً لادعاء المستأنف عليه بأن البص مؤمن لدى المستأنفة. أما المستأنفة فقد طلبت قفل قضيتها دون تقديم أي أدلة وذلك لأن سائق البص ( المدعى عليه الأول ) هو شاهدها الوحيد ولم يعثر عليه واكتفت بتقديم مرافعة ختامية.
أصدرت محكمة الموضوع حكمها المطعون فيه وهو يقضي بإلزام المستأنفة بمبلغ 2500 جنيه كتعويض عام و 300 جنيه كتعويض خاص مع إلزامها بتوريد رسوم الدعوى في خزينة المحكمة ( حيث أن المستأنف عليه قد أعفي بقرار من المحكمة عن دفع الرسوم ).
صدر الحكم المطعون فيه في 24/12/1978 وقد حددت جلسة 11/1 لتلاوته وأعلنت المستأنفة لتلك الجلسة ولكن لم يمثل أمام المحكمة عنها أحد ولا يتضح من المحضر ما إذا كان الحكم قد تلي في تلك الجلسة إذ أن المحكمة أمرت فيها بإعلان المستأنفة بالحكم وقد تم ذلك في 17/1/1979 ولما كان هذا الطعن قد قدم في 27/1/1979 وإزاء ما سبق ذكره عن موضوع إعلان الحكم فقد قبل هذا الطعن شكلاً .
أما من حيث الموضوع، فإن الطعن الذي قدمه الأستاذ شمس الدين اللدر المحامي نيابة عن المستأنفة يستند إلى الأسباب الآتية:
أ - أن واقعة التقصير لم تثبت إلا بإفادة مجردة من المستأنف عليه وأدلة سماعية من المتحري في قضية الحركة وإن الأدلة الجنائية لا يعتد بها في الدعوى المدنية. وأنه في الواقع تشير كل الدلائل إلى أن الحادث كان نتيجة لتقصير كلي من المستأنف عليه في حماية نفسه.
ب- إن العاهة التي أصيب لها المستأنف عليه لا ترقى إلى مستوى إعاقته بالقدر المدعى به لأغراض التعويض وأن المستأنف عليه لم يثبت ادعائه بأنه مزارع واكتفى في هذا بقوله المجرد.
ج - إن المستأنف عليه لم يقدم دليلاً على دعواه بشأن التعويض الخاص رغم أن ذلك هو ما بتطلبه القانون في مثل هذه الحالات ورغم ذلك طالب بمبلغ 504 جنيه وأن المحكمة حكمت له بمبلغ 300 جنيه دون أن توضح ما استندت إليه في ذلك.
د - إن التعويض العام المحكوم به مبالغ فيه حيث أن العاهة حاقت بالمستأنف عليه ليس من شأنها التأثير على طبيعة عمله خاصة وهو كبير السن وأن التعويض الذي جرى عليه العمل في مثل حالته هو التعويض الرمزي.
وعلى هذه الأسباب رد المستأنف عليه بواسطة محاميه الأستاذ كمال إبراهيم خليل بأسبابه فأحالنا لعدة مراجع بالنسبة للنقاط القانونية التي أثارها محامي الطاعنة.
في تقدير أن حجة المستأنفة لعدم ثبوت التقصير مردود عليها فمن المسلم به أن الإثبات في المواد المدنية لا يكون بما لا يدع مجالاً للشك المعقول كما هو الحال بالنسبة للمسائل الجنائية وإنما بتواتر الأدلة والمفاضلة. وفي هذه الدعوى قدم المستأنف عليه أفضل ما لديه من أدلة خاصة وهو لم يكن إثر الحادث في موقف يمكنه من جمع الأدلة وسط مكان يكتظ بناس غرباء عنه وحمل للمستشفى عقب الحادث. ومقابل ذلك لم تقدم المستأنفة أي دليل على أن الحادث وقع كلية بسبب تقصير المستأنف عليه كما لم تقدم أي دليل تنفي به واقعة التقصير التي ادعاها المستأنف عليه، أو أن سائق البص اتخذ من جانبه أي خطوة تنم عن الحذر المعقول والمطلوب في مثل ظروف هذا الحادث فمن الواضح أن المستأنف عليه كان في مكان يقع أمام البص ولم تثبت المستأنفة أن سائق البص قد حاول مثلاً تنبيه المستأنف عليه أو حاول إيقاف البص وإنما دلف يمنه برعونة ودون أن يعير المارة أي اعتبار في مكان كان مزدحماً فيما هو معلوم وفيما أقرت به المستأنفة في مذكرة الطعن. هذا الازدحام كان من شأنه رفع مستوى الحيطة والحذر لا أن يعفى السائق من المسئولية .
أما ما قدمه المتحري، فرغم أنه قد يأخذ طابع الدليل السماعي بحكم أنه لم يشهد الحادث لحظة وقوعه إلا أنه نتاج زيارة شبه فورية لمكان الحادث ( بعد ساعة تقريباً منه ). وقد كان بمعاونة سائق البص نفسه فيما أفاد المتحري وهذا دليل مقبول كأفضل البينات في ظروف القضية بعد أن اختفى السائق نفسه.
يأتي بناء هذا إلى مناقشة النقطة القانونية التي أثارتها المستأنفة حول قبول الأدلة بالمقدمة في الدعاوى الجنائية، وهنا فإن اتجاه القضاء هو أن المسائل المتعلقة بالوقائع والتي تقدم في الإجراءات الجنائية مقبولة في الإجراءات المدنية. وقد كان هذا ما فهم من حكم المحكمة العليا في قضية الشركة السودانية المحدودة لتأمين العربات ضد أزهري أحمد المصطفى وآخر مجلة الأحكام لسنة 1973 (ص141) وذلك رغم تلك السابقة كانت تطبيقاً للمادة 70 من قانون الإثبات في المواد المدنية الملغي وقضت بهذا محكمة الاستئناف في عدة مناسبات.
أما حجة المستأنف حول العاهة التي أصابت المستأنف عليه وأثرها على التعويض المستحق فإنني أرى أن العاهة وإن قدرت على أنها 20% بالتقريب إلا أن أثرها الفعلي على المستأنف عليه كبير حقاً فالشهادة الطبية التي قدمها تثبت أن الضرر شمل تحديد حركة مفصلي الركبة والحوض وقصر في الرجل وقد وردت إشارات واضحة في محضر الدعوى عن الحالة العامة للمستأنف عليه وهي تدل على عجز واضح.
إن المستأنف عليه قد ادعى بأنه مزارع وقد أرت المدعي عليها الثانية بهذا الادعاء وفي هذا ما يسند إفادة المستأنف عليه أما المستأنفة فلم تنكر الواقعة صراحة وإنما اكتفت بإعلان عدم علمها بها وهذا لم يكن يصلح كإنكار للواقعة حتى تصاغ نقطة نزاع حولها. كما أنه لا ينفي الادعاء بطبيعة الحال.
إن الزراعة لهي من الحرف التي قد لا تكون مجزية وهي قد تكون أقل دخلاً من أن لم تكن تعادل في ذلك حرف أخرى ولهذا فإنني لا أرى ادعاء المستأنف عليه كان بهذا المستوى من الخطورة علة نتائج الدعوى حتى يكون ذلك الادعاء محل اعتبار خاص، ولو كان المستأنف عليه يحترف في نظر المستأنفة حرفة من شأنها تقليل التعويض المستحق فإنه كان عليها أن تدفع بذلك صراحة وتقدم ما لديها من أدلة لإثباته في مواجهة ما قدمه المستأنف عليه. ثم إن التعويض العام لا ينبني فقط على مدى العجز عن الكسب وإنما أيضاً على المعاناة وفقدان مباهج الحياة.
وبالنظر إلى الواقعة الثابتة بمستند رسمي بأن المستأنف عليه استمر تحت العلاج من 10/10/1976 على 8/6/1977وأنه كان مصاباً بكسر في الفخذ وأنه خرج بعاهة مستديمة فإنه من المتصور كم كانت آلامه ومعاناته وما سيكون عليه حاله مستقبلاً مما يجعل التعويض المستحق غير يسير والقول بأن كبر سن المستأنف عليه من شأنه أن يجعل التعويض اسمياً قول لا سند له إذ أن معاناة الإنسان مثلاً لا تعتمد على السن، ربما كانت معاناة كبير السن أعظم بعد أن فقد الكثير من قوة الاحتمال والمقاومة الطبيعية.
إن موضوع كمية التعويض قد استقر بشأنه القضاء بحيث لا تتدخل المحاكم الاستئنافية في تقدير محاكم الموضوع إلا في حالة المغالاة. والمعيار للمغالاة ليس هو اختلاف التقدير وإن المحكمة الاستئنافية ترى أنها لو كان في مكان محكمة الموضوع لحكمت بتعويض أقل، وإنما المعيار هو المبالغة التي تجعل التعويض المحكوم به يفوق الحد المعقول أو التعويض الذي ينبني على اعتبار لا يبيحه القانون فمنذ أن استعار القاضي محمد يوسف مضوي في قضية مجلس بلدي الخرطوم ضد ميشيل قطران مجلة الأحكام القضائية لسنة 1958ص 85 المعيار الذي وضعه اللورد ديننج في القضية الإنجليزية مكارثي ضد كولدير ليمتد وهو معيار الدهشة ( يا إلهي أبهذا القدر ) أقول منذ ذلك الوقت لم تعد محاكمنا الاستئنافية تتدخل في تقدير التعويض. وبالرجوع إلى التعويض الذي قدرته محكمة الموضوع في هذه القضية أرى أن لا موجب للتدخل فيه فليس فيه من المبالغة ما يعقد دهشتنا بل وإنني أرى وبمعيار القوة الشرائية الحالية للجنيه السوداني وبعد أخذ أسس التعويض واجبة التطبيق في هذه القضية أنه ربما كان التعويض الذي كان يجب تقريره أعلى من ذلك الذي حكم به.
يأتي بنا هذا إلى النقطة الأخيرة وهي المتعلقة بالتعويض عن الضرر الخاص.
وهنا فإنه لا بد من الاتفاق مع محامي المستأنفة على أن مثل هذا الضرر واجب الإثبات وأم المستأنف عليه قد اكتفى بشأنه بإفادته وبمستندات قليلة لا تعطي جوانب الضرر المدعى به، بيد أنني أرى أنه لا حاجة في إثبات الضرر الخاص إلى تقديم مستند عن كل جزء من النفقات فالقول بهذا في ظروف المجتمع السوداني إنما يرقى إلى تعجيز المدعي وحرمانه من التعويض الخاص كلية ذلك لأن النفقات المعيشية والتنقل وما إلى ذلك من النفقات التي تنشأ عن ظروف مماثلة لظروف الدعوى هي بطبيعتها مما لا يمكن تقديم مستند بشأنها، وفي تقديري أن التسليم بحتمية وجود نفقات لا مفر منه، وبعد ذلك يكون على لمدعي تقديم أفضل البينات لديه . في مواجهة ذلك يكون على المدعى عليه دحض تلك الأدلة للمحكمة في النهاية أن ترضخ كل ذلك لمعيار المعقولية. وفي تقديري أيضاً أن المستأنف عليه قدم أفضل ما لديه بشأن إثبات الضرر الخاص وفي مقابل ذلك لم تقدم المستأنفة أي دليل يناهض ذلك والمحكمة في حصر التعويض المستحق ثلاثمائة جنيه فقط إنما كانت مقترة ويبد ذلك جلياً من الفترة التي استغرقها العلاج.
27/5/1979:
القاضي بهيج سوريال:
أوافق.
28/5/1979:
القاضي فؤاد الأمين:
أوافق.
.
المحكمة العليا
القضـــاة :
سعادة السيد هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد صالح وهبي محمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعد النور إبراهيم الطاعن
ضد
خليل محمد صالح المطعون ضده
(م ع/ط م/250/1979)
المبادئ:
قواعد العدالة – الحائط المشترك والفاصل – حق المالك في استرداد نصف تكاليفه من الجار الملاصق.
من حق المالك استرداد نصف تكاليف الحائط المشترك والفاصل عن الجار الملاصق وذلك استنادا للسوابق القضائية ومبادئ الشريعة الإسلامية والعدالة والعرف والوجدان السليم
الحكــــم
6/2/1980:
القاضي هنري رياض سكلا:
انه في 22م11/1979 تقدم الطاعن بالطعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في الاستئناف رقم 215/1978 بتاريخ 14/10/1979 وذلك بعد الحصول على الإذن المقرر قانونا، كما تقدم المطعون ضده بمذكرة لدفاعه.
وتتحصل وقائع الطعن في أن المطعون ضده أقام في 18/10/1979 الدعوى رقم (201/1976) أمام محكمة الجزئية بالخرطوم ضد الطاعن مطالبا باسترداد مبلغ 160 جنيها على أساس أنه عبارة عن نصف تكاليف الحائط الفاصل بين منزل المطعون ضده رقم 102 مربع 2 الحي رقم 2 بتوتي والمنزل المجاور المملوك للطاعن الذي اعتمد على ذلك الحائط مستفيدا منه ودون أن يقوم ببناء حائط مستقل لنفسه.
وبعد أن حددت المحكمة نقاط النزاع في الدعوى واستمعت إلى أقوال الخصوم والشهود قضت في 21/1/1978 رفض الدعوى استنادا إلى أن الحائط بين منزلي المطعون ضده والطاعن حائط فاصل وليس حائطا مشتركا لأن الحائط شيده المطعون ضده أولا في وقت لم يقم فيه الطاعن بالتشييد. وذلك استنادا إلى ما ورد في المذكرة لتفسيرية للقانون المدني السوداني لسنة 1971 (الملغي) وفي شرح المادة 696: وذلك إعمالا لأحكام المادة 6 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974.
واستأنف المطعون ضده الحكم لدى محكمة المديرية فقضت في 25/2/1978 بنقض الحكم المستأنف وألزمت الطاعن "المدعى عليه والمستأنف عليه" بدفع 60 جنيها، وفقا لترجيح البينات التي أقنعت محكمة المديرية. واستندت محكمة المديرية في تدعيم رأيها على أحكام المادة 6 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974، إلى ما ورد في سابقة أحمد علي قاسم ضدك يوسف صدقي السيوفي إعادة نظم رقم 35/154 (موسوعة أحكام 1953/1954 – إعداد استنالي بيكر ص 28) من أن (للمدعى الحق في استرداد نصف تكاليف الحائط، لأنه من ناحية العدالة لم يكن له الخيار إلا أن يبني ذلك الحائط المشترك، كما أ، العرف قد جرى واستقر في مثل هذه الظروف على أن يدفع المدعى عليه تكاليف البناء مناصفة مع المدعي). كما ذهبت محكمة المديرية إلى أن تطبيق القواعد الأصولية في الشريعة الإسلامية مثل "لا ضرر ولا ضرار" و "الغرم بالغنم" يجيز للمالك الذي شيد الحائط المشترك والفاصل بين المنزلين استرداد نصف التكاليف، بل أكثر من ذلك فإن القضاء بذلك يتمشى مع العرف والعدالة والوجدان السليم ولم يقبل الطاعن بذلك فتقدم باستئناف لمحكمة الاستئناف، فقضت بالأغلبية في 14/10/1979 برفض الاستئناف وأيدت الحكم المستأنف لأسبابه التي أوردتها محكمة المديرية وعارض العضو الثالث ما ذهبت إليه الأغلبية على اعتقاد بأن ليس هنالك سند من الاتفاق أو القانون لدعوى المطعون ضده.
ومن ثم تقدم الطاعن بهذا الطعن بطريق النقض، ناعيا على الحكم المطعون فيه المؤيد لحكم محكمة المديرية مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وفي تأويله، وذلك لأن الحائط بين البنائين ليس حائطا مشتركا لأنه شيد في حدود أرض المطعون ضده وليس في الحدود المشتركة بين الجارين، كما أن الحائط ليس حائطا فاصلا بل أضحى بناء متكاملا استأثر به المطعون ضده لأنه شيد بعض المنافع على الحائط، وذلك فضلا عن أن ليس هنالك عرف في توتي استقر على ما يدعي المطعون ضده وذلك وفق ما ورد في أقوال شاهدي الدفاع.
وهذا النص في جميع أوجهه مردود بما أورده كل من الحكم المطعون فيه وحكم محكمة المديرية بأن من حق المطعون ضده استرداد نصف تكاليف الحائط الفاصل والمشترك بين المنزلين المتجاورين، سواء كان ذلك استنادا على السابقة القضائية المشار إليها آنفا ومبادئ الشريعة الإسلامية والعرف والعدالة والوجدان السليم مجتمعين أو على أي منها، إذ من الظاهر أن كلا من سابقة أحمد علي قاسم ويوسف صدقي السيرفي والعرف يستند أساسا على العدالة والوجدان السليم، ذلك أن الجواز أساسه التعاون والتكافل والعمل بما يتفق مع مصلحة الجيران والمألوف في الحياة، لأن الجار الملاصق الذي لا يشيد حائطا فيل أرضه الخاصة يستفيد بطبيعة الحال من الحائط الذي سبق أن شيده جاره ويستتر به بل وينتفع به على وجه مماثل تقريبا لمنفعة من شيده.
ولا يقل من هذه المنفعة أن يستند ذلك الجار على الحائط المشترك في الجزء من أجزائه بمباني ملاصقة، إذ ليس هناك ما يحول دون الطاعن من الاستفادة بالمثل إن شاء.
أما قول الطاعن بأن بناء الحائط كان في حدود أرض المطعون ضده وحده، فلا دليل عليه، ومن ثم جاز الافتراض أن التشييد قام على العرف الجاري في السودان من أن مساحة كل من القطعتين المتجاورتين لا تسمح عادة لكل مالك أ، يبني حائطا منفصلا به، ومن ثم جرى اشتراك المتجاورين في تشييد حائط بينهما نصف في أرض من شيد الحائط والنصف الآخر في أرض الجار الملاصق.
وقول الطاعن بأن لعرف الذي يجب الاعتداد به هو عرف المنطقة لا يجد دليلا يستند عليه ولا حجة مقنعة، ذلك أن شاهد دفاعه الرئيسي لم ينف وجود العرف، إذ أن كل ما يمكن أن ستدل عليه من أقواله أن بعض من يشيدون الجدار المشترك والفاصل قد لا يطالبون بحقهم في نصف التكاليف من الجار الملاصق. وليس في ذلك إهدار أو تقليل ن فعالية ما جرى عليه العرف بين أهالي توتي أو أهالي الخرطوم، إذ من المسلم به أنه يجوز لكل صاحب حق أن يتنازل عن حقه أو لا يطالب به قضائياً، كما أن العرف الذي اعتدت به محكمة المديرية ومحكمة الاستئناف يكاد يكون عرفا عاما في السودان، وليس ي مديرية الخرطوم وحدها، بل أنه عرف إنساني يقوم على قيم خلقية رفيعة تجعل من القانون تعبيرا سديدا لمصالح الجماعة لا تعبيرا عن المصلحة الذاتية النفعي لفرد من الأفراد، ومن ثم أصاب قاضي المديرية القول لما انتهى إلى القول بأن إلزام الجار الملاصق بدفع نصف تكاليف الحائط المشترك والفاصل بين بناءين لا يتوافق مع السابقة القضائية فحسب بل مع مبادئ الشريعة والعدالة والعرف والوجدان السليم أيضا، ومن ثم فإن النعي عليه بمخالفته القانون والخطأ في تطبيقه غير سديد مما يتعين معه رفض الطعن وإلزام الطاعن بالرسوم.
لذلك نأمر بما يلي:
1- رفض الطعن 2- إلزام الطاعن بالرسوم.
القاضي صالح وهبي: القاضي محمد محمود أبو قصيصة:
أوافق. أوافق.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب رئيس القضاء رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ محمّد السنوسي إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية ميراث – الطعن في المحضر
قرار النقض نمرة 154/1978
الصادر في يوم الأحد 20 ذو القعدة سنة 1398هـ
الموافق 22/10/1978
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الطعن في وقائع المحضر القضائي – التزوير – وجوب التحقيق فيه – قواعد الإدعاء بالتزوير.
1- طعن الخصم في الوقائع التي يثبتها القاضي بمحضر التحقيق ، مكذباً حصول شيئاً منها ، هو في حقيقته طعن بالتزوير ، يتعين على المحكمة أن تستفسره عنه ، وتطلب منه إيراد أدلته عليه وتسير فيه حسب الإجراءات المدنية لسنة 1974م وإغفال ذلك بدون اتخاذ الإجراءات القانونية التي توضح الحقيقة وما يترتب عليها ، يعتبر خطأ إجرائياً يستلزم إلغاء الحكم.
الوقـــائع
في 7/2/1977م طلب المدعى حصر تركة وورثة والدته وتم حصر التركة بواسطة كاتب الحصر بالمحكمة في نفس اليوم وبذات التاريخ أفاد مدير الضرائب بأنه ليس على المتوفاة أي التزامات ضريبية.
في 9/2/1977م أفادت تسجيلات الخرطوم بأن المتوفاة تملك القطعتين 44 مربع 1/ السائح ومساحتها 912 م. م بالملك الحر و 47 (5) 3 حلة حمد مدينة الخرطوم بحرى مساحتها 412 م.م بالملك الحر لها النصف فيها وأن قيمة المتر في القطعة الأولي خمسة جنيه وفي الثانية 4 جنيهات.
حددت المحكمة يوم 16/2/1977م لنظر التركة إلا أن طالب الحصر طلب تقديم الجلسة إلى يوم 14/2/1977م لأنه مسافر إلى الجنوب.
نظرت المحكمة التركة في 14/2/1977م وحضر أمامها والدة المتوفاة وأولاده البلغ الثلاث ومن أقوالهم وشهادة الشهود ثبت أن إرث المتوفاة ينحصر في هؤلاء لأن الأولي والدة المتوفاة والآخرين أولادها البلغ من زوجها المتوفى قبلها ولا وارث سواهم.
الوفاة وانحصار الإرث وإجازة التنازل في التركة لباقي الورثة من غير عوض ليكون بالتساوي بينهم وقبلوا التنازل.
أجازت المحكمة التنازل وأصدرت الإعلام 88/1977 في 14/2/1977 بثبوت الوفاة وانحصار الإرث وإجازة التنازل وتقسيم العقار لأولاد المتوفاة الثلاث بالتساوي.
أصدرت المحكمة الإعلام 35/1978 في يناير 1978 بالحجر على والدة المتوفاة وإقامة ابنها قيماً عليها.
رفع القيم الدعوى 24/س/1978 أمام قاضي المديرية الخرطوم بحري طاعناً في الإعلام وذلك بتاريخ 9/5/1978 قبلت منه المحكمة الاستئناف بناء على المادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م وجاء في أقوال محامي المستأنف أن والدة المتوفاة في سن لا تسمح لها بالتنازل وتقرير الأطباء شاهد على ذلك إلى أن قال (أن ما جاء في محضر التركة من أنها حضرت أمام المحكمة وتنازلت عن حقها غير صحيح لأنها لا تستطيع التصرف بمثل هذا).
ورد محامي المستأنف ضدهم بأن التنازل صحيح وأن المتنازلة حضرت وهي في كامل قواها العقلية وأن الحجر عليها لم يتم إلا بعد أكثر من سنة وهذا لا يدل على أنها لا تحسن التصرف وقت التنازل.
أصدرت المحكمة قرارها برفض الطعن وصحة الإعلام وجاء في الأسباب أن الحجر لاحق ولا يستلزم أنها كانت وقت التنازل لديها تلك الدواعي وأن التنازل كان صحيحاً وذلك في 29/7/1978م.
قدم محامي الطاعن عريضة الطعن بالنقض في 8/8/1978م ثم أردفها بعريضة أخرى مؤرخة 21/8/1978 ذكر فيها أسباب الطعن نلخصها في الآتي :-
أن عمل المحكمة كان على عجل إذ أن تحرياتها وإصدار قرارها كان في ظرف أسبوع واحد ، وأن تقدير العقار غير صحيح لأن قيمته أكثر مما قدر له وأنه لا يمكن أن يقال أن والدة المتوفاة حضرت أمام المحكمة بنفسها مع العلم أنها لا تستطيع ولم تتقبل العزاء في بيتها وأن محكمة الاستئناف لم تطلب القيمة الحقيقية للعقار وأن المتنازلة تجاوزت المائة عام والشهادة الطبية التي ناقشتها المحكمة تشهد بأنها لا تستطيع التصرف كما جاء في الإعلام وطلب إلغاء الحكمين. أعلنت العريضة وجاء الرد من محامي المطعون ضده بأن الإجراءات التي اتخذتها المحكمة الابتدائية صادرة من جهة الاختصاص وشهادة التقدير صادرة من لجنة كاملة – ومضي إلى أن والدة المتوفاة حضرت أمام المحكمة وتنازلت وهي بكامل عقلها بشاهدة الشاهدين اللذين حضرا بالمحكمة وقد تم ذلك قبل الحجر عليها بسنة وثلاثة أشهر وأن الشهادة الطبية لا تشير إلى أنها كبيرة في السنة والسبب في إصدار الإعلام في وقت سريع أن أحد الورثة له عمل بالجنوب وطلب الإسراع لذلك.
الأســـباب
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن البت في التركة تم بسرعة مذهلة مما يوحي أن هناك اهتماماً بالموضوع ولكن هذا الأمر لا يرقي إلى الطعن في صحة الحكم – وتشير الوقائع أن محكمة الاستئناف طلبت من المسجل العام إعادة تقدير العقار ثم أصدرت حكمها قبل أن يصلها الرد مع أن إعادة التقدير تتعلق بالرسوم وهو من النظام العام الذي يتعين على المحكمة مراجعته بالنسبة للتقدير والتحصيل.
تشير الوقائع أيضاً بأن محامى الطاعن طعن أمام محكمة الاستئناف في الحكم الابتدائي بالتزوير إذ جاءت أقواله بالحرف – أن ما جاء في محضر التركة من أنها حضرت – يشير إلى والدة المتوفاة – أمام المحكمة وتنازلت عن حقها غير صحيح فكان واجب المحكمة أن تستفسر عنه هل يطعن بالتزوير في حضورها فإن قال كذلك أوقفت السير في الدعوى وطلبت منه ذكر أدلة التزوير وحققت في الموضوع حتى إذا ثبت أنها حضرت انتقلت في هذه الحالة إلى دعواها أنها حين تنازلت لم تكن بكامل قواها العقلية والواجب في هذه الحالة أن يثبت المطعون ضدها صحتها حين التنازل فإن عجز طلب من الطاعن بينة المرض.
بما أن المحكمة لم تحقق في التزوير ولا طلبت البينة على الصحة ولا على المرض فإن حكمها جاء غير صحيح.
( لــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة الاستئناف للسير فيها من جديد على ضوء الأسباب.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب رئيس القضاء رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ محمّد السنوسي إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية ميراث – الطعن في المحضر
قرار النقض نمرة 154/1978
الصادر في يوم الأحد 20 ذو القعدة سنة 1398هـ
الموافق22/10/1978
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الطعن في وقائع المحضر القضائي – التزوير – وجوب التحقيق فيه – قواعد الإدعاء بالتزوير.
1- طعن الخصم في الوقائع التي يثبتها القاضي بمحضر التحقيق ، مكذباً حصول شيئاً منها ، هو في حقيقته طعن بالتزوير ، يتعين على المحكمة أن تستفسره عنه ، وتطلب منه إيراد أدلته عليه وتسير فيه حسب الإجراءات المدنية لسنة 1974م وإغفال ذلك بدون اتخاذ الإجراءات القانونية التي توضح الحقيقة وما يترتب عليها ، يعتبر خطأ إجرائياً يستلزم إلغاء الحكم.
الوقـــائع
في 7/2/1977م طلب المدعى حصر تركة وورثة والدته وتم حصر التركة بواسطة كاتب الحصر بالمحكمة في نفس اليوم وبذات التاريخ أفاد مدير الضرائب بأنه ليس على المتوفاة أي التزامات ضريبية.
في 9/2/1977م أفادت تسجيلات الخرطوم بأن المتوفاة تملك القطعتين 44 مربع 1/ السائح ومساحتها 912 م. م بالملك الحر و 47 (5) 3 حلة حمد مدينة الخرطوم بحرى مساحتها 412 م.م بالملك الحر لها النصف فيها وأن قيمة المتر في القطعة الأولي خمسة جنيه وفي الثانية 4 جنيهات.
حددت المحكمة يوم 16/2/1977م لنظر التركة إلا أن طالب الحصر طلب تقديم الجلسة إلى يوم 14/2/1977م لأنه مسافر إلى الجنوب.
نظرت المحكمة التركة في 14/2/1977م وحضر أمامها والدة المتوفاة وأولاده البلغ الثلاث ومن أقوالهم وشهادة الشهود ثبت أن إرث المتوفاة ينحصر في هؤلاء لأن الأولي والدة المتوفاة والآخرين أولادها البلغ من زوجها المتوفى قبلها ولا وارث سواهم.
الوفاة وانحصار الإرث وإجازة التنازل في التركة لباقي الورثة من غير عوض ليكون بالتساوي بينهم وقبلوا التنازل.
أجازت المحكمة التنازل وأصدرت الإعلام 88/1977 في 14/2/1977 بثبوت الوفاة وانحصار الإرث وإجازة التنازل وتقسيم العقار لأولاد المتوفاة الثلاث بالتساوي.
أصدرت المحكمة الإعلام 35/1978 في يناير 1978 بالحجر على والدة المتوفاة وإقامة ابنها قيماً عليها.
رفع القيم الدعوى 24/س/1978 أمام قاضي المديرية الخرطوم بحري طاعناً في الإعلام وذلك بتاريخ 9/5/1978 قبلت منه المحكمة الاستئناف بناء على المادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م وجاء في أقوال محامي المستأنف أن والدة المتوفاة في سن لا تسمح لها بالتنازل وتقرير الأطباء شاهد على ذلك إلى أن قال (أن ما جاء في محضر التركة من أنها حضرت أمام المحكمة وتنازلت عن حقها غير صحيح لأنها لا تستطيع التصرف بمثل هذا).
ورد محامي المستأنف ضدهم بأن التنازل صحيح وأن المتنازلة حضرت وهي في كامل قواها العقلية وأن الحجر عليها لم يتم إلا بعد أكثر من سنة وهذا لا يدل على أنها لا تحسن التصرف وقت التنازل.
أصدرت المحكمة قرارها برفض الطعن وصحة الإعلام وجاء في الأسباب أن الحجر لاحق ولا يستلزم أنها كانت وقت التنازل لديها تلك الدواعي وأن التنازل كان صحيحاً وذلك في 29/7/1978م.
قدم محامي الطاعن عريضة الطعن بالنقض في 8/8/1978م ثم أردفها بعريضة أخرى مؤرخة 21/8/1978 ذكر فيها أسباب الطعن نلخصها في الآتي :-
أن عمل المحكمة كان على عجل إذ أن تحرياتها وإصدار قرارها كان في ظرف أسبوع واحد ، وأن تقدير العقار غير صحيح لأن قيمته أكثر مما قدر له وأنه لا يمكن أن يقال أن والدة المتوفاة حضرت أمام المحكمة بنفسها مع العلم أنها لا تستطيع ولم تتقبل العزاء في بيتها وأن محكمة الاستئناف لم تطلب القيمة الحقيقية للعقار وأن المتنازلة تجاوزت المائة عام والشهادة الطبية التي ناقشتها المحكمة تشهد بأنها لا تستطيع التصرف كما جاء في الإعلام وطلب إلغاء الحكمين. أعلنت العريضة وجاء الرد من محامي المطعون ضده بأن الإجراءات التي اتخذتها المحكمة الابتدائية صادرة من جهة الاختصاص وشهادة التقدير صادرة من لجنة كاملة – ومضي إلى أن والدة المتوفاة حضرت أمام المحكمة وتنازلت وهي بكامل عقلها بشاهدة الشاهدين اللذين حضرا بالمحكمة وقد تم ذلك قبل الحجر عليها بسنة وثلاثة أشهر وأن الشهادة الطبية لا تشير إلى أنها كبيرة في السنة والسبب في إصدار الإعلام في وقت سريع أن أحد الورثة له عمل بالجنوب وطلب الإسراع لذلك.
الأســـباب
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن البت في التركة تم بسرعة مذهلة مما يوحي أن هناك اهتماماً بالموضوع ولكن هذا الأمر لا يرقي إلى الطعن في صحة الحكم – وتشير الوقائع أن محكمة الاستئناف طلبت من المسجل العام إعادة تقدير العقار ثم أصدرت حكمها قبل أن يصلها الرد مع أن إعادة التقدير تتعلق بالرسوم وهو من النظام العام الذي يتعين على المحكمة مراجعته بالنسبة للتقدير والتحصيل.
تشير الوقائع أيضاً بأن محامى الطاعن طعن أمام محكمة الاستئناف في الحكم الابتدائي بالتزوير إذ جاءت أقواله بالحرف – أن ما جاء في محضر التركة من أنها حضرت – يشير إلى والدة المتوفاة – أمام المحكمة وتنازلت عن حقها غير صحيح فكان واجب المحكمة أن تستفسر عنه هل يطعن بالتزوير في حضورها فإن قال كذلك أوقفت السير في الدعوى وطلبت منه ذكر أدلة التزوير وحققت في الموضوع حتى إذا ثبت أنها حضرت انتقلت في هذه الحالة إلى دعواها أنها حين تنازلت لم تكن بكامل قواها العقلية والواجب في هذه الحالة أن يثبت المطعون ضدها صحتها حين التنازل فإن عجز طلب من الطاعن بينة المرض.
بما أن المحكمة لم تحقق في التزوير ولا طلبت البينة على الصحة ولا على المرض فإن حكمها جاء غير صحيح.
( لــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة الاستئناف للسير فيها من جديد على ضوء الأسباب.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ محمّد زين العابدين قاضي محكمة الاستئناف
المنتدب للمحكمة العليا عضواً
قضية طلاق للضرر
قرار النقض نمرة 197/1978
الصادر في يوم السبت 30 محرم 1399هـ
الموافق 12/12/1978
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الطلاق بسبب الضرر – إدانة الزوج جنائياً – حجية الأحكام الجنائية – قبولها كدليل – إخضاعها لشروط التفريق الشرعية للضرر.
1- المحاكم الجنائية عند إدانتها للزوج بتعديه على زوجته لا تتعرض لما يقرره الفقهاء من القواعد الواجبة التطبيق عند محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين بشأن تقدير الضرر ، ومناسبته للبيئة ، وأنه وأن قبلت أحكامها كدليل على حصوله على أنه لابد من إخضاعها حين الأخذ بها للشروط التي يجب توافرها لثبوت الضرر الموجب التفريق شرعاً بين الزوجين تطبيقاً للأحكام المنصوص عليها بالمنشورين 17 ، 61 والمذكرة التفسيرية المؤرخة 7/6/1977 وما ترى مناسبته من طرق الإثبات الشرعية.
الوقـــائع
رفعت القضية نمرة 140/1978 محكمة الخرطوم الشرعية وسمعت بطلب طلاق للضرر وقد ادعت المدعية بأن المدعى عليه زوجها وهي في عصمته وطاعته وقد اعتاد ضربها وشتمها بألفاظ نابية مثل ( يا شرموطة ) وقد ضربها في شهر أكتوبر 1976 بيده كما ضرب لها رأسها بالحائط وجرها من شعرها أمام سور المحكمة في 2/1/1978وقد فتحت عليه بلاغاً لدى البوليس وحوكم بغرامة 7 جنيهات أو شهر سجناً وقد أدين تحت المادة 277 عقوبات في البلاغ نمرة 47/1978 ونسبة لذلك فقد صارت الحياة بينهما أمراً مستحيلاً – صادق المدعى عليه على قيام الزوجية والطاعة وأنكر الضرر أولاً وعندما قد محاميها خطاب قاضي المديرية الدائرة الجنائية الخرطوم نمرة 1/189/1978 رقم 4/2/1978 ، والذي يفيد بأن المدعى عليه قد حكم عليه أمام مجلس القضاة بالخرطوم شمال بالغرامة 7 جنيهات وبالعدم شهر سجناً – صادق المدعى عليه على ما جاء بخطاب السيد قاضي المديرية وقال أنه قد ضربها كفاً على خدها ولكنه لم يوجه إليها أي إساءة وأن سبب ضربه لها أنها كشحته بالتراب وقبضته من خصيته وقد ذكر ذلك أمام محكمة القضاة.
هذا وبتاريخ 18/2/1978 أصدرت المحكمة حكمها الحضوري بتطليقها منه للضرر وقد بنت حكمها بأن المدعى عليه قد أدين أمام مجلس قضاة الخرطوم شمال بتاريخ 15/1/1978 بالغرامة 7 جنيهات أو بالعدم شهر سجناً على أن يسدد من الغرامة مبلغ 5 جنيهات للشاكية وقد صادق المدعى عليه على مضمون خطاب قاضي المديرية الدائرة الجنائية كما صادق على أنه قد ضربها كفاً على خدها.
بتاريخ 20/2/1978 تقدم المحكومة ضده لمحكمة المديرية بالخرطوم مستأنفاً الحكم الابتدائي وأدعى بأنه لم يبن على أسباب صحيحة حيث أنه قد ضربها ذلك الكف عندما أمسكت بذكره ولم يجد طريقة للخلاص سوى أن يضربها وقد أجاب محامى المستأنف ضدها بأن المستأنف قد أقر بأنه ضربها وقد حوكم بالغرامة وأن ذلك كاف لطلاقها منه بتاريخ 29/3/1978 أصدرت محكمة المديرية قرارها بإلغاء الحكم الابتدائي وقد سببت ذلك بأن صدور أحكام جنائية على الزوج لتعديه على زوجته أو لإلحاق ضرر بها وأن قبلت كدليل على ثبوت الضرر إلا أنه لابد من إخضاعها حين الأخذ بها في دعوى الطلاق للضرر للشروط التي يحددها الفقهاء للضرر الموجب التفريق كعدم استطاعته دوام العشرة بينهما ، والضرر الذي لا يليق بأمثالهما وذكرت محكمة المديرية في أسبابها أيضاً بأن المدعية قد ادعت وأن زوجها قد اعتاد ضربها وشتمها بألفاظ نابية ولم تحقق المحكمة فيها وعليه فينبغي إعادة الأوراق للسير فيها من جديد.
لم تقتنع الزوجة بقرار محكمة المديرية فتقدم محاميها بتاريخ 12/4/1978 لهذه المحكمة يطعن في الحكم ويدعي بأنه لم يبن على أسباب صحيحة وساق في أسبابه بأن المحكمة الابتدائية قد حكمت لموكلته بالطلاق للضرر وأن حكمها سليم حيث أن المطعون ضده قد أقر بالضرب والسب كما وأن هنالك حكماً جنائياً وأن المنشور (7) 1 قد أجاز التطليق للضرر بناء على حكم جنائي. وقد أجاب المطعون ضده على عريضة النقض وقد جاء في رده أنه لم يضربها وهي زوجته وقد عاش معها أكثر من عشرة أعوام وله منها أطفال ثم ذكر بأنها لم أمسكت بذكره وخصيتيه وتألم ضربها كفاً للتخلص.
الأســــباب
قدم الطعن في ميعاده القانوني فهو مقبول شكلاً وفي الموضوع فإن هذه المحكمة تتفق مع محكمة المديرية بأن الحكم الجنائي وحده لا يكفي لإثبات الضرر حيث نصت الفقرة (3) من المنشور 59 أن صدور أحكام جنائية على الزوج لتعديه على زوجته أو لإلحاق ضرر بها وأن قبلت كدليل على ثبوت الضرر إلا أنه لابد من إخضاعها حيث الأخذ بها في دعوى طلب الطلاق للضرر للشروط التي حددها الفقهاء للضرر الموجب للتفريق كعدم استطاعته دوام العشرة بينهما وكعدم جواز الضرر شرعاً وأنه لا يليق بأمثالهما ، وطبيعي أن الشروط لا مجال لبحثها أمام المحاكم الجنائية.
حقيقة أن المطعون ضده قد أقر بأنه ضربها كفاً لكنه ذكر أن ذلك كان تحت ألم مبرح عندما أمسكت بذكره وخصيته وأن المنشور 59 قد تعرض لموضوع تكرار الضرر وذكر أن الضرر كان بليغاً ولا يحتمل التكرار بطبيعته يوجب الطلاق والسؤال هنا هل يعتبر ذلك إذا ثبت ضرراً بليغاً مما لا يستطاع معه دوام العشرة لأمثالهما؟ هذا كله لم تتعرض له المحكمة الابتدائية ولم تحقق فيه كما فات على محكمة المديرية أن تشير إلى تقصير المحكمة الابتدائية في عدم عرض دعوى المعارض ضده إمساك المعارض له من مذاكيره لتقف على إجابتها ثم تتخذ ما يناسب من طرق الإثبات.
إن مجرد ثبوت ضرر ما لا يكفي للتطليق فلابد من أن يكون مما لا يستطاع معه دوام العشرة لأمثالهما ولا يجيزه الشرع وعليه فإن حكم محكمة المديرية قد بني على أسباب صحيحة.
( لهــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ محمد السنوسي إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية هبة عقارية
قرار النقض نمرة 2/1979م
الصادر في يوم الاثنين 16 شهر صفر 1399هـ
الموافق 15/1/1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الهبة – ثبوت حصولها – ركن القبول – يقوم مقامه – القبض.
1- متى ثبت حصول الهبة المدعاة بها وأقر الخصم بإقامة مدعى الهبة في العقار الموهوب له فذلك إقرار بالقبض يقوم مقام القبول في تمام الهبة.
الوقـــائع
الطعن استوفي إجراءات الشكلية وفي الموضوع تقدم الطاعن بالقضية الابتدائية نمرة 591/1977 محكمة الخرطوم الابتدائية ضد ورثة المتوفى إرثهم فيه بالفتوى نمرة 40/1977 وهو أولاده الاثنان وبناته الخمسة البلغ دون سواهم مدعياً بأن مورثهم قد وهب له بحياته وصحة عقله وبدنه 9 م. م في القطعة نمرة 5 مربع برى اللاماب البالغ مساحتها الكلية 140 م.م قد قبل الهبة وقبضها ولا يزال قابضاً لها وقد كان بالنصب الموهوب له مباني خربة قام بإزالتها وإعادة البناء في الجزء الموهوب له فقد شيد بها مطبخاً وحجرة وأدبخانة بعضها من الطوب بالتنكيس وبعضها الآخر من الجالوص وكان يشغلها بسكناه هو وزوجة إحدى المدعى عليهن وخرج منها قبل ثمان سنوات تقريباً وقام بإجارها وأنه يستلم الأجرة حتى الآن كما قام بإفراز القطعة الموهوبة إفرازاً عرفياً بتسويرها من جهة الشارع لذلك فإنه يطلب تسجيل الموهوب له باسمه ويحكم له على المدعى عليهم بإثبات الهبة وأنه لا يطالب بالرسم. وأن الهبة تمت سنة 1965م.
صادق المدعى من المدعى عليهم زوجته على كل دعواه وقالت لا مانع لديها من تسجيل الموهوب للموهوب له كما ادعاه ، وأنكر الدعوى باقي الورثة المدعى عليهم وأجابوا بأنهم لا يعلمون أن مورثهم وهب شيئاً للمدعى سنة 1965م من المنزل المذكور ولكنهم يقررون بأن المدعى كان يقيم في جزء من المنزل المذكور باعتباره زوجاً لأختهم ولذلك فإنهم يطلبون رفض دعواه. طلبت المحكمة من المدعى البينة على الهبة وقبولها وقبضوا فقدم ورقة صغيرة فحواها أن المتوفي بصحة بدنه وتمام عقله قد أوهب بيت إلى المدعى بالحلة القديمة من مدة عشرين سنة يتصرف فيه حيث يشاء المقر بما فيه إمضاء المتوفى غير واضحة المعالم : الشهود
إمضاء التاريخ 8/4/1965
وعرضتها المحكمة على المدعى عليهم فأنكروها هذا وذكرت المحكمة أنها تلاحظ بأن بالورقة بعض التلف كما بها جزء من ختم لا يوضح فيه أي شئ وذكر المدعى بأنها تعرضت لغسيل ضمن الملابس وقد أعطيت الورقة نمرة واحد وحفظت بالملف وقد وجهت المحكمة للمدعي عما إذا كانت له بينة سوى ما تقدم فذكر بأن له بينة كافية وطلب محامى المدعى عليهم حصرها فحصروها في أربعة أشخاص أحدهم بعد أن أدي اليمين بأن المتوفى وهب المنزل الذي كان يقيم فيه المدعى بالقطعة نمرة 5 مربع 2 برى اللاماب إلى المدعى وكان ذلك بسند وقعت عليه. وعرض عليه السند وأجاب بأنه هو نفس السند وباستفساره أجاب بأن الموهوب مطبخ وفسحة تابعة له وغرفة فقط وكان مشتركاً في المدخل إلا أن الموهوب له قام بفتحه على الشارع وقام بإدخال الماء فيه بعداد منفصل وكان يقيم فيه هو وأولاده وزوجته التي هي بنت الواهب وكانت الهبة في 8/4/1965 ومساحة القطعة الموهوبة حوالي 140 م.م وأن المنزل الموهوب مؤجر الآن بواسطة أحمد البشير وهو الذي يأخذ الأجرة من المستأجر ويشهد الشاهد الثاني بأن المتوفى حضر إليه بمنزله يوم 8/4/1965 حوالي الساعة الرابعة وقال له أنني وهبت البيت الذي يقيم فيه إليه وجلس معه حتى شرب معه القهوة وبسؤاله من محامى المدعى أجاب بأن المنزل الموهوب بناه المدعى وهو عبارة عن غرفة ومطبخ وأدبخانة وكان يقيم فيه مع زوجته وأولاده وأن مساحته بالتقريب 420 م.م وأنه مؤجر الآن بواسطة أحمد البشير وسأل محامي المدعى عليهم الشاهد بالآتي :-
ذكرت باليوم والشهر والسنة التي حضر فيها الواهب لمنزلك وأخبرك بالهبة فهل تستطيع تحديد اليوم والشهر والسنة التي توفي فيها الواهب؟ فأجاب لا يستطيع ذلك وأجاب المدعى بأن الشاهد الثالث لا تعدو شهادته عن أن المدعى قد أقام المباني في القطعة موضوع النزاع وكان يسكن فيها وأجرها بعد رحيله منها ولذلك فإنه يرى بأن شهادته غير صحيحة وقد صرف النظر عنها وأما الشاهد الرابع فإنه مقعد بمنزله ولا يستطيع الحركة وإذا رأت المحكمة أخذ شهادته فلتنتقل إليه وأنه يلتمس من المحكمة إصدار الحكم في الدعوى إعمالاً للمادة 75 من قانون المرافعات المدنية الجدول الثاني ، هذا وفي الجلسة المحددة للنطق بالحكم سألت المحكمة المدعى عن التاريخ الذي قبض فيه الجزء المدعي به فأجاب محاميه أن موكله قد قبض الجزء الموهوب له قبل ثمانية سنوات قبل الهبة وظل قابضاً لها بعد الهبة وعند ذلك أجابت المحكمة بأن موكله قد ادعى الهبة وقبولها وقبضها وأن بينته لم تشهد له بالقبول فهل يرغب في تحليف المدعى عليهم على نفي علمهم لقبوله الهبة – وأجاب محامى المدعى بأن موكله أخذ أنقاض القطعة الموهوبة له خارجها وقام بتشييدها سنة 1965 وأن الواهب قد حاول تسجيلها له عن طريق التسوية 1965 ولكنها لم تتم لوفاة الواهب وأن قيام موكله بالإنشاءات بالقطعة الموهوبة تعتبر قبولاً للهبة وأن لم يصرح بها الشهود كما أقرت إحدى المدعي عليهم وهي بنته بالهبة المذكورة بعد قبضها ولذلك كله فإنه لا يرى ما يبرر تحليف المدعى عليهم بنفي علمهم بالقبول وبالتالي فإنه لا يرغب في يمينهم.
2- وبناء على ما تقدم فقد أصدرت المحكمة الابتدائية حكمها حضورياً برفض الدعوى وقد حضر المدعى عليهم ما عدا زوجة المدعى فقد حكمت قضية الهبة في نصيبها مؤاخذة لها في إقرارها وذلك بتاريخ 11/3/1978 وبنى حكمه على أن القبول لم يتم في الهبة المدعى بها وأنه رغب عن يمين المدعى عليهم المذكورين.
3- بتاريخ 21/3/1978 تقدم المدعى باستئنافه لحكم المحكمة الابتدائية لقاضي المديرية طاعناً فيه بالآتي :-
1- أن الإيجاب والقبض ثبتا بما لا يدع مجالاً للشك لأن القبض تم قبل حصول الإيجاب بالهبة وأن المحكمة الابتدائية تريد ثبوت القبول الصريح وهذا ما لم يثبت في نظرها.
2- أن القبول الصريح ثابت باستمرار القبض لأن موكله لا زال يأخذ أجرة الجزء الموهوب وأن موكله هو الذي كتب ورقة الهبة.
3- أن السادة الأحناف يرون أن القبض يقوم مقام القبول.
4- أما المساحة الموهوبة واختلاف الشاهدين في مقدارها فإنه لو قسمت القطعة بواسطة المساحة لا تصح مقدارها لأن الجزء الموهوب عبارة عن حجرة ومطبخ ومرحاض عليها حوش ولو ناقشت المحكمة الشهود لوجدت أن الشاهد الذي قال أن المساحة 140 م.م كان يقصد بذلك مساحة كل القطعة والذي قال أنها 420م.م كان يقصد القطعة المتنازع فيها والمجاورة لها ولهذا كله فإنه يطلب إلغاء الحكم الابتدائي وتكملة السير في الاستئناف بإعادة شهادة أحد الشهود وإرسال مساح ليقيس القطعة الموهوبة مع ملاحظة أن المنشور 13 يجيز هبة المشاع.
5- ورد محامي المستأنف ضدهم على دعوى المستأنف في عريضته المؤرخة 15/5/1978م بالآتي :
(1)أن الهبة المدعى بها لا إيجاب فيها ولا قبول ولا قبض.
(2)أن استمرار المستأنف بالمنزل كان باعتباره زوجاً لبنت مورث المستأنف ضدهم وأن استلامه للأجرة غير صحيح وأن زوجته التي كانت تستلم الأجرة.
(3)أن كتابة المستأنف لورقة الهبة لا تلزم الورثة لأنه لم يثبت بأن مورثهم أمر بها أو وقع عليها وأنهم يطعنون في الورقة بالتزوير.
(4)وبما أنهم ينكرون الهبة أساساً فلن يدخلوا في مناقشة المساحة ولا مناقشة الشهود فيما جاء بأقوالهم ولذلك فإنهم يطلبون شطب الاستئناف برسومه لعدم وجود إيجاب ولا قبول ولا قبض ولا ثبوت للهبة.
6- بعد الإطلاع على أوراق الحكم الابتدائي وعريضة المستأنف ورد المستأنف ضدهم أصدرت محكمة استئناف المديرية حكمها حضورياً بتأييد الحكم المطعون فيه ورفض الاستئناف وذلك بتاريخ 23/9/1978م وبنت حكمها على الآتي : تقول المادة 502 لا يثبت ملك العين الموهوبة إلا بقبضها قبضاً كاملاً كما هو مبين في المادة 507 وإن كانت في يد الموهوب له ملكها بمجرد العقد بدون قبض جديد بشرط القبول ومن حيث أنه ما دام الموهوب به كان بيد الموهوب له قبل الهبة فلابد من القبول في هذه الحالة ومن حيث أنه لم يثبت القبول من الموهوب له فإن رفض محكمة الموضوع إثبات الهبة صحيح ويجب تأييده.
7- بتاريخ 5/10/1978 تقدم الطاعن بعريضة للنقض للمحكمة العليا طالباً إلغاء الحكمين الابتدائي والاستئناف في الموضوع معللاً ذلك بالآتي :
(1)هنالك عدة أمور تدل على أن موكله قبض الهبة وهي تقديمه للمحكمة بحياة الواهب لإتمام الهبة وهنالك عريضة بالمحكمة في الملف 7/هبات/ 1977 وبالتسجيلات تحت نمرة 537/1977.
(2)كتابة المستأنف للورقة العرفية المحفوظة بملف القضية الابتدائية جـ691/1977 بالهبة 232 سكن المستأنف بالمنزل ثم استئجاره.
(3)أعلن محامى المطعون ضدهم بعريضة النقض واستلم صورة ووقع بالاستلام بتاريخ 7/11/1978 ولم يصل منه ولا منهم أي رد.
الأســـباب
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن الطاعن ادعى على المطعون ضدهم بأن مورثهم وهب له في حياته 140 م.م من منزله نمرة مربع 2 برى اللاماب وأنه قبض الهبة وأزال المباني الخربة بها وشيد فيها حجرة ومطبخاً وأدبخانة وأنه كان يقيم فيها مع زوجته وأطفاله ثم أجرها بعد ذلك وظل يقبض الإيجار وأنه فصلها من المنزل الكلي بسور وتشير الوقائع إلى أن المدعى عليهم أنكروا الدعوى ولم تصادق إلا زوجته المدعى وحين كلف الإثبات أحضر ورقة عرفية معالمها غير واضحة ولكنه احضر بينة شهد الأول بحصول الهبة وقال أنها حجرة ومطبخ إلا أن الموهوب له فتحها على الشارع وأدخل فيها الماء وأقام فيها بأولاده وأن المساحة حوالي 140 م.م وأن الموهوب له أجرها الآن وأنه يأخذ الأجرة وشهد الثاني بالهبة وأنها عبارة عن غرفة ومطبخ وأدبخانة وشهد بأن الموهوب له كان يقيم في المقدار الموهوب هو وأولاده وأجره الآن والإيجار تم بواسطته والشاهد الثالث شهد بأن المدعى عليه شيد المباني في القطعة موضوع النزاع وأنه كان يسكن فيها وأجرها بعد رحيله. بعد هذا فهمته المحكمة في حقه في يمين المدعى عليهم بنفي علمهم بقبول الهبة لأن البينة لم تشهد بالقبول فرغب عنا فأصدرت حكمها برفض الدعوى وتأييد هذا الحكم من محكمة المديرية.
وبما أن السبب الذي أسس عليه الحكم هو عدم قبول الهبة وبما أن القبض يقوم مقام القبول وثبت هذا القبض بالبينة الشرعية كما ثبت حصول الهبة وبما أن المطعون ضدهم صادقوا على أن الطاعن ظل يقيم بالجزء المدعى به فهو إقرار بالقبض وهو يقوم مقام القبول وأن المحكمة أخطأت حين بنت حكمها على عدم القبول وتأييد حكم الاستئناف لها جاء خاطئاً أيضاً.
لــــذا
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين المطعون فيهما والحكم للطاعن بثبوت هبة 110 م.م بالقطعة 5 مربع 2 برى اللاماب على المطعون ضدهم.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولي قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية نفقة عدة وأولاد وخادم
قرار النقض نمرة 12/1979م
الصادر في يوم الخميس 28 ربيع الأول سنة 1399هـ
الموافق 25/3/1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – النفقة – الإجراءات – الاستئناف الأصلي والمقابل في دعاوى يتحدد فيها الموضوع والخصوم – ضم الطعون لبعضها – سحب أو شطب الاستئناف الأصلي – السير في الاستئناف الفرعي.
متى ورد طعنان ، أو أكثر في دعاوى اتحد فيها الموضوع واتحد فيها الخصوم ، فإنه يتعين على المحكمة أن تصدر أمراً بضم تلك الاستئنافات لبضعها والسير فيها سوياً في إجراءات موحدة وإصدار قرار موحد توفيراً للجهد والزمن وتفادياً لإصدار أحكام متضاربة في دعاوى اتحد فيها الموضوع واتحد فيها الخصوم ، إذ أن القانون أوجب اختصام من تكون لهم مصلحة في الاستئناف وأجاز ضمهم لبعضهم عند تعددهم – فقرة 2 مادة 179 ومادة 200 إجراءات مدنية 1974.
2- من الخطأ أن تصدر محكمة الاستئناف قرارين مستقلين في الطعن باتحاد الموضوع واتحاد الخصوم إذ أن القرار الذي يصدر برفض أحد الاستئنافين بلا ذكر أو بيان أي تحفظ يفسر قانوناً بأنه تأييد للحكم الابتدائي في الاستئناف المقابل وهو بمثابة شطب الطعن إيجازياً بمقتضى المادة 186 إجراءات مدنية.
3- ليس صواباً أن تفسر المادة 191 إجراءات مدنية 1974م وحدها بأنها لا توجب إجراءات مستقلة للاستئناف المقابل ولكنها وبمفهوم الفقرة الثانية منها تشير إلى توحيد الإجراءات فإذا سحب الاستئناف الأصل أو شطب فيجوز للمحكمة وقتئذ أن تستمر في إجراءات سماع الاستئناف المقابل والفصل فيه بعد إعلان المستأنف الأصلي بالسير في الاستئناف الفرعي المقابل.
الوقـــائع
قدم الطعن في ميعاده القانوني فهو مقبول شكلاً وفي الموضوع :-
قدمت المستأنفة القضية نمرة 1380/1977 أمام المحكمة الابتدائية بأمدرمان ضد المدعى عليه بطلب نفقة عدة وولد وأجرة حضانة وخادم ومنزل وقد ادعت عليه بلسان وكيلها في وجهه بأنها كانت زوجة وطلقها بتاريخ 5/7/1977م ولم يعطيها نفقة عدتها منه كما أنها مرزوقة منه بابنها وعمره تسعة أشهر وأنه مقصر في الإنفاق عليه بدون حق وتستحق عليه أجرة حضانة وأجرة خادم ومسكن وطلبت الحكم لها عليه بهم وقدرت المناسب لكل حسب حالة وذكرت بأن دخله اليومي لا يقل عن 250 جنيه لأنه صاحب ورشة بالخرطوم بالمنطقة الصناعية لصناعة صناديق اللواري وله ورشة أخرى بالخرطوم جنوب وله ثلاث منازل إحداهما بأمبدة والاثنين بالثورة.
المدعى عليه بلسان محاميه صادق على سبق الزوجية والطلاق وبنوة الولد وعمره وأنه بيدها وتحت حضانتها ولا يصادقها بأنها تستحق نفقة عدة لأن موكله أوفاها نفقة العدة لأنه دفع لها 86 جنيه لنفقة العدة وأن عدتها قد انقضت بوضع حملها منه سقطاً وقدر لإصلاح حال الولد وبدل كسوته ولأجرة الحضانة وأجرة المسكن بما لم ترض به وقال أن موكله ليس ممن يخدمون ولذلك فإنه لا يقدر شيئاً لأجرة الخادمة وأن موكله يعمل حداداً ولا يزيد دخله اليومي عن 5 جنيهات ويعول زوجة وأربعة أطفال. ووالدته وأن ما قدره فيه الكفاية ويطلب رفض ما زاد على ذلك وأجاب وكيل المدعية بأنه لا يقبل بتقديره لأنه قليل وصادق على استلام موكلته لمبلغ 86 جنيه وأن الخاص بالمدعية منها كان 32 جنيه والباقي كان للولد لشهري يوليو وأغسطس على التفصيل الآتي : للنفقة شهرياً 10 جنيه ولأجرة المسكن 10 جنيه ولأجرة الخادم 7 جنيه وكان ذلك باتفاق منهما ولم تقبل موكلته في النهاية بهذا الاتفاق وكان طلاقها منه يوم 5/7/1977م وخروجها من العدة بوضع حملها سقطاً في يوم 5/8/1977 وصادقها المدعى عليه وأحضرت المدعية خبيرين قدر كل واحد منهما المناسب لنفقة العدة ونفقة الولد وأجرة الحضانة والمسكن حسب حالة المدعى عليه – كما وردت إفادة ضابط إداري المنطقة الصناعية بأن دخل المدعى عليه اليومي الصافي بعد مرتبات العمال وبقية المنصرفات هو مبلغ 10 جنيه وثبت أن له محلين أحدهما بالمنطقة وله ثلاث منازل.
2- بتاريخ 22/2/2978 أصدرت المحكمة الابتدائية حكمها حضورياً للمدعية بالنفقة على المدعى عليه كالآتي: ثلاثين جنيهاً شهرياً لنفقة العدة من تاريخ الطلاق الثابت بالوثيقة الرسمية بتاريخ 5/7/1977م إلى تاريخ خروجها من العدة بوضع حملها في 15/8/1977 وبنفه لإصلاح حال ابنها منه وعمره سنة ونصف شهرياً خمسة عشرة جنيهاً وببدل كسوة له كل أربعة أشهر عشرين جنيهاً وبأجرة حضانة عشر جنيهات وبأجرة مسكن خمسة عشر جنيهاً وبأجرة خادم سبعة جنيهات. اعتباراً من يوم 22/2/1978م.
3- بتاريخ 23/2/1978 تقدمت المحكوم لها باستئناف حكم المحكمة الابتدائية لمحكمة المديرية مدعية بأن ما حكمت به المحكمة الابتدائية على المدعى عليه بالنسبة لأجر السكن والحضانة والخادم قليل جداً بالنسبة لدخل المدعى عليه وقدرت ما رأته مناسباً لذلك حسب حالة المدعى عليه لأنه يملك ثلاثة منازل وأن دخله الصافي يزيد على الثلاثمائة جنيهاً من ورشتيه الصناعيتين وطلبت تعديل مقادير الحكم الابتدائي بها – محامى المدعى عليه استكثر ما جاء بالحكم الابتدائي من المقادير المحكوم بها وقال أن المحكمة لم تراع دخل المدعى عليه ولأفراد أسرته التي يعولها وقد اعتمدت المحكمة على شهادة الخبرة التي هي من ألصق الناس بالمدعية قرابة وكانت شهادتهم بدون يمين وأن التحري الإداري ليست حجة شرعية وقدر لكل بأقل بكثير مما قدرته بل بما حكم به ومما تقدم فإنه يطلب من المحكمة أولاً إلغاء هذا الحكم أو تعديله في حدود المعقول بالنسبة لنفقة الطفل وإصلاح حاله كما يرجو اعتبار ما قاله هو الدعوى بالنسبة لاستئناف موكله نمرة 23/ق/س/1978 المقابل لهذا الاستئناف وما ذكره في حديثه من أجرة السكن في شأن الاستئناف المقابل والاستئناف الفرعي – قررت هذا الاستئناف بأنه ليس استئنافاً فرعياً وإنما هو استئناف مقابل تنطبق عليه الفقرة 2 من القاعدة 191من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1973م.
4- بتاريخ 8/4/1978 قررت محكمة الاستئناف المديرية رفض الاستئناف حضورياً.
5- بتاريخ 25/2/1978 تقدم المحكوم ضده بالاستئناف المقابل لاستئناف المدعية أمام محكمة المديرية في الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية في القضية نمرة 1380/1977 مدعياً بأن ما حكمت به المحكمة الابتدائية عليه لنفقة ابنه الذي لم يتجاوز عمره عشر شهراً كثيراً جداً وفوق طاقته ولم يسبق له مثيل وهو مبلغ 52 جنيهاً في الشهر وهو عبارة عن مجموع ما حكم به عليه وبما أن عمله موسمي وأنه يدفع عشرين جنيهاً في الشهر لأجرة الدكان ومبلغ 130 جنيه ضريبة في السنة على أعماله ويعول أسرة مكونة من عشرة أفراد وأن المحكمة الابتدائية بنت حكمها على تقدير الخبيرين والتحري الإداري لذلك كله فإنه يترك المجال للمحكمة لإصدار قرارها بما تراه مناسباً.
أجاب وكيل المستأنف ضدها بأنه رفع مذكرة للمحكمة برده على الاستئناف وجاء بها أن المستأنف كان يدفع للمستأنف ضدها مبلغ 43 جنيهاً شهرياً وزادت عليه المحكمة الابتدائية تسعة جنيهات عما كانت تستلمه واستأنفت موكلته الحكم لطلبه وشطب الاستئناف ولها نقض أمام المحكمة العليا وأن التحري أثبت دخل المدعي عليه 300 جنيه شهرياً ولم يشمل الورشة الثانية التي يمتلكها المستأنف وأنه يملك ثلاثة منازل يسكن في واحد ويمكنه أن يؤجر الاثنين بواقع الواحد بخمسين جنيهاً وأنه يدعى بأن موكلته ليست ممن يخدمون مع أنه كان يؤجر لها خادماً منذ أن تزوجها وإلى أن طلقها ويدعى أن المحضون يشرب اللبن فقط مع أنه يأكل الطعام والفاكهة ويقول أنه يعول أخته والحقيقة أنها تعمل ولها ابن شغال ويقول أنه يعول والدته ولها ثلاثة أبناء خلافه ويقول أنه أعد للمدعية السكن الذي كانت تقيم به في حالة الزوجة لحضانة المولود الآن وأن هذا المنزل في الحارة الحادية عشر وأنها تسكن معه بالحارة الخامسة بمنزله وتخاف من الاعتداء عليها بمنزله منه أو من أهله ولذلك كله فإنه يطلب تأييد الحكم المستأنف عقب محامي المستأنف عليها بأن ما جاء بدفعها عبارات ابتدائية ولا يستحق الرد إلا في بعض النقاط – وأعاد ما ذكره في دعواه وبعد مراجعة المحكمة للقضية طلب من المستأنف إحضار خبيرين لتقديم المناسب فأحضر خبيرين قدر كل منهما ما رآه مناسباً حسب حالة المدعى عليه بعد أن حلف كل واحد منهما اليمين.
6- بتاريخ 9/7/1978 حكمت محكمة استئناف المديرية حضورياً بتعديل الحكم الصادر في القضية الابتدائية نمرة 1380/1977 بتخفيض نفقة إصلاح الحال من 15 جنيه شهرياً إلى 12 جنيه وبدل كسوة كل أربعة أشهر من 20 جنيه إلى 12 جنيه وأجرة المسكن من 15 جنيه إلى 10 جنيه شهرياً على أن تبقي أجرة الحضانة والخادم كما كانت وكل ذلك اعتباراً من تاريخ الحكم الابتدائي.
وسبب المحكمة حكمها هذا بأن المعول عليه في تقدير النفقة المولود ليس عمره وإنما دخل المولود له وقد قدر الخبيران المناسب وأن دخل المستأنف ثابت حسب التحريات الرسمية وأن ما فرض عليه كثير حسب الدخل المذكور وبالنسبة لمن يعول وكذلك سن الغلام.
7- بتاريخ 22/7/1978 تقدم الطاعن بعريضته المؤرخة في 22/7/1978 بالنقض للمحكمة العليا طاعناً الحكم الصادر لصالحه ذاكراً نفس الأسباب التي ذكرها أمام محكمة المديرية وطلب تخفيض نفقة الطفل إلى الحد المعقول بما في ذلك بدل الكسوة وأجرة الحضانة وإلغاء أجرة الخادم والمنزل.
8- بتاريخ 9/4/1987م تقدمت المدعية بالطعن لاستئناف حكم محكمة المديرية الصادر بتاريخ 8/4/1978 في القضية الابتدائية نمرة 1380/1977 برفض الاستئناف.
الأســـباب
الطعنان المقدمان من الطاعنين يتعلقان بموضوع واحد وهو نفقة ابنها الصغير أحدهما يطلب زيادة النفقة المقررة بالحكم 1380/1977 والآخر يطلب تخفيضها ولهذا يتعين ضم الطعن الأخير 115/1978 إلى الطعن الأول 71/1978 لوحدة الموضوع ووحدة الخصوم وقد كان حرياً بالمحكمة الاستئنافية أن تضم الاستئناف وتسير فيهما معاً في إجراءات واحدة وتصدر فيهما قراراً واحداً في تاريخ واحد إذ أن ذلك كان سيوفر على الخصوم جهداً ووقتاً كبيرين اتفقا هما في التردد على المحكمة بعد صدور القرار الأول للسير في الطعن الثاني لأنه لا فرق بين الاستئناف المقابل والفرعي بالنسبة لإجراءات السير فيهما مع الاستئناف الأصلي وأن المادة 191 لا توجب أن تكون هناك إجراءات مستقلة للاستئناف المقابل كما فسرت المحكمة ذلك بل أن المادة بمفهوم الفقرة الثانية منها تشير إلى توحيد الإجراءات ولكنها تشير فقط إلى أنه إذا سحب الاستئناف الأصلي أو شطب بطعن المستأنف أو بطلبه فإنها تستمر في إجراءات سماع الاستئناف المقابل بعد إعلان المستأنف الأصلي بالسير في الاستئناف المقابل.
على أن إصدار قرار منفصل في كل استئناف على حدة من شأنه أن يؤدى إلى إصدار أحكام متضاربة بالإضافة إلى أن يثير إشكالات قانونية يستحسن تفاديها بالسير الموحد في الاستئنافين إذ أن القرار الذي صدر برفض الاستئناف في القضية 21/س/1978 دون أي تحفظ يفسر قانونها بأنه تأييد للحكم الابتدائي الصادر بنفقة الصغير وإن لم ينص في القرار على ذلك فهل يجوز للمحكمة أن تناقش مقادير هذه النفقة بغرض تخفيضها في استئناف آخر بعد أن أيدتها ضمن رفض الاستئناف بزيادتها أن القرار برفض الاستئناف هو قانوناً تأييد للحكم الابتدائي وهو بمثابة شطن الطعن إيجازياً بمقتضى المادة 186 إجراءات الذي يعنى قانونها تأييد الحكم المطعون فيه لهذا كله كان يتعين على المحكمة ضم الاستئنافين والسير فيهما في إجراءات موحدة وإصدار قرار موحد في الاستئنافين وتفادياً لإصدار أحكام متضاربة في موضوع واحد فقد أوجب القانون اختصام من تكون لهم مصلحة في نتيجة الاستئناف عند تعدد الخصوم مواد 179-200 إجراءات وجعل للمحكمة أن تأمر بضمهم إلى الخصومة أما من ناحية الموضوع فإن النفقة التي عدلها قرار الاستئناف الصادر في القضية 22/س/1978 الطعون فيه من المطعون ضده تبدو مناسبة لسن الطفل في ظروف المعيشة الحالية ويتعين تأييد الحكم المذكور وقد كان يفترض أن يكون هذا هو الحكم الذي يصدر في الاستئناف الموحد أما وقد صدر في كل استئناف حكم مستقل وطعن فيه فإنه أن تقرر ضم الطعنين في إجراءات موحدة فإنه يتعين رفض الطعنين المقدمين وتأييد حكم الاستئناف المشار إلى والصادر في القضية 22/س/1978 بالنسبة لنفقة الطفل ومتمماتها على أن يلغي قرار الاستئناف الصادر في القضية 21/س/1978 ويعتبر القرار الصادر في هذا الطعن قراراً بتعديل النفقة الصادر بها الحكم الصادر في القضية الابتدائية 1380/1977 على أن يعتبر قرار النقض في الاستئنافين المقدمين للمحكمة الاستئنافية بعد ضمها في استئناف موحد أمام هذه المحكمة.
لهــذا
قررنا قبول الطعنين شكلاً وضمهما في طعن موحد وتأييد تعديل النفقة المقررة بالحكم 1380/1977 بقرار الاستئناف في القضية 22/س/1978 ورفض ما عداه.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولي قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب قاضي القضاة عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية صداق
قرار النقض نمرة 16/1979
الصادر في يوم الخميس 4 ربيع أول 1399هـ
الموافق أول فبراير 1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الصداق – مهر السر ومهر العلن – عندما يكون الخصمان مدع ومدعي عليه – دوران الدعوى بين المهر والهدية – التعامل العادي – الديون والودائع ومثيلاتها – الدعوى بأقل مما سمي بالعقد.
عندما يكون كل من الخصمين مدعى ومدعى عليه في آن واحد فيجوز أن يقيم كل منهما البينة على دعواه ، فتطبق عندئذ قاعدة ترجيح البينات وفي حالة عجز كل منهما عن إثبات دعواه ، تطبق القواعد الفقهية المنصوص عليها – أما في الدعاوى التي تدور بين المهر والهدية ، فإذا عجزت الزوجة عن إثبات دعواه بأن ما قدم لها كان هدية ، فلا يعتبر عجزها هذا سبباً كافياً للحكم عليها بأن ما استلمته هو مهر ، بدون تكليف الزوج إثبات دعواه المهر.
2- الأموال التي تخرج عن نطاق الهدية والمهر ، وتدخل في باب التعامل العادي كالديون والودائع ، فمن غير المألوف عرفاً حدوثهابين خاطب و مخطوبتة في فترة الاعداد للزواج وما فبل العقد، اذا ادعي حدوثها فلابد لثبوتها من قيام دليل معقول خال من الشبهة يثبت الظاهر المتعارف عليه من أن ما يدفع من أموال في هذه الفترة ، يدور عادة بين الهدية التي تؤكد الرغبات في الزواج وبين المهر الذي يدفع قبل فترة من تاريخ العقد بغرض الإعداد له.
3- إذا أقام الزوج البينة على أن ما دفعه لها كان ديناً أقرضه إياها ، وأقامت الزوجة البينة على أن ما تسلمته كان مهرها ، قدمت بينتها على بينته ، وإذا عجزا عن الإثبات ، كان القول للزوجة بيمينها على أن ما استلمته كان مهرها إن كان ما دفعه لها من جنس المهر.
4- إن تحديد مهر متفق عليه بين الزوجين أنفسهما في مجلس العقد لا يمنع من سماع دعوى بأقل مما سمى في العقد أو بأكثر منه ، مما يسميه الفقهاء مهر السر ومهر العلن.
ملحوظة المحرر :-
أنظر قرار النقض نمرة 90/1974 بنشرة شهري أغسطس وسبتمبر 1976م وقرار التمييز نمرة 152/1968 بنشرة شهري أكتوبر ونوفمبر 1977 في مهر السر ومهر العلن.
الوقــــائع
1- الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تدل على أن المطعون ضده رفع الدعوة الابتدائية أمام محكمة أمدرمان الشرعية ضد الطاعن وجاء في دعواه عليها بلسان محاميه الأستاذ إسماعيل أبو القاسم بأنها كانت زوجته شرعاً وطلقها وسبق أن أمهرها في الزواج 100 جنيه منها خمسون جنيهاً معجلة والباقي مؤجل ثم طلبت منه أن يدفع لها 400 جنيه لشراء حجرة نوم فدفعها واحتسب منها مقدم المهر والباقي له عليها 300 جنيه طلب استردادهما والحكم له عليها بذلك مع الحكم بمصاريف الدعوى وأتعاب المحاماة – صادقت المدعى عليها على دعوى سبق الزواج وقالت المهر كان 400 جنيه وذلك بموجب وثيقة رسمية وعدت بتقديمها – وبسؤال من المحكمة أجاب محامي المدعى بأن الحجرة للنوم عبارة عن 1 دولاب ملابس كبير 1 شوفنير 1 سرير كبير و 1 تواليت و1 شماعة ملابس 1 كرسي جلوس ثم قدم هذا المحامي وثيقة الزواج 48 من الدفتر 17967 المؤرخة 6/3/1977 عمل مأذون الربع الأول بأمدرمان وبها أن المهر بين الطرفين في الزواج خمسون جنيهاً مقبوض بالمجلس وقالت المحكمة بما أن المدعى اعترف بأن المهر 100 جنيه يعامل بإقراره.
وأصدرت حكمها باسترداد مبلغ 300 جنيه عبارة عن قيمة الأمتعة الموضحة ألزمتها رسوم الدعوى وذلك في 29/10/1977م.
وفي 9/11/1977 قدمت المحكوم عليها الطعن للاستئناف أمام قاضي المديرية وجاء في دعواها بلسان محاميها تاج السر محمد صالح بأن الأمتعة المحكوم بها ملك لها اشترتها من مالها وأن ما دفعه المستأنف ضده من مال هو المهر وقد استخرج وثيقة الزواج بمبلغ 100 جنيه فقط فراراً من الرسوم وأن موكلته مستعدة لإثبات أن الأمتعة لها – وأجاب محامى المستأنف بان الزواج تم على 100 جنيه وأن المستأنف طلبت مبلغاً زائداً وقدره 900 جنيه لشراء حجرة نوم على أن يكون منها المهر والباقي تدفعها وقد اعترفت المدعية في القضية الابتدائية باستلام مبلغ 400 جنيه وادعت أن لديها وثيقة ولكنها لم تحضرها – رد محاميها بأن ما دفع مهراً وأن الزوج استخرج وثيقتين واحدة بمبلغ 100 جنيه للصداق والثانية بمبلغ 50 جنيه تفادياً للرسوم – أجاب محاميه بأن المأذون لم يدون المهر المؤجل بالوثيقة ثم طعنت المستأنفة في الوثيقة وذكرت أدلة على ذلك :
1- جاء في الوثيقة أنها تزوجت بولاية والدها مع أنه توفي قبل ذلك.
2- جاء أن ذلك تم بوكالة هاشم عبد السلام مع أنه كان خارج الخرطوم.
3- جاء أن الزواج تم في 6/3/1977 مع أنه وقع في 27/1/1977م.
بعد ذلك دل التحقيق الذي باشرته المحكمة بعد إيقاف السير في الدعوى على عدم صحة الوثيقة وقررت إلغاء الوثيقة.
ثم قال محامي المستأنف ضده بأن إلغاء الوثيقة لا يمس حق موكله لأن المستأنفة أقرت باستلام مبلغ 400 جنيه وبعد خصم الصداق يكون الباقي 300 جنيه.
أجاب محاميها أن الوثيقة المستند الرسمي فقدت صحتها بإلغائها وأنه مستعد لتقدير البينة اللازمة لدعواه. طلب محامي المستأنف الرجوع إلى القضية 1275/77 المرفوعة بطلب مؤخر صداق قدره خمسون جنيهاً وبالرجوع إليها اتضح أن المستأنف يطالب بمؤخر صداق قدره خمسون جنيهاً وأن المدعى عليه هناك دفع بأنه أعطاه أكثر مما يستحق 400 جنيه وهو يطالبها ولا تطالبه أقرت بأنه دفع لها مبلغ الـ 400 جنيه وطالبت بنفقة العدة فقط.
طلبت منها المحكمة التوفيق بين دعواها أن مؤخر الصداق 500 جنيه ودعواها الآن أن الصداق 400 جنيه فقال محاميها أن المهر المقبوض 400 جنيه وبعد أن تم الزواج قام المستأنف ضده باستخراج وثيقة ووضح بأن المهر 100 جنيه وحين سألته قال لها أن ذلك خوفاً من الرسوم وأنها الآن تطالب بمؤخر الصداق أصر وكيله على أن الصداق 100 جنيه أمام شهود العقد أحضر المستأنف ضده شهود العقد وشهدوا بأن العقد تم على صداق قدره 100 جنيه فقط مقبوضة بيد الزوجة وحسب أقوال الشاهد الأول والشاهد الثاني قال أنه لا يعلم إن كان المبلغ قبض أم لا فشهادته مضطربة في 20/8/1978م أصدرت المحكمة حكمها بتأييد الحكم الابتدائي ورفض الاستئناف وجاء في الأسباب أن المستأنفة أقرت ضمناً بأن المهر كان خمسون جنيهاً وذلك بالدعوى 1275/1977 وبذلك تكون كذبت نفسها.
3- في 2/9/1978 طلبت المحكوم عليها بالطعن بالنقض وجاء في العريضة أن المطعون ضده دفع لها مبلغاً قدره 400 جنيه كمهر وعند الزواج استخرج الوثيقة بمائة جنيه ليتفادى الرسوم وحين طلقها طلب أن يرجع عليها بما دفعه من مال مستفيداً من صورة الوثيقة وأن لديها البينة على ما دفعه مهراً.
أجاب المطعون ضده بأن الطاعن لم يستطع إثبات مؤخر الصداق بالقضية التي رفعها وأنه دفع مبلغ 400 جنيه قبل الزواج لشراء حجرة نوم له وفوضها في الشراء فقط ثم بعد الطلاق تصرفت فيها بالبيع.
الأســــباب
تثبت وقائع النزاع أن هناك دعويين من طرفي النزاع لا دعوى واحدة. دعوى من المطعون ضده أنه يطلب الطاعنة مطلقته 300 جنيه إذ أنها اقترضت منه مبلغ 400 جنيه لتشترى به غرفة نوم لزواجهما ولما كان قد أمهرها 100 جنيه فيكون الباقي عليها 300 جنيه وطلب الحكم له عليها بذلك – والدعوى الثانية من الطاعنة فهي تدعى أنه دفع لها الـ 400 جنيه كمهر لها. كلفت إثبات ذلك أمام المحكمة الجزئية فلم تحضر في الجلسة المحددة للإثبات وقدم محامي المطعون ضده وثيقة زواج رسمية نمرة 48 من الدفتر 17967 صادرة في 6/3/1977 عمل مأذون الربع الأول بأمدرمان وهي تثبت زواج طرفي النزاع على مهر قدره 50 جنيه مقبوضة بالمجلس وأصدرت المحكمة حكمها على الطاعنة 300 جنيه بعد أن استبعدت المهر وقدره 100 جنيه بناء على إقرار المطعون ضده وفي مرحلة الاستئناف كلفت إثبات دعواها فطعنت في وثيقة الزواج المشار إليها بالتزوير بأدلة منها أن العقد تم في 27/1/1977 والوثيقة محررة في 6/3/1977 وأن والدها الذي جاء في الوثيقة أنها تزوجت بولايته توفي في 1952 وقررت المحكمة بعد تحقيق أجرته إلغاء الوثيقة واستمعت المحكمة إلى شهادة من تولى صيغة العقد وشهادة وكيلها في العقد وقد اتفقت أقوالهما على أن الزواج تم على مهر قدره 100 جنيه بناء على بيانات مكتوبة قدمها وكيل الزوج في العقد وأدعى محاميها أن المهر المتفق عليه بين طرفي النزاع هو 400 جنيه وقد سمى الزوج مبلغ 100 جنيه في مجلس العقد تفادياً للرسوم المقدرة وصدر حكم الاستئناف بتأييد الحكم الابتدائي وجاء في أسباب محكمة الاستئناف ما يلي :
أن الوثيقة قد ألغيت ووجب إثبات المهر بالبينة ولما كان وكيل المستأنفة في عقد الزواج والشخص الذي تولي صيغة العقد فشهدا بالمهر حسب دعوى المستأنف ضده فقد اكتفت المحكمة بإقرار وكيل المستأنفة ولما كانت المستأنفة قد أقرت ضماناً بأن المهر كان 50 جنيه (خمسين جنيهاً ) وذلك في الدعوى 1275/1977 التي رفعتها ضد المستأنف ضده مطالبة بنفقة عدة ومؤخر صداق 50 جنيه فقد كذبت نفسها.
لم تحقق المحكمة في دعوى الزوج بأن ما دفعه لها كان قرضاً بل جعلت من عجز الطاعنة إثبات أن المبلغ مهراً سبباً يبرر الحكم للمطعون ضده بالمبلغ. أن الطاعنة أقرت باستلام المبلغ على أساس أنه مهرها ويدعى المطعون ضده أنه دين فكان المفروض أن يكلف المطعون ضده إثبات المديونية قبل أن تكلف هي إثبات المهر لأن الدعوى أساساً رفعت منه هو المدعى وهذه وإن كانت قاعدة الإثبات المقررة في دعوى واحدة ينكرها المدعى عليه أو يعجز عن إثبات دفعه لها إلا أنها تنطبق عندما يكون كل من الزوجين مدعى ومدعى عليه في آن واحد إذ قد يتأتي أن يقيم كل منهم البينة على دعواه فتطبق قاعدة ترجيح البينات أو قد يعجز كل منهما عن إثبات دعواه فتطبق قواعد أخرى نص عليها الفقهاء ومن هذه الدعاوى المتبادلة من الزوجين دعوى المهر والهدية فلا يعتبر عجز الزوجة عن إثبات أن ما قدم لها هدية سبباً كافياً للحكم عليها بأنه مهر دون تكليف الزوج إقامة البينة على دعواه. أما الأموال التي تخرج عن نطاق المهر والهدية من جانب الزوج والتي تدخل في باب التعامل العادي كالديون والودائع فمن غير المألوف عرفاً حدوثها بين خاطب ومخطوبة في فترة الإعداد للزواج وقبل العقد وإذا حدثت فلابد لثبوبته من قيام دليل معقول خالي من الشبهة يثبت خلاف الظاهر المتعارف وهو أن ما يدفع من أموال في هذه الفترة للزوجة يدور بين الهدية التي تؤكد الرغبة في الزواج أو المهر الذي يدفع قبل فترة من تاريخ العقد للإعداد له.
فإذا أقام الزوج البينة على أن ما دفعه كان قرضاً وأقامت الزوجة البينة على أنه كان مهراً قدمت بينتها.
وإذا عجزا عن الإثبات كان القول للزوجة ببينتها على أن ما تسلمته كان مهرها إن كان ما دفع لها من جنس المهر "ابن عابدين جزء ثالث صفحة 153 طبعة الحلبي أبو زهرة صفحة 260 محمد زيد الأبياني جزء أول صفحة 172".
وقد ثبت من سلوك الزوج فيما يتصل بالمهر أنه كان يتحكم في تحديد المهر فقد شهد من تولى صيغة العقد كما شهد وكيل الطاعنة في العقد أن المهر حدده وكيل الزوج في بيان قدمه تم العقد بمقتضاه على 100 جنيه وقرر وكيل الطاعنة في شهادته أنه لم يتم اتفاق معه على المهر ولا يعلم إن كان مقبوضاً أو لا تم ذلك في 27/1/1977 وحدد المهر 100 جنيه – وبتاريخ 6/3/1977 استصدر الزوج المطعون ضده وثيقة زواجه من الطاعنة بولاية والدها المتوفى سنة 1952 وعلى مهر قدره 50 جنيه وقد ثبت للمحكمة عدم صحة الوثيقة وقررت إلغاءها بعد أن طعنت الطاعنة في صحتها وبعد أن اعتمدت عليها المحكمة الجزئية في رفض الدعوى وبالرغم من وجود الوثيقة فقد أقر وكيله أن المهر المتفق عليه 100 جنيه فهل يثبت ؟
من تولى صيغة العقد ووكيلها في العقد بعد أن صرحا بطريق علمهما كما شهدا به وهو تحديد وكيل الزوج للمهر لا يثبت المهر المتفق عليه ولا يحسم النزاع في مقداره بل أن تحديد مهر متفق عليه بين الزوجين أنفسهما في مجلس العقد ألا يمنع سماع دعوى بأقل مما سمي في العقد أو بأكثر منه مما يسميه الفقهاء مهر السر ومهر العلن مع الخلاف المقرر بينهما أما وقد ثبت أن اتفاقاً لم يتم مع وكيلها على المهر المسمي وقد ادعت أن مهرها كان 400 جنيه تسلمتها بالفعل وعجزت عن إثباتها فيتعين تكليف الطاعن إثبات مديونيتها بالمبلغ.
وهناك خطأ وقعت فيه المحكمة الجزئية وكان على محكمة الاستئناف تلافيه وهو سردها لمفردات إثبات غرفة النوم إذ لم يتضح الغرض فهي لم تحكم بالأثاث المذكور للمطعون ضده فإيراد ذلك في الصيغة ترديد لا معنى له إذ أن المطعون ضده يقرر أنه أقرض الطاعنة مبلغاً لتشترى به شيئاً معيناً فإذا ثبت ذلك فيتعين الحكم بالمبلغ لا بما اتفق عليه.
لهـــــذا
قررنا إلغاء حكم الاستئناف الصادر في القضية 2 8/س/1977 بتأييد الحكم الابتدائي وإعادة القضية للسير فيها في ضوء ما ذكر في أسباب هذا القرار.
قضية زيادة نفقة
[رجوع]
نمرة القضية:
قرار النقض نمرة 17/1979م
المحكمة:
المحكمة العليا
العدد:
1979
المبادئ:
·الأحوال الشخصية للمسلمين – الإجراءات – التصريح بالدعوى – وجوب مراجعة الأحكام السابقة – المدة المعقولة – قبول الأحكام بالصلح والتراضي – ملاحظة قواعد الاستئناف – تطبيق القانون.
1- من الخطأ المعيب أن تصرح المحكمة بقيد دعوى طلب زيادة نفقة أصدرت بأصلها حكماً ابتدائياً باتفاق وترأس من طرفيها على مقادير قبل يوم واحد فقط من تاريخ طلب الزيادة ، مما لا يشكل مجال مدة معقولة ولا مقبولة لمثل هذا الطلب – كما أنه من خطأ الإجراء أن قبلت محكمة المديرية الطعن بالاستئناف في هذا الحكم الذي قبله المحكوم عليه صلحاً ، مخالفة في ذلك أحكام المادة (175/ الإجراءات المدنية 1974م (وبعد مضي ثمانية أشهر من تاريخ الحكم الابتدائي بالصلح وغير مراعية أحكام قواعد الطعن بالاستئناف – المذكرة القضائية نمرة 29 بتاريخ 22/11/1978 وكان يتعين على كل من المحكمة الابتدائية ومحكمة المديرية أن تراجع جيداً ما يقدم إليها من الأوراق وألا تصدر أمراً بأي إجراء قد يقع باطلاً نتيجة لعدم المراجعة وتطبيق القانون.
الحكم:
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ أحمد العوض نائب قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية زيادة نفقة
قرار النقض نمرة 17/1979م
الصادر في يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 1399هـ
الموافق 5/2/1979م
( الوقائع )
بعد الإطلاع على أوراق الطعن اتضح أن وقائع النزاع تتلخص في الآتي :-
1- في 5/9/1977م أصدرت محكمة بورتسودان الشرعية الحكم 136/1976 لصالح المطعون ضدها ( على ) الطاعن بفرض نفقة زوجية ونفقة ولدين على أن تقيد النفقة الزوجية من 1/8/1976م ونفقة الوالدين من تاريخ الحكم 5/9/1977.
2- في اليوم التالي 6/9/1977 قدمت المطعون ضدها الدعوى 661/1977 بطلب زيادة النفقة المفروضة بالحكم المشار إليه وقبلت منها المحكمة الدعوى وصرحت بقيدها وأجازت الصلح الذي تم بين الطرفين لزيادة النفقة لتكون المقادير أكبر اعتباراً من تاريخ صدور الحكم 22/2/1978 وذلك بحضور الطرفين.
3- في 22/1/1978 أي بعد ثمانية أشهر قدم المحكوم عليه الطعن بالاستئناف أمام قاضي المديرية الذي أشر على العريضة بأن الحكم الابتدائي صدر بتاريخ تقديم عريضة الطعن وأمر بقيد الاستئناف ودفعت رسومه في 23/10/1978 وبحضور المستأنف قرر شطبه إيجازياً في 5/11/1978م
4- في 12/11/1978 قدم الطاعن الطعن بالنقض مستكثراً المقادير وردت المطعون ضدها بأنها مناسبة:
( الأسباب )
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن الحكم بأصل النفقة صدر في 5/9/1977 وقدمت الدعوى بطلب الزيادة في اليوم التالي 6/9/1977 وبالرغم من ذلك فإن المحكمة الابتدائية صرحت بقيد الدعوى بالزيادة وكان واجبها أن تفهم المدعية بحقها في الطعن بالاستئناف لأن الحكم الابتدائي لم يصبح نهائياً ولم تمض مدة معقولة ومقبولة لطلب الزيادة فقبول المحكمة للدعوى الجديدة إجراء خاطئ يدل على أن القاضي لم يراجع الحكم السابق – وبما أن حكم الزيادة المطعون فيه صدر باتفاق الطرفين وبناء على الصلح الذي تم بينهما فإنه لا يقبل الطعن ولا يجوز فيه بناء على المادة 175 إجراءات 1974م.
وبما أن الوقائع تشير إلى أن الحكم الابتدائي بالزيادة صدر في 22/2/1978 بحضور الطرفين فإن ميعاد الطعن فيه يبدأ من هذا التاريخ بناء على المادة 177 (1) إجراءات 1974 وبما أن الواجب أن يقدم هذا الطعن خلال خمسة عشر يوماً كنص المادة 192 إجراءات 1974 وألا يسقط الحق في الطعن المادة 178 إجراءات 1974 فإن قبول محكمة المديرية للاستئناف بعد ثمانية أشهر إجراء غير سليم وخطأ كبير إن دل على شئ فإنما يدل على أن المحكمة لم تراجع الأوراق حين تأمر بأي إجراء أن قبولها للاستئناف باطل.
( لــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء حكم الاستئناف وسقوط الحق في الطعن بالنسبة للحكم الابتدائي.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولي قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ محمد السنوسي إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية نفقة محضونين
قرار النقض نمرة 21/1979م
الصادر في يوم الأحد 14 ربيع الأول سنة 1399هـ
الموافق 11/1/1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – نفقة المحضون – الالتزام بها – جواز الفترة المحددة – كيفية التنفيذ – إعسار الملتزم – توجه الوجوب – احتساب المقادير المقررة – الرجوع عند اليسار.
يجوز للحاضنة أو الأم أن تلتزم بنفقة محضونها فترة محددة من الزمن ، وهذا الالتزام يسقط نفقة المحضون عمن تجب عليه غيرها في مدته.
متى ثبت إعسار الحاضنة أو الأم بعد التزامها بنفقة المحضون فيلزم – وجوباً – الأب أو تلزمه نفقة القيام بها ، ويكون ما ينفقه في فترة الالتزام ديناً له قبلها يرجع به عليها عند يسارها.
الحكم الصادر بنفقة المحضون قبل فترة الالتزام ، يجوز تنفيذه على المحكوم عليه أصلاً ، متى لم يلغ ذلك أو يتنازل عنه حين التزامها بالنفقة ولا حق لها في تنفيذ المقادير في فترة من تاريخ الالتزام إلى وقت طلب التنفيذ لأن حاجة المحضون قد انقضت في تلك المدة.
4- المقادير المقررة هي التي تحتسب على مقدار ما يرجع به الأب على الحاضنة أو الأم من دين عند يسارها.
الوقـــائع
1- في 30/8/1977 أصدرت محكمة الخرطوم بحري الشرعية الحكم 777-1977 لصالح المطعون ضدها – ضد – الطاعن بنفقة أولادها منه. وقدرها 24.000 مليمجـ بالتساوي بينهم.
2- رفع المحكوم عليه دعوى بالطاعة تحت نمرة 856/1977 وأثناء نظر الدعوى تنازلت المطعون ضدها للطاعن عن جميع حقوقها الشرعية ونفقة عدتها ونفقة أولادها منه نظير طلاقها منه والتزمت بنفقة الأولاد لمدة عشر سنوات.
قبل الزوج بالتنازل وطلقها طلقة باينة حكمت المحكمة بثبوت هذه الطلقة نظير التنازل المذكور في 20/12/1977.
وطلبت من إدارة المحاكم إيقاف التنفيذ بنفقة الأولاد وأوقف التنفيذ بالفعل في مرتب المحكوم عليه.
3- في 15/7/1978 وبناء على طلب المطعون ضدها أحضرت المحكمة الطرفين وسمعت لأقوال المطعون ضدها والتي طلبت الاستمرار في تنفيذ نفقة الأولاد لأنها فقيرة ومحتاجة ولا تملك أي شئ .. وطلبت الاستمرار في تنفيذ الحكم السابق ، أجاب الطاعن بأنه مستعد للإنفاق على أولاده إذا سلمتهم أمهم إليه وبسؤالها رفضت تسليم الأولاد وصادق على فقرها.
قررت المحكمة في ذات التاريخ السير في التنفيذ وتكون النفقة ديناً للطاعن – على – المطعون ضدها.
4- في 29/7/1978 طلب المحكوم عليه الطعن بالاستئناف أمام قاضي المديرية الذي قرر بتاريخ 23/7/1978 شطب الطعن حيث لا فائدة منه.
5- في 15/8/1978 قدم محامي الطاعن الطعن بالنقض وقال إن النفقة المفروضة بالحكم تنازلت عنها المطعون ضدها وأنها رفعت دعوى جديدة بالنفقة ورفضت وأن المحكمة أخطأت بإلزامه بالنفقة وأورد نصوصاً شرعية لتأييد أقواله. أجابت المطعون ضدها بأن ظروف الأولاد وفقرها دعاها إلى طلب الاستمرار في التنفيذ.
الأســـباب
الطعن استوفى إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن المطعون ضدها تنازلت عن النفقة الزوجية للأولاد على أبيهم والتزمت بالقيام بها لمدة عشر سنوات وبهذا نقلت واجب الأب في الإنفاق على الأولاد إليها بحكم التزامها بنفقتهم فترة محددة من الزمن ولكنها عادت في 15/7/1978 وطالبت بقيام الطاعن بهذا الواجب نيابة عنها لأنها فقيرة وسيضار الأولاد لسبب فقرها من عدم حصولهم على النفقة الضرورية. وتشير الوقائع إلى أنه لم يحدث تنازل عن الحكم المقرر به النفقة للأولاد ولكن التنازل موجه إلى أصل الوجوب وانتقاله – وما دامت النفقة قد تعينت على الطاعن لفقر المطعون ضدها الذي أقر به وأن ما ينفقه سيكون ديناً له عليها وأن الحكم الصادر بالنفقة تعطل سريانه للتنازل فقط ولم يلغ أو يصبح باطلاً قانوناً فلا نرى ما يمنع الاستمرار في تنفيذه لأن المقادير المقررة به هي التي استقرت بعلم طرفي النزاع كنفقة الأولاد فترة من الوقت وسوف تبقي هي المقادير التي يرجع بها الطاعن عليها عند يسارها.
وعليه فإن إعادة تنفيذ هذه المقادير الصادر بها الحكم إجراء سليم لا غبار عليه من الناحية القانونية غير أن المطعون ضدها لا حق لها في تنفيذ المقادير في الفترة من تاريخ التنازل إلى وقت طلب التنفيذ لأن حاجة المحضون قد انقضت في تلك المدة.
لـــذا
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع رفضه وتأييد الحكم المطعون فيه على أن ينفذ الحكم المطعون فيه على أن ينفذ الحكم من تاريخ الطلب 15/7/1978.
:
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولي قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ محمد السنوسي إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية هبة سكن أهالي
قرار النقض نمرة 32/1979م
الصادر في يوم الثلاثاء 16 ربيع الأول سنة 1399هـ
الموافق 13/2/1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الهبة – عقار سكن الأهالي – سلطة نظر العقود الشرعية – انتقال الهبة بالميراث- نطاق الأسرة الواحدة – إقامة البناء في مواجهة الخصوم.
1-الاعتراض بأن القانون لا يجيز التصرف في مناطق سكن الأهالي لا يمنع السير في دعاوى الهبة وإثباتها بالطرق المقررة شرعاً أمام المحاكم الشرعية لأن الهبة من العقود الشرعية – وللجهة التي تملك حق التصديق الإداري أن تمارس سلطاتها بعد أن تصدر المحكمة المختصة قرارها.
2- نقل ملكية سكن الأهالي بالميراث لورثة المتوفى معمول به وهو تصرف من التصرفات التي يقرها القانون في نطاق الأسرة الواحدة ولا يتعارض معه زيادة نصيب أي منهم بالهبة أو بالتنازل فيما بينهم.
3- عدم اعتراض منكري الهبة على الموهوب له عند إقامة بناء في الجزء المدعى هبته حينما شرع فيه في مواجهتهم يدحض ادعاءهم مرور المدة القانونية لسماع الدعوى.
الوقـــائع
أقام المطعون ضده الدعوى الابتدائية على الطاعنين أمام محكمة بورتسودان الشرعية بطلب إثبات هبة وادعى محاميه بأن والدة مورثه ومورث المدعي عليهم وهب له في حياته نصف المنزل 168 ديم الورشة ببورتسودان وأنه استلم الهبة في حياة والده وتم ذلك في آخر الخمسينات 58 و 59 وأنه أزال المباني القديمة وبنى في المكان الموهوب مباني جديدة وأن التقدير الحالي للقطعة قدره 325 جنيه وطلب إثبات الهبة.
رد محامى المدعى عليهم بأنه يصادق على المنزل المذكور وأنه ورثه للمتوفى والد المدعى وأنكر الهبة وأضاف بأن المنزل درجة رابعة لا يصح التصرف فيه بالهبة حسب قوانين التسجيلات وطلب رفض الدعوى.
طلبت المحكمة البينة من المدعى على حصول الهبة فأحضر الشاهد الأول وبعد أن حلف اليمين شهد بأن المتوفى استحضره بمنزله في عام 52 أو 1953 ولا يعلم التحديد وقال له أنه يريد أن يهب نصف منزله بديم الورشة إلى ابنه وقام بالهبة أمامه وهو بكامل صحته وكان المنزل خالياً من المباني ما عدا حوض حول قطعة الأرض وأجاب على سؤال محامى المدعى عليه بأنه لم يحضر أحد معه مجلس الهبة حتى الموهوب له لم يكن حاضراً ولم تكتب وثيقة ولم ير أي وثيقة وأنه لم يوقع على وثيقة بالهبة أبداً وأجاب على سؤال الشهود له بأن الأرض كانت خالية وأقام المدعى عليه مباني من الخشب وكان يسكنها قبل سبعة أشهر والآن خالية.
ثم حضر الشاهد الثاني وبعد أن حلف اليمين شهد بأن المتوفى كان يقول في الخمسينات بأنه سوف يهب نصف منزله لولده بديم سكة حديد وأنه في عام 1963 أخبره بأنه عمل الهبة ووثقها لدى المحامي وأجاب على الأسئلة بأنه لم يحضر مجلس الهبة ولا حضر التوثيق وأنه كان بمفرده حين أخبره المتوفى بالهبة ولم يحضر معه إلا أن المتوفى (وأنه ليس للمرحوم منزل خلاف ما ذكر وأن المباني المقامة على القطعة قام بها المدعى وكان يسكنها ولكنه تركها الآن وأمتعته بها).
ثم حضر الشاهد الثالث وبعد أن حلف اليمين قال أشهد أن المرحوم وهب لابنه نصف منزله وقال لنا أشهدوا على ذلك بحضور .................... و .......................... في 1963 وذهبا معه إلى المحامي ووثق عقد الهبة وحاز الموهوب له الهبة وشيد المباني المقامة عليها والقطعة بديم الورشة وأجاب على الأسئلة بأنه لم يوقع على الوثيقة ووقع عليها ......................... و .................................
طلبت المحكمة من المدعى مستند الهبة فقدمه ومضمونه – أن الواهب يملك القطعة نمرة 168 ديم الورشة وهذه القطعة ليست موضوع خلاف وقد وهب المالك نصف هذه القطعة إلى ابنه من مباني ومنشآت وأن المدعى قبض هذه الهبة وله التصرف الكامل وأن الهبة تمت في 3/9/1958 حرر المستند في 5/8/1973 ثم حضر ابن المتوفى وصادق على الهبة وأجاب محامى الباقين بأن المستند المقدم عرفي ولم يقر أحد الشاهدين اللذين وقعا عليه للإدلاء بشهادتهما وقد توفي أحد الشاهدين والثاني هو وكيل أيضاً للمدعى وأن المستند تاريخه 5/8/1963 وجاء منه أن الهبة تمت في 3/9/1958 أي قبل أكثر من خمسة عشرة عاماً وكذلك تكون الدعوى قد سقطت بالتقادم ولم يتم تسجيل المستند ببلدية بورتسودان المختصة وأن قوانين البلدية لا تجيز التصرف بالهبة في منطقة سكن الأهالي الدرجة الرابعة.
عقب محامي المدعى بأن التقادم غير وارد لأن الموهوب له قبض الهبة وبيده وأنه أثبت دعواه بالهبة وأن الموهوب له وارث القطعة من ناحية الميراث مضاف نصيبه ولا يمنع قانون البلدية ذلك.
قالت المحكمة أن التصرف في سكن الأهالي بالهبة ممنوع ولكنها تنظر الموضوع من الناحية الشرعية هل الهبة ثابتة أم لا ؟ ثم أمرت المدعى أن يحلف على صحة دعواه فحلف فأصدرت المحكمة حكمها بثبوت الهبة وقالت أن الهبة ثبتت بالبينة وأنها من وجهة نظر الشريعة صحيحة وهذا ما تسير عليه المحكمة أما كون القانون يمنع الهبة وإن كان صحيحاً فإن المحكمة تنظر إلى الناحية الشرعية وقد صدر الحكم.
في 4/7/1976 قدم المحكوم عليهم الطعن بالاستئناف أمام قاضي مديرية البحر الأحمر وأسس طعنه على أن الشهادة فردية إذ كل شاهد شهد بمجلس مختلف وأن المنزل موضوع الهبة يقع في منطقة سكن الأهالي التي لا يصح التصرف فيها بالهبة حسب القانون الذي يحكم الموضوع بأن ملكية الأرض للحكومة والواهب لا يملك هبتها ثم أن الهبة حسب الدعوى تمت في 1958 أي قبل 15 سنة لم يقر المستأنفون بها وقد سقطت بالتقادم وأن المستأنفون ينكرون التوقيع المنسوب إلى المستأنف ضدهم ويطعنون بالتزوير.
اتضح أن المستأنف ضده حمل صورة الحكم الابتدائي إلى المجلس الشعبي وتحصل على خطاب بأنه يمكنه أن يسجل الهبة باسمه لأنها تمت في نطاق الأسرة وأجاب محامي المستأنفين بأن هذه المعلومات خاطئة مخالفة للقانون.
رد محامي المستأنف ضدهم بأن الهبة ثابتة وأن القانون محل نزاع والواجب أن يطبق قانون تصرف السودانيين.
طلبت المحكمة من المحافظة إرسال المنشور الذي يتعلق بالموضوع فأرسلت المحافظة المنشور رقم أراضي / 8/1 مجلد 8 الصادر في 11/11/1970 من مدير الأراضي الذي يوضح أن قطع أراضي الدرجة الرابعة أو سكن الأهالي لا يجوز التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرفات مهما مضى من الزمن.
أصدرت المحكمة حكمها بتأييد الحكم الابتدائي وجاء في الأسباب أن منع التصرف في سكن الأهالي صحيح إلا أن هناك أسبقيات بالبينة للهبة في نطاق الأسرة الواحدة وأن الورثة لم ينكروا الهبة وأن الورثة اعترفوا بأن والدهم طلب منهم أن نقيم المستأنف ضده مجاناً.
صدر قرار الاستئناف في 7/11/1978 وفي 20/11/1978 قدم الطعن بالنقض وجاء في العريضة أن الشهادة فردية وأن المنطقة التي يقع فيها المنزل لا يصح التصرف فيها وأن الطاعنين لم يصادقوا بالهبة ولذا سقطت بالتقادم. رد المطعون ضده بأن المحافظ وافق على الهبة ولا يوجد إنكار ولا طعن في المستند على أنه إذا وضح أن الأرض لا يجوز فيها التصرف فلا تصح أن يؤول بالإرث.
( الأسباب )
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أنه قد ثبت بالشهادة وبالمستند أن الهبة قد تمت من المتوفى لابنه المطعون ضده وقد أقر بعض الورثة بذلك ابن المتوفى ووالدته صفحة 9.
أن الاعتراض على الهبة بأن القانون لا يجيز التصرف في منطقة سكن الأهالي ( درجة رابعة) لا يمنع من السير وإثبات الهبة بالطرق الشرعية وللجهة التي تملك حق التصديق الإداري بالقطعة للموهوب له أن تمارس سلطاتها بعد أن تصدر المحكمة قرارها – ثم أن نقل هذه القطعة بالميراث لورثة المتوفى معمول به وهو تصرف من التصرفات ويقره القانون والمطعون ضده هو أحد هؤلاء الورثة الذين ينتقل إليهم الحق في ملكية القطعة وسكنها فإذا زاد نصيبه أو بتنازل الآخرين بالفعل فإن ذلك لا يمكن القول بأنه يتعارض مع القانون المذكور خاصة إذا كان هناك إستثناءات بنقل الملكية في نطاق الأسرة الواحدة وتشير الوقائع أيضاً بأنه ثبت أن المطعون ضده وجه الطاعنين فإن عدم اعتراض الورثة على إقامة هذا المسكن حين الشروع فيه يدحض الإدعاء لمرور المدة القانونية لسماع الدعوى كما أنه يمكن أن يضيف إلى أدلة صدور الهبة دليلاً آخر في مواجهة الورثة كلهم – إذ لم ينازعه المتوفى الواهب بحياته بل ثبت من أقوال الورثة أنه أقر سكنه مجاناً بلا أجر وإذا كان هذا التصرف حجة على الواهب في قبض الهبة أن يثار نزاع بينه وبين الموهوب له فإنه بالأولى على ورثة ذلك الواهب وتمام الهبة بعد وفاته.
( لـذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه.
( محكمــة الاسـتئناف )
القضــــاة:
سيادة السيد محمد حمزة الصديق قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سيادة السيد بشير محمد صالح قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سعادة السيد عثمان أحمد النور قاضي محكمة الاستئناف عضواً
حكومة السودان ضــد علي مصطفى أبو بكر
( م أ /م ك/79/1979م)
المبادئ:
قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي – الاستفادة من الدفاع الشرعي بتوافر الوقائع أمام المحكمة-انكار المتهم للوقائع الثابتة لايضيرة
يجوز للمحكمة ان تقضي ببراءة المتهم على اساس الدفاع الشرعى وان انكرة المتهم واقعة إمساكه بالمسدس أو الطلاق الرصاص منه متى كان هناك من الأدلة ما نبي عن ثبوت حق الدفاع الشرعي للمتهم ردا على الاعتداء الواقع عليه.
الحكـــم
19/7/1979:
القاضي بشير محمد صالح:
عقدت محكمة كبرى في القضارف برئاسة القاضي بكري أحمد عباس في يوم 14/4/1979 لمحاكمة المتهم علي مصطفى أبو بكر تحت المادة 259 عقوبات والمادة 16/32 من قانون الأسلحة والذخيرة والمفرقعات لسنة 1932.
وجدت المحكمة أن المتهم فعلا أطلق رصاصة من مسدس غير مرخص على المجني عليه يعقوب أبكر أصابته في ذراعه الأيمن وأحدثت به أذى بسيط. ولهذا فقد أدانته تحت المادة 260 عقوبات والمادتين 16 و 32 من قانون الأسلحة والذخيرة والمفرقعات. عن مخالفة المادة الأولى حمت عليه بالسجن لمدة عام ابتداء من يوم 5/6/1979 وغرمته خمسة جنيهات لمخالفته المادة 16 من قانون الأسلحة وعشرة جنيهات لمخالفته للمادة 32 من نفس القانون.لقد دفع المتهم الغرامة لكنه ووالدته وزوجتاه قدموا استرحاما لتخفيف عقوبة السجن عنه.وبفحص الأوراق اتضح لي أن المتهم كان يسير في الطريق العام بعد منتصف الليل في ديم بكر بالقضارف حيث يقم وكان يحمل في يده مسجلا واشرطة وبطارية والمسجل كان مفتوحا. وفي بعض الطريق وجد جماعة من الناس يجلسون من بينهم المجني عليه. هذه الجماعة كانت تقوم بحراسة الحي كعمل تطوعي. ولهذا عندما رأوه قاموا لملاقاته وأوقفوه وسألوه عن وجهته. استنكر المتهم سؤالهم له ولم يعطيهم إجابة شافية. فتحركوا نحوه يريدون القبض عليه وكانوا كلهم مسلحين بالعصي الغليظة. لكن المتهم أضاء البطارية وأنذرهم بالا يقتربوا منه ولكنهم لم ينصاعوا لإنذاره وأحكموا حلقته حوله. وهنا فإنهم يقولون بأنه أطلق النار من مسدس كان يحمله في يده على المجني عليه إصابته في ذراعه. على صوت ذلك الطلق الناري تجمع مزيد من الناس وقد تعرف عليه أحدهم بأنه أحد سكان الحي فاطمأن المتهم وأدخل المسدس في جيبه فهجموا عليه وانتزعوا منه المسدس انتزاعا وقادوه للبوليس.أنكر المتهم أنه كان يحوز ذلك المسدس وأن اقر بأنه سمع الطلق الناري كما أنكر أنه أطلق النار على المجني عليه. لكن جميع الشهود أكدوا بأنه كان يحوز ذلك المسدس وأنه أطلق منه النار على المجني عليه. ولهذا فلا مناص من تأييد قرار المحكمة حول هذه النقطة.فما هو التكييف القانوني لفعل المتهم. لقد كانت المحكمة محقة حين أخرجت فعل المتهم من دائرة المادة 259 عقوبات. هذا لأن الرجل العاقل أو العادي سوف يندهش كل الاندهاش أن قتلت مثل هذه الضربة المجني عليه. هذا لأنها ضربة سلاخية في اليد وهي أحد الأطراف التي لو بترت لما مات المجني عليه. (انظر قضية حكومة السودان ضد محمد آدم نور وآخر مجلة الأحكام القضائية السودانية سنة 1963 صفحة 157).
ولكن المحكمة حتما لم تكمن محقة حين وضعت فعل المتهم تحت المادة 260 عقوبات. إن هذه المادة تقرأ كالآتي:-
(كل من يرتكب فعلا بالقصد أو العلم وفي الظروف التي لو سبب فليها هذا الموت لكان فاعله مرتكبا جريمة القتل الذي لا يصل إلى درجة القتل ا لعمد ..الخ).
والقتل الذي لا يرقى لدرجة القتل العمد هو القتل الذي لا يقصد القاتل فيه ا لقتل ولكنه يعلم بأن الموت نتيجة محتملة لفعله. أو الذي قصد القاتل فليه القتل أو كان يعلم بأنه نتيجة راجحة لفعله ولكنه قام بالقتل تحت أي من الاستثناءات الواردة تحت المادة 249 عقوبات. وأعتقد بأن مناقشة هذه الاستثناءات غير واردة في حالة عدم حدوث الموت فعلا وبذا فإن المادة 260 عقوبات ترجع للمادة 246 والمادة247 والمادة 248 عقوبات.
فهل كان هناك احتمال حدوث موت أصلا: لا أرى ذلك. قد رأت المحكمة أن الأذى بسيطا، وأضيف أنا بأن المتهم صوب مسدسه ليد المجني عليه وهو مكان غير قاتل واكتفى بطلقة واحدة مع أنه كان يحمل عدة طلقات وتوقف عن الضرب حال تعرف أحد الحاضرين عليه من أنه أحد أبناء الحي وليس لصا. لهذا وكما رأيت أعلاه فإن الرجل العاقل كان سوف يندهش جدا لو مات المجني عليه من تلك الضربة التي لا تقتل في العادة أحد هذا حتى ولو اخترقت الطلقة الذراع ولم تمر على سطحها مرورا وبالطبع فإن تبرير المجني عليه بأنه ابتلع حجابا منع الرصاص من اختراق يده لا يعدو أن يكون من قبيل الخزعبلات التي لا يجب أن نلتفت إليها.
وعليه فإنني أعتقد بأن المادة الملائمة لفعل المتهم طبقا للظروف التي أشرت غليها أعلاه هي المادة 279 (1) عقوبات والتي تقرأ كالآتي:-
(وفيما عدا الحالة المبين حكمها في المادة 275 (تسبيب الأذى عمدا أثر استفزاز) يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز ثلاث سنوات أو بالغرامة أو بالعقوبتين معا كل من يسبب الأذى عمد بأية آلة لإطلاق النار أو الطعن أو للقطع أو أية آلة يحتمل أن تسبب الموت إذا استعملت كسلاح للاعتداء أو بالنار أو أية مادة محماة أو بالكهرباء أو أية مادة حارقة أو ناسفة أو بإعطاء مادة سامة أو مضرة أو بواسطة حيوان).
هل كان المتهم مدافعا عن نفسه:
لا أدري لماذا أغفلت المحكمة مناقشة هذا السؤال؟ صحيح أن المتهم أنكر أنه أطلق النار كلية ولكن الوقائع التي ثبتت للمحكمة تحتمل مناقشة حق الدفاع عن النفس. أن محاكمنا مأمورة أن تمثل الاتهام وأن تكون ممثلة للدفاع وعلى وجه الخصوص في القضايا التي لا يظهر فيها محامون. أن عليها أن تعين المتهم بأن تبرز له الجوانب القانونية وتعطيه فائدة الاستثناءات التي تنفي العمل الجنائي كالدفاع عن النفس والجنون أو تخفيف عنه كالاستفزاز مثلا. (أنظر على سبيل المثال المنشور الجنائي رقم 3).
إنني أعتقد بأن المتهم استعمل حقه في الدفاع عن نفسه استمالا مشروعا ولذلك فإنه لم يرتكب أي جريمة. لقد كان المتهم يسير في الطريق العام فاعترضه هؤلاء الرجال المسلحون واستوقفوه وهجموا عليه وبما أنه كان خالي الذهن تماما عن موضوع الحراسة بواسطة المواطنين فقد كان محقا أن ظن أن خطرا داهما يحدق به خاصة وأنه كان يحمل مسجلا وأشرطة ونقودا وبالتالي عرضة للسلب والنهب. أن أحدا من الشهود لم يذكر إطلاقا بأنه عرف نفسه أو صفته للمتهم بل واجهوه في جنح الظلام دون أي إنذار أو تعريف بأنفسهم.
ومع ذلك لم يستعمل السلاح إلا بعد أن اقترب منه الرجال اقترابا شديداً وبعد أن أنذرهم بأنه سوف يطلب النار. ورغم ذلك فقد أطلق طلقة واحدة في مكان غير قاتل وأعاد المسدس لجيبه عندما تعرف عليه أحد الحاضرين من أنه أحد أبناء الحي وليس لصا.
واعتراض أولئك الرجال ومنهم المجني عليه للمتهم في رأيي فعل غير مشروع وبالتالي فإن مقاومتهم تعد عملا قانونيا مشروعا. لقد مثل أولئك الرجال دور البوليس ولكنهم لم يعملوا بالطريقة التي يعمل بها البوليس. لأن البوليس لا يقبض على مواطن إذا اشتبه فيه وبعد أن يعرفه بأنه رجل بوليس. وأود هنا أن أشير إلى خطورة هذه الدوريات من المواطنين التي أصبحت تجوب الأحياء ليلا بغرض الحراسة. إن خطورة هذا العمل تكمن في أن معظم هؤلاء الناس لا يعرفون الشروط القانونية للقبض وما يجوز وما لا يجوز فعله حين الاشتباه في شخص ما. أن أمثال هؤلاء الناس يعرفون أنه لا يجوز للشخص العادي أن يقبض على مواطنا إلا في الأحوال الواردة تحت المادة 327(أ) (ج) وهي:-
أ – أن يكون لديه أمر بالقبض على ذلك الشخص صادر من قاضي طبقا للمادتين 28 و 29 من قانون الإجراءات المدنية.
ب- أن يكون ذلك الشخص هاربا من الحراسة.
ج – أن حضور ذلك الشخص مطلوب بموجب إعلان صادر بمقتضى المادة 61.
د – أن يرتكب ذلك الشخص جريمة في حضوره مأذون فيها للشرطة بالقبض عليه دون أمر.
وبما أن المتهم لم يرتكب أي جريمة ولا تنطبق عليه أي من الأحوال الواردة أعلاه فإن التعرض إليه يعد جريمة وهو محق أن استعمل العنف ضد من أرادوا اعتقاله.
إن كان ولا بد من أن يستعين البوليس بالمواطنين لحراسة أنفسهم ليلا في دوريات فعلى المسئولين أن ينظموا ذلك بأن يحصروا عدد المتطوعين ويعقدوا لهم الحلقات التعريفية بأعمال البوليس وعليه أن يبصرهم بما يجب وما لا يجب فعله في مثل هذه الحالة. وفق كل شيء عليهم توعيتهم بالا يتعرضوا لأي مواطن ما لم يروه يقوم أو يحاول القيام بارتكاب جريمة ما.
لهذا أرى أن نشطب الإدانة والحكم ضد المتهم والتي أصدرتها المحكمة طبقا للمادة 260 عقوبات وأن نأمر بإخلاء سبيله فورا.
بقيت لنا التهمتان تحت قانون الأسلحة والذخيرة. ويبدو لي أن المحكمة لم ترجع لهذا القانون لأن المادة 16 التي أدانته المحكمة تحتها تتكلم عن وصف الأسلحة في أذن السحب من مخزن عام وهي مادة ليس لها عقوبة تحت المادة 49 من نفس القانون. المادة التي تشكل مخالفة والمعاقب عليها تحت هذه المادة هي المادة 32(1).
وعليه فإني أرى أن نلغي الإدانة تحت المادة 16 وأن نأمر بإعادة الغرامة على أن نؤيد الإدانة والغرامة تحت المادة 32(1).
23/7/1979:
القاضي عثمان أحمد نور:
أوافق الزميل بشير على شطب الإدانة تحت المادة 260 عقوبات واطلاق سراح المتهم وأؤيد إدانة المتهم تحت المادة 32 من قانون الأسلحة والذخيرة والمفرقعات والعقوبة.
أما بالنسبة للمادة 16 التي أشارت إليها محكمة الموضوع فواضح أن المحكمة تعني المادة 16 من لائحة ذخيرة الأسلحة النارية والأسلحة الصغيرة لعام 1932 والتي تنص على منع حيازة أي شخص للذخيرة ما لم يكن لديه سلاح مرخص يخوله له حيازة مثل تلك الذخيرة وقد وجدت ذخيرة مسدس المتهم غير المرخص بحيازة المتهم وبذلك يكون الأخير قد خالف المادة 16 من لائحة الذخيرة المعاقب عليها بنص المادة 35(2) من اللائحة.
وعليه أرى تعديل الإدانة تحت المادة 16 من لائحة الذخيرة وتأييد العقوبة التي صدرت في هذا الشأن.
24/7/1979:
القاضي محمد حمزة الصديق:
أوافق الزميلين على إلغاء إدانة وعقوبة المتهم بموجب المادة 260 من قانون العقوبات إذ أن المتهم عندما أطلق عيارا ناريا على المجني عليه إنما كان يمارس حقه المشروع في الدفاع عن النفس. كما أوافقهما على تأييد إدانته بموجب المادة 32 من قانون الأسلحة والذخيرة والعقوبة بموجبها عليه. كما أوافق الزميل عثمان أحمد نور في أن المادة 16 المعنية هي من لائحة الذخيرة ولا شك أن المتهم قد ارتكب مخالفة بالنسبة لها ولذلك اتفق معه في تأييد الإدانة بموجبها وكذا العقوبة.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم الجزولى أبو المعالى قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ مجذوب كمال الدين عباس قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية نفقة أبوة
قرار النقض نمرة 42/1979م
الصادر في يوم الأحد 19 ربيع الثاني 1399هـ
الموافق 18/ مارس /1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – النفقة – نفقة الأصول – وجوبها على الأنثى ذات زوج أم لا – اليسار بالنفقة.
1- الأنوثة ليست عجزاً مطلقاً يسقط معه وجوب النفقة على الأنثى سواء أكانت متزوجة أو غير متزوجة إن كان عندها يسار فضل لأن يسار الولد سواء أكان ذكراً أو أنثي يدخل في الاعتبار عند فرض النفقة عليه لأبويه.
الوقـــائع
الطعن استوفي إجراءات الشكلية.
وبعد الإطلاع على أوراق القضيتين 449/ 1978 و 119 / س/ 1978 ومحضري التحقيق المدونة بهما الوقائع والأسباب تبين لنا أن نقط النزاع تنحصر في الآتي :-
محامى المدعية يطالب بإسقاط النفقة المفروضة على موكلته لوالدها بحكم سابق من نفس المحكمة ومقدارها 8 جنيه ثمانية جنيهات في الشهر للوازمه مسبباً طلب هذا الإلغاء للحكم بأن النفقة فرضت بناء على ملكية موكلته لمنزل كان يدر عليها دخلاً شهرياً من الإيجار ولأن المؤجرين أخلوا المنزل الآن وسكنته المدعية مع زوجها وأولادهما فقد انعدم الدخل وزال السبب الذي بنى عليه فرض النفقة. وكيل المدعى عليه لم يوافق على الإسقاط. محكمة أول درجة رفضت الدعوى وذكرت بالأسباب أن نفقة الأب إنما تفرض على الولد في الزائد على حاجته من دخله وبما أن المدعية تمتلك منزلاً فهذا في حد ذاته يعتبر غني يمكن أن تنشأ في ظله النفقة للأب الفقير – ولو كان الطلب بتخفيض النفقة لكان معقولاً.
أصدرت المحكمة الابتدائية قرارها في 14/6/1978 وبنفس التاريخ تقدمت المستأنفة بعريضتها لمحكمة المديرية.
وادعت أمامها بنفس الدعوى وأصرت على طلب إسقاط النفقة بسبب إنعدام المورد الوحيد الذي فرضت على أساسه النفقة ابتداء وهو أجرة المسكن إذ أخلاه المؤجرون.
وكيل المستأنف ضده دفع بأنها أخرجت المؤجرين هروباً وفراراً من النفقة وأنكرت ذلك وحصر بينته في رجل وامرأتين فادعت المستأنفة أن بينها وبين إحدى المرأتين عداوة بلغت حد التقاضي جنائياً واستفسرت المحكمة عن القضية فأفادت الجهة المختصة بأن هناك قضية جنائية بين المستأنفة وأختها.
أجلت لجلسة 17/6/1978م.
بعد ذلك أجلت المحكمة القضية لجلسة 5/8/1978 ومن هنا استلم التحقيق في قضية الاستئناف قاضي آخر هو قاضي المديرية الشيخ مبارك البدوي فنحا بالتحقيق منحى جديداً مؤداه أن المستأنفة سكنت بجزء من المنزل في أكتوبر 1976 واستأجرت الجزء الآخر في مارس 1977 وذلك لمواجهة احتياجات الكهرباء والمياه والعوائد وكان إيجاره 15 جنيه وأخلت الجزء الآخر لسكناها هي وأطفالها منذ مارس 1978 وظلت تسكن فيه ثم حر التحقيق إلى أنها متزوجة برجل يعمل سائقاً لعربة وزارة الري بمدني ويسكن معها بنفس المنزل.
وهنا أجلت محكمة المديرية القضية للمراجعة لجلسة 12/9/1978 وفي هذه الجلسة قررت قبول الاستئناف شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه.
( الأسباب )
بتاريخ 28/9/1978 قدم هذا الطعن.
وبما أن محكمة المديرية الشرعية سببت قرارها أعلاه بالأسباب الآتية مستخلصة من كتاب الأحوال الشخصية للشيخ معوض صفحة 472 في باب نفقة الفرع على الأصل :
1- أن يكون الأصل فقير ولا مال له ينفق منه ولا يشترط عجزه عن الكسب متى كان محتاجاً ولو قادراً على الكسب.
2- أن يكون الفرع قادراً على الكسب ولا يشترط يساره فمتى كان في كسب الفرع ما يزيد في حاجته. وحيث أن على الفرع نفقة أصله المعسر وأن كان قادراً على الكسب وحيث أن قدرة المستأنفة على الكسب ويسارها متحقق بمنزلها رقم 89 مربع 35 مدنى الذي استأجر جزء منه بمبلغ 15 جنيه وشغلت هي الجزء الآخر كما أنها وهي امرأة متزوجة وبعصمة زوجها وطاعته وأن نفقتها وإسكانها واجبة على زوجها وإن كانت غنية. ولا يضار بها الأب فيما قدر له شرعاً. ولا يزاحم الزوج الأصل في هذا القدر زائداً عن حاجة الفرع. وعليه فلا محل لإسقاط هذه النفقة عن المستأنفة ما دام هناك دخل زائد عن حاجتها.
هذا ما وصلت إليه محكمة المديرية وانبنى عليه رفض الاستئناف وتأييد الحكم المطعون فيه. هذا وأنه من رأي هذه المحكمة أن هذا الحكم وإن وقع صحيح إلا أن الأسباب التي ساقت إليه كما هي مقررة أعلاه لم تكن وحدها لتكفي مسوغاً لتأييد الحكم ورفض طلب إسقاط النفقة. إذ الواجب تعزيزها ببحث أكثر شمولاً في وجوب نفقة الوالدين على أولادهما فقد جاء في باب نفقة الأولاد والأقارب من كتاب الأحوال الشخصية للشيخ محمد أبو زهرة في بند شروط وجوب نفقة القريب على قريبه صفحة 445 الآتي :
ويشترط يسار المنفق في غير نفقة أحد الأبوين على الابن ونفقة الابن على أبيه. فإن لهذه النفقة أحكاماً خاصة بها من حيث اليسار وعدم اليسار أما غيرها فإن اليسار شرط بالإنفاق: واختلف في حده على قولين صحيحين في المذهب الحنفي.
أحدهما قول أبي يوسف إن حد اليسار أن يملك نصاب الزكاة وهو أن يملك ما قيمته عشرين مثقالاً من الذهب وذلك لأن نفقة ذي الرحم المحرم صلة والصلات المالية كالصدقات إنما تجب على الأغنياء.
وثانيهما : قول محمد وهو أن يكون له كسب دائم يكفى حاجته ويزيد فإنه في هذه الحال ينفق من الزيادة على ذي الرحم المحرم وصحبه في ذلك أن النفقة صلة وليس زكاة ولا صدقة ولذا لا تغني عن الزكاة والصدقات عند القضاء بها فلا يشترط لوجوبها ما يشترط لوجوب الصدقات ثم هب حق العبد والزكاة حق الله سبحانه وتعالي وحقوق العباد لا يشترط لوفائها نوع خاص وهي لدفع الهلاك ويجب على كل مسلم القيام بدفع الهلاك عمن له به صلة ما دام في حالة ما يفضل عن حاجته.
وقال صاحب البدائع إن قول محمد أرفق ومال إليه شمس الأئمة السرخسى ورجحه الزيلعي ولكن قال صاحب البحر (إنه لم ير من أفتي به) فكان الترجيح مختلفاً فيه. ولعل المناسب لعصرنا هو رأي محمد لأنه أرفق بالناس كما قال بعض الفقهاء والعمل جار الآن على مذهب محمد وإن لم تكن ثمة جدوى في هذا الخلاف لأنه يندر من يكون ذا كسب ليس عنده فيما يقتنيه أو يدخره نصاب وهذا القول يدفع الحجة بأن طبيعة الأنثى هو العجز وتعفي من النفقة لأنه قد جاء في صفحة 449 من نفس الكتاب باب ترتيب من تجب على نفقة الأبوين قوله: وقبل أن نخوض في بيانها نذكر قضيتين هما موضوع اتفاق الفقه الحنفي وقد نوهنا عنهما في كلامنا السابق وهما :
1- ألا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد سواء أكان الولد ذكراً أم كان أنثي موسرة.
2- ثانيهما : الخ.
هذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أن الأنوثة ليست عجزاً مطلقاً تسقط معه النفقة إن كان هناك يسار. فيسار الولد سواء أكان ذكراً أم أنثي يدخل في الاعتبار عند فرض نفقة أحد الأبوين كما هو مبين أعلاه. وعليه فإن المستأنفة هنا موسرة بدخلها من إيجار جزء من المنزل الذي تمتلكه وتجب فرض نفقة الأب فيه. لذا فقد وقع الحكمان صحيحين ووجب تأييدهما.
إلا أننا نرى دفعاً للحرج عن الطاعنة بتكليفها ما لا تطيق من النفقة وإلزامها متجمد لم تكن إحصائيته صحيحة لأنه ثبت بمحضر الاستئناف أن المنزل ظل خالياً من أكتوبر 1976 إلى مارس 1977. هذا وبما أن محكمة الموضوع أمرت عند تنفيذ الحكم ببيع المنزل لسداد هذا المتجمد الغير المقطوع بصحته- ولا يخفي أن البيع في حد ذاته إجراء سيعود لا بالضرر على الطاعنة فحسب بل على المطعون ضده نفسه لأنه سيفقد حتماً المورد الوحيد الذي فرضت فيه النفقة أساساً وبالتالي يفقد النفقة كلها.
وبما أن المحكمة الابتدائية أشارت بأسبابها عند رفض طلب الإلغاء إلى أن طلب التخفيض كان أكثر معقولية لأن الأجرة عند الفرض كانت 20 جنيه (عشرين جنيهاً ( وعند طلب الإلغاء أصبحت 15 جنيهاً ( خمسة عشر جنيها ( وبما أن وكيل الطاعنة أشار في ذيل عريضته إلى أنه إن لم يكن الإلغاء ممكناً فلا أقل من أن ينظر في تعديل النفقة وهذا مطلب لم يكن في مقدوره هذه المحكمة نظره لأن لم يثار لا في المحكمة الابتدائية ولا أمام الاستئناف إلا أنه كما قدمنا دفعاً للحرج عن الطاعنة وحسب التحري الإداري الأخير الذي وصل من محكمة المديرية بتاريخ 8/3/1979م عن دخل الزوج والتزاماته قررنا الآتي :-
( لــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين الابتدائي والاستئناف وإعادة القضية للمحكمة الابتدائية للسير فيها من جديد في ضوء الأسباب.
( محكمــة الاسـتئناف )
القضــــاة:
سعادة السيد بشير محمد صالح قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سعادة السيد د. بشارة إبراهيم بشارة قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سعادة السيد بشرى الطاهر قاضي محكمة الاستئناف عضواً
حكومة السودان ضــد مصطفى عبد الغني عبد العليم وآخر
( م أ /م ك/229/1979م)
المبادئ:
قانون الإثبات – على الاتهام عبء إثبات سوء القصد في جرائم المال المسروق.
قانون جنائي – وجود الشيء المسروق في حيازة المتهم ليست دليلا على علم المتهم بأنه مسروق.
1- على الاتهام أن يقدم من البينات ما يكفي لإثبات سوء النية لدى المتهم عند استلامه المال المسروق.
2- مجرد وجود الشيء المسروق في حيازة المتهم ليس دليلا قاطعا على علم المتهم بأن الشيء المسروق وبالتالي لا تكفي لإدانته تحت المادة 353 عقوبات.
(الحكـــم)
24/9/1979:
القاضي بشير محمد صالح:
في إحدى العمارات ببورتسودان وفي شقة بالطابق الرابع منها كان يقيم المدعو مولر وهو ألماني كان يعمل بخط أنابيب البترول.. وفي الطابق الأرضي في تلك العمارة مكاتب بنك الشعب التعاوني الذي يعمل المستأنف موظفا فيه.
حرك المستأنف بعض أثاثات شقة مولر في غيابه إلى منزله بواسطة شخص يدعى صموئيل الذي كان يعمل خفيرا لدى صاحب تلك العمارة. ويبدوا أنه كانت له صلة بسكان تلك العمارة. صموئيل هذا اختفى بعد أن سمل الأثاثات للمستأنف ولم يعثر له على أثر حتى اليوم.
المستأنف ومنذ الوهلة الأولى ادعى وأنه اشترى تلك الأثاثات من مولر بواسطة صموئيل وأنه سلم ثمنها وقدره 550 جنيها لتسليمها لمولر.
انعقدت محكمة كبرى ببورتسودان في يوم 8/7/1979 برئاسة القاضي عثمان الشريف النور ووجدت المستأنف مذنبا تحت المادة 353 عقوبات وحكمت عليه بالسجن لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من 5/8/1979 كما أمرت بغرامته مائة جنيه وأن لم يدفعها بسجن لمدة ثلاثة أشهر أخرى.
محاميه الأستاذ صلاح مرحوم يستأنف هذا الحكم ويقول بأن المستأنف حين اشترى تلك الأثاثات من صموئيل ما كان يعلم بأنها مال مسروق ولم يكن هناك ما يحمله على الاعتقاد بأنها مال مسروق وذلك لأن تصرفاته كلها إزاء هذه الأثاثات تدل على سلامة النية.
ومن الخرطوم تقدم لنا الأستاذ محمد بشير نيابة عن المستأنف بطلب لإلغاء عقوبة السجن، هذا أن أيدنا الإدانة.
أبدأ بنص المادة 353 عقوبات.
(كل من يتسلم أو يحتفظ بسوء قصد بما مسروق مع علمه أو وجوده ما يحمله على الاعتقاد بأنه مال مسروق يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز خمس سنوات أو بالغرامة أو العقوبتين معا).
وواضح أن هذه الجريمة ترتكز على عنصرين:-
1- أن يكون المال الذي عثر عليه في حيازة المتهم مسروق بمعنى أن تكون حيازته قد انتقلت من مالكه أو الحائز عليه بسرقة أو ابتزاز أو نهب أو تملك جنائي أو عن طريق خيانة الأمانة.
2-أن يكون المتهم حين تملك هذا المال عالما بأنه مال مسروق أو كان لديه ما يحمله على الاعتقاد أنه مال مسروق.
لا تقف طويلا عند العنصر الأول لأن تلك الأثاثات مفترض فيها أنها مسروقة لأن صموئيل اختفى وصاحبها قال بأنه لم يبعها ولم يؤكل صموئيل لبيعها وخادمته ذكرت أن مخدمها ترك أثاث الشقة في محلها وطلب منها مراقبة الشقة.
ما يهمنا هنا هو الإجابة على السؤال ما إذا كان المستأنف يعلم بأن تلك الأثاثات مسروقة أو كان لديه ما يحمله على الاعتقاد بأنها مسروقة. وهذا سؤال جد دقيق إذ على الاتهام أن يثبت العلم من جانب المتهم أو يأتي من البينات ما يكفي لجعل المحكمة تقترض مثل هذا العلم. وبمعنى آخر فإنه على الاتهام أن يثبت سوء النية وسوء القصد عند المتهم عند استلامه للمال المسروق.
“To constitute dishonest retention, there must have been a change in the mental element of possession from an honest to a dishonest condition of the mind in relation to the thing possessee.”
مولانا محمد أحمد أبو رنات رحمه الله في قضية حكومة السودان ضد إبراهيم عبد القادر الليثي (مجلة الأحكام القضائية (1961) صفحة 34) ولذلك فقد قرر في تلك القضية أن مجرد وجود الراديو المسروق في حيازة المتهم لا يكفي لإدانته تحت هذه المادة.
ولابد لتبيان حالة المتهم العقلية من الإشارة للمادة 18 عقوبات التي تعرف سوء القصد والمادة 20 عقوبات التي تقول بأن يكون للشخص ما يحمله على الاعتقاد في شيء "إذا كانت لديه الأسباب الكافية للاعتقاد في ذلك الشيء وليس في أية حالة أخرى".
فماذا قدم الاتهام ليثبت أن المستأنف كان يعلم أن تلك الأثاثات مسروقة أو كان لديه ما يحمله على الاعتقاد بأنه مال مسروق.
لابد لنا أن نلاحظ بأن الاتهام اعتمد اعتمادا كليا على قرائن الأحوال. المال المسروق وجد في حيازة المستأنف وقد اشتراه من غير مالكه وقد كان بإمكان أن يقابل مالكه ويتفاوض معه كما أنه لا يحمل أي مستند يثبت البيع أو الثمن كان ثمنا بخسا.
إنني أشارك المحكمة الرأي بأن المستأنف كان بإمكانه أن يكون أكثر حكمة ورؤية وأن تصرفه هذا قد يدعو للدهشة ولكنني لا أشاركها رأيها بأن هذا وحده يجعلنا نحكم بأنه استلم تلك الأثاثات عالما بأنها مسروقة أو كان لديه سببا للاعتقاد بأنها مسروقة هذا لأننا نستطيع أن نورد عددا من القرائن الموازنة للقرائن التي أوردها الاتهام.
أولا: نقل المستأنف الأثاثات في وضح النهار واشرك معه في النقل عدد أشخاص منهم من جعله الاتهام متهما وأخلت المحكمة سبيله.
ثانياً: وضعها في مكان ظاهر في منزله بحيث يراها كل من يدخل منزله. وأول هؤلاء خادمة أخيه وهي نفس خادمة مولر التي ائتمنها على الشقة.
ثالثا: ما أن اكتشف المستأنف أن تلك الأثاثات مسروقة إلا وظهر في الصورة ولم يحاول إخفائها بأي وسيلة وقد كان بإمكانه أن يفعل ذلك وهو الشيء الطبيعي لمن يستلم مالا مسروقا.
إنني أرى بأنه –وفي غياب صموئيل- من الخطوة بمكان أن ندين المستأنف لأن صموئيل لو ظهر أو لو عثر عليه لربما ذكر صموئيل بأن مولر وهو ليس صاحب الأثاثات الأصلي طلب منه بيعها من يدري.
مبلغ 550 جنيها ليس ثمنا بخسا لمثل هذه الأثاثات المستعملة والتي يود صاحبها مغادرة البلاد.
أنني أعتقد بأن هناك دائرة من الشك يجب علينا تفسيرها لمصلحة المتهم.
ولهذا فإنني أرى أن نلغي الإدانة والحكم وأن نأمر بإخلاء سبيله فورا.
25/9/1979: 26/9/1979:
القاضي بشرى الطاهر: القاضي د. بشارة إبراهيم بشارة:
أوافق. أوافق.
( محكمــة اسـتئناف شرق السودان )
القضــــاة:
سعادة السيد محمد محمد الحسن شقاق قاضي المحكمة العليا ورئيس محكمة استئناف شرق السودان رئيساً
سعادة السيد عبيد قسم الله قاضي محكمة الاستئناف عضوا
سعادة السيد فؤاد الأمين عبد الرحمن قاضي محكمة الاستئناف عضوا
حكومة السودان ضــد أحمد عثمان دقنــه
( م أ /م ك/10/1979م)
المبادئ:
إجراءات جنائية – العقوبة غير المناسبة – سلطة محكمة الاستئناف في نقض العقوبة.
إجراءات جنائية – إصدار أمر السجن للموظف المسئول – إيداع المحكوم عليه بالسجن.
إجراءات جنائية – سلطة الفحص – المادة 257(4) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974.
3- يجوز للمحكمة الاستئنافية نقض الحكم المستأنف متى كانت العقوبة ضئيلة لا تتناسب البتة مع جسامة الجريمة.
2- إذا حكم على شخص متهم بالسجن فيجب على المحكمة أن تحرر أمرا بذلك للموظف المسئول عن السجن وما جرى عليه العمل من إطلاق سراح المتهم بعد انتهاء الجلسة إجراء خاطئ.
1- إذ1 كان للمحكمة العليا باعتبارها سلطة فحص ممارسة سلطة الفحص متى كان الحكم الابتدائي المؤيد استئنافا باطلا أو منعدما فإنه يكون للمحاكم الاستئنافية من باب أولى حرية أكبر في فصح الأحكام الابتدائية متى كان مشوبة بعيب البطلان أو الخطأ الجسيم الظاهر ولو تم ذلك بعد ثلاثة اشهر من تاريخ صدور الحكم.
(الحكـــم)
22/3/1980:
محمد محمد الحسن شقاق:
انعقدت محكمة كبرى بحلفا الجديدة برئاسة القاضي محمد إدريس تيته لمحاكمة المتهم أحمد عثمان دقنه. وفي 28/4/1979 أدانت المحكمة المتهم بمقتضى المادة 319 من قانون العقوبات وحكمت عليه بالسجن (لمدة يوم واحد ينتهي بانتهاء الجلسة). وبغرامة مائة جنيه.
تتحصل الوقائع كما أوردتها المحكمة في أن المتهم وهو مدرس اعتدى على المجني عليه وهو طفل في السابعة من عمره اعتداء جنسيا مخالفا للطبيعة. ولأنه في تقدير المحكمة لم يثبت أن الإيلاج وهو العنصر الرئيسي للجريمة تحت المادة 318 قد تم.
وفي 9/6/1979 قد والد المجني عليه بطلب فحص معنون لمحكمة الاستئناف بالخرطوم إلى محكمة القاضي المقيم بحلفا الجديدة. ولكن هذا الطلب وإجراءات المحاكمة لم تصل إلى محكمة المديرية بكسلا إلا في 6/9/1979. حيث سجلت بالرقم م ك/115/1979 في 9/9/1979. ووصلت الأوراق إلى محكمة الاستئناف ببورتسودان في 20/9/1979/
إن سلطة هذه المحكمة في الفحص نصت عليها المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية ورسمت طريقة ممارستها ويهمنا هنا ما ورد في الفقرتين الثانية والرابعة ولبيان الفرق بين هاتين الفقرتين أرى أن أورد نصيهما:-
المادة 257 (2):-
"يكون للمحكمة العليا أو محكمة الاستئناف أو قاضي المديرية أو القضايا من الدرجة الأولى على حسب الأحوال ممارسة جميع سلطات الاستئناف المنصوص عليها في المادة 256 من هذا القانون وذلك بالنسبة للإجراءات التي يطلب محضرها بموجب هذه المادة.
على أنه لا يجوز بموجب هذا البند إصدار أمر بإعادة النظر في قرار بعدم الإدانة و في حكم بالعقوبة بغرض زيادتها أو أمر بإعادة أو استئناف محاكمة أي شخص3 صدر حكم ببراءته إلا إذ1 كان محضر الإجراءات قد طلب خلال ثلاث اشهر من تاريخ صدور الحكم.
المادة 257 (4):-
وعندما تطلب إجراءات بموجب هذه المادة للمحكمة العليا أو محكمة الاستنئاف أو محكمة المديرية خلال ثلاثة أشهر من تاريخ التصرف فيها بواسطة المحكمة الأدنى درجة بالتأييد أو بأي تصرف آخر إلغاء أي أمر صدر واستعمل جميع السلطات المنصوص عليها في المادة 256 كما لو كانت قد قدمت إليها عريضة استئناف بموجب المادتين 251 و 254 من هذا القانون.
على أنه لا يجوز نقض قرار بالتأييد أو أي أمر أصدرته المحكمة إذا انقضت من تاريخ التصرف مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر".
من الواضح أن الفقرة الثانية تحتمي بالأحوال التي تمارس فيها المحكمة العليا والمحاكم الاستئنافية الأخرى بما في ذلك محكمة القاضي من الدرجة الأولى سلطة الفحص في حكم أصدرته محكمة ابتدائية. ففي هذه الحالة قيدت المحاكم الاستئنافية بعدم التدخل في الأحكام الابتدائية إلا إذا كان محضر الإجراءات قد طلب خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدور الحكم.
أما الفقرة الرابعة فتختص بفحص قرارات محكمة الاستئناف بواسطة محكمة أعلى. وذلك واضح من الألفاظ المستعملة:-
"خلال ثلاثة اشهر من تاريخ التصرف فيها بواسطة المحكمة الأدنى درجة بالتأييد أو بأي تصرف آخر". فالقيد الوارد في هذا الحكم الشرطي محدود بانقضاء ثلاثة اشهر من تاريخ تصرف المحكمة الأدنى درجة.
الحكمة في هذا الفرق بين الحكمين الشرطيين في فقرتي المادة 257 موضوع حديثنا هو كما يبدو لنا وضع قيد شكلي اشد على فحص قرارات المحاكم الاستئنافية الواردة على أحكام المحاكم الابتدائية. وهو قيد اشد من ذلك الوارد على سلطة فحص الأحكام الابتدائية مباشرة . فالاقتران من الناحية النظرية على اقل تقدير وهو صحة القرار الذي تتخذه محكمة استئنافية ومن هنا كان القيد – اشد إلى التدخل فيه منه على التدخل في القرار الابتدائي.
كما نلاحظ من جهة أخرى أن الحكم الشرطي في الفقرة الثانية منع المحاكم الاستئنافية من التدخل في حالات البراءة أو زيادة العقوبة أو إعادة المحاكمة.
وقد فسرت المحكمة العليا في قرار حديث لها (حكومة السودان ضد الحاج بلال نص المدة 257 وأبانت أن القيد الوارد في الفقرة الرابعة وهو الذي نزعم أنه اشد من قيد الفقرة الثانية لا يمنع المحكمة من ممارسة سلطة الفحص إذا ما كان الحكم الابتدائي كان الحكم الابتدائي المؤيد استئنافياً وقع باطلا أو منعدما فمن باب أولى أن يكون للمحاكم الاستئنافية حرية أكبر في فحص الأحكام الابتدائية إذا شابها البطلان أو الخطأ الواضح في تطبيق القانون.
في القضية المعروضة أمامنا لم تطلب هذه المحكمة المحضر في خلال الثلاثة اشهر المنصوص عليها في الفقرة الثانية. ولكن كيف كان لها أن تفعل والمحضر لم يكن قد وصل إلى محكمة المديرية في خلال المدة فقد أسلفنا أن الأوراق أرسلت لتلك المحكمة في 9/5/1979 رغم أن طلب الفحص قدم لمحكمة حلفا الجديدة في 9/9/1979 وكما هو معلوم فإن سلطة الفحص سلطة تقديرية تمارسها المحكمة من تلقاء نفسها. ولكن من المعلوم أيضا أن من النادر أن تتصدى المحاكم الاستئنافية بممارسة تلك السلطة من غير أن يقدم لها التماس بذلك. وفي هذه القضية ولو أردنا ممارسة تلك السلطة من تلقاء أنفسنا فكيف كان يتسنى لنا ذلك؟ فلو طلبنا المحضر من محكمة المديرية لما وجدناه. إذ لم يدخل في "حوزة" تلك المحكمة إلا بعد وصوله من محكمة حلفا الجديدة. وحيث أن تسجيل المحكمة الكبرى قد تم في 9/9/1979 ووصلت الأوراق لهذه المحكمة في 20/9/1979 فإن هذه المحكمة تعتبر كأنها طلبت المحضر من تاريخ التسجيل فالمحضر لم يكن "صالحا" لأن يطلب بواسطة هذه المحكمة أو بواسطة محكمة استنئاف الخرطوم التي كانت مختصة في ذلك الوقت لأن علم محكمة المديرية لم يتصل به إلا في تاريخ وروده لها وتسجيله.
ربما قيل أن مقدم الطلب كان بوسعه تقديمه رأسا لمحكمة الاستئناف. هذا صحيح ولكن العمل جرى تسهيلا على المتقاضين وتوفيرا للوقت أن يقدم أي استئناف أو طلب للمحكمة التي أصدرته لإرساله إلى الجهة المختصة وهذا هو ما فعله مقدم هذا الطلب. فقد مضت المدة والأوراق مع الطلب في محكمة حلفا الجديدة لم ترسل إلى كسلا ولم يوجه مقدم الطلب بارساله رأسا إلى محكمة الاستئناف وبسبب هذا الخطأ من جانب رئيس المحكمة الكبرى فإنه لم يكن ممكنا كما أوضحنا طلب المحضر في خلال المدة المبينة في الفقرة الثانية من المادة 257 ولهذا وللأسباب التي سنوردها فيما يلي نقرر عدم تقيدنا بالحكم الشرطي في الفقرة المشار إليها.
نخلص من هذا إلى تقرير أن الطلب المقدم من والد المجني عليه مقبولا شكلا.
العقوبة القصوى المقررة لمخالفة المادة 319 هي السجن لمدة سبع سنوات والغرامة وعقوبة السجن هنا إلزامية. ولكن المحكمة لم توقع هذه العقوبة بل أصدرت حكما اسميا بأن يسجن المتهم لمدة يوم واحد كما حكمت عليه بالغرامة. وحكم السجن اسمي لأنه لم ينفذ كما نصت المادة 266 من قانون الإجراءات الجنائية فيما يلي نورد نص هذ ه المادة:-
1- إذا حكم على شخص متهم بالسجن فيجب على المحكمة التي أصدرت الحكم أن تصدر فلي الحال أمرا بوضعه في السجن وأن ترسل هذا الأمر والشخص المدان إلى السجن الذي سيوضع فيه.
2- يجب أن يوجه الأمر المشار إليه إلى الموظف المسئول عن السجن أو إلى المكان الآخر الذي سيسجن فيه المحكوم عليه ويحفظ لدى الموظف المسئول عن السجن أو المكان.
بالإطلاع على الأوراق لم نجد ما يدل على أن المتهم قد حرر له أمر سجن أو رسم إلى سلطات السجن.
وفي هذا مخالفة صريحة للمادة 266 المشار إليها ونحن نعلم أن المحاكم اعتادت أن تصدر مثل هذه الأحكام وأن تعتبر جلوس المتهم في قفص الاتهام بمثابة السجن، وهذه عادة لا تجد سندا من القانون كما أسلفنا ولهذا وبسبب هذه المخالفة الواضحة للقانون فقد قررنا ابتداء عدم تقيدنا بالحكم الشرطي للمادة 257(2) من قانون الإجراءات.
وبصر النظر عن هذه الناحية القانونية البحتة. فإن العقوبة التي وقعت على المتهم لا تتناسب إطلاقا مع الجريمة التي ارتكبها فإن هنالك من الظروف المشددة ما يدعو إلى توقيع عقوبة رادعة. فالمتهم مدرس مسئول عن تربية وتنشئة الطفل الذي ارتكب معه هذه الجريمة المنكرة.
أما الأسباب التي وردت في مذكرة رئيس المحكمة الكبرى المتناقضة فإنها لا تبرر إفلات المتهم من العقاب (فإننا لا نعتبر عقوبة السجن الاسمية والغرامة عقابا) وتلك الأسباب تنبئ عن خلط شديد في تفكير السيد رئيس المحكمة الكبرى. فهو أولا ينبه إلى خطورة الجريمة ووجوب أخذ المتهم بالشدة ثم يسترسل ويذكر ظروفا مخففة اختلقها أو أخذ بها علما بدون مسوغ –من ذكل ما ذكره من أن المجتمع فاسد ومنحل وأن الشباب غير قادرين على الزواج الخ... وعلى فرض صحة هذه المعلومات وأن المتهم مكبوت جنسيا وقد أثاره منظر الفتيات العاريات (فهل تكون استجابته لهذه الإثارة أن يرتكب الفاحشة مع طفل ذكر)؟
لهذه الأسباب فإنني أرى أن المحكمة قد أخطأت في تطبيق القانون إذ لم تحكم على المتهم بالسجن وهي عقوبة إلزامية طبقا للمادة 319 من قانون العقوبات واكتفت بمعالجته بالغرامة. لذا أرى أن تعاد الأوراق للسيد قاضي المديرية لتشكيل محكمة كبرى لإصدار العقوبة المناسبة على ضوء ما جاء في هذه المذكرة.
27/4/1980: 1/5/1980:
القاضي عبيد قسم الله: القاضي فؤاد الأمين عبد الرحمن:
أوافق. أوافق.
( المحكمــة العليــا )
القضــــاة:
سعادة السيد دفع الله الرضي قاضي المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد فاروق أحمد إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد عبد الله الأمين قاضي المحكمة العليا عضوا
الطيب وبشير سليمان الخليفة الطاعن
ضــد
شركة بورتسودان للنقل والترحيل المطعون ضده
(م ع/ط م/185/1979م)
المبادئ:
إجراءات مدنية – سلطة قاضي المديرية في الإحالة تقتصر على المحاكم في نطاق دائرته فقط – المادة 28.
إجراءات مدنية – سلطة محكمة الموضوع في البت في طلب إحالة الدعوى المادة (27).
2- طبقا للمادة 28 من قانون الإجراءات المدنية فإن سلطة قاضي المديرية في الإحالة حسبما هو موضح في الفقرة (1) منها تقتصر على المحاكم الأخرى في نطاق دائرته وليس خارجها وعلى الدعوى التي ينظر بنفسه فيها. فإذا كان طلب الإحالة متعلقا بمحكمة تقع خارج دائرته فلا يختص بالنظر فيه وتكون محكمة الموضوع هي صاحبة الاختصاص في نظر الطلب.
وفقا لنص المادة 27 من قانون الإجراءات المدنية فإن المحكمة المختصة بالبت في طلب الاسترحام هي محكمة الموضوع والبند (2) من تلك المادة يلزم طالب الإحالة بأن يقدم طلبه في المراحل الأولى من الدعوى حيث لا يجوز قبوله بعد صياغة نقاط النزاع والفقرة (3) من نفس المادة تحدد إجراء معين بأن تستمع المحكمة إلى الطرف الآخر قبل أن تقضي في الطلب.
(الحكـــم)
29/9/1979:
القاضي فاروق أحمد إبراهيم:
هذا طعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في الاستئناف المدني رقم 459/1979 بتاريخ 27/8/1979 والذي قضى بتأييد حكم قاضي المديرية المؤيد بدوره للقرار الذي أصدره قاضي الموضوع ومؤداه أن تحال الدعوى التي أقامها الطاعنان في مواجهة المطعون ضدها إلى محكمة بورتسودان.
وتتحصل الوقائع في أنه بتاريخ 22/2/1979 أقام الطاعنان الدعوى المدنية رقم 300/1979 لدى محكمة المديرية بأمدرمان طالبين القضاء بإلزام المطعون ضدها بأن تؤدى إليهما بملغ 22.877.500 مليمجـ زائدا الفوائد القانونية والمصاريف وذلك على سبيل التعويض بسبب إخلالهم بعقدي ترحيل أبرماهما مع الطاعنين.
تقدم محامي المطعون ضدها بدفع مبدئي مؤداه أن محكمة المديرية بأمدرمان لا تملك اختصاص نظر النزاع ويقول شارحا لذلك بأن المطعون ضدها سبق أن أقامت بمحكمة بورتسودان الدعوى رقم 553/1978 في مواجهة الطاعنين وهي مؤسسة على ذات العقدين الذين بنى عليهما الطاعنين دعواهما الحالية. وبما أن النزاع في تلك الدعوى لا زال قيد النظر أمام محكمة بورتسودان فإنه وفقا للمادة (30) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 لا يجوز قبول دعوى الطاعنين. واحتياطا طالب محامي المطعون ضدها بإحالة الدعوى الأخيرة إلى محكمة بورتسودان كي تنظر الدعويين سويا لاتحاد السبب والأطراف فيهما. وبعد أن رد محامي الطاعنين على ذلك الطلب اصدر القاضي الجزئي قراره ويقضي بإحالة دعوى الطاعنين إلى بورتسودان نسبة لارتباطها الوثيق بالدعوى الأولى ولأن محاميا الطرفين سبق أن ظهرا أمام محكمة بورتسودان كما وأن إقامة الدعويين أمام محكمة واحدة يساعد على سرعة الفصل فيهما.
استؤنف ذلك القرار أمام محكمة المديرية التي قضت بتأييده كما تأيد بدوره أمام محكمة الاستئناف ومن ثم هذا الطلب بطريق النقض.
وحاصل الطعن الوحيد هو أن محكمة الاستئناف قد أخطأت في تطبيق القانون حينما قضت بانطباق المادة 27 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 في حين أن النص الواجب التطبيق هو المادة (28) وفي بيان ذلك يقول بأن المادة (27) وأن كانت تجيز للخصوم طلب إحالة النزاع من محكمة مختصة إلى محكمة أخرى يخولها القانون الاختصاص بنظر النزاع إلا أن تلك المادة لم تحدد السلطة التي يقدم إليها طلب الإحالة في حين أن المادة (28) تحدد تلك السلطة أما بقاضي المديرية أو رئيس محكمة الاستئناف أو رئيس القضاء ومن ثم لا يملك قاضي الموضوع اختصاص إحالة النزاع إلى محكمة أخرى.
وحيث أن النعي بهذا السبب غير سديد ذلك أنه وفقا لنص المادة (27) فإن المحاكمة المختصة بالبت في طلب الإحالة هي محكمة الموضوع وهذا واضح من البند (2) من تلك المادة والتي تلزم طالب الإحالة بأن يقدم طلبه في المراحل الأولى من الدعوى حيث لا يجوز قبوله بعد صياغة نقاط النزاع كما وأن الفقرة (3) من نفس المادة تحدد إجراء معينا وهو أن تستمع المحكمة إلى الطرف الآخر قبل أن تقضي في ذلك الطلب.
وهذا كله تتولاه محكمة الموضوع وليس أي محكمة غيرها، ولا شك أن محامي الطاعنين قد أخطأ في تفسير المادة (28) لأن سلطة قاضي المديرية في الإحالة حسبما هو مبين في الفقرة (1) تقتصر على المحاكم الأخرى في نطاق دائرته وليس خارجها وعلى الدعوى التي ينظر بنفسه فيها. فإذا كان طلب الإحالة متعلقا بمحكمة تقع خارج دائرته فلا يختص بالنظر فيه وتكون محكمة الموضوع هي صاحبة الاختصاص في نظر الطلب.
إن أسباب الموضوعية الأخرى التي يثيرها محامي الطاعنين كسبب يبرر نظر الدعوى أمام محكمة أمدرمان تقصر في نظرنا عن الأسباب التي تبرر أحالتها إلى محكمة بورتسودان فهنالك دعوى سابقة بين الطرفين مؤسسة على أحد العقدين الذين تقوم عليهما الدعوى الأخيرة كما وأن محل إقامة المطعون ضدها هي بورتسودان وقد ظهر محامي الطاعنين في بورتسودان للدفاع في الدعوى الأولى. وحتى لو فصلنا بين الدعويين لتسير كل منهما في مدينة أخرى فلن يغنيه ذلك عن متابعة الدعوى الأولى في بورتسودان ولا شك أن توحيد الدعويين أمام محكمة واحدة يساعد على سرعة الفصل فيهما بدلا من أن تنقطع أوصال النزاع رغم ارتباطه بموضوع واحد.
لما تقدم فإنه يتعين تأييد الحكم المطعون فيه ومن ثم نأمر بما يلي:-
1- شطب الطعن ايجازيا.
2- إلزام الطاعنين بالرسوم.
( محكمــة الاسـتئناف )
القضــــاة:
سعادة السيد وقيع الله عبد الله قاضي محكمة الاستئناف رئيساً
سعادة السيد حكيم الطيب قاضي محكمة الاستئناف عضواً
سعادة السيد محمد أبو زيد أحمد قاضي محكمة الاستئناف عضواً
حكومة السودان ضــد إبراهيم إسماعيل شوقار
( م أ /أ س ج/29/1979م)
المبادئ:
إجراءات جنائية –سلطة الفحص- مجال تطبيق البندين الثاني والرابع من المادة 257 إجراءات جنائية.
إجراءات جنائية – سلطة فحص – الفرق بين البند الثاني والبند الرابع من المادة 257 إجراءات جنائية.
2- البند (2) ينطبق عندما تعرض الإجراءات للفحص للمرة الأولى (من أي من المحاكم التي يذكرها البند) بينما ينطبق البند (4) على الإجراءات التي سبق أن تم فحصها بواسطة سلطة استئنافية أدنى.
1- الحكم الشرطي في البند (2) من المادة 257 إجراءات جنائية يمنع ممارسة سلطات معينة في حالات معينة (إصدار أمر إعادة النظر في قرار بعدم الإدانة – أو بإعادة النظر في العقوبة بغرض زيادتها أو بإعادة أو استئناف محاكمة شخص صدر أمر ببراءته) إلا إذا كان محضر الإجراءات قد طلب خلال ثلاثة أشهر من تاريخ التصرف والحكم الشرطي في البند (4) يمنع ممارسة سلطة الفحص كلها إذا انقضت ثلاثة أشهر من تاريخ التصرف بغض النظر عن تاريخ تقديم الطلب ومهما كانت أسباب التأخير.
(الحكـــم)
8/4/1979:
القاضي حكيم الطيــب:
تقدم محامي المتهم بطلب لقاضي جنايات كوكستي لشطب البلاغ المفتوح ضد المتهم تحت المادة 351 عقوبات. في 1/10/1978 أصدر قاضي الجنايات قراره برفض الطلب.. وفي 6/11/1978 علم محامي المتهم بالقرار. وفي اليوم التالي مباشرة تقدم بطلب فحص ضده لقاضي مديرية النيل الأبيض. وفي 9/1/1979 قرر قاضي المديرية شطب الطلب شكلا بموجب الحكم الشرطي للبند (4) من المادة 257 إجراءات جنائية لانقضاء أكثر من ثلاثة أشهر من تاريخ صدور قرار قاضي الجنايات. وهنا تقدم محامي المتهم بطلب الفحص الحالي إلينا. وفيه يقول بأن مدة الثلاثة شهور تبدأ من تاريخ علمه بالقرار وليس من تاريخ صدوره.
ليس صحيحا ما ذهب إليه الأستاذ محامي المتهم. وقد أصدرت المحكمة العليا العديد من الأحكام التي تبين أن تاريخ التصرف إنما يعني تاريخ صدور القرار وليس تاريخ علم الأطراف به. تقول المحكمة العليا في محاكمة مختار محمد أحمد (نشرة الأحكام الشهرية – أغسطس وسبتمبر 1976 – ص 137) "تبدأ سلطة الفحص (ثلاثة أشهر) من تاريخ الحكم المراد فحصه. وليس من تاريخ علم الأطراف به، إذ أن الواجب يقضي على من يتقدم بطلب في إجراءات جنائية أن يتتبعه وأن يسعى لمعرفة القرار في طلبه. كما يقتضي ذلك مبدأ استقرار الأحكام.
يعني هذا أن قرار قاضي المديرية يمكن أن يكون سليما إذا كان تطبيق البند (4) من المادة 257 إجراءات جنائية صحيحاً. فهل هو كذلك؟ أم أن الصحيح هو تطبيق البند(2)من نفس المادة ؟
ينص البند (2) من المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه "يكون للمحكمة العليا أو محكمة الاستئناف أو قاضي المديرية أو القاضي من الدرجة الأولى على حسب الأحوال ممارسة جميع سلطات الاستئناف المنصوص عليها في المادة 256 من هذا القانون وذلك بالنسبة للإجراءات التي يطلب فحصها بموجب هذه المادة.
ينص البند (4) على أنه عندما تطلب إجراءات بموجب هذه المادة يجوز للمحكمة العليا أو محكمة الاستئناف أو محكمة المديرية خلال ثلاثة أشهر من تاريخ التصرف فيها بواسطة المحكمة الأدنى درجة بالتأييد أو بأي تصرف آخر إلغاء أي أمر صدر واستعمل جميع السلطات المنصوص عليها في المادة 256 كما لو كانت قد قدمت عريضة استئناف بموجب المادتين 251 و 254 من هذا القانون.
فما هو الفرق بين البندين؟ ومتى يصح تطبيق كل منهما؟ بداهة ليس لنا أن نتوقع أن ينص القانون على بندين يحكمان حالة واحدة ويكون لهما أثر واحد ومفعول واحد بحيث يشكل أحدهما تكررا محضا للآخر كما أن الحكمين الشرطيين للبندين المعنيين فيهما اختلافات هامان يجعلان مجال التطبيق للبند (4) أضيق بكثير من مجال تطبيق البند (2)... فالحكم الشرطي بالبند (2) يمنع ممارسة سلطات معينة في حالات معينة (إصدار أمر بإعادة النظر في بإقرار بعد الإدانة أو إعادة النظر في العقوبة بغرض زيادتها أو بإعادة أواستئناف محاكمة أي شخص صدر حكم ببراءته) إلا إذا كان محضر الإجراءات قد طلب خلال ثلاثة شهور من تاريخ صدور الحكم أما الحكم الشرطي البند (4) فيمنع ممارسة سلطة الفحص كلها إذا انقضت ثلاثة شهور من تاريخ التصرف- بغض النظر عن تاريخ تقديم الطلب ومهما كانت أسباب التأخير.
إذا فمتى ينطبق كل من البندين؟ في رأيي أن البند (2) ينطبق عندما تعرض الاجراءات للفحص للمرة الأولى (من أي من المحاكم التي يذكرها البند) بينما ينطبق البند (4) على الإجراءات التي سبق أن تم فحصها بواسطة سلطة استئنافية أدنى واستخلص هذا الرأي من الآتي:-
1- استعمل النص في البند (4) عبارة "التصرف بالتأييد أو بأي تصرف آخر (confirmation or otherwise)وهذه العبارة تختص فقط بأحكام المحاكم الاستئنافية ولا تستعمل في حالة أحكام المحاكم الابتدائية –حيث لا مجال للحديث عن التأييد، أما البند (2) فلا يستعمل العبارة، وإنما يتحدث عن "صدور الحكم".
2- البند (2) ورد فيه القاضي من الدرجة الأولى ولم يرد ذكره في البند (4) ومعلوم أن القاضي من الدرجة الأولى يكون سلطة استئنافية فقط عندما ينظر أحكاما صدرت من مجالس القضاء.. وهو بهذا الشكل لا يفحص أي إجراءات سبق أن تم فحصها بواسطة سلطة استئنافية أدنى لأنه لا توجد سلطة استئنافية أدنى منه.
3- يشير البند (5) للمادتين 251 و 253 من قانون الإجراءات وهما المادتان اللتان ومعلوم أن القاضي للمحكمة العليا ولقاضي المديرية.. بينما لا يبرر البند (2) لتلك المواد أو لأي مادة تتعلق بالاستئناف.
4- بمراجعة المادة المقابلة للمادة 257 الحالية في قانون الإجراءات السابق يتضح جليا أن الجزء المقابل للبند (4) ينطبق فقط عندما يفحص رئيس القضاء إجراءات سبق أن فحصها قاضي المديرية. وما لم يكن المشرع قد قصد تغيير الحال فليس هنالك ما يمنعنا من الاسترشاد في تفسيرنا للنص بالنص السابق.
5- من المعقول ومن المنطقي أن يكون القيد في البند (2) أهون منه في البند (4) وذلك لأن الأول ينطبق في حالة الإجراءات التي يتم فحصها للمرة الأولى، سلطة استئنافية – مما يجعل احتمالات الخطأ أقل.
في الإجراءات الحالية فإن فحص قاضي المديرية لقرار قاضي الجنايات هو أول فحص يتم للإجراءات.. ولهذا ينطبق عليه –في رأيي- البند (2) وليس البند (4) وبالتالي، وبما أن الأوراق قد طلبها قاضي المديرية خلال ستة شهور من صدور القرار، وبما أن القرار لا يتعلق بقرار لا يتعلق بالبراءة أو بزيادة عقوبة. فليس هنالك ما يمنع –من ناحية الشكل- قاضي المديرية المختص من فحص الإجراءات والقرار الصادر فيها.
ولهذا أرى أن نلغي قرار قاضي المديرية وأن نعيد إليه الإجراءات لفحصها.
8/4/1979: 8/4/1979:
القاضي وقيع الله عبد الله: القاضي محمد أبوزيد أحمد:
أوافق. أوافق.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحى قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ محمد زين العابدين قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية حضانة
قرار النقض نمرة 69/1979م
الصادر في يوم الأربعاء 28 جمادى الأول سنة 1399هـ
الموافق 25/4/1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الحضانة – إدعاء الإهمال قبل الطلاق – الإشراف المشترك.
إدعاء الإهمال الذي ينسب إلى أم المحضون حال قيام الزوجية لا ينسحب عليها بعد الطلاق لأن الإشراف على المحضون كان مشتركاً بين الزوجين ولم تنفرد به الأم وحدها حتى يتضح إهمالها من عدمه.
2- مجرد الطعن باحتمال هروب الأم بالمحضون لا يسلبها حقها في حضانته وله طلب منعها من الجهة المختصة رسمياً كما أن الادعاء بأنها لا مأوى لها ادعاء لا قيمة له لأن الواجب على والد المحضون إعداد المأوى لحاضنته.
الوقــــــائع
رفعت المطعون ضدها الدعوى الابتدائية – على – بطلب استلام ولدين وجاء في دعواها بلسان محاميها بأنها زوجة شرعا لـ .... ولا تزال في عصمته وهي مسلمة ورزقت منه بولديها ........ وعمره 7 سنوات و ......... وعمره 2/13 وأن المدعى عليها أم زوجها وأخذت منها الولدين بلا حق وطلبت أمرها بتسليم الولدين إليها.
صادقت المدعى عليها بلسان محاميها على أصل الدعوى وقالت أن المدعية في عصمة ابنها وخرجت من منزله بلا حق شرعي وأن الولدين بيد والدهما لا بيدها ولا يوجد سبب لإقامة الدعوى عليها وطلبت شطبها.
أصر محامي المدعية على أن الولدين بيدهما وأن والدهما أخذهما بعد رفع الدعوى والعبرة بوقف رفع الدعوى. أجاب محامي المدعى عليه بأن الولد الصغير بيد أبيه والكبير كان مع جدته إلا أن والده أحضره – وبعد أخذ ورد – قررت المحكمة إدخال والد المحضونين في الخصومة بناء على المادة (95) الفقرة (1) إجراءات 1979 وأعلنته بذلك.
فحضر عن المدعى عليهما محام واحد وقال أن الولدين بيد والدهما وطلب رفض الدعوى لأن المدعية روسية وجواز سفرها بإقامة إكرامية وغير مسموح لها بالعمل في السودان ولا مأوى لها وأن في ضم الولدين إليها ضرراً بليغاً وأن والدهما يستأجر امرأة لرعايتها وربما تسافر والدتهما بهما وقد أدخلتهما في جواز سفرها.
أجاب محاميها بأن محامي المدعى عليه لم يذكر سبباً واحداً يمنع من ضم الولدين لوالدتهما وأنها حاصلة على أعلى الدرجات العلمية مما يمكنها من الرعاية الصحية والصغير الثاني لا يصح ضمه إلى غير أمه وأن الظن بسفرها مجرد تخمين.
أجاب محامي المدعى عليه الثاني بأن الولد الكبير تجاوز سن الحضانة وهنا ادعت أنها أصلح لحضانته وثبتت وجه الأصلحية بأن الولدين تارة مع جدتهما ومرة مع أبيهما وفي هذا زعزعة لهما وأن أمر رعايتهما متروك لدادة والأم أولي بها من حيث الشفقة زيادة على أن والدهما يعمل طبيباً ويشغله هذا العمل كل الوقت في الليل والنهار وله عيادة خاصة لا يجد وقتاً لرعاية طفليه وأنه يتعاطى الخمر مما يجعله مضطرباً في تصرفاته.
أنكر محامي المدعى عليه دعوى الأصلحية وقال أن زعزعة الأولاد سببها نشوز أمهما وأن والدهما شخص مسئول عن غيره فلا يعقل أن يهمل في ولديه وأن والدتهما أجنبية ولا مأوى لها.
وحضرت المدعى عليها الأصلية وقالت أن الولدين بيدها ولا مانع عندها من ضمهما إلى أمهما إذا وافق والدهما.
طلبت المحكمة البينة عن سكر المدعى عليه فأخذت أقوال الشاهدين أمام محكمة الحصاحيصا الشرعية فشهد محمد آدم حسين بأنه كثيراً ما يقابل المدعى عليه وهو سكران – وشهد الثاني بأنه يسكر ولكنه ليس على سبيل الإدمان.
أصدرت المحكمة حكمها بضم الولدين إلى أمهما المدعية وجاء في الأسباب أن الصغير لا يزال في حضانة النساء ولم يقدم محامي المدعى عليه ما يقدح في أهلية أمه للحضانة. وبالنسبة للآخر فإن التحقيق أثبت أن الصغيرين في منعزل وألم بين والدتهم وجدتهم وأن والدهم يعمل بالليل والنهار ويترك الولدين في رعاية من يستأجرها ولا وجه لمقارنتها مع والدتهما.
صدر الحكم الابتدائي في 22/4/1978 وفي 9/5/1978 قدمت عريضة الطعن أمام محكمة المديرية الخرطوم بحري. وجاء في دعوى الطعن بأن المستأنف ضدها غير أهل للحضانة لسلوكها المشين لأنها اعتادت الخروج في الصباح ولا تعود إلى منزل الزوجية بالحصاحيصا إلا في المساء وتخرج في الساعة السادسة ولا تعود إلا ليلاً وتترك الطفلين وحدهما بلا رعاية فهي غير مؤتمنة وغير صالحة للحضانة وفوق هذا فإنها أجنبية وتعتزم الهروب بالوالدين ودليل ذلك أنها ضمت الولدين إلى جواز سفرها وطلب إلغاء الحكم.
ردت المستأنفة ضدها بأنها لم تذهب إلى الحصاحيصا قط حتى يقال أنها تكثر الخروج وأنها لا تخرج إلا للضرورة وأن هذا الدفع لم يثر أمام المحكمة الابتدائية وأنها لم تستلم الولدين بعد ودعوى الهروب غير واردة لأنها وقعت على تعهد من وزارة الداخلية بعدم السفر بالولدين. أجاب محامى المستأنف بأن المستأنف ضدها أقامت مع زوجها بالحصاحيصا بدليل أنها دفعت دعوى الطاعة بالطرد وردت بأنها لم تذهب إليه بالحصاحيصا إلا للزيارة فقط وبقيت معه أياماً وضربها وطردها وأنها أصلح لحضانة ابنها الكبير وعجزت عن الإثبات ولم يستطع المستأنف إثبات دعواه عدم الأهلية لذا قررت المحكمة ضم الكبير إلى والده ورفض الاستئناف بالنسبة للصغير ليكون مع أمه وذلك في 6/2/1979.
وفي 28/2/1979 قدمت عريضة للطعن بالنقض وجاء فيها أنها مهملة وتخرج أكثر الوقت ولا تترك الولدين مع أحد وأنها أجنبية سوف تسافر بالولدين وطلب إلغاء الحكمين. أعلنت العريضة ولم يرد عليها.
( الأسباب )
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن الحكم المطعون فيه صدر بثبوت حق المطعون ضدها في حضانة ابنها من الطاعن وعمره 2/13 سنة وإسقاط حقها في حضانة ابنها الكبير الذي تجاوز سن الحضانة وعمره 7 سنوات وضمه إلى أبيه.
لم تطعن في الحكم بضم الولد الكبير إلى أبيه وقدم الطعن من الأب بخصوص ضم الصغير إليها بحجة أنها غير أهل الحضانة لأنها حين كانت تقيم معه في منزل الزوجية تخرج كثيراً وأنها أجنبية تود الهروب إلى خارج السودان. وبما أن الطاعن لم يثبت عدم أهلية المطعون ضدها لحضانة ابنها الصغير الذي لم يصل بعد سن الإدراك وهو في حاجة إلى حضانة أمه وأن جميع ما نسب إليها كان حين قيام الزوجية بينها وبين الطاعن وحين كان الإشراف على الصغير مشتركاً. ولم يضم إليها الصغير بعد حتى يعرف إهمالها أو عدم أهليتها.
وبما أن ما جاء في عريضة الطعن بأنها تود الهروب لخارج السودان فهذا مجرد تخمين وللطاعن طلب منعها من الخروج إذا تأكد له ذلك أما مجرد التخمين واحتمال السفر فلا يسلب الأم حقها في حضانة ابنها وأن ما جاء أيضاً في عريضة الطعن بأنها لا مأوى لها فإن الواجب على والد الصغير إعداد المأوى لها لحضانة ابنه.
وبما أن الطعن موضوعه في ضم الصغير إلى أمه ولم تثبت دعوى إهمالها فإن الحكم بضم الصغير إليها جاء صحيحاً وسليماً.
( لـذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه بشأن ضم الصغير إلى أمه.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولي قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية حضانة
قرار النقض نمرة 76/1979م
الصادر في يوم الخميس 7 جمادى الثاني 1399هـ
الموافق 3/5/1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الإجراءات – وجوب الفصل في نقاط الطعن الوارد بالاستئناف – ضرورة تسبيب الأحكام بما يؤدى إلى الحكم.
1- من الخطأ الفاضح المخالف للقانون أن تصدر محكمة الاستئناف حكماً غير مسبب ومن غير أن تنفصل في نقاط الطعن الواردة بالعريضة حين مثول الطرفين أمامها – المادة 176 (1) الإجراءات المدنية 1974م.
الوقـــائع
رفعت الدعوى الابتدائية من الطاعن على المطعون ضدها أمام محكمة الخرطوم الشرعية بطلب ضم أربعة أولاد لتجاوز اثنين لسن الحضانة ولعدم أهلية الحاضنة للباقين أنكرت المدعى عليها دعوى عدم الأهلية وعجز الطاعن عن الإثبات وطلب يمينها فحلفت على نفس دعواه ثم ادعت أنها أصلح لحضانة الولدين الذين تجاوزوا سن الحضانة وأثبتت الأصلحية بالبينة الشرعية فصدر قرار المحكمة الابتدائية في 13/1/1979 برفض دعوى المدعى في 19/1/1979 طلب المحكوم عليه الاستئناف أمام قاضي المديرية الخرطوم وفي الجلسة المحددة لنظر الاستئناف حضر الطرفان أمام المحكمة ودون أن تأخذ أقوال أي منهما ودون أن تعرض أقوال المستأنف ضدها للرد عليها شفاهة أو كتابة لخصت الحكم الابتدائي وأصدرت حكمها بقبول الاستئناف شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه.
صدر قرار الاستئناف في 13/2/1979 وفي 25/2/1979 قدمت عريضة الطعن بالنقض التي جاء فيها أنه حيث مثل أمام محكمة المديرية في مرحلة الاستئناف سأل المستأنف ضدها فقالت لا رد لها على دعوى الطعن فأصدر حكمه بتأييد الحكم الابتدائي. رد المطعون ضدها على العريضة بأن مصلحة الأولاد بيدها وأن الطاعن يكثر من شراب الخمر ومتزوج بامرأة أخرى وهو غير مسئول ولا يصلح لأن يسلم إليه الأولاد.
( الأســـباب )
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن محكمة المديرية في مرحة الاستئناف لم تأخذ أقوال المستأنف ضدها حين مثلت أمامها ولا عرضت عليها النقاط التي وردت في عريضة الدعوى بل قررت بعد الإطلاع على المحضر برفض الطعن وتأييد الحكم المطعون فيه وهذا لا يصح إلا في شطب الطعن إيجازياً بناء على المادة 186 إجراءات 1974م.
أما في حالة الحكم فلابد أن يكون مسبباً وتبين معه النقاط الواجب الفصل فيها والقرار في تلك النقاط وأسباب القرار بناء على المادة 187 (1) إجراءات 1974 وبما أن المحكمة أصدرت حكماً غير مسبب ولم تبين فيه النقاط التي وردت في عريضة الطعن والواجب الفصل فيها بعد عرضها على المستأنف ضده فإن حكمها جاء مخالفاً للقانون مما يدل على جهل فاضح بالإجراءات.
( لــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة المديرية لإصدار حكم صحيح مطابق للقانون.
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولي قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية أمتعة منزلية.
قرار النقض نمرة 77/1979م
الصادر في يوم الخميس 7 جمادى الثاني 1399هـ
الموافق 3/5/1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الأمتعة المنزلية – دعوى ملكيتها – من طرفي القضية – وجوب سماع بينة الطرفين – ترجيح البينات – حالة العجز عن الإثبات – من يصلح له المتاع.
1- إذا أدعى كل من طرفي القضية ملكية الأمتعة المنزلية ورأت المحكمة أن أحدهما أثبت دعواه بالبينة. فيتعين عليها سماع بينة الطرف الآخر ومتى شهدت له عملت بقاعدة ترجيح البينات – وإذا عجز أحدهما أو عجزا معاً فالواجب تطبيق النصوص الشرعية في مثل هذه القضايا بالنظر لمن يصلح له من متاع.
( الوقـــائع )
1- رفعت المطعون ضدها الدعوى الابتدائية أمام محكمة أمدرمان الشرعية على الطاعن بطلب أمتعة منزلية وادعت عليه بلسان وكيلتها أنها كانت زوجته وطلقها ولها بذمته أمتعة منزلية ووضحت مفرداتها وصف كل واحد منها بمحضر الدعوى وجملة قيمتها 86.100 مليمجـ وطلبت ردها بعينها أو قيمتها مع الحكم لها عليه بذلك.
صادق المدعى عليه على سبق الزوجية وحصول الطلاق ودفع دعوى الأمتعة بأنه سبق الفصل فيها عام 1974م أمام المحكمة – أجابت وكيلة المدعية بأن الدعوى المرفوعة سنة 1974 لم يفصل فيها وشطبت للغيبة. رجعت المحكمة لمحضر الدعوى 1644- 1974 وقالت أنها مرفوعة بالأمتعة المذكورة وشطبت للصلح. بعد هذا ادعى المدعى عليه ملكية الأمتعة. طلبت المحكمة من المدعية البينة فأحضرت شاهدين هما أخوها وشاهد آخر وشهدا في غيبة المدعى عليه بالدعوى ما عدا براد صيني الذي تنازلت المدعية عن المطالبة به – فأصدرت المحكمة حكمها بالأمتعة ما عدا البراد في 3/11/1977م.
2- لم يعلن المحكوم عليه بالحكم الغيابي فتقدم في 10/12/1977 طالباً الطعن بالاستئناف أمام قاضي المديرية أمدرمان وطلب إلغاء الحكم الابتدائي لأن الأمتعة ملكه وهلكت لسبب الحريق زيادة على أن المستأنف ضدها رفعت بذات الأمتعة الدعوى نمرة 656/1976 وشطبت والدعوى 1644/1974 وشطبت بطلب وكيلتها. أنكرت وكيلة المستأنف ضدها دعواه الملكية وقالت أنها ملك لموكلتها وأنها لم تحترق ولا تزال بيد المستأنف وأن الدعوى المرفوعة شطبت للغيبة والثانية للصلح الذي لم يتم وطلب رفض الطعن.
ذكرت المحكمة أنها راجعت الدعوتين 1644/1974 و 656/ 1976 واتضح لها أن كلا منهما شطبت – ثم اتضح للمحكمة من أقوال الطرفين أن هناك قضايا بالأمتعة مرفوعة أمام المحاكم المدنية وفسرت المستأنف ضدها ذلك بأن القضايا أمام المحاكم المدنية بين وكيلها ووكيل المستأنف ولا علاقة لها بهذه القضايا – وبالرغم من ذلك طلبت من المحكمة معلومات من المحكمة المدنية فجاءت تفيد بأن القضايا بعضها مشطوب والبعض الآخر صدر فيه حكم ابتدائي وتم إلغائه أمام محكمة الاستئناف.
بعد هذا قررت المحكمة إعادة شهادة الشاهدين ومناقشتهما بواسطة المستأنف فحضرا واتضح من مناقشة أخ المدعية أنه كان وكيلاً عن المستأنف ضدها في الدعوى 1644/ 1974م المرفوعة بنفس الأمتعة والتي طلبت شطبها للصلح وأنه حضر في الدعوى المعروضة وشهد بالأمتعة التي كان وكيلاً عن المستأنف ضدها في المطالبة بها. واتضح من مناقشة الشاهد الثاني أنه حضر في الدعوى المشطوبة كشاهد وأدلى بشهادته بعد اليمين إلا أنه لا يعرف حقيقة الأمتعة ولا شهادة له بخصوصها. وحين سئل عن السبب في اختلاف شهادته قال أنه شهد سابقاً بما علم وشهد الآن بما علم.
3- في 18/1/1979 طلب المحكوم عليه الطعن بالنقض وقال أن الدعوى سبق أن رفعت وعجز وكيل المطعون ضدها عن الإثبات وتنازل عن اليمين وشطبت ثم عادت ورفعتها مرة أخرى وشهد فيها الشاهد الذي سبق أن قال لا شهادة لي. أجابت المطعون ضدها على عريضة الطعن بأن دعواها السابقة شطبت للصلح ولم يتم.
برجوع هذه المحكمة إلى محضر الدعوى 1644/1974 بمحكمة أمدرمان الشرعية اتضح أن المطعون ضدها رفعت الدعوى المذكورة بطلب أمتعة منزلية متضمنة نفس الأمتعة المتنازع فيها الآت وأنها عجزت عن الإثبات وطلبت يمين المدعى عليه بواسطة وكيلها أخيها الذي أدلى بشهادته الآن في الأمتعة – وحين طلبت المحكمة حضور المدعى عليه شخصياً ليحلف وقبل حضوره تنازل وكيل المدعية وطلب شطب الدعوى للصلح فشطبت. واتضح أن الشاهد الثاني حين سئل عن شهادته في الأمتعة في القضية المشطوبة قال بعد أن حلف اليمين أنه لا يعرف حقيقة الأمتعة ولا قيمتها.
( الأســـباب )
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن المطعون ضدها سبق أن رفعت الدعوى 1644/1974 محكمة أمدرمان متضمنة المطالبة بنفس الأمتعة التي رفعت بها الدعوى والمنظورة الآن وأنها وقتذاك عجزت عن الإثبات وطلب وكيلها يمين المدعى عليه وقبل حضوره تنازل عن الدعوى فشطبت.
كما تشير الوقائع بأن المطعون ضدها أثبتت دعواها الأمتعة بشاهدين أحدهما أدلى بشهادته مخالفة لما في القضية المشطوبة وقال أنه لا يعرف حقيقة الأمتعة ولا قيمتها. وأن أخاها الشاهد الثاني الذي كان وكيلاً عن المطعون ضدها بالمطالبة بنفس الأمتعة ومع ذلك قبلت المحكمة في المرحلتين بشهادة هذين الشاهدين وأسس الحكم الابتدائي والتأييد في الاستئناف على هذه الشهادة مع أنها شهادة غير مقبولة شرعاً لأن أحد الشاهدين أدلى بشهادتين مختلفتين فهو كاذب في إحداهما والشاهد الثاني هو وكيل عن المطعون ضدها فشهادة الوكيل فيما وُكِّل فيه غير مقبولة شرعاً.
ومع هذا فإن الطاعن أدعى في المرحلتين ملكيته للأمتعة ولم يكلف الإثبات تطبيقاً لقواعد الإثبات الشرعية في الأمتعة المنزلية حتى إذا ثبت لدعواه بالبينة رجحت المحكمة إحدى البينتين ما دامت ترى أن المطعون ضدها أثبتت دعواها وإذا عجز أو عجزا هنا تطبق النصوص الشرعية الواردة في مثل هذه القضايا بالنظر لمن يصلح له المتاع. وبناء على ما تقدم فإن الحكم في المرحلتين وقع باطلاً ومخالفاً للأصول الشرعية ولابد من إعادة التحقيق بتكليف الطاعن إثبات دعواه الملكية والفصل في القضية على الوجه الشرعي.
( لــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين المطعون فيهما وإعادة الأوراق للمحكمة الابتدائية للسير في الدعوى من جديد على ضوء الأسباب.
المحكمة العليا
القضاة :
سعادة السيد / صلاح الدين شبيكة قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد / أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد / الأمين محمد الأمين تاتاي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ( الجمارك )
حكومة السودان ( وزارة الاقتصاد الوطني ) الطاعنون
ضد
مصطفى فضل الله محمد المطعون ضده
(م ع/ط م/2/1979)
المبادئ:
قانون الجمارك لسنة 1939 – قرارات مدير الجمارك فيما يختص بمنح الرخص – تخضع للطعن أمام الوزير المختص ثم المحاكم المختصة .
قرار مدير الجمارك بموجب المادة 182(2) من قانون الجمارك ليس نهائياً ويمكن للأطراف الطعن فيه أمام الوزير ومن ثم يمكن للأطراف اللجوء للمحاكم للتظلم من قرار الوزير .
(الحكـــــم)
18/2/1982م :
القاضي أحمد التجاني عبد الهادي :
بتاريخ 31/5/1978 تقدم محامي المدعي ( المطعون ضده ) بطعن إداري لمحكمة استئناف الخرطوم ضد قرار وزير المالية والاقتصاد الوطني الصادر بتاريخ 23/4/1978 والذي أيد فيه قرار مدير الجمارك المؤرخ 23/9/1976 والذي يقضي برفض التصديق للمدعي برخصة تخليص بالجمارك .
اعترض محامي المدعى عليهم على قبول الطلب على أساس أن المادة 182(2) من قانون الجمارك سنة 1939 أ عطت مدير الجمارك الحق في رفض رخصة التخليص دون إبداء أسباب ولم تنص المادة على أن قرار المدير يمكن الطعن فيه أمام الوزير، كما أنكر بقية لادعاءات . رد محامي المدعي على الدفع المبدئي .
وبتاريخ 27/12/1978 قررت محكمة الاستئناف أن قانون الجمارك لا يحجب الوزير من ممارسة سلطة مراجعة قرارات مدير الجمارك ولذا يمكن استئناف قرار مدير الجمارك أمامه، ورفضت الدفع المبدئي ضد قرار محكمة الاستئناف . تقدم لنا المستشار القانوني للطاعنة بهذا الطعن بالنقض .
يتلخص الطعن بأن المادة 182(2) من قانون الجمارك تجعل قرار مدير الجمارك في رفض طلبات التخليص نهائية ولا يمكن التعقيب عليها حتى من الوزير، ولا يجوز للمحاكم التدخل فيها ولذا يطالب السيد المستشار بإلغاء قرار محكمة الاستئناف والذي يرى أنه جاء مخالفاً للقانون وتأويله وتفسيره وتطبيقه . كما يدفع بأن طلب الطعن الإداري سقط بمضي المدة لأنه متعلق بتاريخ صدور قرار مدير الجمارك .
رد السيد محامي المطعون ضده بأن الطلب قدم في مواعيده لأن المدعي تبع طرق التظلم في القرار الإداري وفقاً للمادة 313 من قانون الإجراءات بأن رفع الاستئناف ضد قرار مدير الجمارك للوزير المختص وهو الذي يشرف على أعمال الجمارك .
أما فيما يختص بأن قرار مدير الجمارك نهائي بموجب الفقرة (2) من المادة 182 من قانون الجمارك فإن محامي المدعي والمطعون ضده يدفع بأن من اختصاص المحاكم أن تنظر في القرار الإداري الذي يصدره مدير الجمارك لتتأكد المحاكم أن الجهة الإدارية قد استعملت السلطات المخولة لها بموجب القانون استعمالاً صحيحاً . ودفع بأن المحاكم قررت أن تتدخل في القرارات الإدارية حتى لو كان القانون منع المحاكم من التدخل وذلك للاطمئنان على الإجراءات . كما رفض الأسباب التي أبداها الوزير في خطابه كسبب للرفض .
لقد دفع محامي الطاعنة بأن قرار مدير الجمارك يعتبر نهائياً بموجب المادة 182 من قانون الجمارك ولا يمكن التعقيب عليه في المحاكم .
وهذا الدفع في نظرنا خاطئ لسببين :
أولاً : المادة 182 الفقرة (2) من قانون الجمارك لم تنص على أن قرار مدير الجمارك بمنح رخصة للتخليص أمر نهائي لا يمكن التدخل فيه وهذا واضح من المادة، أما ما اعتمد عليه محامي الطاعنة بأن المدير له حق الرفض في منح الترخيص دون إبداء الأسباب، لا يعني إطلاقاً بأن قراره نهائي .
والسبب الثاني أن الوزير قبل مراجعة القرار ورفضه، ومعنى هذا أن قرار المدير يرفع للسيد للوزير .
وحتى إذا نص القانون على إبعاد المحاكم من التدخل فإن من حق المحاكم التدخل في مراجعة القرار إذا ظهر أنه غير صحيح أو مجحف . في كتاب كلارك Constitutional and Administrative Law صفحة 144 جاء ما يلي :
Provisions are sometimes included in statute; in terms which purport to exclude judicial review of administrative decisions. Judges generally take the view that access to the courts can only be exclud by clear words that effect and interpret such provisions as far as possible in avour of indivith citizens.
وضرب المؤلف مثلاً بقضية Ridge V. Baldin 1964عندما نص القانون على أن قرار الوزير يعتبر نهائياً، قررت المحكمة أن ذلك لا يمنع المحاكم من المراجعة إذا كان القرار خارج اختصاص الوزير .
وعليه نقر أن قرار مدير الجمارك بموجب المادة 182 (2) من قانون الجمارك ليس نهائياً ويمكن للأطراف الطعن فيه أمام الوزير ومن ثم يمكن للأطراف اللجوء للمحاكم للتظلم من قرار الوزير .
وعليه نرى أن المطعون ضده اتخذ طرق التظلم المنصوص عليها في قانون الإجراءات المدنية بعد أن استنفد طرف التظلم المتاحة .
لذا فإن قرار محكمة الاستئناف جاء صحيحاً ومتفقاً مع القانون ولذا يرفض الطعن ويؤيد حكم محكمة الاستئناف .
18/ 2/1982
القاضي صلاح الدين شبيكة :
أوافق .
18/2/1982
القاضي الأمين محمد الأمين تاتاي:
أوافق .
( المحكمة العليا )
القضاة :
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ محمد زين العابدين قاضي محكمة الاستئناف
المنتدب للمحكمة العليا عضواً
نفقة زوجية أجرة خادم
قرار النقض نمرة 84/1979م
الصادر في يوم الخميس 14 جمادى الآخرة 1399هـ
الموافق 10/5/1979م
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – النفقة – الدفع بالنشوز – مغادرة الزوجة بصحبة الزوج – أجرة الخادم – الزوجة المخدومة – يسار الزوج.
1- متى ثبت أن الزوج ذهب بزوجته بنفسه لغير منزل الزوجية ، فإن ذلك يعتبر إذناًَ لها منه في مغادرة منزل الزوجية ، ولا محل لدعواه نشوزها والحالة هذه ولا يلتفت إلى تبريره فعله هذا بأنه كان دفعاً للمشاكل.
2- عند طلب أجرة الخادم في النفقة ، يتعين على المحكمة أن تتأكد في تحقيقها من يسار الزوج ، ومن أن الزوجة ممن يخدمن ، لأن أجرة الخادم مناط بها بيسر الزوجة وباعتياد الزوجة استخدام الخدم.
( الوقائع )
أقامت الطاعنة القضية نمرة 709/1978 على المطعون ضده بطلب نفقة الزوجية وأجرة المسكن والخادم وادعته بواسطة محاميها الأستاذ سليمان حسين بالزوجية وانقطاع النفقة عنها من يوم 3/9/1978 وقد طلقها يوم 29/9/1978 بوثيقة رسمية وأصبحت تستحق عليه نفقة العدة مع أجرة السكن والخادم خصوصاً وأنها حبلي وفي شهرها الرابع وقدرت لذلك وطلبت الحكم.
محامى المطعون ضده أجاب بسبق الزوجية وحصول الطلاق وصفاً وعدداً ودفع بعدم استحقاقها النفقة لأن الطاعنة قد عادت من سفرها مع المطعون ضده بالمملكة المتحدة ورفضت الذهاب معه لمنزل الزوجية واتجهت لمنزل أبيها ثم فوجئ بإقامة الدعوى ضده وبحجزه من السفر لأداء عمله دون إبلاغه بالدعوى المقامة عليه – وأقر بحصول الحمل ولكنه في شهره السادس وأنها تستحق عليه نفقة العدة وقدر لها الأقل من طلبها فيها وفي أجر السكن وعن أجر الخادم قال أنه لم يعتد استخدام الخدم بمنزله ومنذ زواجه بالطاعنة لم يأت لها بخادم وطلب رفض الدعوى به.
جاءت الطاعنة بمحام آخر هو حسب الله محمد توم الذي أنكر رفض موكلته الانتقال لمنزل الزوجية. وأكد أن المطعون ضده أحضر الطاعنة لمنزل أهلها بعد رجوعهما لود مدني ولم يطلب منها الانتقال معه لمنزل يقيمان فيه وتمسك بالمقادير التي طلبتها وأكد أن المطعون ضده ممن يخدم وأضاف بأن راتبه يزيد على المائة جنيه خلافاً لما ذكره محاميه من أنه 61.666 مليمجـ وأنه يحول منه جزءاً للندن والجزء الآخر يضاف لرصيده بالسودان وله منحة دراسية لدراسته في لندن وأنه لا يعول سوى نفسه وأن ورود اسم أمه بشهادة الكفالة فلا حاجة لها به لأن لها ولداً آخر وهو وكيله في هذه الدعوى.
أجاب محامي المطعون ضده بأن الطاعنة عندما وصلت لود مدني وطلب منها زوجها الذهاب لمنزل الزوجية ذكرت بأنها ستقوم بزيارة والديها ثم تعود لمنزل الزوجية وأكد قيام المطعون ضده باستئجار خادم وأنه الكفيل الوحيد لأمه ومرتبه هو ما جاء بجواب وزارة الأشغال وسألته المحكمة في جلسة تالية عما إذا كان موكله قد طلب من الطاعنة الانتقال لمنزله فادعى أنه طلب منها الانتقال لمنزله في يوم 5/9/1978م ورفضت وكان طلبه للإقامة الدائمة ولكنها لما وصلت لمنزل والديه ورفضت الإقامة به ذهب بها لمنزل والديها تفادياً للمشاكل وقال محامي الطاعنة أنه يعتبر قول زميله (نزولاً على رغبتها) دليلاً على بطلان دفعه برفض موكلته الذهاب مع المطعون ضده لمنزل الزوجية وأجاب محامي المطعون ضده أن مركز موكله الأدبي لا يسمح له بمثل هذا التصرف.
بعد هذا قدم محامي الطاعنة المنشور الإداري نمرة (1) باستحقاق المبعوثين للدول الأجنبية وهو ما يتراوح بين 50/85 جنيهاً لعملة البلد في غرب أوربا واعترض محامى المطعون ضده بأن موكله يتبع وزارة الأشغال والمنشور المقدم صادر من وزارة الخدمة العامة والإصلاح الإداري وأن الحجة في دخل موكله ما جاء من وزارة الأشغال.
طلبت المحكمة من محامي المطعون ضده بينته على رفض الطاعنة الانتقال لمنزله فقرر أنه لا بينة له وأخيراً سألت المحكمة محامى الطاعنة عنها لأداء اليمين على نفي طلب المطعون ضده الانتقال لمنزله فجاء بها وحلفت على أن المطعون ضده لم يطلب منها الانتقال لمنزله في يوم 5/9/1978 وقبل هذا جاء محاميها بعبد الرحمن هارون سليمان الذي شهد بأن المطعون ضده ممن يخدمون ويستأجر أمثاله خادماً وقد لها في النفقة وأجر الخادم مثل طلبها والأقل في أجر المنزل وسأل محامي المطعون ضده عن وظيفة الشاهد ودخله ورفضت المحكمة السؤال وسأله نفس السؤال مع بيان الدخل فأجاب ثم أقر الشاهد بأنه لم ير خادماً بمنزل المطعون ضده وهناك احتمال بوجوده لأن مستوى معيشته يتطلب وجود الخادم ونفى علمه باستئجار المطعون ضده الخادم منذ زواجه بالطاعنة وأجاب بأنه بنى في مقادير النفقة على ارتفاع الأسعار الجارية.
ثم جاء بمحمد على طه وقدر النفقة بأكثر من طلب الطاعنة في الجميع وأن المطعون ضده يستحق الخادم حسب وظيفته وأجاب على سؤال محامي المطعون ضده بأن دخله 150 جنيه شهرياً وبنى تقديره على أحوال المعيشة ونفى تعادل دخل الموظفين بدخل أمثاله وهو صائغ ولكن للمطعون ضده محل لصياغة الذهب يديره شقيقه ولم يستطع الشاهد الإجابة على سؤال محامي المطعون ضده فيما لو كان رأي خادماً بمنزله وأجاب بنفس إجابته السابقة.
في جلسة 11/12/1978 وقد غاب محامى المطعون ضده بسبب المرض وطلب التأجيل الذي لم يوافق عليه محامى الطاعنة وتحت عنوان الأسباب قالت المحكمة أن المدعى عليه عجز عن إثبات قيامه بالإنفاق وطلب من المدعية الانتقال لمنزله وحلفت هي اليمين على نفيه وأن الفقهاء نصحوا بوجوب النفقة للزوجة على الزوج ولو مع اختلاف الدين من حين العقد الصحيح ولو كانت مقيمة في بيت أهلها إلا إذا طالبها بالنقلة وامتنعت بغير حق.. ثم حكمت بخمسة عشر جنيهاً نفقة من 3/9/1978 وإلى 29/9/1978 تاريخ الطلاق ثم إلى انقضاء العدة بالوجه الشرعي مع أجر السكن وقدره 10 جنيه وأجر الخادم وقدره 9 جنيه.
في يوم 13/12/1978 طلب المطعون ضده الاستئناف وطلب تخفيض الحكم في النفقة لأن المحكمة لم تراع حال موكله وراعت حال الطاعنة كما أنها قضت عليه بأجر خادم مع أنه لم يستخدمه وطلب إلغاءه وتحدث عن منع موكله من السفر وطلب تعديل نفقة العدة وأجر السكن وقدر للنفقة 5 جنيه ولأجر السكن جنيهاً ونصف.
أجاب محامي الطاعنة بأن المحكمة الابتدائية قضت بمقتضى البينة وأن دخل المطعون ضده يتسع لما قضت به المحكمة لأنه فوق راتبه الذي جاء بالأوراق الرسمية يملك نصيباً في متجر أبيه الذي يديره شقيقه لمصلحة جميع الورثة وقد طرأت بسبب التقويم الوظيفي زيادة في راتب المطعون ضده ولكن بعد صدور الحكم ثم طلب رفض الاستئناف.
تمسك محامى المستأنف بطلبه وأكد أن الدكان يملكه شقيق المطعون ضده ولا شراكة لموكله فيه وأنه يعول أمه وأن ما جاء به التقويم حدث بعد الطلاق وقال محامي المستأنف ضدها أن المحل التجاري باسم أبي المستأنف وأقر بذلك محاميه لأن شقيق المستأنف مدير مدرسة ابتدائية وأخذ المحاميان في بحث طويل حول ملكية دكان الصياغة لأبى المطعون ضده وذهبت المحكمة إلى البحث عن الإعلام الذي صدر في تركة أبي المستأنف وفي الجلسة التالية قرر محامي المستأنف أن المستأنف ضده ليست ممن يخدمن لأنها عادية وذلك بناء على سؤال المحكمة له إن كان ممن يخدمن أم لا وأكد أن موكله ليس موسراً ودخله لا يكفيه وأجاب محامى المستأنف ضده بأن موكلته ممن يخدمن وأنه أوضح ذلك في المحكمة الابتدائية وقال محامي المستأنف أن إعسار موكله ثابت في الأوراق الرسمية وأثبتت المحكمة نتيجة اطلاعها على الإعلام وما يملك أبو المستأنف من أراضي زراعية وانتهت إلى سؤال الطرفين إن كان أمثال محامى المستأنف ضدها من بنات عمها ممن يخدمن فتمسك كل منهما برأيه نفياً أو إثباتاً وجاء محامي المستأنف بالخبراء فقدر كامل أمين البشرى 10 جنيه للنفقة وخمسة لأجر السكن و3 لأجر الخادم في ضوء دخله من عمله وأراضيه الزراعية وسأل محامي المستأنف ضدها الشاهد عن وظيفة دخل المستأنف فذكره واستجوبه محامي المستأنف ضدها عن القطاع الذي يعمل فيه المشهود عليه وعن العائد الذي يجده كمبعوث خارج البلاد زيادة على راتبه ثم قدر صالح عبد الله مصطفى 8 جنيه للنفقة و3 جنيه للسكن و2 جنيه للخادم في ضوء دخل المستأنف ومن يعول واستجوب محامي المستأنف ضدها الشاهد بمثل ما سبق للخبير الأول وتحت عنوان الأسباب قال السيد قاضي المديرية أن أجرة الخادم ما سبق للخبير الأول وتحت عنوان الأسباب قال السيد قاضي المديرية أن أجرة الخادم تخضع لشرطين: أن تكون الزوجة ممن يخدم وأن يكون الزوج موسراً وطالما أن المستأنف لم يعترض على فرضها بالمرحلة الابتدائية فلا نرى مبرراً للإلغاء. ولا مانع من إجابة طلبه التعديل وبناء على تقدير الخبيرين وحال المستأنف وظروف الحياة المعيشية رأت المحكمة تعديل الحكم الابتدائي إلى 10 جنيه للمستأنف ضدها بدلاً من 15 جنيه وستة جنيهات لأجر السكن بدلاً من 10 جنيه وأربعة جنيهات بدلاً من تسعة اعتباراً من تاريخ الحكم الابتدائي وصدر هذا التعديل يوم 29/1/1979م.
في 31/1/1979 تقدم محامى الطاعنة طالباً النقض مدعياً أن المحكمة الابتدائية قضت لموكلته بينما تقدم المطعون ضده باستئناف لذلك الحكم منازعاً في أجر الخادم بأن المطعون ضده ممن لا يخدمون وأن المحكمة لم تأخذ بالدخل الذي أثبتته المستندات الرسمية ووضعت أمامها بينما أخذ محامي المطعون ضده في خداع المحكمة بأن دخل موكله الصافي 9 جنيه بما لم تأخذ به المحكمة وأنه لو لا قصر مدة الاستئناف لاستأنف الحكم وأن محكمة المديرية استبعدت المنشور الإداري وأن خبيري المطعون ضده أكد وجود دخل إضافي له وأنها منعته من توجيه سؤال للشاهدين فيما لو كان الدخل يختلف باعتبار الموظف متزوجاً أو عازباً لأن المطعون ضده استفاد من زوجيته للطاعنة لأخذ علاوة المتزوجين وأن المحكمة رفضت توجيه السؤال بل رفضت تسجيله وأن موكلته أضيرت من هذا المنع وأن المحكمة الاستئنافية أصدرت قراراها بتخفيض النفقة مع أن هذه المقادير لا تتناسب مع دخل المعطون ضده واحتياجات الطاعنة وطلب إلغاء حكم محكمة المديرية والإبقاء على الحكم الابتدائي.
وفي 6/3/1979م أجاب محامى المطعون ضده على مذكرة محامي الطاعنة أكد فيها رفض الطاعنة الانتقال لمنزل الزوجية وأن المذكرة التي جاءت من الأشغال تدل على أن ما يبقي لموكله من راتبه هو 9.450 مليمجـ وأن أحد أخوان الطاعنة أحضر منشوراً إدارياً من وزارة الخدمة العامة والإصلاح الإداري ليضلل به المحكمة في الوقت الذي وصل للمحكمة دخل المطعون ضده من مخدمه بكتاب رسمي . وعن الخداع أكد أن محامي الطاعنة هو الذي ضلل المحكمة لا موكله وأن موكله لا يملك عقارات وترك الرد على منع محكمة المديرية له من استعمال حقه لها . وأضاف بأن محكمة المديرية عالجت الأخطاء التي وقعت فيها المحكمة الابتدائية وأن حكمها كان سليماً وطلب تأييده ورفض طلب النقض.
( الأسباب )
بما أن محامي المطعون ضده قرر أمام المحكمة الابتدائية أن موكله ذهب بالطاعنة لمنزل والديها تفادياً للمشاكل فإن مجرد هذا القول يعتبر إذناً للطاعنة في مغادرة منزل الزوجية التي قضت المحكمة الابتدائية في البحث عنه من حيث شرعيته وإعداده واكتمال مرافقه على أنه لا ضرورة لإيراد البينة على دعوى الرفض بعد ه الإقرار ولا ضرورة كذلك لمطالبة الطاعنة بأداء اليمين ال طلبته المحكمة من نفسها دون أن يكون للمطعون ه يد فيه أو طلب منه وهو خالص حقه ومن هنا تجد هذه المحكمة أن الطاعنة لم تنشر عن طاعة زوجها بحيث لا تستحق النفقة في المدة من 2/9/1978 وأن محكمة المديرية لم تعر هذا الإجراء اهتماماً ولعلها رأته صحيحاً في نظرها.
فيما يتعلق بأجر الخادم فإن البينة التي أوردها محامي الطاعنة لم تشهد بأن المطعون ضده قد استخدم خادماً في أثناء قيام الزوجية ولم تطلب من محامي الطاعنة بيان ما لو كانت موكلته ممن يخدمن وقضت على المطعون ضده بأجر الخادم قبل التأكد من يساره لن أجر الخادم منوط بيسر الزوج واعتياد الزوجة استخدام الخدم.
أما محكمة المديرية فإنها قد جعلت من عدم اعتراض المطعون ضده على فرض أجر الخادم في المحكمة الابتدائية مبرراً للحكم بها دون إثبات اعتياد الزوجة استخدام الخدم أو التثبت من يسر الزوج وأن تأييدها لمبدأ الحكم فيها جاء مناسباً لحال الزوج وبما أن المطعون ضده لم يطعن في أجر الخادم وله الحق في ذلك مستقبلاً.
( لهذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع رفضه وتأييد الحكم المطعون فيه.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ محمّد زين العابدين قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلةالشيخ الصديق أحمدعبدالحي قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية بطلب عزل وصي قصر
قرار النقض نمرة 145/1979
الصادر في يوم السبت 8 ذو القعدة سنة 1399هـ
الموافق 29/9/1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الوصاية – إقامة الوصي – صيرورة الحكم نهائياً – تصرفات الوصي قبل وصايته مخولات العزل.
1- متى أصبح الحكم بإقامة الوصي حكماً نهائياً بان لم يطعن فيه بأي طريق من طرق الطعن المقررة فلا يجوز عزله بعد ذلك إلا إذا صدر منه ما يخول عزله شرعاً أثناء وصايته ولا يصح الاستناد إلى أسباب وقعت منه قبل إقامته وصياً.
( الوقــائع )
بعد الإطلاع على الأوراق أتضح أن وقائع الطعن تتلخص في الآتي :
1- أصدرت محكمة الخرطوم الشرعية الإعلام 274-1977 بثبوت وفاة ..... وانحصار إرثه وكان من ضمن الورثة أولاد القصر – الثلاثة وأعمارهم على التوالي 7 و 4 و 3 سنوات وأصبحت والدتهم ومطلقة المرحوم وصياً عليهم.
2- في 10/1/1978 قدم محامى ابن المتوفى وأحد الورثة عريضة يطلب فيها عزل الوصي من الوصاية باعتبار أن الوصي طلبت شراء عربة للقصر بمبلغ 4800 جنيه مع العلم أن أكبرهم لم يتجاوز السابعة وأبرمت اتفاقاً مع خمس من المحامين بمبالغ طائلة زيادة على هذا وقد سبق أن أدينت لارتكابها جرائم اعتداء واحتيال وتزوير وأنها أجرت منزلاً للقصر بمبلغ 3200 جنيه في العام وتأخذ 200 جنيه مصاريف شهرية للأولاد.
أجاب محامى المدعى عليها أن التصرفات التي قامت بها موكلته لا تعتبر تبديداً لأموال القصر لأن باقي الورثة غير القصر يسكنون في منزل أجرته الشهرية ألف جنيه ويملكون خمسة عربات وأن القصر لا يملكون منزلاً ولا عربة فكيف لا يتساوون مع الورثة الآخرين بإيجار منزل مناسب وعربة تنقلهم – وأن المحامي قام بالتمثيل في جلسات التركة التي ثبت منها الإرث ودفعت له 3000 جنيه وأن المحامي لا يعتبر تزويراً لأن الشخص ربما رأي أن المحامي لم يبذل له مجهود كبير أو أنه طلب أجراً إضافياً.
ثم قدم محامى المدعى السوابق القضائية التالية للوصي : أورنيك سوابق باسم الوصي مؤرخ 24/5/1977 وبه: (1) صدور من الحكم الغيابي رقم 10/455/1976 الصادر في 9/4/1978 اشتمل على محاكمة المذكورة بالسجن يوم والغرامة عشرة جنيهات وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة خمسة عشر يوماً – لتحويلها مبلغاً لمصلحتها الشخصية بالاحتيال. (2) صورة الحكم الغيابي نمرة 104/602/1977 الغرامة خمسة عشر جنيهاً وبالعدم السجن لمدة عشرين يوماً للتعدي بدخول السفارة اليمنية بقصد إهانة ومضايقة زوجة القائم بالأعمال صدر الحكم في 9/1/1978.
في يوم 24/1/1978 أصدرت المحكمة قرارها بعزل الوصي عن الوصاية وجاء في الأسباب أنه ثبت من البينات أنها حوكمت مرتين بالسجن والغرامة وأنها استأجرت منزلاً بمبلغ 3200 جنيه سنوياً للصغار وطلبت شراء عربة ورفض طلبها وأن الوصي وكلت المحاميين مهما كثر الإنفاق أو صغر فإن عملها يدل على الإسراف.
في 1/2/1978 طلبت المحكوم عليها الطعن بالاستئناف أمام قاضي المديرية بالخرطوم وبعد إطلاع المحكمة على الوقائع ومذكرات الطرفين التي لم تخرج كلها عن الوقائع التي أبديت أمام المحكمة الابتدائية – رأت تأييد الحكم الابتدائي في 1/3/1978.
قدمت عريضة الطعن بالنقض ودفع الرسم في 28/3/1978 وجاء في العريضة أن المحكمة لم تسمع لبينات وقضت بنفسها في النزاع من تلقاء نفسها وأن كل الصرف قامت به الطاعنة بموافقة المطعون ضده وهو المسئول عن التركة والوصي على باقي القصر ومضت إلى القول أن مدير التركة يقصد بفعله العزل إبعادها وإبعاد رقابتها عليه – ثم مضت العريضة تفند أسباب الحكم المطعون فيه بالآتي :
(أ) أن الشقة أجرت منذ ستة أشهر لم يعترض عليها المطعون ضده ووافق على الإيجار وهو مناسب لارتفاع الإيجار ووضع القصر.
(ب) أتعاب المحامين مناسبة لحجم العمل الذي قاموا به.
(ج) استناد المحكمة الجزئية على الإدانة دون التعرض إلى إسناد والرجوع إلى قانون المجالس الحسبية بمصر غير صحيح لأن الإدانة في المحاكم الجنائية ليست بينة مقبولة في القضايا الشرعية وأن تطبيق قانون صدر في مصر غير مقبول أيضاً ثم أن وقائع الإدانة تمت في 1966 وأن التعدي كان بسبب مشاحنات وأن قضية الاحتيال بسبب عقد إيجار وهو نزاع مدني.
( الأسباب )
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن الطاعنة أقامتها المحكمة وصياً على أولادها القصر الثلاثة بموجب الإعلام 274-1977 بتاريخ 24/5/1977 ولم يدفع أحد في أوراق التركة طلبها الوصاية بأنها غير أهل لها ولم يطعن في هذا أحد بذلك الإعلام حتى أصبح نهائياً.
وتشير الوقائع أن المطعون ضده تقدم طالباً في 10/1/1978 بعزل الوصي مستنداً إلى حوادث حصلت قبل إقامتها وصياً وذلك بسجن الوصي وغرامتها كما استند إلى أنها طلبت شراء عربة لأولادها وأجرت لهم سكناً بمبلغ كبير وتصرف عليهم بإسراف.
بما أن الوصاية أصبح الحكم بها نهائياً ولم يطعن فيه بطريق من الطرق المعروفة ولم تثر عدم أهلية الوصي أثناء النظر في التركة فلا يجوز بعد ذلك عزل هذا الوصي إلا إذا صدر منه بعد أن أقيم وصياً ما يوجب عزله وهذا لم يثبت حتى الآن. ولم يدع به أحد أما مجرد أنها طلبت شراء عربة فإن ذلك لا يبرر عزلها وموضوع أجرة المنزل ومصاريف الأولاد لا تتم إلا بإشراف المحكمة التي لا تجيز إلا ما كان في مصلحة القصر وتمنع الوصي فيما يعود به ضرر عليهم وكان على المحكمة أن تتحرى عن ذلك بدلاً من عزل الوصي.
وبما أنه لا يوجد سبب لعزل الوصي فإن الحكمين المطعون فيهما بنيا على أسباب غير صحيحة.
( لـذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين المطعون فيهما.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولى قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ عبدالرحيم حسين الصائغ قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية هبة عقارية
قرار النقض نمرة 157/1979
الصادر في يوم الثلاثاء 25 ذو القعدة سنة 1399هـ
الموافق 16/10/1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الهبة – صحتها بالإيجاب وحده – القبول في حق الموهوب له – قيام القبض مقام القبول.
الهبة في حق الواهب تصح بالإيجاب وحده لأنه متبرع حتى لو حلف بأن يهب ماله لأحد من الناس ولم يقبل الموهوب له بر حلفه.
2- القبول يصحح الهبة في حق الموهوب له ، كما أن القبض يقوم مقام القبول.
( الوقائع )
بعد الإطلاع على الأوراق المتعلقة بالطعن اتضح أن وقائع النزاع تتلخص في الآتي :-
1- ثبت بمحضر التركة 138- 1971 أن المرحومة توفيت لرحمة مولاها فانحصر إرثهم في أولادها الستة البلغ دون سواهم. وتركة المتوفاة هي – القطعة 1/3/111 مدينة أم درمان ومساحة هذا النصف 439م.م وقيمة المتر الواحد 4.500 م ج كإفادة تسجيلات أمدرمان فقيمة التركة 1975 جنيه و 500 مليم.
2- رفع كل من أولاد ................... دعوى على شقيقهم بطلب ثبوت هبة العقار المذكورة بالتركة لهم دونه – وذلك بالقضية 1289/1971 محكمة أمدرمان الشرعية وقررت محكمة أم درمان إحالة أوراق القضية قبل السير فيها إلى المحاكم المدنية للاختصاص وذلك في 30/11/1971م.
أصدرت المحكمة المدنية بثبوت الهبة وتأيد هذا الحكم من محكمة الاستئناف إلا أن المحكوم عليه طعن بالنقض فأصدرت الدائرة المدنية بالمحكمة العليا قرار النقض 117/1976 بنقض الحكم وإعادة الأوراق للمحكمة الشرعية للاختصاص وذلك في 6/10/1976.
بدلاً من أن تسير محكمة أمدرمان الشرعية في الدعوى أمرت بقيد دعوى جديدة للاختصاص وذلك في 6/10/1977م.
نظرت الدعوى الابتدائية أمام قاضي الدرجة الأولي وأدعى محامى المدعين بأن المتوفاة حرم .... مورثة المدعين والمدعى عليه يملك نصف القطعة 1/3/111 أمدرمان وفي حياتها وهبت ما تملكه لأولادها المدعين ليتم تسجيله بينهم 200م. لولدها ................ والباقي 239م توزع على باقي المدعين بالتساوي بينهم وأنها سلمتهم العقار الموهوب وأنها حضرت إلى محكمة أمدرمان الشرعية في 13/12/1970 وبنفسها لأغراض الهبة – وفي حياة الواهبة كان الموهوب لهم يتسلمون أجرى المنزل وطلب الحكم بثبوت الهبة.
أجاب السيد محامى المدعى عليه بأنه ينكر الدعوى جملة وتفصيلاً.
عقب محامي المدعين بأنه بجانب الوثائق الرسمية يحصر شهوده في أربعة.
استمعت المحكمة إلى شهادة الشهود فحضر ضابط تنفيذ أوامر بمحكمة الخرطوم الشرعية وبعد أداء اليمين شهد بأنه كان في محكمة أمدرمان في عام 1968م و 1969م حضر إلى المحكمة ........ ومعه امرأة وسألته عن سبب حضوره فقال لي أن خالتنا هذه تريد تقديم هبة 200م.م لولدها والباقي للبنات بالتساوي فقلت له هل كتبت العريضة فقال لا فأخذته إلى كاتب العرائض فكتب له العريضة وأدخلتهم إلى القاضي الذي أشر على العريضة بمادة الهبة وبعد ذلك قدمت العريضة للكاتب المسئول لإجراء التحري المطلوب – وأجاب الشاهد على سؤال المشهود له وعليه بأنه سمع المرأة تقول 200 م. م لولدها والباقي للبنات بالتساوي ولا يعرف اسم البنات ولا يعرف ما تم في الهبة بعد إكمال التحريات.
ثم حضر الشاهد الثاني وبعد أداء اليمين شهد بأنه حضر للمحكمة الشرعية بأمدرمان لعمل توكيل شرعي لأخته فوجد ............. ومعه خالته فسألته عن سبب حضوره فقال لى: أن خالتي تريد هبة 200 م. م لولدها والباقي للبنات فقلت هل تريد أي مساعدة فقال لا. وأجاب على الأسئلة أنه لا يعرف ما تم في شأن الهبة بعد ذلك ولا حضر كتابة العريضة وأنه سمع ............. تقول 200 م. م لولدها والباقي للبنات.
ثم حضر الشاهد الثالث وبعد أداء اليمين قال أشهد بأني كنت أسكن في حجرة من المنزل المملوك للمتوفاة بالأجرة استأجرها من ولدها وأنه يسلم الإيجار بعد ذلك مرة لولدها وأحياناً لبنتها وأحياناً لوالدتهم وأغلت الحالات أدفع الأجرة لولدها والبنات – وأجاب على الأسئلة بأنه كان يسلم الأجرة لولدها في حياة المرحومة وبعد وفاتها وكنت أسلم الأجرة لمن أجده داخل المنزل ولا يعلم متى توفيت المرحومة والدة المدعين.
ثم قال محامى المدعين أنه استغنى عن الشاهد الرابع.
بعد هذا قدم محامى المدعين مذكرة يقول فيها أن الاتفاق تم بإقرار الواهبة أمام القاضي حين أشر على عريضة الهبة وأمام الشاهدين وتم التسليم بإقرارها بالعريضة أنها سلمتهم الموهوب.
عقب محامي المدعى عليه بأن أحداً لم يشهد بأنه شاهد المدعين يستلمون الهبة وكل ما في الأمر أن الواهبة توفيت قبل أن تنفذ رغبتها في الهبة ولا يوجد شاهد واحد اطلع على العريضة ولا يعلم ما بداخلها.
أصدرت المحكمة قرارها برفض الدعوى إذ لا يوجد بينة على القبض وأن الإقرار بالقبض إن صح لا يعتبر قبضاً بالفعل.
3- صدر الحكم الابتدائي في 3/7/1978م.
في 15/7/1978م قدم الطعن بالاستئناف أمام قاضي المديرية وجاء في دعوى الاستئناف أن الموهوب لهم كانوا يقيمون بالمنزل الموهوب قبل وبعد وفاة الواهبة وأن القبض تم بالفعل وهو يقوم مقام القبول وأن الإيجاب قد تم – وطلب إلغاء الحكم وإثبات الهبة.
أجاب محامى المستأنف ضده بأن العريضة المقدمة للمحكمة لا تثبت الهبة إطلاقاً فهي لا تعدو أن تكون إعلاماً بالشروع في الهبة لم يثبت القبول ولا القبض – وأن الشاهد الوحيد هو المستأجر لحجرة بالمنزل وأنه كان يقوم بتقديم الأجرة تارة لصاحبة المنزل ومرة لأحد أولادها- وبطلب المستأنفين حلف المستأنف ضده اليمين على أنه لا يعلم بالهبة ولا القبض.
أصدرت المحكمة حكمها برفض الطعن وتأييد الحكم الابتدائي في 21/1/1979م وجاء في الأسباب أن عريضة الهبة ما هي إلا شروع في هبة ولا يوجد مجلس لعقد الهبة ولا إيجاب من الواهبة ولا قبول من الموهوب لهم ولا يوجد قبض.
في 6/2/1979 قدمت عريضة الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا وجاء في العريضة أن المتوفاة قدمت عريضة للمحكمة بهبة نصفها في القطعة 1/3/111 أمدرمان لأولادها الطاعنين ومثلت أمام القاضي الذي استجوبها وأمر بإجراء التحريات الشكلية وقبل إتمام الإجراءات توفيت بعد أن قبض الموهوب لهم الهبة – وأن القاضي دون أقوال الواهبة فهو محضر رسمي بالعريضة وطلب نقض الحكم.
أعلنت العريضة وانتهت المدة القانونية ولم يرد على الطعن.
( الأسباب )
الطعن استوفى إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن المحكمة المطعون في حكمها بنت حكمها على أن عقد الهبة لم يتم بالإيجاب والقبول مع أن الوقائع توضح أن الواهبة حضرت بنفسها أمام المحكمة ووهبت العقار المدعى هبته إلى الطاعنين والهبة في حق الواهب تصح بالإيجاب وحده لأنه متبرع حتى لو حلف بأن يهب ماله لأحد من الناس ولم يقبل الموهوب له بر حلفه والقبول إنما يصح الهبة في حق الموهوب له ص 690 ج5 طبعة ثانية 1966 ابن عابدين.
وبما أن المنصوص عليه شرعاً أن القبض يقوم مقام القبول وأن الطاعن بين للمحكمة أدلته على القبض وهي قبض أجرة الغرفة أحياناً وإقامة الموهوب لهم في المنزل المدعى بهبته لهم وأن المحكمة ركزت على قبض أجرة الحجرة وذكرت بأنه لم يكن للمدعى سوى شاهد واحد على دعواه وشهادته غير مقنعة ولم تناقش المحكمة إقامة الموهوب لهم في المنزل بالصورة التي ستخرجها على أن تكون قبضاً للهبة وهذا قصور واضح فواجب المحكمة مناقشة هذا الدليل الذي قدمه الطاعن وإخضاعه للنصوص الشرعية وإبداء رأيها الصريح بقبوله أو عدم قبوله فالحكم قبل ذلك سابق لأوانه.
( لــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة المديرية للسير في الاستئناف من جديد على ضوء الأسباب.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية حضانة
قرار النقض نمرة 171/1979
الصادر في يوم الاثنين 15 ذو الحجة 1399هـ
الموافق 5/11/1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الحضانة – الإجراءات – الشطب الايجاري في الاستئناف- وجوب سماع الطعن والدفع.
لا تملك محكمة الاستئناف الشطب إيجازياً بعد السير في الطعن ، بل عليها أن تسمع وجوباً أقوال الطرفين ودفوعهما وذلك تطبيقاً لأحكام المادتين 196-197 إجراءات مدنية 1974 – وبإهمالها هذا التطبيق تعرض الأحكام للإلغاء مما يسبب تعطيلاً للعدالة وضرراً للمتقاضين.
( الحكـــم )
الطعن استوفي إجراءاته الشكلية.
والوقائع تتحصل فيما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق أن الطاعن رفع القضية الابتدائية نمرة 346/1978 محكمة عطبرة ضد المطعون ضدها طالباً إسقاط حقها في حضانة ابنه منها وعمره سبع سنين وذلك لانفصام العصمة بينهما ولتجاوز الولد لسن الحضانة ولأنه أصبح من حقه ضمه إليه لتربيته وتعليمه وهو أقدر على ذلك منها ولذلك طلب الحكم بضمه إليه منها.
وصادقته على سبق الزوجية وبنوة الولد وتجاوزه لسن الحضانة ودفعت بأن مصلحته وقد تجاوز تلك السنين تتوفر في وجوده معها وتتعارض في وجوده مع أبيه إذ أنها متفرقة لخدمته وتعليمه الأمر الذي لا يتوفر له مع وجوده مع جدته لأبيه المتقدمة في سنها – وأثبتت ذلك بالبينة الشرعية بعد إنكار الطاعن للمصلحة في وجود الولد بيدها.
وبتاريخ 13/1/1979م قررت المحكمة رفض الدعوى.
وبتاريخ 18/1/1979 استأنف الحكم أمام محكمة المديرية بالدامر وحددت المحكمة جلسة لذلك واستمعت فعلاً لأقوال الطرفين وكلفت المطعون ضدها إحضار بينتها على الأصلحية.
وفي الجلسة المحددة لذلك قررت المحكمة قبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع شطب الاستئناف إيجازياً وتأييد الحكم المطعون فيه وذلك بتاريخ 19/5/1979م.
وجاء في أسباب حكمها أن القضية الابتدائية بنيت على أسباب شرعية وأن المدعية أثبتت دعواها الأصلحية فالحكم جاء سليماً لذلك وعملاً بالمادة 186 إجراءات وجب شطب الاستئناف إيجازياً.
وبتاريخ 12/6/1979م تقدم محامى الطاعن – طاعناً في الحكم عن طريق النقض وجاء في أسباب طعنه – أن محكمة الاستئناف قبلت وأعلنت الطرفين بجلسة حددتها واستمعت لأقوالهما وأرجأت النظر لسماع بينة المطعون ضدها – وفي الجلسة المحددة لأقوالهما قررت المحكمة شطب الاستئناف إيجازياً إعمالاً للمادة 186 إجراءات وأنه وفي تقديره يرى بطلان هذا القرار ومخالفته للقانون لأن المحكمة استمعت للأطراف بالفعل وقررت مواصلة التحقيق. وإن شطب الاستئناف تحت المادة 186 إجراءات يكون وارداً إذا قررت المحكمة ابتداء عدم السماع للأطراف – أن المحكمة قررت سماع الاستئناف بناء على المادة 196 إجراءات وكان واجبها السير فيه بمقتضى المادة 197 إجراءات حتى الفصل فيه – هذا وأنه يرى أن مصلحة المحضون وقد تجاوز سن الحضانة تتوفر في وجوده مع أبيه لا مع أمه ولذا طلب إلغاء الحكمين المطعون فيهما.
هذا ما جاء بأسباب الطعن .
وقد ردت المطعون ضدها عل الطعن وجاء في ردها أن عمر الولد الآن سبع سنين وهي متفرغة لخدمته وقائمة بكل شئونه وأنها أدخلته المدرسة بالسنة الأولي ابتدائي ويقيم معها ووالدته وشقيقتها وأن والده الطاعن لا يستطيع القيام بواجبه لكبر سنه.
هذا ما جاء في ردها على الطعن.
( الأســباب )
الطعن قدم في ميعاده القانوني فهو مقبول شكلاً. وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن محكمة المديرية في دعوى الاستئناف رأت بعد الإطلاع على أوراق الحكم المطعون فيه أن الأمر يتطلب مزيداً من التحقيق بدليل أنها أحضرت الطرفين واستمعت لأقوالهما وطلبت من المستأنف ضده إحضار بينة مؤيدة لما دفع به الاستئناف ثم بعد كل هذا عدلت المحكمة عن رأيها وقررت شطب الطعن إيجازياً بناء على المادة 186 إجراءات 1974م.
إن الشطب الإيجازي حق للمحكمة فلها أن تقرر الشطب بعد الإطلاع على المحضر الابتدائي دون الاستماع إلى المطعون ضده متى تبين لها أن الطعن لا أمل فيه أما إذا لم تشطب المحكمة الاستئناف بعد الإطلاع على المحضر ورأت الفصل في الطعن بتحديد جلسة للسماع وإعلان الأطراف بها فلا يصح لها بعد ذلك الشطب الإيجازي بل يجب عليها أن تسير في الاستئناف بأن تسمع من المستأنف ما يؤيد استئنافه ومن المستأنف ضده ما يدفع به الاستئناف وذلك تطبيقاً للمواد 195 و 197 إجراءات 1974م.
المحكمة هنا طلبت من المستأنف ضدها بينة لتأييد ما دفعت به الاستئناف ولكنها لم تسمع هذا الدليل وقررت شطب الطعن إيجازياً وهذا ما لا تملكه بعد السير في الاستئناف وجاء قرارها مخالفاً للمادة 197 إجراءات 1974 وهي الواجبة التطبيق بعد سير المحكمة في الاستئناف وبناء على ما تقدم جاء الحكم باطلاً ويجب نقضه.
( لـذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة المديرية للسير في الاستئناف من جديد على ضوء الأسباب.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية انتقال بمحضون
قرار النقض نمرة 175/1979
الصادر في يوم السبت 20 ذو الحجة سنة 1399هـ
الموافق 10/11/1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الحضانة – الانتقال بالمحضون – حق الأب وضع العاصب أو الكافل.
1- المنصوص عليه شرعاً أن أمر انتقال الحاضنة بالمحضون والسفر به إلى بلد آخر خص به الأب وليس العاصب فالمسألة مقيدة بالمطلقة والأب ولم ير من أخرجها في غيره ، ومن القصور بمكان أن تجهل المحكمة كيفية السير في مثل هذه القضايا.
( الوقـــائع )
الطاعنة رفعت القضية الابتدائية نمرة 50 – ق – 79 محكمة البحر الأحمر الشرعية وطلبت ضم أولادها وادعت بأنها كانت زوجة لشقيق المدعى عليه والذي سبق وتوفي لرحمة الله بعد أن رزقت منه على فراش الزوجية بأولادها الخمسة منه وأعمارهم على التوالي 13 – 9- 8 – 7 – 4 سنوات. هذا وبعد وفاة والدهم أخذهم عمهم المدعى عليه بدون وجه حق وطلبت ضم أولادها. صادق المدعى عليه أنها كانت زوجة لشقيقه الذي توفى لرحمة مولاه وقد رزقت منه على فراش الزوجية بأولادها المذكورين وأن أعمارهم ليس كما ذكرت وإنما أعمارهم: الأول 16 سنة والثاني 14 سنة والثالثة 13 سنة والرابع 11 سنة والخامسة 9 سنوات وأنكر أنه قد أخذهم منها وذكر بأنها هي التي سلمته الأولاد وذهبت إلى إخوانها وأنه سوف لا يسلمهم لها لأنه يريد أن يعلمهم - بتاريخ 19/3/1979أصدرت المحكمة حكمها بضم الأولاد لها وبنت حكمها بأن المدعى عليه لم يدفع بما يسقط حضانتها.
هذا وبتاريخ 20/3/1979م طعن المحكوم عليه بالاستئناف أمام محكمة مديرية البحر الأحمر الشرعية وأدعى بأن الحكم الابتدائي لم يبن على أسباب صحيحة حيث أن الأولاد قد تجاوزوا سن الحضانة كما أنها كانت تقيم معه بقرورة محل زواجها بعد وفاة والدهم ثم أصبحت تتردد على أخيها في بورتسودان وتريد أخذ الأولاد لبورتسودان بعيداً عنه مع أنه يقوم بالإنفاق عليهم وطلب إلغاء الحكم – صادقت بأن زواجها من زوجها المتوفى كان بقرورة وطنها وأنها كانت تقيم مع عم الأولاد وفي منزله بقرورة وقد خرجت بسبب سوء معاملتها.. بعد ذلك أصدرت محكمة المديرية قرارها في يوم 27/5/1979م بإلغاء الحكم الابتدائي وسببت حكمها بأن المستأنفة تريد أخذ الأولاد لتقيم بهم في بورتسودان بعيداً عن مكان زواجها ووطنها وبالتالي محل الحضانة فلا يحق لها في ذلك.
طعنت الطاعنة بالنقض أمام هذه المحكمة في الميعاد القانوني وأدعت أن الحكم الاستئنافي لم يبن على أسباب شرعية وذكرت في طعنها بأنها تريد الانتقال بأولادها لبورتسودان لتقيم مع أخيها حيث أن المطعون ضده يسئ معاملتها وطلبت إلغاء الحكم.
هذا وقد رد المطعون ضده على الطعن بأن الحكم الاستئنافي قد بنى على أسباب صحيحة من حيث أن الطاعنة قد غادرت محل الحضانة وبالتالي فإنها بذلك تحرم العم من الإشراف والرعاية للأولاد كما أن انتقالها بالأولاد إلى المدينة مما يعرضهم للتشريد وحرمانهم من التعليم.
( الأسباب )
قدم الطعن في ميعاده القانوني فهو مقبول شكلاً وفي الموضوع فإن الطاعنة طلبت ضم أولادها إليها وبينت أعمارهم والذي يتضح منها بأنهم قد تجاوزوا سن الحضانة إلا واحدة فإنها لا تزال في سن الحضانة ودفع العاصب بأنهم جميعاً تعدوا سن الحضانة وأنهم يعيشون معه يشرف عليهم ويقوم بالإنفاق عليهم وأن أمهم قد تركتهم وسافرت لبورتسودان وأقامت مع إخوانها وأنها تريد أخذهم لبورتسودان. وهنا أصدرت المحكمة الابتدائية حكمها بضم الأولاد لها وذكرت في أسبابها بأن العاصب لم يدفع بما يسقط حضانتها. . وهذا خطأ لأن الأولاد قد تجاوزوا سن حضانة النساء وما دامت الأم قد طلبت ضمهم إليها كان على المحكمة أن تحقق معها لماذا تريد ضمهم إليها بعد أن تجاوزوا سن الحضانة؟ وذلك حسبما جاء في النشرة 18/6/1942 والتي وضحت كيفية السير في مثل هذه القضايا.. أما أن تقول المحكمة في أسبابها أن المدعى عليه عارض في تسليم الأولاد ولم يدفع بما يسقط حضانتها شرعاً – فإن هذا الإجراء لا يتمشى مع المنصوص عليه شرعاً وهو أن حضانة النساء تكون بالنسبة للصغير 7 سنوات وللصغيرة 9 سنوات فإذا تعدوا هذه السن وطلبت الأم ضم الأولاد إليها فإن على المحكمة أن تحكم المصلحة.
أما محكمة المديرية فقد وقعت في نفس الخطأ ولم تطبق النشرة 18/6/1942 واهتمت في تحقيقها في موضوع انتقال الحاضنة بالأولاد وأخيراً خلصت بأن المستأنف ضدها تريد الإقامة بالأولاد ببورتسودان بعيداً عن مكان الحضانة وبعيداً عن كافلهم وعليه فلا حق لها. وفي رأينا أن المحكمة لم توفق في قرارها هذا لأن بحث أمر انتقال الحاضنة بالأولاد إلى بلد آخر خص به الأب وليس العاصب وقد نص في ابن عابدين الجزء الثالث الطبعة 1966 صفحة 569 قال الرملي بقيام الأولياء مقام الأب بمنعها من السفر إلى بلد آخر.. وعلق على ذلك شيخ المشايخ على التركماني أن الدافع في كتب المذهب متوناً وشروحاً يقيد المسألة بالمطلقة والأب ولم ير من إخراجها في غيره وما قاله الرملي لم يستند فيه إلى نقل فينبغي التوقف حتى نرى النقل الصحيح فإن العلم أمانة.
وعليه فإن التحقيق يجب أن ينصب على أوجه المصلحة بالنسبة لبقاء الأولاد مع الحاضنة بعد أن تجاوزوا سن حضانة النساء.
( لهـذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع وإلغاء الحكمين الابتدائي والاستئنافي وإعادة القضية للمحكمة الابتدائية للسير فيها من جديد على ضوء الأسباب.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ قاضي المحكمة العليا رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية مؤخر صداق ونفقة عدة
قرار النقض نمرة 186/1979
الصادر في يوم الخميس 25 ذو الحجة سنة 1399هـ
الموافق 15/11/1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – تحليف اليمين – وصف شهادة الشهود – التعبير الشرعي – تعيين المشهود عليه ببيان شافي.
من الخطأ المعيب أن تصف المحكمة شهادة الشاهد بأنها أخذت على اليمين بل يتعين عليها استعمال التعبير الشرعي بأن الشهادة أخذت بع تحليف الشاهد اليمين.
2- لابد في التحقيق من ذكر المشهود عليه ببيانه وبوصفه وتمييزه بما لا يترك أي شبهة من الاحتمال في تعيينه بذاته لأن عدم الدقة في ذلك قصور يوجب إلغاء الأحكام.
( الوقائع )
بالإطلاع على أوراق القضية نمرة 299/1978 محكمة الخرطوم بحري الشرعية وقضية الاستئناف نمرة 83/س/1978 محكمة الخرطوم بحري اتضح أن الوقائع تتلخص في الآتي:
سمعت الدعوى بطلب مؤخر صداق قدره 125 جنيه ونفقة عدة وقد دفع المدعى عليه الطاعن بأن صداقها كان 30 جنيه وقد دفعه لها وصادق على استحقاقها لنفقة العدة وقدر لها ما لم ترض به وقالت أن جملة الصداق كان 130 جنيه وقد دفع لها مبلغ 5 جنيه وتبقي بذمته 125 جنيه وكلف البينة على تسليمها 30 جنيه فعجز وأعرض عن يمينها وكلفت البينة على دعواها للصداق فأحضرت شاهدين شهد الأول على اليمين بأنه قد حضر مناقشة بين الطرفين مضمونها أن المدعية تريد منه مبلغ مائتي جنيه والمدعى عليه يقول لها لك مائة جنيه وقد توسط هو وآخر لكي تقبل مائة على ثلاثة أقساط ولا يدرى إن كان قد دفعها لها أم لا. أما الشاهد الثاني فقد شهد على اليمين بأن المدعى عليه قد التزم أن يدفع لها مؤخر صداقها مائة جنيه. هذا وقد استعانت المحكمة بخبيرين لتقدير المناسب في نفقة العدة وقد أطلعت المحكمة على قسيمة الطلاق نمرة 48/776 مأذون المحكمة وقد وضح منها أن الطلاق كان في 25/10/1978 أصدرت المحكمة حكمها بمؤخر صداقها وقدره 100 جنيه وبنفقة عدة قدرها 10 جنيه شهرياً وسببت حكمها بأن البينة قد شهدت بالصداق البالغ قدره 100 جنيه أما في نفقة العدة فقد استرشدت المحكمة بخبيرين كما تحرت عن دخله.
بتاريخ 5/12/1978 طعن المحكوم ضده بالاستئناف أمام محكمة المديرية بالخرطوم بحري وأدعى أن الحكم فيما يختص بالصداق لم يبن على أسباب صحيحة حيث أن مؤخر صداقها كان 30 جنيه وقد دفعه لها. كما أن المقدر في نفقة العدة كثير ولا يتمشى مع دخله ومن يعول أجابت المستأنف ضدها بأن الحكم الابتدائي قد بني على أسباب شرعية وطلبت تأييده. هذا وفي أثناء التحقيق اتفقا على نفقة العد. وبتاريخ 18/6/1979م أصدرت محكمة المديرية قرارها بتعديل نفقة العدة لتكون 7 جنيه شهرياً وتأييد الحكم فيما عدا ذلك وبنت حكمها بأن المستأنف قد عجز عن إثبات ما يدعيه وأعرض عن يمينها كما أن ما يدعيه فيما يختص بالصداق أقل مما تدعيه وقد أثبتت المستأنف ضدها دعواها الزيادة في مقدار الصداق في القضية الابتدائية وحيث أن بينة الزيادة مقدمة على بينة النقصان في ترجيح البينات وأنهما قد اصطلحا على نفقة العدة.
بتاريخ 1/7/1979م طعن الطاعن بالنقض لهذه المحكمة وادعى فيما يختص بالصداق بأن الحكم لم يبن على أسباب صحيحة حيث أن صداقها 30 جنيه وقد دفعه وطلب إلغاء الحكم وقد أعلنت المطعون ضدها.
( الأسباب )
قدم الطعن في ميعاده القانوني فهو مقبول شكلاً وفي الموضوع فإنه بالرجوع لمحضر القضية الابتدائية وضح أن المحكمة ذكرت أن شهادة الشاهدين كانت على اليمين ولم تذكر أن الشهادة أخذت بعد تحليف الشاهدين اليمين وهذا خطأ – كما أن الشاهد الأول لم يشير في شهادته على أن المبلغ كان صداقاً وقد جاء في شهادته بأن المدعية تريد مبلغ مائتي جنيه والمدعى عليه يقول لك مائة ولم يشر لا من بعيد ولا من قريب بأن المبلغ صداق. وعليه فإن شهادته بهذا الشكل لم تطابق الدعوى إذ ربما يكون ما أقر به الطاعن من مال يخص مبلغ آخر.
هذا وأن محكمة المديرية لم تلاحظ ذلك وعليه فترى إعادة القضية للمحكمة الابتدائية للسير من جديد فيما يختص بمؤخر الصداق.
( لهــــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين فيما يختص بمؤخر الصداق وإعادة القضية للمحكمة الابتدائية للسير في ذلك من جديد على ضوء الأسباب وتأييد الحكم فميا عدا ذلك.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية بطلب إدخال وارث
قرار النقض نمرة 187/1979
الصادر في يوم الخميس 25 ذو القعدة سنة 1399هـ
الموافق 15/11/1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الإجراءات – إدخال وارث – قيمة نصيب المدعى تقرير الرسوم – لائحة الرسوم الشرعية.
إذا ادعى مدعى بإدخاله في ميراث متنازع فيه فتقيد له قضية بمقدار ما يستحقه بصفة دعواه من قيمة التركة وتحتسب عليها الرسوم طبقاً لما هو مقرر بجدول لائحة الرسوم الشرعية. ولا يلتفت إلى طلبه بأن يعامل برسوم إثبات الوفاة وانحصار الإرث فقط.
( الوقـــائع )
أصدرت محكمة الخرطوم الشرعية الإعلام 497/1977 بوفاة المرحوم وانحصار إرثه في والدته وأشقائه الثلاثة البلغ دون سواهم وقسمت تركته لهم حسب الفريضة الشرعية. صد الإعلام في 20/10/1977م.
في 26/3/1978م تقدمت الطاعنة بواسطة محاميها بعريضة طالبة إدخالها في الإرث باعتبارها زوجة للمتوفى وذكرت أن نصيبها بعد ثبوت إرثها ربع التركة ومقداره 67.550.118 م. ج وأمر القاضي بالخرطوم بتصريح الدعوى وبتحصيل الرسوم واتضح للمحكمة فيما بعد أن قيمة التركة المحصورة بلغت أربعة ملايين من الجنيهات فأمرت المدعية بدفع الرسوم لنصيبها الذي تطالب به وهو مليون من الجنيهات.
طالبت محاميها بمعاملة موكلته بالمادة 13 من قانون الإجراءات المدنية وهو 1000 جنيه كحد أقصي وأيضاً المادة 9 من الأمر السادس بالجدول الأول بالإجراءات المدنية 1974م لإعفاء موكلته من الرسم أو جزء منه أصدرت المحكمة قرارها بالآتي :-
1- أن تكون الدعوى بما يتساوى مع قيمة التركة وبمبلغ 1.206.257.957 مليمجـ.
2- أن تدفع المدعية الرسوم حسب لائحة رسوم المحاكم الشرعية.
3- أن تكمل دفع الرسم المطلوب حسب قيمة الدعوى.
صدر هذا القرار من محكمة المديرية الشرعية الخرطوم حضورياً في 24/9/1978 وتقدمت المحكوم ضدها بالطعن بالاستئناف أمام محكمة الاستئناف بالخرطوم وفي 8/10/1979 وقد أسس الطعن بالاستئناف على أن الإعلام الأول بالوفاة وانحصار الإرث تحصيل رسمه 250 مليم فكل الورثة دفعوا 250 مليم لإثبات إرثهم فلا عدل في مطالبة المستأنفة نحو عشرين ألفاً من الجنيهات لإثبات إرثها تم أن الإعلام لم يدخل فيه تقسيم التركة فلا معنى لدخول قيمة التركة في القضية. ثم مضى إلى أن القول أن الواجب أن يحكم الفقرة 13 من الأمر السادس الجدول الأول بقانون الإجراءات لسنة 1974 والتي تجعل الحد الأقصى للرسم مبلغ ألف جنيه لأن لائحة الرسوم الشرعية المعمول بها خالية من ذكر أي حد أعلى للرسوم.
قررت محكمة الاستئناف شطب الطعن إيجازياً وجاء في الأسباب أن المستأنف يوجد نزاع في إرثها ولا يثبت إلا بقضية فلا بد من دفع الرسوم وأن اللائحة الواجبة التطبيق هي لائحة رسوم المحاكم الشرعية وليس الجدول الأول لقانون الإجراءات الذي هو خاص بالقضايا المدنية ، ورسوم قضايا المحاكم الشرعية لا يوجد لها حد أعلى لأنها نسبة مئوية. صدر قرار الاستئناف في 27/2/1979 وأعلن الطاعن 20/6/1979م.
وفي 14/7/1979 قدم محامي الطاعنة عريضة الطعن بالنقض وطلب إلغاء حكم الاستئناف وقال أنه يؤيد مذكرة الاستئناف ويزيد على ذلك أن الرسم لا يصح أن يكون سبباً في منع الحق وأن قانون الإجراءات غير لائحة الرسوم وجعل الحد الأدنى للرسم 1000 جنيه وأن القاضي سبق أن صرح بالدعوى فكيف جاز له العدول عن ذلك بعد أن اكتسب حقاً ثم أن طلب الإعفاء لا يزال قائماً.
رد محامي المطعون ضدهم على عريضة الطعن بالنقض بأن الطعن أولاً قدم بعد فوات المدة القانونية لأنه لم يقدم إلا في أغسطس 1979 وإن كانت عريضة الطعن عمل تاريخها سابقاً. ثم مضى إلى القول أن محامى الطاعن طلب الإعفاء من الرسوم ثم عدل عنه حين طلب التحقيق مع موكلته واستعد لدفع الرسوم ومفروض أن يدفع الرسوم كاملة حسب لائحة الرسوم للمحاكم الشرعية لأن المادة (1) من الجدول الثاني لقانون الإجراءات صريحة بأن يعمل بما في الجدول الأول بما لم ينص عليه في الثاني وقد نص في الأول على أن الرسوم خاصة بالمحاكم المدنية وأن جدول الرسوم للمحاكم الشرعية هو الذي ينطبق على الدعوى.
( الأســباب )
الطعن استوفى إجراءاته الشكلية إذ أن الحكم المطعون فيه في صدر 20/6/1979 وقدمت عريضة الطعن بالنقض في 14/7/1979 وقبلت هذه العريضة على أن تدفع الرسوم خلال أسبوعين وقد دفعت الرسوم في 2/8/1979 وبذلك يكون الطعن مقبولاً وقدم في ميعاده القانوني وفي هذا رد على قول محامي المطعون ضده بأن الطعن قدم بعد فوات المدة القانونية وفي الموضوع فإن الفقرة (1) من الأمر السادس من الجدول الأول صريحة في أن الرسوم المقررة من جدول الرسوم خاصة بالدعاوى والإجراءات أمام المحاكم المدنية ولا تسرى على قضايا الأحوال الشخصية أمام المحاكم الشرعية لأن هذه القضايا تحكمها لائحة الرسوم للمحاكم الشرعية ويجب أن تدفع الرسوم طبقاً لهذه اللائحة ولا يجوز العدول عن ذلك وبناء على ما تقدم فإن الحكم بإلزام الطاعنة بدفع الرسوم المقررة حسب القانون المطبق بالمحاكم الشرعية جاء صحيحاً وسليماً.
( لــــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمّد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ حنفى إبراهيم أحمد قاضي محكمة الاستئناف
منتدب بالمحكمة العليا عضواً
قضية هبة لذي رحم محرم
قرار النقض نمرة 194/1979
الصادر في يوم الأحد 6 المحرم سنة 1400هـ
الموافق 25/11/1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الهبة – الإجراءات – التحقيق الغير مُجدي – التقيد بوقائع الدعوى.
مما يؤخذ على المحكمة أن تقحم نفسها في تحقيق غير مدى ويتعين عليها ألا تتعدى حدود وقائع الدعوى إلى ما لا طائلة فيه.
( الوقائع )
رفع الطاعن القضية الابتدائية 182/1977 محكمة بربر الشرعية ضد المطعون ضده طالباً رد هبة قيمتها 250 جنيه وشرح دعواه وأجاب المدعى عليه عليها وقررت المحكمة رفض الدعوى واستأنف الطاعن قرار المحكمة الابتدائية أمام محكمة المديرية الشرعية بالدامر وأيدت محكمة المديرية قرار المحكمة الابتدائية إيجازياً وتقدم الطاعن بعريضته طالباً الطعن في الحكم عن طريق النقض وأعلنت العريضة وجاء الرد عليها وعند نظر القضية اتضح أن المحكمة الابتدائية لم تستفسر عن صحة التسجيل من التسجيلات ولا عن القيمة من الجهة الرسمية وقررت المحكمة العليا إلغاء الحكمين الابتدائي والاستئنافي وإعادة القضية للسير فيها من جديد على ضوء الأسباب التالية التي جاء بها أن المحكمة لم تستفسر عن صحة التسجيل ولم تبحث عن الإشهاد الذي حصلت به الهبة وما مقداره وأنها لم تتحر عن قيمة العقار إذ ربما كانت القيمة أكبر مما قدم به الطاعن وبما أن الحكم بغير معرفة ذلك يعتبر ناقصاً.
وأعيدت القضية لمحكمتها للنظر مرة أخرى وأعلن طرفي الدعوى وتحرت المحكمة عن صحة المسجل باسم المدعى عليه بالساقية 121 كنور وقيمته وجاءتها إفادة تسجيلات بربر بخطابها نمرة 22/1 عمومي رقم 3/11/78 تفيد بأن المسجل باسم المدعى عليه هو خمسة أعواد بالساقية 121 جزيرة كنور آلت إليه بالهبة بالإشهاد 98/1967 وخالية من الموانع المسجلة كما أفاد شيخ قرية كنور بخاطبه رقم 17/12/1978 بأن قيمة العود بالساقية 121 جزيرة كنور يساوى 50 جنيه وأن جملة قيمة المدعى به هو 250 جنيه.
كما اطلعت المحكمة على الإشهاد 98/1967 محكمة بربر الذي تضمن أن الطاعن وهب قطعاً زراعية لزوجة ابنه وأبناء ابنه ومن ضمنهم المدعى عليه وقد وهب له المدعى بهذا الإشهاد خمسة أعواد بالساقية 121 كنور هبة لوجه الله وبغير عوض ودون شروط أو قيد.
وفي إعادة السير في القضية ادعى الطاعن بأنه سبق أن وهب لابن ابنه نسباً وهو المدعى عليه وهب له خمسة أعواد بالساقية 121 جزيرة كنور في سنة 1967 وأن ابن ابنة الموهوب له عصاه ولحاجته الشديدة وكبر سنه فإنه يطلب رجوعه عن الهبة وإعادة تسجيل الخمسة أعواد باسمه وأن الهبة كانت بمحض إرادته وكامل قواه العقلية وكانت بإشهاد رسمي.
وصادق المدعى عليه أن جده لأبيه وهب له ما ادعى به وأن الهبة كانت بمحض إرادته وكانت دون قيد أو شرط وأنكر أن الواهب محتاج لهذه الأرض لأنه يملك أرضاً غيرها ويكسب منها ما يكفيه وطلب رفض دعواه. وصادق المدعى على أنه يملك أراضي غير الأرض المدعى بها إلا أن ريعها لا يكفيه وتحرت المحكمة من التسجيلات عما يملكه الواهب من أراضي زراعية غير الأرض الموهوبة فجاء ردها بأنه يمتلك أراضي زراعية غير الأرض الموهوبة وضحت بكتاب التسجيلات وطلبت المحكمة من المدعى عليه إحضار بينة فجاء بشاهدين شهدا بأن المدعى يقوم بزراعة أراضيه التي تدر عليه دخلاً لا بأس به. وأصدرت المحكمة الابتدائية قراره في 13/2/1979م برفض الدعوى.
وجاء في أسبابها أن الهبة كانت بموجب إشهاد رسمي دون قيد أو شرط وأنها كانت بمحض الإرادة والاختيار كإقرار المدعى وحيث أن الهبة لذي رحم محرم وفي 19/2/1979 تقدم الطاعن باستئناف لهذا الحكم أمام محكمة المديرية بالدامر وفي مرحلة الاستئناف كرر الطاعن دعواه التي ذكرها أمام المحكمة الابتدائية وذكر أن ابن ابنة الموهوب له قد عقه ولم يهتم به وطلب إلغاء الحكم الابتدائي والحكم له برد الموهوب – وأجاب المطعون ضده في هذه المرحلة بأن الواهب غير محتاج وأنه قد قبض الهبة بزراعتها منذ سنة 1967 واستخرج شهادة بحث بها باسمه وطلب رفض استئنافه وتأييد الحكم الابتدائي.
وأجلت المحكمة الدعوى لمراجعة محضر القضية الابتدائية وبعد مراجعة محضر القضية الابتدائية قررت في 14/7/1979م قبول الاستئناف شكلاً وتأييد الحكم الابتدائي ورفض الاستئناف وجاء في أسبابها أن المستأنف وهب للمستأنف ضده بكامل قواه العقلية بموجب الإشهاد الشرعي 98/1967 محكمة بربر 5 أعواد بالساقية 121 جزيرة كنور وأن المستأنف جد الموهوب له أب أبيه نسباً فهو ذو رحم محرم وحيث أن المادة 520 من كتاب الأحوال الشخصية لمحمد زيد الأبياني تقول (من وهب لذي رحم محرم منه ولو ذمياً أو مستأمناً أو غير مستأمن فلا رجوع له عليه (لذا وجب تأييد الحكم الابتدائي.
في 26/7/1979م تقدم الطاعن بعريضة طالباً نقض هذا الحكم ولم يذكر سبباً بعريضته سوى أنه مظلوم من حكم محكمة الدامر وأعلنت العريضة ورد المطعون ضده على عريضة الطعن أن الطاعن وهب له الأرض وبدون إكراه وكان الهبة بطوعه واختياره بموجب إشهاد رسمي وأن الطاعن غنى لأنه يملك أراضي زراعية غير الموهوبة وله جنينة ومشروع زراعي وله أولاد يعملون بالتجارة وطلب رفض الطعن.
( الأسباب )
الهبة موضوع الدعوى صدرت بإشهاد شرعي ولم يطعن في هذا الإشهاد كما أنه أقر بأن الهبة كانت بطوعه واختياره وأقر بقبض الموهوب له للموهوب وبذلك اكتملت شروط الهبة. وأن المنصوص عليه شرعاً أن الواهب لا يحق له الرجوع في الهبة إذا كان الموهوب ذو رحم محرم من الواهب وأن الموهوب له في هذه الدعوى ابن ابن الواهب نسباً وعليه فقد وقع حكم المحكمة الابتدائية صحيحاً ومطابقاً للنص وأن تأييد محكمة المديرية لهذا الحكم وقع صحيحاً أيضاً وقد أوردت النص كاملاً وهو المادة (520) من كتاب الأحوال الشخصية للشيخ محمد زيد الأبياني وتأخذ على المحكمة الابتدائية أنها أقحمت نفسها في تحقيق غير مجد بالدعوى حين أخذت تحقيق في فقر وغنى الواهب وكسبه لأن الحاجة وعدمها لم تكون مسوغاً للرجوع في الهبة ، وأن الطاعن لم يأت في عريضته بشيء يخالف الوقائع في المرحلتين.
( لـذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه.
( المحكمــة العليــا )
القضــــاة:
سعادة السيد هنري رياض سكلا قاضي المحكمة العليا رئيسا
سعادة السيد صالح محمد وهبي قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضوا
نقابة موظفي شركة مواصلات الخرطوم الطاعن
ضــد
عوض الأمين سالم وآخرين المطعون ضده
(م ع/ط م/12/1979م)
المبادئ:
قانون نقابات العمل لسنة 1971 – تعريف الموظف- يشمل مفتشي البصات- المادة 3.
1-أن تعريف الموظف في المادة الثالثة من قانون نقابات العمل لسنة 1971 ينطبق على المفتشين الأوائل باعتبارهم يقومون بأعمال ذهنية وأعمال ذات طابع إداري، فهم يشرفون على عمل الكماسرة ويقومون بتفتيش التذاكر ومراقبةالبصات وتوجيه الركاب والاستماع إلى شكاواهم إلى غير ذلك.
رأي مخالـــف:
2-ولما كان عمل المفتشين الأوائل قل وصولهم لهذا المستوى عملا يغلب عليه الطابع اليدوي وكمان التصاقهم بالعمال اليدويين أكثر وأقوى كما أن عملهم الحالي لا يعدو أن يكون جزءا لا يتجزأ من عمل مفتشي التذاكر العاديين وان تميز عنه في جانب ضئيل هو تكثيف عملية الرقارة والتفتيش وبهذا يقيدوا ضمن نقابة العمال في معنى قانون نقابات العاملين لسنة 1967.
المحامـــون:
جلال بغداي عن الطاعنة
محمد عبد الرحمن الوسيلة عن الطاعنة
(الحكـــم)
28/10/1979:
القاضي محمد محمود أبو قصيصة:
أصدر الأمين العام للنقابات قراره بشطب أسماء مفتشي التذاكر والمفتشين الأوائل من قائمة نقابة موظفي شركة مواصلات الخرطوم باعتبارهم عمالا. وبذلك أبعدت أسماء المذكرين من قوائم الناخبين في نقابة الموظفين.
تقدم المفتشون والمفتشون الأوائل بطعن أمام محكمة الاستئناف يطالبون فيه بإبطال قرار الأمين العام للنقابات وإعلان الطاعنين موظفون واعتبار الانتخابات التي أجريت باطلة وحل لجنة نقابة موظفي شركة مواصلات الخرطوم.
رأت محكمة الاستئناف أن الطاعنين أمامها موظفون وأصدرت أمرها بإلغاء القرار المطعون فيه. أما بطلان الانتخابات فرأت المحكمة أن الجهة التي تقرر فيه ابتداء هي الأمين العام للنقابات.
تطعن الآن نقابة موظفي شركة مواصلات الخرطوم في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف. وهي ترى أن المفتشين والمفتشين الأوائل ليسوا موظفين وهذه هي النقطة الوحيدة التي يدور حولها الطعن والطرفان يحتكمان للمادة 3 من قانون النقابات العمل لسنة1971 التي يجئ فيها تعريف العامل والموظف وهي تقرأ:-
عامل: يقصد به أي شخص يقوم بعمل يدوي أو شبه يدوي ماهرا كان أو غير ماهر.
موظف: يقصد به أي شخص يقوم بعمل ذهني فنيا كان أو كتابيا أو إداريا والأسباب التي تسوقها الطاعنة هي:
1- إن عمل المفتشين والمفتشين الأوائل يبدأ منذ بداية عمل المركبات وينتهي بنهاية العاشرة مساء.
2- أن طبيعة عمل المفتش هي تفتيش علم الكمساري وأن المفتش أو المفتش الأول يقوم بعمل الكمساري في بعض الحالات.
3- إن طبيعة عمل المطعون ضدهم تشابه عمل الكمساري وليس لهم مكاتب في الشركة يؤدون فيها عملا ذهنيا.
4- إن المطعون ضدهم يتقاضون أجرا إضافيا وهذا لا ينطبق على الموظفين.
5- إن المطعون ضده لا يحملون مؤهلات علمية.
6- إن الترقيات بالنسبة للمفتشين والمفتشين الأوائل والكماسرة تصد من نقابة العمال بالشركة بع التشاور مع الإدارة.
7- لا تنطبق على الشركة درجات الخدمة العامة وإنما لها لائحة منفصلة.
ويرد المطعون ضدهم بأن معظم الفقرات من الأولى إلى السادسة لم يرد لها ذكر في البينات. ويردون أن حكم محكمة الاستئناف سليم ويطلبون تأييده.
ونوافق المطعون ضدهم في أن هناك أشياء لم ترد في البينة كمواعيد العمل والمكاتب وتوصيات الترقيات. وصحيح أن الشركة لائحتها المنفصلة المختلفة عن درجات الخدمة العامة.
لدق ذكر الطاعنون أن المطعون ضدهم يتقاضون أجرا إضافيا. وهذا ليس بصحيح. فقد شهد شاهد الادعاء الأول بأن المطعون ضدهم لا يتقاضون أجرا إضافيا وإنما الذي يتلقى الأجر الإضافي هو الكمساري. وشهد بذلك شاهد الدفاع الثاني الذي زاد الأمر توضيحا بقوله أن الأجر الإضافي للكمساري ولكن المفتش يتقاضى بدل وردية وبدل عطلة. وشهد شاهد الادعاء الرابع وقد كان مدير الإدارة لشركة مواصلات العاصمة بأن المفتشين يتقاضون حوافز وليس أجرا إضافيا.
وأوضح شاهد الدفاع الثاني بأن قانون المعاش يسري على المفتشين باعتبارهم موظفين إذن فقول الطاعن في الأجر الإضافي يخالف ما أوردته البينة التي أبانت أن المفتشين لا يتقاضون أجراء إضافيا وذهبت إلى أبعد من ذلك حين أوضحت أن المفتشين يتقاضون معاشا.
وقد رأت محكمة الاستئناف أن تعريف الموظف في المادة الثالثة ينطبق على المفتشين والمفتشين الأوائل باعتبار أنهم يقومون بأعمال ذهنية وأعمال ذات طابع إداري. فهم يشرفون على عمل الكماسرة ويقومون بتفتيش التذاكر ومراقبة البصات وسيرها وتوجيه الركاب والاستماع إلى شكاواهم إلى غير ذلك.
وقد رأت محكمة الاستئناف أن قيام المفتش يعمل الكمساري إذا اقتضت الضرورة لا يغير من طبيعة عمله أن صح أن المفتش يقوم بذلك.
ونرى أن ما حكمت به محكمة الاستئناف صحيح على ضوء تعريف المادة الثالثة للموظف والبينات الواردة، ونرى لذلك شطب الطعن وتأييد حكم محكمة الاستئناف.
مذكرة برأي مخالــف:
القاضي هنري رياض سكلا:
قبل الفصل في أسباب الطعن نرى أنه يتعين التنبيه إلى أن دعوى المطعون ضده يوصف كونهم مفتشين أوائل ومفتشي تذاكر قد اتسمت ببعض الغموض والإبهام من حيث الصفة المقامة بها الدعوى. ذلك لأن الدعوى فيما يبدوا ليست دعوى جماعية من جميع المفتشين والمفتشين الأوائل إذ أن الدعوى أقامها أربعة عشر شخصا من المفتشين الأوائل ولذلك جاز قبول الدعوى على عدد منهم للمطالبة بإعلان أنهم ضمن نقابة الموظفين فإنه لا يجوز لهم رفع دعوى أو المطالبة بشيء من ذلك بالنسبة للمفتشين إذ ليس هناك ادعاء بالنيابة عنهم أو توكيل صادر من أي من المفتشين لإقامة مثل هذه الدعوى بل أكثر من ذلك فليس في الأدلة ما يقنع بوضوح أن عمل المفتشين عمل ذهني وليس عملا يدويا. ولا يؤثر ذلك على صفة التقاضي في هذا المنحنى فحسب بل أنه يدل –فيما يبدو عليه- على أن مشكلة المفتشين قد أقحمت قسرا على الدعوى.
ولما كان يبدو من ا لأدلة عدد المفتشين الأوائل كان أربعة عشر شخصا ثم أصبح الضعف تقريبا فيما بعد في حين أن عدد المفتشين يقارب أو يجاوز المائة أي أنه أضعاف مضاعفة لعدد المفتشين الأوائل، فإن ذلك يرجح الاعتقاد بأن الغالبية من طائفة المفتشين قانعة وراضية بالانضمام إلى صفوف نقابة العمال. وهي قرينة من بين القرائن الأخرى التي تؤخذ في الاعتبار لدى تقرير دعوى المطعون ضدهم إذ ظاهر من مطالعة الأوراق أنه لم يتقدم أحد المفتشين للإدلاء بأقواله أصالة أو نيابة عن غيره من المفتشين في جانب الادعاء.
يثير هذا الطعن مسالة دقيقة تتعلق بالتفرقة بين العامل والموظف أي بين العمل اليدوي والعمل الذهني. ولوعي المشرع بصعوبة التفرقة بين العامل والموظف أي بين العمل اليدوي والعمل الذهني، ولوعي المشرع بصعوبة التفرقة فقد عرف قانون نقابات العاملين لسنة 1977 العامل بأنه (أي شخص يقوم بعمل يغلب عليه الطابع اليدوي سواء كان ماهرا أو غير ماهر (كما عرف الموظف (بأنه أي شخص يقوم بعمل يغلب عليه الطابع الذهني سواء كان فنيا أو كتابيا أو حسابيا (وما ذهب إليه المشرع يتوافق مع الواقع والمنطق والتجارب العلمية إلى حد كبير إذ أن أي عمل يدوي يقوم به الإنسان يتطلب بالضرورة نشاطا ذهنيا وأن أي نشاط يتطلب استخدام جزء أو أجزاء من جسم الإنسان ولعل ذلك ما حدا بالمشرع إلى إطلاق كلمة (العاملين) على (العمال والموظفين والمهنيين).
ولما كانت التفرقة بين العمل اليدوي والعمل الذهني في غابر الأزمان مقصود بهم التمييز بين طبقة العاملين اليدويين وغيرهم ممن يستخدمون أذهانهم اعتبار إلى سمو العمل الذهني على العمل اليدوي من حيث المكانة الاجتماعية والأجر ومجالات الترقي في العمل، فإن هذه التفرقة لا تعدو أن تكون ظاهرة من تراث الماضي، ولذلك فإن اتجاه التشريعات الحديثة هو التقريب بين العمل اليدوي والعمل الذهني ومحاولة التسوية بين العاملين.. والموظفين والمهنيين بحيث لا يؤثر نوع العمل على الحقوق والواجبات لكل منهم بوجه عام ولذلك فلا محل لنظرة الاستعلاء القديمة من جانب الموظفين أو المهنيين في مواجهة زملائهم العمال كما أنه لا محل للإحساس بالنقص أو الشعور بالتبعية من جانب العمال في مواجهة زملائهم الموظفين والمهنيين وبوجه أخص في مجال العمل العام. مثل النقابات.
وعلى هدى من هذا النظر لا أرى أن انضمام الشخص إلى نقابة العمال أو نقابة الموظفين يتحدد بالضرورة بمدى الامتيازات التي يجدها كل منهم ولكنه يخضع أساسا لنظم العمل وواقع العمل في مجرى الحياة اليومية تحقيقا لأغراض قانون نقابات العاملين لسنة 1977بالذات وعلى وجه التحديد باعتبار أن العمل في النقابات مقصود به الخدمة الاجتماعية العامة لصالح الفريق الذي ينتمي إليه العامل أو الموظف. ولا يعني ذلك أن يكون هناك تعارض أو تصادم بين مصالح العامل والموظف بل أن المقصود من ذلك هو إنصراف كل فريق في الاعتبار الأول لتحقيق ما يتفق ومصالحه على أن يعمل مع الفريق الآخر في تناسق لاشتراك مصالحهم في كثير من النواحي.
ولما كان عمل المفتشين الأوائل قل وصولهم إلى هذا المستوى عملا يغلب عليه الطابع اليدوي ودون جدال من جانبهم وكان التصاقهم بالعمال اليدويين أكثر وأقوى كما أن عملهم الحالي لا يعدو أن يكون جزءا لا يتجزأ من عمل مفتشي التذاكر العاديين وأن تميز عنهم في جانب ضئيل هو تكثيف عملية الرقابة والتفتيش وأن على المفتشين الأوائل التصدي لأعمال التفتيش لدى غياب المفتشين لأي عذر طارئ، بل للقيام بأعمال الكماسرة في حالات الطوارئ والضرورة، فإنه لما يتفق والواقع العملي وروح قانون النقابات وأغراض الانضمام إلى الفريق الذي ينتمي إليه الشخص عبر ماضيه الطويل والتصاقه الحميم به طوال سني الخدمة والنضال اعتبارا المفتشين الأوائل الطاعنين –من ضمن نقابة العمال، في معنى قانون نقابات العاملين لسنة 1977 ولعل مما يؤيد هذا النظر رضاء المفتشين بواقع انضمامهم لنقابة العمال. إذ لم يتقدموا بدعوى في هذا الشأن ولم يصدر منهم ما يدل على عدم موافقتهم على ما يبين من الأدلة وما سبق ذكره من قبل في هذا الخصوص.
ولما كان الحكم المطعون فيه قد خالف هذا النظر فإنه في نظري قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه.
مما يتعين معه نقضه، والأمر بشطب دعوى المطعون ضدهم ولا أمر بشأن الرسوم.
القاضي صالح وهبي محمد :
مع احترامي لما جاء في مذكرة الزميل هنري رياض فإنني أتفق مع الزميل أبو قصيصة في أن تعريف الموظف في المادة الثالثة ينطبق على المفتشين والمفتشين الأوائل باعتبار أنهم يقومون بأعمال ذهنية وأعمال ذات طابع إداري فهم مكلفون بكتابة التقارير والإشراف على عمل الكماسرة والقيام بتفتيش ومراقبة البصات وسيرها وتوجيه الركاب مما يتطلب في أغلب الأحيان أعمال الذهن وقد جاء في أقوال مساعد المحافظ للحكم الشعبي المحلي أن طبيعة عمل المفتشين والمفتشين الأوائل المراقبة والإشراف العام وبعض الأعمال الإدارية الخاصة بتفتيش التذاكر ومراجعتها وأن التفتيش كانوا في المدى السابع والثامن من لائحة موظفي الحكم الشعبي المحلي حتى أنشئت شركة مواصلات العاصمة في سنة 1974.
غير أن الطعن يكتنفه الغموض من حيث مقدمي الطعن ففي الوقت الذي نجد أن القرار فيه قد حدد أربعة عشر شخصا من المفتشين الأوائل تضمنت مذكرة الطعن المفتشين والمفتشين الأوائل دون تحديد لعددهم أو ذكر لأسمائهم ولا يبين من الأوراق أن أحدا من المفتشين قد تضرر أو طعن في القرار الإداري الصادر بشأنهم ولذلك أرى أن يقتصر الحكم على المفتشين الأوائل الذين طعنوا في القرار وينسحب على المفتشين الأوائل الذي انضموا بعد ذلك.
القاضي هنري رياض سكلا:
لكل ما ذكر من أسباب يكون الأمر النهائي وفق ما يمكن أن يستخلص من رأي الأغلبية ما يلي:-
1- نقض الحكم المطعون فيه جزئيا فيما يتعلق بإعلان المفتشين موظفين وفقا للمادة 3 من قانون النقابات العاملين لسنة 1977 وتأييده فيما قضى به من إعلان المفتشين الأوائل موظفين وفقا للقانون المذكور.
2- لا أمر بشأن الرسوم.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب قاضي القضاة رئيساً
صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا عضواً
صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرازق محمد مختار قاضي المحكمة العليا عضواً
قضية طلب طلاق ونفقة
قرار النقض نمرة 205/1979
الصادر في يوم الثلاثاء 9 المحرم سنة 1400هـ
الموافق 18/12/1979
المبادئ:
الأحوال الشخصية للمسلمين – الإجراءات – توضيح أسباب طلب إعادة التحقيق الابتدائي. بحث الدفوع المنتجة – يسار الزوج شرط لازم لسابق نفقة الزوجية.
على محكمة الاستئناف متى قررت إعادة القضية للمحكمة الابتدائية للتحقيق فيها من جديد أن توضح في قرارها الأسباب الشرعية والإجرائية المبررة لذلك للسير على ضوئها.
الحكم بنفقة زوجية سابقة يشترط فيه فقهاً التحقيق في ثبوت يسار الزوج خلالها.
متى ثبت شرعية منزل الزوجية لدى المحكمة فليس من حقها أن تتجاهل الدفوع المنتجة كدفع الزوج بخروجها منه بلا مبرر.
( الوقـــائع )
رفعت الدعوى الابتدائية أمام محكمة الخرطوم الشرعية بطلب طلاق للإعسار ونفقة عدة وجاء في دعوى المدعية أن المدعى عليها زوجها وفي عصمته وطاعته ورزقت منه ببنتها ............ وعمرها 2 سنة وقطع عنها النفقة من يونيو 1976 إلى أكتوبر 1977 ومن مارس 1978 إلى الآن وطلبت طلاقها منه للإعسار ونفقة بنتها.
المدعى عليه صادق على الزوجية وبنوة البنت ولم يمانع من نفقة البنت وقدر لها ما لم ترض به ودفع دعوى الطلاق للإعسار بأن المدعية خرجت من منزله بواسطة والدها بدون إذن وكانت قبل ذلك لا تقم معه إلا في فترات كان يتفق عليها خلال ذلك.
أصرت المدعية على دعواها فطلبت المحكمة من المدعى عليه بينة على قيامه بالإنفاق ومن المدعية بينة على تقدير النفقة وفي الجلسة التالية عدلت المدعية دعواها الطلاق للإعسار بطلب النفقة الزوجية من تاريخ قطعها يونيو 1976 وقالت أنها لم تستلم منه طيلة الفترة الماضية إلا مائة جنيه – طلب المدعى عليه أخذ أقوال شهود على النشوز فأخذت أقوالهم بواسطة محكمة بورتسودان فشهدوا بالمنزل الشرعي لوم يشهدوا بخروج المدعية بلا إذن ولا بالإنفاق.
ثم قالت المدعية بعد سؤال المحكمة أنها خرجت من منزل الزوجية بإذن من الزوج وسافرت إلى مدني واستخرج لها تصاريح ولم يعطيها مصاريف العودة صادق المدعى عليه على أنه استخرج لها تصاريح السفرية وأنه لم يطلب منها العودة كما ذكرت المدعية بأن منزل المدعي عليه عبارة عن حجرتين تقم هي في واحدة ووالدة زوجها وإخوانه يقيمون في الأخرى وقد حصل بينها وبينهم مشاكل ووافق على أقوالها المدعى عليه.
أصدرت المحكمة حكمها بالنفقة الزوجية 17 ج شهرياً لجميع اللوازم بما فيها الكسوة ابتداء من 20/10/1976 وبنفقة البنت 12 ج بما فيه الكسوة اعتباراً من 20/3/1979.
صدر الحكم في 31/3/1979 وفي 9/4/1979 طلب المحكوم عليه الاستئناف أمام قاضي المديرية.
وجاء في دعوى الاستئناف أن المحكوم لها لا تستحق النفقة لأنها غير مطيعة لزوجها إذ أنها خرجت من منزل الزوجية ورفضت الرجوع إلى منزل الزوجية مع ذلك فإن المحكمة تجاهلت المبالغ التي دفعها المحكوم عليه ولم يذكر عنها شيئاً مع أن المحكوم لها أقرت بذلك وأن المقادير المحكوم بها كثيرة ولا تتناسب ودخل المستأنف وكثرة عياله وطلب الحكم بإلغاء الحكم الابتدائي بالنفقة الزوجية.
أصدرت المحكمة قرارها بإلغاء الحكم الابتدائي وجاء في الأسباب بأن المحكمة بعد إطلاعها اتضح لها أن التحقيق الذي أجرته المحكمة الابتدائية ركيكاً متناقضاً ثير واضح أهمل جوانب هامة وهو غير صحيح وقررت إعادة القضية للسير من جديد.
صدر حكم الاستئناف في 15/8/1979 وفي 13/9/1979 قدمت عريضة الطعن بالنقض التي ورد فيها أن حكم الاستئناف صدر ضدها في غيبتها وقرر إلغاء الحكم الابتدائي مع أنه صحيح وطلبت إلغاء حكم الاستئناف.
أعلنت العريضة ومضت المدة القانونية للإعلان ولم ترد.
( الأســـباب )
الطعن استوفى إجراءاته وفي الموضوع فإن الوقائع تشير إلى أن المطعون ضده صادق على دعوى نفقة البنت ولم يمانع في فرضها عليه وقدر لها عشرة جنيهات شهرياً وعلى أن يكسوها بنفسه وأن المحكمة بعد بينة الخبراء حكمت عليه بمبلغ 12 جنيه شهرياً بما فيها الكسوة وهذا المبلغ قريب من المقادير التي رضي بها وهو مناسب وتشير الوقائع إلى أن محكمة المديرية في دعوى الاستئناف قررت مع هذا إلغاء هذا الحكم فكيف جاز لها ذلك مع أن الأسباب التي اعتمدت عليها أسباب واهية ولا تبطل حكمها وهي أن التحقيق ركيك في ألفاظه وأسلوبه وحين قررت إعادة القضية للمحكمة الابتدائية للسير فيها من جديد لم يذكر في أسباب واضحة للمحكمة الابتدائية للسير عليها لذا فإن حكمها قد جاء باطلاً إذ لا يمكن إلغاء الحكم – الذي يصدر برضاء المدعى عليه.
وتشير الوقائع إلى أن المحكمة الابتدائية حكمت بنفقة زوجية لمدة سابقة دون التحقيق في يسار المحكوم عليه خلال تلك المدة وهذا شرط لصحة الحكم ودون التحقيق في توفر شروط الطاعة لدى المطعون ضده وهل حين خرجت الطاعنة خرجت بإذنه وهل طلب منها العودة إلى منزل الزوجية أم لا على أن المحكمة أيضاً أغفلت اعتراف الطاعنة أنها استلمت مائة جنيه من النفقة. فالحكم بالنفقة الزوجية دون التحقيق الذي يثبت أن المحكوم لها مطيعة لزوجها ودون إثبات أنه موسر خلال المدة السابقة لرفع الدعوى ودون محاسبة الزوجة على ما استملته من مال وخصمه من المحكوم غير صحيح وتأييد حكم الاستئناف في إعادة القضية للمحكمة الابتدائية للسير فيها من جديد في النفقة الزوجية.
( لـــــذا )
قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء حكم الاستئناف وتأييد الحكم الابتدائي لنفقة البنت وتأييد حكم الاستئناف فيما عدا ذلك.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد محمّد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد أحمد التجانى عبد الهادى قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد حامد أحمد سليمان
م ع/ فحص/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي – من وضع التشريع لحمايته يستبعد من المسئولية الجنائية كمحرض أو شريك.
قانون الإثبات – في جرائم التشرد والتكسب من الدعارة – يجوز الأخذ بسوابق المتهم لإثبات التهمة.
2- إذا كان الغرض من التشريع حماية فئة معينة من الناس فإن ذلك يعنى ضمناً استبعاد المسئولية الجنائية من أي شخص ينتمي إلى تلك الفئة ، حتى ولو كان محرضاً أو شريكاً في الفعل.
1- إن جريمة التشرد والتكسب من الدعارة من الجرائم التي يجوز للمحكمة أن تطلع فيها على سوابق المتهم في هذا المجال قبل صدور القرار في التهمة استثناء من قاعدة عدم الأخذ بالسوابق لأغراض ثبوت التهمة لأن السوابق هنا تشكل جزءاً من الجريمة ذاتها وتدخل في نطاق تكيفها وتحديد درجتها.
ملحوظة المحرر :-
راجع الحكم في السابقة : حكومة السودان ضد فتح الرحمن وآخرين م ع ، ط ج 1976 – نشرة يوليو 1976 – ص 66 حيث ذكرت المحكمة العليا لا يجوز للمحكمة الاستئنافية وفقاً للمبادئ والقواعد الأصولية في القانون الجنائي أن تعدل قراراً بالبراءة إلى قرار بالإدانة إلا بعد اتخاذ إجراءات معينة مثل إعلان المتهم للرد على الطعن أو لإبداء وجهة نظره.
( الحكــــــم )
25/1/1979م
القاضي محمد الفضل شوقي :-
أمام محكمة كبرى برئاسة السيد صديق عبد الحليم تمت محاكمة المتهم حامد أحمد سليمان في الخرطوم وقد أصدرت المحكمة قرارها يوم 10/10/1978 وأدانت المتهم بحرية التعامل في القصر لأغراض الدعارة تحت المادة (310) من قانون العقوبات وبجريمة إدارة منزل للبغاء تحت المادة (5) من قانون مكافحة البغاء لسنة 1976 وحكمت عليه بالسجن لمدة خمس سنوات تحت المادة الأولي وبالسجن لسنة أخرى بعد انتهاء المدة الأولي تحت المادة الثانية.
استأنف محامي المتهم لمحكمة الاستئناف التي ألغت بتاريخ 31/12/1978 الإدانة وأمرت بالإفراج عن المتهم. أمامنا طلب من وكيل نيابة مديرية الخرطوم يلتمس فيه أن تباشر سلطة الفحص التلقائية في هذه القضية بموجب المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية وهي كما تبدو ذات وزن من وجهة نظر الأمن العام وفعالية القوانين التي تصدرها السلطة التشريعية في سعيها الحثيث لإرساء قواعد الأمن والطمأنينة والهدوء والأخلاق بين المواطنين ومحاربة الفساد والانحلال الخلقي بشكل عام.
الوقائع التي اقتنعت المحكمة الكبرى بثبوتها على ضوء ما توفر لديها من بينات وبنت عليها قراراتها يمكن تلخيصها في أن المتهم منزلا بالشارع رقم 57 والدراية التي يعتد بها ويمكن الركون إليها- وعندما يقول أن ما تجمع لديه من ملاحظات ومعلومات تؤكد أن منزلاً معيناً هو منزل للدعارة ويشكل إزعاجاً عاماً في المنطقة أو أن شخصاً معيناً هو حسب سجلاتهم يعد قواداً أو تاجراً من تجار الجنس فإن شهادته هذه مقبولة تماماً وتوضع في الاعتبار مع البينات الأخرى التي يقدمها ولو أنها قد لا تكفى وحدها كأساس للإدانة بتلك الجريمة ويجدر أن نلاحظ هنا أيضاً أن جريمة التشرد والتكسب من الدعارة هي من الجرائم التي يجوز للمحكمة أن تطلع فيها على سوابق المتهم في هذا المجال قبل صدور القرار في التهمة استثناءً من قاعدة عدم الأخذ بالسوابق لأغراض ثبوت التهمة – لأن السوابق هنا تشكل جزءاً من الجريمة ذاتها وتدخل في نطاق تكيفها وتحديد درجتها.
أما عن القواعد الخاصة بنظرية الشريك في القانون الجنائي فيهمنا من بينهما على وجه الخصوص في معرض هذه القضية ما ورد بكتاب سميث وهو قان عن القانون الجنائي بالصحيفة (111) من الطبعة الثالثة عند تعريفهما لمن ينطبق عليهم وصف الشريك في الجرائم ويقولان ما ترجمته :- إذا كان الغرض الواضح من التشريع هو حماية فئة معينة من الناس فإن ذلك يعنى ضمناً استبعاد المسئولية الجنائية عن أي شخص ينتمي إلى تلك الفئة إذا ما وقع ذلك الشخص ضحية جرم ارتكب تحت ذلك القانون حتى لو كان ذلك الشخص المعنى في واقع الأمر محرضاً أو شريكاً أو أنه قد سعى وأتي بذلك الجرم. ثم ضرب المؤلفان المرموقان في مؤلفهما الشهير مثلاً بقضية (ترل) التي قامت فيها فتاة عمرها ما بين الثالثة عشر والسادسة عشر بتحريض شخص على أن يتصل بها جنسياً – وقد ثبتت الجريمة ضد ذلك الشخص تحت المادة (5) من قانون التعديلات الجنائية لسنة 1885 ولكن تقرر أن الفتاة لا يمكن إدانتها بالتحريض أو الإغراء لأن ذلك القانون كان الهدف منه حماية النساء والفتيات ضد ضعفهن والغواية التي تقودها لهن أنفسهن.
على ضوء هذه النظريات والمبادئ والأسانيد نستعرض الآن البينات التي توفرت ونجد أن هنالك عدداً من رجال الشرطة يشهدوا بأن المتهم كان يحتفظ بالمنزل المشار إليه وهو في منطقة هامة من العاصمة ويمكن أن يدر إيجاراً لا يستهان به للشخص العادي – كان يحتفظ به خالياً ولا يسكن فيه ويؤجره وقد جأر سكان الحي بالشكوى من أن المنزل كانت تمارس فيه الدعارة كتجارة – وقد داهم البوليس المنزل وقام بتفتيشه ووجد أنه مؤثث تأثيثاً فخماً وعثر بداخله على فتاة نائمة وفي حالة استرخاء واستقرار تام ولا تدل حالتها أنها كانت مريضة أو أن لها غرضاً يمكن يكون شريفاً واعترفت بأنها تحضر لذلك المنزل للدعارة – هذه الأدلة والقوانين مترابطة لا تتحمل إلا تفسيراً واحداً فقط وهو أن المتهم مالك المنزل (والذي سبق أن أدين بجريمة ممارسة الدعارة تحت الأمر المحلي السابق لقانون مكافحة البغاء) قد كان يستغل منزله المشار إليه في ممارسة لأغراض البغاء وبناءاً عليه يتعين تأييد قرار المحكمة الكبرى بإدانته تحت المادة (5) من قانون مكافحة البغاء لسنة 1976م.
أما عن الجريمة تحت المادة 310 من قانون العقوبات فهي جريمة كما ذكرت محكمة الاستئناف واسعة النطاق ومتعددة الرؤوس ولكن الذي يهمنا فيها فقط عنصر استخدام شخص دون الحادية والعشرين لغرض من الأغراض المنافية للآداب ولسنا في حاجة إلى الخوض في متاهات البيع والشراء أو الحيازة أو التصرف وقد أدلت الفتاة بشهادة واضحة ومستقيمة حازت على ثقة المحكمة تؤكد فيها أن المتهم كان يستخدمها بتقديمها لطالبي المتعة الجنسية ويتقاضى الثمن لذلك وقد قدم البوليس شهادة ميلاد تثبت أن عمر الفتاة أقل من ستة عشر سنة – وإذا كان محامي المتهم يطعن بالتزوير في الشهادة فإن عبء إثبات التزوير يقع على عاتقه وهو لم يقدم أي دليل في هذا الاتجاه وفوق كل شئ فإن المحكمة قد اقتنعت بأن الفتاة قاصر وأنها لا يمكن أن تكون قد بلغت الحادية والعشرين وهي مسألة وقائع تملك المحكمة السلطة التقديرية للتقرير فيها وإقرارها في هذه الناحية يعتبر عادة نهائياً وقاطعاً. هذه الفتاة لم تمثل في البداية أمام المحكمة وقد أخذت المحكمة بأقوالها في التحقيق القضائي ولكنها ظهرت فجأة واتضح أن أهل المتهم قد أحضروها بأنفسهم لتنفى ما سبق أن قالته أمام قاضي الإحالة – وبعد الاستماع لذلك النفي قررت المحكمة التعويل على أقوالها أمام قاضي الإحالة وهو قرار سليم ونستغرب قول محكمة الاستئناف بأن المحكمة الكبرى لا تملك أن ترفض شهادة وردت أمامها وهي لا شك تعلم أن تقييم البينات والموازنة بنيها هو من صميم اختصاصات محكمة الموضوع وقراراتها في هذا الشأن لا يجوز الطعن فيها ما لم تكن مبينة على خطأ فادح أو نتيجة لفساد الاستدلال وقد بنت المحكمة الكبرى رأيها على أن الفتاة إن كانت قد تعرضت لأي ضغوط أو مؤثرات خارجية فإن المنطق يؤكد أنها ضغوط حدثت أخيراً من جانب أهل المتهم لحملها على الرجوع عما قالته من قبل وأن القرائن والمؤشرات كلها تشير إلى أن أقوالها الأولي هي الصحيحة ليس هذا فحسب بل أننا قد طلبنا إجراءات قضية شهادة الزور التي حوكمت فيها هذه البنت أخيراً ووجدنا أنها اعترفت بأن أهل المتهم قد سعوا وراءها وحاصروها مرة بالإغراءات ومرة بالتهديد والوعيد لترجع عما قالته من قبل وتزعم بأن البوليس قد هددها وقد أكدت أن الصدق هو في جانب أقوالها الأولي أمام قاضي الإحالة.
أما عن الفتاة النوباوية الأخرى فإن موضوع عمرها لم يكن محل نزاع وقد اطمأنت المحكمة إلى أنها أقل من الواحد والعشرين – وإذا كانت متشردة فإن هذا لا يحول دون التعويل على شهادتها إذا رأت محكمة الموضوع أنها صادقة فيما تقوله واطمأنت إليها وهذا هو ما حدث ووجه الاعتراض الوحيد الذي تمسكت به محكمة الاستئناف هو أن ما أدلت به يعتبر بينة شريك وقد سبق أن أوضحنا خطأ هذا الرأي.
أقوال هاتين الشاهدتين تثبت تهمة استخدام القصر لأغراض الدعارة تحت المادة (310) من قانون العقوبات فوق كل شك معقول – ونلاحظ هنا أن وقائع هذه الجريمة مع أنها متداخلة مع وقائع الجريمة الأخرى ذات الطابع العام التي أيدنا قرار الإدانة بها إلا أنها قائمة بذاتها وتشكل نشاطاً إجرامياً خاصاً وتستوجب صدور إدانة تتعلق بهذه الجريمة المحددة الخطيرة التي ثبت ارتكاب المتهم لها ونحن نؤيد إدانته بها – ولكن التداخل بين الوقائع لن يكون عديم الأثر تماماً فقد يؤخذ في الاعتبار في مرحلة تفريد العقوبة.
عليه نؤيد قرار الإدانة بموجب المادة (310) من قانون العقوبات ولكنا نرى أن العقوبة تميل إلى الشدة مما يستوجب تخفيضها إلى الحد المعقول بالنظر إلى الحد الأقصى الذي تحدده المادة.
ونؤيد قرار الإدانة وعقوبة السجن لمدة عام سجناً تحت المادة (5) من قانون مكافحة البغاء على أن تسرى العقوبات بالتطابق.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة السيد عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن على أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد محمد أحمد نور الجليل
م ع/ ط ج/ 23/ 1979
المبادئ:
إجراءات جنائية – سلطة المحكمة التقديرية في تعديل ورقة الاتهام المادة 205 المادة 205 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م.
قانون جنائي – ظروف تطبيق المادة 351 (أ) من قانون العقوبات لسنة 1974م – القصد الجنائي – حسن النية – المادة 18 من قانون العقوبات السياسية العقابية – الضوابط التي تتعلق بالردع.
تملك المحكمة سلطة تقديرية في تعديل التهمة إلى ما هو أصغر من التهمة الواردة في استمارة التهمة طالما أن عناصر التهمة المحررة في استمارة الاتهام يشكل بعضها عناصر تهمة أصغر.
المادة 351 (أ) عقوبات أدخلها المشرع في سنة 1974م لتحريم ممارسات عملية لحماية الاقتصاد القومي لدخول الدولة مجال التجارة والتصنيع وذلك بتجريم أفعال الإدارة أو الاستثمار بسوء قصد.
(أ) القصد الجنائي كما تعرفه المادة 18 عقوبات يقوم على ثلاث شعب هي الحصول على كسب غير مشروع للنفس والثانية حصول غيره على كسب غير مشروع وثالثهما تسبيب خسارة غير مشروعة لغيره.
(ب) حسن النية يقتضي بذل العناية والانتباه.
4- عندما تكون عقوبة السجن إلزامية على المحاكم يجب إصدار عقوبة السجن لمدة ملائمة يدخل المحكوم عليه بموجبها السجن فعلاً لا رمزاً ، وعليها أن تراعي ما ورد بالسوابق من ضوابط تتعلق بالردع وتكافؤ العقوبة على الجريمة وسلوك المتهم أثناء ارتكاب الجريمة وسوابقه بحيث تكون العقوبة محققة لهذه الأهداف ، وكذلك سلب المحكوم عليه من المزايا التي حصل عليها من ارتكاب الجريمة.
(الحكـــــم)
7/3/1979م:-
القاضي عمر بخيت العوض :-
هذا طلب للطعن بالنقض رفعه الأستاذ المحامي عمر أبو بكر ضد الحكم الصادر على موكله محمد أحمد نور الجليل الصراف ببنك السودان حيث اتهم بخيانة الأمانة لأنه استلم مبلغ 11.500.000 الموردة بخزانة بنك السودان عن طريق صراف الخطوط الجوية السودانية وقد وجهت له تهمة خيانة الأمانة تحت المادة 351 من قانون العقوبات وأحيل للمحاكمة أمام محكمة كبرى.
وعندما مثل أمامها قضت بإدانته تحت المادة 351 (أ) من قانون العقوبات حيث جاء في أسبابها أنه لم يثبت أن المتهم قد حول هذا المبلغ لمنفعته الخاصة خيانة بقصد الغش وبالتالي رأت أنه تصرف في ذلك المال بغير ما توجيه الحيطة والحذر.
استأنف الأستاذ الطاعن قرار المحكمة الكبرى لدى محكمة الاستئناف على أساسين أولهما خطأ المحكمة الكبرى في تعديل التهمة دون إخطار المتهم بها وهو أمر يراه مخالفاً للقانون لأنه فاجأ المتهم وأخل بدفاعه ومن ناحية موضوعية يرى أن المادة 351 (أ) من قانون العقوبات قصد بها حماية الاقتصاد القومي بإضفاء الحماية على المال العام وتجريم أفعال الذين يديرون ذلك المال أو يشرفون على استثماره ، في حين أن الصراف المتهم لم يعهد إليه بإدارة مال عام أو أوكل إليه استثماره وتنحصر مهمته في استلام المال العام وإيداعه في خزانة الدولة ولا يقوم بأي عملية استثمارية أو إدارية و كلاهما أمر يقتضي القيام بعمليات ونشاط اقتصادي وهو أمر لا يتوف في عمل الصراف أو واجباته ، تلك هي وجهة نظر الأستاذ الطاعن كما أمكن لنا تصورها وكما يبدو لنا أن قصده قد اتجه لهذا المنحى. ولكن محكمة الاستئناف لم تأخذ برأيها كما أوضحنا وقررت حق المحكمة الكبرى في تعديل ورقة الاتهام بناء على المادة 205 من قانون الإجراءات طالما كانت عناصر الجريمة متعددة وكونت بعض تلك العناصر جريمة أخرى اصغر من الجريمة التي وجت بشأنها التهمة. ومن ناحية الموضوع فإنها رأت أن المتهم يعمل صيرفياً وبهذه الصفة يكون أميناً على مال عام يجب عليه توريده لخزينة الدولة وطبيعة عمله تقتضي الحيطة والحذر باتباع الإجراءات السليمة لاستلام المال المورد قبل التوقيع على إيصال الاستلام أو ختمه.
وأمام هذه المحكمة تقدم الأستاذ الطاعن بنفس الأسباب ونرى الإجابة عليها بما يلي :-
أننا نوافق المحكمة الكبرى ومحكمة الاستئناف في السلطة التقديرية الممنوحة للمحكمة في تعديل التهمة إلى ما هو أصغر من التهمة الواردة في استمارة التهمة طالما أن عناصر التهمة المحررة في استمارة الاتهام يشكل بعضها عناصر تهمة أصغر وبهذا يتحقق عدم المفاجأة للمتهم لأن عناصر التهمة الجديدة موجودة في ورقة الاتهام ، وأن الشرط الآخر هو أن تكون الجريمة أصغر من الأولي لأن الذي يدخل في دفاعه ضد جريمة كبرى تحتوى عناصر جريمة أخرى أصغر قد واجه ما هو خطير هو في ذات الوقت يحتوى على الأصغر والعكس غير صحيح لأن الاستعداد للأكبر وبالتالي لا يصح تعديل التهمة إلى جريمة أكبر بل يجب في تقديرنا صياغة تهمة جديدة وسماع رأي المتهم فيها وتمكينه من تقديم ما يراه من أدلة.
هذا من ناحية الشكل ولكن الذي نراه من ناحية الموضوع هو خلاف ما ذهبت إليه المحاكم الأدنى ونرى صحة نظر الأستاذ الطاعن على الوجه الذي عرضناه آنفاً من حيث أن المادة 351 (أ) قد أدخلها المشرع في سنة 1979 لتحريم ممارسات عملية لحماية الاقتصاد القومي في الوقت الذي تزداد فيه هيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي ويتعاظم دور القطاع العام بدخول الدولة في مجال التجارة والتصنيع أو عن طريق المشاركة في الاستثمار.
وهذا النشاط الجديد هو الذي قصد حمايته بالمادة 351 (أ) وهو يتمثل في تجريم أفعال الإدارة أو الاستثمار بسوء قصد والفئة المسيطرة على هذا النشاط هي بدون شك غير فئة الصيارفة التي تقع أفعالهم على طول مدى تطبيق قانون العقوبات تحت المادة 351 عقوبات لأنه لا يتصور إطلاقاً أن أعمالهم فيها طبيعة الإدارة أو الاستثمار وهو أمر يقتضي نشاطاً اقتصادياً يتعلق بتداول تلك الأموال وتنميتها وتخصيصها للخدمات وعليه فإننا نرى عدم توافر أركان المادة 351 (أ) بالنسبة للمتهم وتظل التهمة الصحيحة هي التي وجهت ابتداء تحت المادة 351 عقوبات ولم يكن ثمة ما يدعو لتعديلها لما هو أخف منها.
لقد أقيمت الحجج ضد بطلان الاتهام تحت المادة 351 عقوبات على أساس عدم توفر القصد وأن توقيع المتهم على إيصال الاستلام مع تفقيط وتعريف فئات النقد المستلمة كان مبنياً على ثقة المتهم في صراف الخطوط الجوية السودانية وأنه وقع على الإيصال بتلك الصورة في حين أنه لم يستلم شيئاً.
وفي زحمة هذا الجدل كان على المحكمة الكبرى قبل الوصول على القول بعدم وجود القصد أن تأخذ في اعتبارها تعريف سوء القصد كما ورد بالمادة 18 من قانون العقوبات لأنه يقوم على ثلاث شعب هي الحصول على كسب غير مشروع لنفسه وهو الأمر الذي لم تجده المحكمة الكبرى متوافراً لدى المتهم والثانية حصول غيره على كسب غير مشروع كأن يستفيد صراف الخطوط الجوية السودانية وثالثهما تسبيب خسارة غير مشروعة لغيره وهي حكومة السودان في هذه القضية. ولم تناقش المحكمة الكبرى أن كان تصرف المتهم على تلك الصورة قد سبب خسارة غير مشروعة للدولة فضياع هذا المبلغ وعدم توريده لخزانة الدولة وهو ما نراه متوفراً ويكفي لتكوين عنصر سوء القصد.
ولا يقدح في ذلك أن المتهم قد دفع بحسن النية لأنه كان يثق في صراف الخطوط الجوية السودانية ووقع على إيصال بالاستلام قبل أن يستلم وسها عن الأمر حتى اكتشف .
أن هذا أمر لا يقبل لأن حسن النية يقتضي بذلك العناية والانتباه وقد حددت الإجراءات واللوائح القدر الأدنى من العناية في مثل هذه الشئون وهي التأكد شخصياً من صحة المال قبل التوقيع وهو ما لم يفعله المتهم وبالتالي لم يكن حسن النية.
خلاصة رأينا أن المتهم قد ارتكب جريمة خيانة الأمانة تحت المادة 351 عقوبات باعتباره صيرفياً وهي نفس التهمة التي وجهت إليه في التحقيق القضائي وفي المحكمة الكبرى وبنى عليها دفاعه ومرافعته وأن استعادتها الآن لا تشكل مفاجأة ولا تسبب ضرراً في دفاعه.
وخلاصة رأينا أن الإدانة الصحيحة كان يجب أن تكون تحت المادة 351 عقوبات وليس المادة 351 (أ) عقوبات وعليه نرى إلغاء قرار الإدانة تحت المادة 351 (أ) عقوبات وتعاد الأوراق للمحكمة الكبرى لإصدار قرار بالإدانة تحت المادة 351 عقوبات على ضوء ما وردد بهذه المذكرة.
ونلاحظ أن عقوبة السجن في الجرائم تحت المواد 351 عقوبات و 351 (أ) عقوبات إلزامية وقد صدر منشور رئيس القضاء للمحاكم الأدنى بأن تتوقف عن ممارستها بإصدار العقوبة بالسجن ليوم واحد ينتهي بانتهاء الجلسة وأن هذه المحكمة ترى صحة ما جاء بذلك المنشور ويجب أن ينفذ الحكم دائماً وأبداً بإصدار عقوبة السجن لمدة ملائمة يدخل المحكوم عليه بموجبها السجن فعلاً لا رمزاً.
وعليها أن تراعي ما ورد بالسوابق من ضوابط تتعلق بالردع وتكافؤ العقوبة مع الجريمة وسلوك المتهم أثناء ارتكاب الجريمة وسوابق المتهم بحيث تكون العقوبة محققة لهذه الأهداف وكذلك تسلب المتهم المحكوم عليه من المزايا التي حصل عليها من ارتكاب الجريمة سواء عند توقيع عقوبة أساسية أو بديلة.
أمـــر :-
تلغى الإدانة تحت المادة 351(أ) وتعاد الأوراق لإعادة النظر في قرار الإدانة بموجب المذكورة.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن على أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد يحى عوض الكريم
م ع/ ط ج/6/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي – الإنذار الثاني تحت المادة 77 (2) من قانون العقوبات لسنة 1974.
قانون جنائي – الإنذار الأول تحت المادة 77 (أ) من قانون العقوبات لسنة 1974 – يشترط أن تكون إدانة المتهم تحت قانون العقوبات.
1- الإنذار للمرة الثانية تحت المادة 22 (2) من قانون العقوبات لسنة 1974 لا يشترط فيه أن يكون المتهم قد أدين في جريمة تحت قانون العقوبات ولكن يشترط أن تكون عقوبة الجريمة السجن سواء كانت جريمة وفقاً لقانون العقوبات أو أي قانون آخر.
2- الإنذار الأول تحت المادة 77 (1) من قانون العقوبات لسنة 1974 يوجه للمتهم الذي سبق أن حكم عليه بالسجن ثلاث مرات إذا أدين في جريمة وفقاً لأحكام هذا القانون – أي قانون العقوبات.
( الحكــــم)
10/3/1979م :
القاضي عبد المنعم الزين النحاس :-
تقدمت فاطمة أحمد حسن بالتماس لإعادة النظر في العقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات سجناً ابتداء من 13/8/1978 وتوجيه إنذار أول تحت المادة 77 (1) عقوبات
في مواجهة ابنها المحكوم عليه يحى عوض الكريم خلف الله الذي أدانته محكمة جنايات أمدرمان شمال تحت المادة 4 من قانون الحشيش والأفيون.
أيدت محكمة الاستئناف الإدانة وعدلت العقوبة إلى السجن سنتين ابتداء من تاريخ الحكم وأيدت الأمر بتوجيه إنذار أول.
الإدانة ثابتة وقد استعرضت محاكم أول وثاني درجة القانون استعراضاً مسهباً وطبقته تطبيقاً صائباً وأضافت محكمة الاستئناف الأسانيد التي تسند ما توصلت إليه محكمة أول درجة.
العقوبة مناسبة – بعد تدخل محكمة الاستئناف – ولم نجد ما يدعونا للتدخل فيها إلا أننا توقفنا حول صحة توجيه الإنذار الأول تحت المادة 77 (1) من قانون العقوبات التي تنص على إدانة الشخص في أية جريمة يعاقب عليها قانون العقوبات ويحكم عليه (بالسجن مدة تزيد على ستة أشهر وكان قد سبق الحكم عليه ثلاث مرات على الأقل جاز للمحكمة أو القاضي – إذا رؤى أن الظروف تبرر ذلك – إعطاء هذا الشخص إنذاراً).
الثابت – كما أشارت محكمة الاستئناف بحق – أن كل سوابق المحكوم عليه قد سقطت وفقاً لمقتضيات المادة 276 (أ) من قانون الإجراءات الجنائية 1974 لمضى أكثر من خمس سنوات عدا السوابق الثلاثة الأخيرة. ويبدو في الرصد الذي دونته محكمة الموضوع (ولم ترفق صحيفة السوابق بالكيفية المعروفة) أنها لم تشر إلى الإجراء الذي اتخذته المحكمة المعينة للتحقيق في صحة ما رصدت وهل استفسر المحكوم عليه الواضح أن السوابق الثلاثة الأخيرة اثنتان منهما أعلنتهما محكمة جنايات الخرطوم جنوب في 2/2/1974م تحت المادة 4 من قانون الحشيش والأفيون ، إلا أن العقوبتين مختلفتان أولهما 6 أشهر سجناً وفي المرة الثانية ستة أشهر وغرامة عشرين جنيهاً وفي حالة عدم الدفع شهرين سجناً والسابقة الثالثة أيضاً في محكمة جنايات الخرطوم جنوب تحت المادة 283 عقوبات تنص المادة 77 (1) من قانون العقوبات لسنة 974ج على أن الشخص الذي سبق أن حكم عليه بالسجن ثلاث مرات إذا أدين في جريمة وفقاً لأحكام هذا القانون (أي قانون العقوبات) وحكم بالسجن مدة تزيد على ستة أشهر يوجه له إنذار أول.
الجريمة التي أدين فيها المحكوم عليه من هذا الاتهام تحت قانون الحشيش والأفيون وليست جريمة بموجب أحكام قانون العقوبات. لذا فإن توجيه الإنذار الأول لا سند له قانوناً. والجدير بالملاحظة أن قانون العقوبات (الملغى) أشار في صدر المادة 77 (أ) إلى إدانة الشخص بأي جريمة ولم يشر إلى عبارة (وفقاً لأحكام هذا القانون) الشرط الذي أدخله قانون العقوبات لسنة 1974م. غير أنه لو كان الإنذار المراد توجيهه للمرة الثانية تحت المادة 77 (2) من قانون العقوبات فإن ذلك الشرط لا أهمية له وإنما يشترط فقط أن تكون عقوبة الجريمة السجن سواء أكانت جريمة وفقاً لقانون العقوبات أو أي قانون آخر.
إزاء كل ذلك نرى إلغاء توجيه الإنذار الأول تحت المادة 77 (1) عقوبات ونؤيد عقوبة السجن مدة سنتين ابتداء من 13/8/1978م.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن على أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد إبراهيم كوكو تاملى
م ع/ م ك/2/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي – المعركة المفاجئة – الإدانة تكون تحت المادة 253 ولو لم تتحقق المحكمة على من يقع اللوم في إثارة المعركة ابتداء.
يتعين على المحكمة إدانة المتهم تحت المادة 253 من قانون العقوبات متى ثبت أن ما حدث لا يعدوا أن يكون معركة مفاجئة نشبت دون سبق إصرار إثر شجار مفاجئ حتى لو لم تتحقق المحكمة ممن يقع عليه اللوم في إثارة المعركة ابتداء نتيجة تضارب وتناقض أقوال الشهود.
(الحكــــــم)
17/3/1979م:
القاضي حسن على أحمد :-
بتاريخ 1/8/1978 عقدت محكمة كبرى بامدرمان شمال لمحاكمة المتهمين الثمانية الآتية أسماؤهم لقتلهم المتوفى على كوكو تحقيقاً لقصدهم المشترك والمتهمون هم :-
1- المتهم الأول : إبراهيم كوكو تامى
2- المتهم الثاني : إسماعيل كودى كوكو
3- المتهم الثالث : صلاح كوكو تاملى
4- المتهم الرابع: عثمان الأمين كوكو
5- المتهم الخامس: عثمان مجار كوكو
6- المتهم السادس: سعيد النور تاملى
7- المتهم السابع: حسن محمود دندى
8- المتهم الثامن : بكرى كودى كوكو
لقد وجدت المحكمة الكبرى المتهم الأول إبراهيم كوكو تاملى مذنباً تحت المادة 251 من قانون العقوبات وقضت بإعدامه شنقاً حتى الموت.
كما وجدت بقية المتهمين غير مذنبين تحت التهمة الموجهة إليهم أو تحت أي تهماً أخرى وأمرت بإطلاق سراحهم جميعاً فوراً.
الحقائق التي توصلت إليها المحكمة الكبرى وأثبتتها في موجز بيناتها جرت على النحو التالي ذلك أنه في مساء يوم 26/8/1977 كان المتهم الأول يجلس مع آخر في فناء منزل المدعو عباس عدلان بالقماير والذي يستأجره ويسكنه المتوفى مع المتهم الرابع – عثمان الأمين كوكو – والمتهم الخامس – عثمان مجاى كوكو – دخل المتوفى على هؤلاء فبادرهم المتهم الأول بعد أن أمسك بكتفيه (الجابك شنو عند بيت عنا) فرد عليه المتوفى بأنه يستأجر هذا البيت – فما كان من المتهم الأول إلا أن ضربه بنية وأوقعه أرضاً. قام المتوفى من على الأرض ودخل داخل المنزل وأحضر عكاز ضرب به المتهم ضربة واحد في رأسه فأدمته.
كان من بين الحضور المتهم الثالث – صلاح كوكو تاملى وهو شقيق المتهم الأول وقد أخرج هذا المتهم ماسورة كانت مخبأة داخل ثيابه وضربه بها المتوفى ضربة واحدة على الأرض.. فلما أحس أن المعركة غير متكافئة أوجس خيفة وفر هارباً واحتمى بحجرة شاهدة الاتهام الثالثة – ثريا ناصر – وقفل باب الحجرة عليه إلا أن المتهم الأول لحق به وكسر باب الحجرة وأخرجه منها وفعل به فعلته التي فعلها – على حد تعبير رئيس المحكمة الكبرى.
هذا الذي ذهبت إليه المحكمة الكبرى هو ما استخلصته من مجمل إفادات شهود الاتهام. أفادت هؤلاء الشهود تناقضت مع بعضها البعض كما ناقض كل منهم نفسه بين ما أدلى به للمتحرى وما ذكره أمام المحكمة الكبرى فمثلاً ذكر شاهد الاتهام الثاني – سلفادور للمتحرى (صفحات 5-6-7 من يومية التحري) أنه كان يراقب الشكلة من على البعد وأنه نسبة لكثافة الظلام لم يستطع أن يتعرف على شخصية المتشاجرين نجده يقول أمام المحكمة الكبرى أنه شاهد المتهمين الأول والثاني يشتركان في ضرب المتوفى ومعهم آخرين.
أيضاً ذكرت شاهدة الاتهام الثالث – ثريا ناصر – للمتحرى (ص 7 و 8 من يومية التحري (أنها أثناء ما كانت نائمة جاء المتوفى ودخل حجرتها وأغلقها عليه ثم رأت المتهم (وأظنها تقد المتهم الأول) جاء وفتح الباب وكان معه أناس كثيرون سمعت حركة ضرب داخل الحجرة ثم رأت المتوفى يخرج من الحجرة والمتهم والأشخاص الآخرين يجرون وراءه ورأت المتهم يضربه أثناء ما كان جارياً أمامه وقالت أنها(ما شافت الناس الكثيرين هل ضربوه أم لا) ولكن نفس هذه الشاهدة نجدها تقول أمام المحكمة أنها رأت المتهم الأول والثالث والرابع والخامس يضربون المتوفى بعصا.
شاهد الاتهام الرابع – آدم النور – ذكر للمتحرى (ص33 من يومية التحري) أنه شاهد المتهم الثالث يضرب المتوفى بعكاز على رأسه حتى ألقاه أرضاً ولكننا نجده يقول أمام المحكمة الكبرى أن الضرب كان بماسورة.
هذا التناقض في أقوال هؤلاء الشهود يحفزنا للنظر في أقوال المتهم الأول في المراحل المختلفة لنرى إن كان قد شابها ما شاب أقوال شهود الاتهام من تناقض وبالرجوع إلى أقوال المتهم الأول نجدها قد جاءت متناسقة ومتوافقة في التحري والتحقيق والمحاكمة ونجد أنها متمشية في أهم أجزائها مع ما أدلى به شهود الاتهام في أقوالهم للمتحرى مما يجعلها أقرب إلى الحقيقة وأقمن بالتصديق وقد جاءت على النحو التالي :-
في يوم الحادث ذهب المتهم الأول للمنزل الذي كان يقيم في المتهمون الثالث والرابع والخامس ووجد ثلاثتهم بالمنزل وجلس معهم. بعد هنيهة جاء المتوفى ومعه أخوه وشخص ثالث سلم المتهم الأول على المتوفى ومن جاء معه ولكن المتوفى سب له الدين وقال له المتهم الأول (تسب لي الدين مالك هسع لو فتحت ليك بلاغ ما بحاكموك فيه) وأراد المتهم الأول أن يغادر المكان ولكن المتوفى ضربه بعكاز حتى وقع على الأرض وأراد أن يضربه ثانية وأنه أتقى الضربة بيده وتماسك مع المتوفى وتصارعا حتى وصلا منزل الشاهدة ثريا وتمكن المتهم الأول من ضرب المتوفى بالعكاز على رجله لكي يفكه وعندما لم يفعل ضربه مرة ثانية بالعكاز على رأسه حتى وقع المتوفى على الأرض وبعدها ذهب المتهم الأول لنقطة البوليس وأبلغ بالحادث.
اتفق شهود الاتهام والمتهم الأول في أن الحادث بدأ بالتراشق بالكلام ثم طوره المتوفى عندما أحضر عكازاً وضرب به المتهم الأول وبعد حادثة الضرب هذه اختلفت أقوال شهود الاتهام مع رواية المتهم الأول للحادث قال بعض شهود الاتهام أنه بعد أن ضرب المتوفى –المتهم الأول- تدخل شقيق المتهم الأول المدعو صلاح –وهو المتهم الثالث – تدخل في المعركة إلى جانب شقيقه وضرب المتوفى بماسورة على حد قول أحدهم أو بعصا على حد قول الآخر ثم اختلفت أقوال المتهم الأول مع بعض إفادات شهود الاتهام تلك الإفادات التي سردنا آنفاً مع اعتراها من تناقض فبينما يقول المتهم الأول أنه بعد أن ضربه المتوفى الضربة الأولي وأراد أن يضربه الضربة الثانية تماسكا سوياً وتصارعا وأثناء هذا الصراع تمكن من أخذ العكاز من المتوفى وضربه به على رجله وعندما لم يتركه ضربه على رأسه حتى ألقاه أرضاً. هذا الذي ذكره المتهم الأول أيده بعض المتهمين ممن اعترفوا بحضورهم الواقعة ، أما شهود الاتهام رغم تناقضهم مع أنفسهم واختلاف بعضهم مع الآخر في التفاصيل فقد ذكر بعضهم أنه بعد أن تدخل المتهم الثالث بجانب شقيقه المتهم الأول في المعركة وضرب المتوفى بماسورة جرى المتوفى ودخل حجرة ثريا وجرى خلفه المتهم الأول وبقية المتهمين وأخرجوه من الحجرة وأوسعوه ضرباً.
توفى المجني عليه في الحال متأثراً بجراحه وقد أثبت القرار الطبي عن المتوفى وجود جرح بأعلى الجبهة وجرح بالجانب الأيمن من الرأس وكدمة بالرأس وجرح بالجانب الخلفي للكتف الأيمن وبعد تشريحه الجثة وجد قطع بالرئة الشمال أدى إلى نزيف داخلي بالرئة كان السبب في وفاة المجني عليه.
لقد وجدت المحكمة الكبرى المتهم مذنباً تحت المادة 251 من قانون العقوبات لاعترافه بضربة واحدة للمتوفى نافياً أن يكون أحد زملائه قد قام بضرب المتوفى ومن ذلك وجدت المحكمة الكبرى أن المتهم إن لم يكن قد قصد إحداث الوفاة فهو على أقل تقدير كان يعلم أن الموت سيكون النتيجة الراجحة لتلك الإصابات لأن المتهم أستغل أسلحة فتاكة هي العصا والسكين – رغم إنكاره استعمال السكين – وأنه استهدف أماكن حيوية وحساسة من جسم المتوفى.
لم تجد المحكمة الكبرى أن المتهم الأول كان يدافع عن نفسه عندما ألحق تلك الإصابات بالمتوفى وسبب موته كما لم تجد أنه يمكن أن يستفيد من أي واحد من الاستثناءات الواردة في المادة 249 من قانون العقوبات ولكنني أرى خلاف ذلك أنني أرى ما حدث لا يخرج عن كونه واحدة من حالات المعارك الفجائية التي تنشب لأتفه الأسباب أو لغير سبب معلوم في أغلب الأحيان بين ذلك النوع من البشر الذي يقضي جل وقته يتجول من أندية لأخرى ليجد نفسه في آخر المطاف وقد لعبت الخمر برأسه وسلبته بعضاً أو كثيراً من إرادته وتمييزه بما يجعله يصير عبداً مطواعاً سهل الاستجابة لدواعي الشر في نفسه ، كان الكل سكارى المتوفى والمتهمون وشهود الاتهام وبين أمثال هؤلاء تضيع الحقيقة وهذا ما جعل أقوال كل منهم تناقض أقوال الآخر ولكن من مجمل أقوالهم جميعاً تبرز لنا حقيقة إن ما حدث لا يعدو أن يكون معركة مفاجئة نشبت دون سبق تدبير إثر شجار مفاجئ بدأ بمشادة كلامية بين المتهم الأول والمتوفى ثم تدافع بالأيدي ثم دخلت المعركة في طور أعنف عندما أحضر المتوفى عكازاً وضرب به المتهم الأول حتى ألقاه أرضاً ثم سارت المعركة على نحو لم يتضح لنا على وجه التحقيق لتضارب الأقوال في ذلك ولكن انجلت المعركة عن إصابات عديدة تلقاها المتوفى وتحمل المتهم الأول مسئولية ما لحق بالمتوفى من إصابات سددها له في الظروف والملابسات التي ذكرها في أقواله.
لا أجد أن المتهم الأول قد استغل ظرفاً لم يكن متاحاً لخصمه أو أنه سلك سلوكاً قاسياً أو غير عادى لأن المتوفى بدأه بالضرب بالعكاز ولم يثبت ولم يقل المتهم الأول أنه استعمل سلاحاً غير العكاز وحتى إذا صدقنا ما جاء في إفادات بعض شهود الاتهام من أن المتوفى قد احتمى بمنزل ثريا بعد أن ضرب المتهم الأول فإن لحاق المتهم الأول به لا يخرج عن كون ذلك قد تم في نطاق طور من أطوار المعركة نفسها – أن المعارك بعد أن تستمر تتخذ أوضاعاً وأشكالات متباينة لا يمكن حصرها في وضع أو شكل بعينه أن طبيعة المعارك تقتضي الكر والفر ويدخل في ذلك التحفز للقتال أو التحيز إلى الفئة أو إلى الحي مما يعنى أن من يفعل ذلك قد خرج من المعركة بل أنه في قلب المعركة وأن فعله هذا لا يعدو أن يكون تكتيكاً أراد به كسب المعركة وهنا يقال أن الخصم الذي واصل حربه ضد المتحيز أو المحتمى قد استغل ظرفاً غير متاح لخصمه أو خالف قواعد الفروسية.
أخلص من ذلك أن المتهم قد سبب موت المتوفى في ظرف كان يعلم فيها أن موت المتوفى سيكون النتيجة الراجحة لفعله ولكنه فعل ذلك أثناء معركة مفاجئة نشبت دون سابق تدبير إثر خصام مفاجئ عند التهاب العاطفة ودون أن يكون قد استغل ظرفاً لم يكن متاحاً للمتوفى ودون أن يسلك سلوكاً قاسياً أو غير عادى مما يجعله يستفيد من الاستثناء الرابع للمادة 149 من قانون العقوبات مما تتغير معه ماهية الجريمة من القتل العمد للقتل الجنائي.
وعليه أرى أن تعدل الإدانة للمادة 253 من قانون العقوبات وأن نعدل العقوبة إلى السجن لمدة أربعة عشر سنة.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد محمد الفضل شوقى قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد أحمد التجانى عبد الهادى قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عمر محمد الأمين أوشيك
م ع/ ط ج/58/ 1979
المبادئ:
إثبات – السوابق في جرائم الجنس – يجوز قبولها في البينة في قضايا مماثلة لاحقة.
إثبات – أقوال الشهود – الاختلافات الثانوية فيها – لا تؤثر في جوهرها – التطابق الكامل فيها – قد يكون سبباً لرفضها.
إثبات – الوقائع المتشابهة – جواز قبولها في البينة لإثبات السلوك المنظم.
إثبات – جرائم الجنس – مستوى الإثبات المطلوب فيها – أقوال المجني عليها وتعضيدها – كل دليل مقبول قانوناً يمكن أن يعضد دليلاً آخر.
3- السوابق في جرائم الجنس تقبل في القضايا المماثلة اللاحقة.
4- الاختلافات في أقوال الشهود لا يؤثر في جوهر البينة- بل أن التطابق الكامل في الأقوال يجعل تلك الأقوال أدعى للرفض منها للقبول.
2- الوقائع المتشابهة يمكن قبولها في البينة لتبرهن اتجاهاً ذهنياً معيناً ، فالسلوك المنظم قد يشمل النظر في أمر الفعل المجرم والقصد الجنائي لدى المتهم ذلك لأن السلوك البشري عادة لا يكون غريزياً ومن الصعب فصل السلوك البشري من العقلية التي توحي به وبالتالي فإن السلوك المنظم – إذا ثبت – ينفى عنصر المصادقة ويعتبر مؤيداً لافتراض القصد الجنائي.
1- على الرغم من أن كل تهمة يجب أن تثبت بما لا يدع مجالاً للشك المعقول إلا أن المحاكم قد لاحظت أنه في جرائم الجنس لا تتوفر البينات المباشرة ولذلك تعتمد المحاكم على أقوال المجني عليه وأي بينات أخرى مقبولة قانوناً وبما أن القرار بالإدانة يعتمد على مجموع الأدلة المقبولة قانوناً فإن كل دليل يمكن أن يعضد الدليل الآخر.
(الحكـــــم)
10/4/1979 :
رئيس القضاء خلف الله الرشيد :-
هذا طعن في حكم محكمة الاستئناف الصادر بتاريخ 18/1/1979م والقاضي بتعديل قرار البراءة الصادر في صالح المتهم عمر محمد الأمين أوشيك إلى قرار الإدانة بموجب المادة 317 عقوبات والأمر بإحالة الأوراق إلى محكمة الموضوع لتوقيع العقوبة.
تتحصل التهمة في هذه القضية في أن المتهم عمر محمد الأمين أوشيك قد اغتصب الطفلة المجني عليها هويده محمد ثابت البالغة من العمر عشر سنوات وقد حوكم المتهم أمام محكمة كبرى عقدت ببورتسودان وقضت ببراءة المتهم من التهمة الموجهة إليه تحت المادة 317 عقوبات وذلك بتاريخ 26/11/1978. وبتاريخ تقدم وكيل نيابة بورتسودان باستئناف لدى محكمة الاستئناف بالخرطوم طاعناً في قرار البراءة وإصدار قرار بالإدانة بموجب مادة الاتهام تجدر الإشارة إلى ذلك لأنه طلب فحص وليس استئناف.
تتحصل وقائع هذه القضية باختصار في أن المجني عليها جاءت في حوالي الساعة 5.30 مساء من يوم 17/4/1978 إلى منزلها وكانت معها بنت الجيران إخلاص وقد لاحظ عوض محمد ثابت أخو هويدا المجنى عليها أنها كانت تحمل سكر في يدها وكانت بادية الاضطراب وعندما سألها أخوها قالت أن الجاني وهو صاحب كنتين قد ناداها وصاحبتها واتصل بها جنسياً وأعطاها السكر.
أسفر الكشف الطبي عن احمرار حول الشفرين وتمزق غشاء البكارة ووجود مادة لزجة وظن الطبيب أن هناك احتمال اتصال جنسي وأخذ عينة من المهبل ولم يجد نزيفاً أو خدوشاً على الجسم الخارجي. ثم ذكر الطبيب في قراره (مستند اتهام 1) أن الإمكانيات لم تسمح بأخذ عينة من المهبل ولاحظ أن تمزق البكارة قديم نسبة لعدم وجود أثار نزيف أو أثر لتمزق واضح.
أرسلت ملابس الطفلة المجني عليها للمعامل الجنائية ولكن الكشف لم يسفر عن وجود أي حيوانات منوية والملابس عبارة عن لباس أحمر وبنطلون مخطط ( مستند اتهام 4).
ناقشت المحكمة الكبرى ما ورد من بينات وحصرت الأدلة المباشرة في أقوال المجني عليها وصاحبتها ( ش أ ت 4) إخلاص يوسف والبينة القرينة وهي تقرير الطبيب الذي لم تتمكن من الاستماع إليه حيث باءت محاولاتها في إعلانه بالفشل. لم تطمئن المحكمة الكبرى إلى أقوال المجني عليها ولا إلى أقوال صاحبتها ( ش أ ت 4) ووصفت أقوالهم بأنها ليست ذات وزن كبير ولما لم تجد المحكمة ما يعضد أقوال الطفلتين أصدرت قرارها بالبراءة.
جاء في تسبيب قرار محكمة الاستئناف أن أقوال المجني عليها جاءت متماسكة وبشكل رواية لا يمكن أن تكون من نسج الخيال وأن أقوال (ش أ أ 4) أيضاً جاءت واضحة وبشكل بينة ظرفية قوية تعضد أقوال المجني عليها.
وقد أوضحت محكمة الاستئناف وبأسباب قوية أن الاختلاف في أقوال الطفلتين لا يقدح في صحة روايتهما حيث أن كل طفلة كانت تروى الحادث كما وعته ولابد أن تختلف الرؤيتان وقد اتضح أن الاختلاف في أقوال المجني عليها كان ينحصر في نفيها للواقعة الجنسية السابقة ومرد ذلك إلى أن أهلها ضربوها حتى لا تكرر مثل تلك القولة ولعل ذلك خوفاً من توسيع نطاق الفضيحة.
لاشك أن التهمة كما رأت المحكمة الكبرى يجب أن تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك المعقول ولكن رغم ما يقال في هذا الصدد إلا أن المحاكم قد لاحظت أن جرائم الجنس عادة لا تجد بينات مباشرة وقد اعتمدت المحاكم على أقوال المجني عليها وأي بينات أخرى مقبولة قانوناً وبما أن القرار بالإدانة يعتمد على مجموع الأدلة المقبولة قانوناً فإن كل دليل يمكن أن يعضد الدليل الآخر.
وقد سارت المحاكم الإنجليزية على قبول الوقائع المتشابهة لإدانة مرتكبي جرائم الجنس ويستخلص من تلك الأحكام أن الوقائع المتشابهة يمكن قبولها في البينة لتبرهن اتجاهاً ذهنياً معيناً وقد قيل أن السلوك المنظم قد يشمل النظر في أمر الفعل المجرم والقصد الجنائي لدى المتهم وذلك لأن السلوك البشري عادة لا يكون غريزياً ومن الصعب فصل السلوك البشري من العقلية التي توحي به وبالتالي فإن السلوك المنظم إذا ثبت ينفي عنصر المصادفة ويعتبر مؤيد لافتراض القصد الجنائي.
تم أن إثبات السوابق في جرائم الجنس تقبل في القضايا المماثلة اللاحقة (راجع نوكس ص 118-119 الطبعة الرابعة). ونجد في هذه الحالة أن المتهم قد أدين في قضية أخرى مماثلة وقد قبلت شهادة المجني عليها في تلك القضية ونعجب كما تعجبت محكمة الاستئناف من أن أقوال المجني عليها قد قبلت وأدين بها المتهم في حالة مواقعه ( ش أ ت 4) ولم تقبل في هذا الإجراء.
ونرى أن محكمة الاستئناف قد أصابت حينما رأت أن الخلاف بين أقوال المجني عليها وصاحبتها ( ش أ ت 4) لا يؤثر في جوهر البينة لأن كلاً منهما كانت تروى ما شاهدت وعرفت ولو أن شخصاً ما كان قد لقنهما أقوالاً لجاءت أقوالهما متطابقة وتكون في تلك الحالة أدعى إلى الرفض منها إلى القبول.
جاء في حكم القاضي بابكر عوض الله في قضية المتهم حسن عبد الساوى (AC/CP/215/1958)ما معناه أن المحكمة لا يجب أن تتأثر بالاختلافات الثانوية في شهادة الشهود وقال :-
Truthful witnesses cannot give identical statements for the simple reason that human powers of observation are not congruent – the converse is true. I think it is always connected testimony which is always identical.
لهذه الأسباب ولما ورد في حكم محكمةالاستئناف نرى أن المحكمة الكبرىقد جانبها التوفيق في قرارها وأنها قد قضت ضد وزنالبينات وعليه نرى تأييد قرار محكمة الاستئنتاف .
(المحكمة العليا)
القضاة :-
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد صلاح الدين محمد شبيكة نائب رئيس القضاء عضواً
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عثمان سيرد نوكودة
(م ع/م ك/34/1979)
المبادئ:
قانون جنائي- القصد الجنائي في جريمة السرقة -قد يكون قصدا عاما غير موجة ضد مكان معين.
اجراءت جنائية - جواز توجية التهمة بجريمة معينة والادانة بجريمة غيرها المادة 204(1)من قانون الاجراءات الجنائية .
3- قد يكون قصد السرقة قصدا عاما وغير محدد وليس موجها ضد مكان معين فالقصد غير المحدد مثل المحدد تمامامن ناحية المسئولية والعقاب.
إذا اتهم المتهم بجريمة معينة ثم ظهر من الادلة انه ارتكب جريمة مختلفة كان يمكن اتهامة بها فتجوز ادانته عن الجريمة التي ظهر انه ارتكبها وان لم يكن قد اتهم بها .
2-لا تلجا ورقة اتهام جديدة بموجب المادة 195 من قانون الاجراءات الجنائية الا عندما يتكشف لها عيب او نقض او اغفال في الورقة الاولي .
الحكــــم
6/5/1979م:
القاضي محمد الفضل شوقي :
حدثت وقائع هذه القضية في يوم 8/3/1977 وقد جلست محكمة كبرى برئاسة السيد الباقر عبد الله في الدمازين لمحاكمتها يوم 26/4/1978 وتضافرت عوامل كثيرة في تعطيل سير الجلسات من بينها تعثر الحصول على بعض الشهود ولم يتيسر للمحكمة إنهاء مهمتها وإصدار القرار إلا في يوم 19/2/1979 وقد أدانت بموجبه المتهمين (1) عامر داود عمر (2) وعثمان سيرد نوكوده بجريمة النهب بالاشتراك مع القتل العمد تحت المادة 78/338 من قانون العقوبات وحكمت على كليهما بالإعدام شنقاً حتى الموت.
القضية في مظهرها من وجهة النظر القانونية العامة تبدو محفوفة ببعض المزالق والنقاط التي تتطلب التمعن والاستقصاء مما أعطى المجال لمحامى المتهمين للإسهاب في طعنه المقدم لنا وحشد الاعتراضات وأوجه الخلاف بينه وبين ما توصلت له المحكمة ولكنها في واقع الأمر وبعد التبصر الدقيق ليس فيها لبس وغموض والسبيل إلى حسم اشكالاتها ميسور والبينات الدامغة التي تعين على ذلك متوفرة.
تتلخص الوقائع التي ثبتت والتي اقتنعت المحكمة بحدوثها في أن المتهمين ومعهما آخرين لم يتم القبض عليهم دخلوا جنائن الصمغ التي تخص المجني عليه وبعض شهود الاتهام 8/3/1988 في منطقة بوطا التابعة لنقطة بوليس قلى بالدمازين وقد فاجأهم أصحاب الجنائن أثناء ذلك التعدي وكان المتهمان ملثمين ويخفون وجوههم وراء عمائمهم وهم يعملون في جمع الصمغ من أشجاره – وهجم أصحاب الجنائن عليهم بغرض القبض عليهم فأطلق المعتدون أعيرة نارية والتحموا مع أصحاب الجنائن في معركة أصيب خلالها القتيل بطعنه في صدره نتج منها نزيف داخلي تسبب في وفاته بعد قليل وقبل وصوله المستشفى – وقد هرب الجناة وفي اليوم الثاني تم القبض على هذين المتهمين وكان الأول عامر داود مصاباً بجروح متعددة لحقته أثناء المعركة – وقد اعترف بدخوله جنائن الصمغ ولكنه زعم أن القتيل وجماعته هم الذين تحرشوا بهم دون مبرر وأنكر أنه هو الذي طعن القتيل.
لقد استند الطعن الذي قدمه محامى المتهمين على نقاط من بينها النقاط الأساسية التالية:-
1- أن المحكمة الكبرى ما كان لها أن تدين المتهمين في مرحلة صدور القرار بجريمة لم يسبق أن وجهت لهما تهمة بها – وبدون أن تمنحهم الفرصة لتقديم دفاع جديد عليها.
2- أن المتهمين عند دخولهم جنائن الصمغ كانا حسنى النية ولم يكن قصدهم سرقة مال في حوزة جماعة القتيل الذي لم يثبتوا أن تلك الجنائن التي كانت مسرحاً للحادث تخصهم – وبالتالي فإن جريمة النهب تفقد عنصراً من عناصرها.
3- أن المحكمة قد اعتمدت كثيراً في قرارها على يومية التحري.
4- أن المحكمة ما كان لها أن تحكم غيابياً على أشخاص غير معروفين ولم يمثلوا أمامها ولم يثبت دليل قاطع أن لهم وجوداً بالفعل وتقرر أن واحداً منهم وهو الذي طعن القتيل.
5- ومن باب الاحتياط يطلب السيد المحامي تخفيف العقوبة على المتهمين إذ أن ظروفهما وظروف الحادث لا تستلزم صدور العقوبة القصوى.
نرى في البداية أن نتعرض أولاً للنقاط الجانبية بين هذه النقاط التي أثارها السيد المحامي والتي هي غير مجدية والخطأ فيها بيِّن مما يستدعى إسقاطها وعدم الانشغال بها حتى تتفرغ للدفوع ذات الوزن إن وجدت وذلك بعد الوثوق من اكتمال عناصر الجريمة التي أدين بها المتهمان.
ينعى السيد المحامي على المحكمة اعتمادها على يومية التحري لحد كبير في قرارها ونحن لا نرى وجهاً لهذا النعي ولا نجد أثراً لاعتماد المحكمة على يومية التحري فيما عدا مقارنتها التي أدلى بها بعض الشهود في مختلف المراحل من أجل معرفة مدى التزامهم بالصدق وتمسكهم برواية واحدة – وهو ما تكفله لها الفقرة (ب) من المادة 116 من قانون الإجراءات الجنائية.
أما عن إدانة المحكمة غيابياً لمتهمين آخرين غير اللذين مثلا أمامها فإن شيئاً من ذلك لم يحدث وليس في الإجراءات والقرارات التي صدرت إدانة لأحد بخلاف المتهمين المذكورين- كل الذي فعلته المحكمة بالنسبة لزملاء المتهمين اللذين الذين اختفوا ولم يفلح البوليس في القبض عليهم هو أن المحكمة سجلت اقتناعها بأن هذين المتهمين لم يكونا وحدهما وأنه كان معهما رفقاء آخرون وشركاء في الجريمة لاذوا بالفرار بعد ارتكابها – وهذه واقعة توفرت الأدلة على إثباتها إثباتاً قاطعاً وأن تعرض المحكمة لها في حيثياتها يعد من قبيل تحصيل الحاصل وتقرير واقع الأمر ولم يكن لها أن تغفلها لأن إغفالها يؤدى إلى قصور ونقص في الوقائع المثبتة – وقد اقتنعت المحكمة أيضاً بأن الذي طعن المجني عليه هو أحد من هذه المجموعة المعتدية ولكن الأدلة لم تكن كافية لتحديده شخصياً أو تعينه بالاسم أو الوصف – وهذا أيضاً لحقيقة واقعة وتحصيل لواقع الحال وليس فيه إدانة غيابية لشخص من الأشخاص.
لقد جاء قرار المحكمة النهائي قاصراً على إدانة المتهمين الماثلين أمامها بجريمة النهب بالاشتراك مع القتل العمد تحت المادة 78/338 من قانون العقوبات ولكن هذه لم تكن أساساً هي التهمة التي وجهت إليهما منذ البداية والتي سارت المحاكمة على ضوئها والتي هي تحت المادة 251 من قانون العقوبات – فهل هنالك مخالفة للقانون وخروج على مقتضياته في هذا المسلك الذي سلكته المحكمة؟ الإجابة على هذا التساؤل الذي ورد في مذكرة الطعن نجده في المادة 204 (1) من قانون الإجراءات الجنائية وعباراتها صريحة وتنص بالحرف الواحد على أنه اذا اتهم المتهم وفقا للمادة 203 بارتكاب جريمة معينة ثم ظهر من الأدلة أنه ارتكب جريمة مختلفة كان يمكن اتهامه بها طبقاً لأحكام تلك المادة فيجوز إدانته عن الجريمة التي ظهر أنه ارتكبها وإن لم يكن قد اتهم بها".
إن كل ما تحدث عنه مقدم الطعن عن الممارسات القضائية ولزوم توجيه تهمة ثانية للمتهمين وسماع ردهم عليها والسماح لهم بتقديم دفاع جديد قبل صدور قرار في هذه التهمة لا محل له مع صراحة هذا النص وهذه نقطة إجرائية أولية لا تتناطح فيها عنزان.
أن المحكمة لا تلجأ لتحرير ورقة اتهام جديدة بموجب المادة 195 من قانون الإجراءات الجنائية التي أشار لها مقدم الطعن إلا عندما يتكشف لها عيب أو نقص أو إغفال في الورقة الأولي وفي هذه الحال تثور اعتبارات الضرر الذي قد يعود على المتهم نتيجة لانكشاف هذا الخطأ وما نتج عنه من تحول في تعديل التهمة وهل يتطلب ذلك إعادة المحاكمة أم الاستمرار فيها بدون توقف – لكننا الآن بصدد حالة مختلفة تحكمها كما ذكرنا المادة 204 من قانون الإجراءات الجنائية إذ ليس هنالك خطأ في الوقائع أو حقائق جديدة تكشفت – والذي ثبت وتأكد بأدلة مقنعة كان يكفى لتوجيه التهمة منذ البداية للمتهمين تحت مادة النهب بالاشتراك مع القتل العمد – وهي تهمة ليست بأخطر من التهمة التي وجهت لهما بالفعل تحت المادة 251 من قانون العقوبات بل أقل منها درجة في العقوبة إذ أنها تجيز للمحكمة الكبرى الحكم بالسجن لمدة أقل من السجن المؤبد وهو ما لا يجوز تحت المادة 251 من قانون العقوبات ثم أن جميع عناصر النهب بالاشتراك مع القتل العمد قد كانت محل نظر أثناء أخذ البينات ومناقشة الشهود وقد تضمنت أقوال المتهمين الدفوع التي يستندون عليها في محاولتهم نفى عنصر السرقة ومن هنا جاء يقين المحكمة في أن إدانتهم بهذه الجريمة مباشرة في طور القرار لا يضيرهم في شئ ولا ينطوي على أدنى إهدار لحق دفاعهما الذي كان مكفولاً طوال المحاكمة.
نعود الآن إلى الوقائع التي ثبتت فوق كل شك معقول ونجد أن عنصر السرقة وهو أساس جريمة النهب لا يجدر أن يكون محل جدل فقد دخل المتهمان مع زملائهم الهاربين جنائن صمغ لا تخصهم وشرعوا في الاستيلاء على محصولها ولا يهمنا إن كانوا قد أخطأوا ودخلوا جنائن غير التي كانوا يقصدونها ما دمنا قد اقتنعنا بأن قصدهم الأساسي كان هو الاستيلاء على منقول بدون موافقة صاحبه – والبينات المقدمة مقنعة تماماً بأن المتهمين نتيجة لاتفاق مسبق توجهوا لمنطقة الجنائن بقصد سرقة الصمغ والدليل القاطع على ذلك هو أنهم ذهبوا ملثمين ويخفون وجوههم وراء عمائمهم وهي حقيقة عمل الدفاع عن التغاضي عنها وإغفالها- وقد يكون قصد السرقة هذا قصداً عاماً وغير محدد وليس موجه ضد مكان معين- وهذا لا يتدخل في درجة القصد أو يؤثر على قيام القصد – فالقصد غير المحدد (كما يقول الدكتور محي الدين عوض في الصحيفة 460 من كتابه عن المبادئ العامة في القانون الجنائي 1963) مثل القصد المحدد تماماً من ناحية المسئولية والعقاب – وبينما كان المتهمان وزملاؤهم منشغلين بالسرقة تصدى لهم أصحاب الجنائن دفاعاً عن ممتلكاتهم وهو حق مكفول لهم بموجب المادة 56 من قانون العقوبات ولا تستلزم مباشرته ثبوت أن تلك الجنائن تخصهم شخصياً وأنها ملك لهم – وفي خلال مباشرتهم لذلك الحق المشروع ضد المعتدين أصيب القتيل بالإصابة التي أودت بحياته ولم تتوفر البينات كما ذكرنا من قبل لإثبات من هو على وجه التحديد الذي أصاب القتيل بالطعنة التي قضت عليه ولكن ثبت بشكل قاطع أنه رفيق من رفقاء هذين المتهمين وشريك لهم في جريمة السرقة التي ارتفعت لدرجة النهب في اللحظة التي لجاءوا فيها للعنف وتسبيب الأذى لغرمائهم – ولقد أدى ذلك العنف بالفعل لوفاة شخص ولم ترد بينة مقنعة تثبت أن القاتل المجهول رفيق المتهمين كان في حالة دفاع شرعي عن النفس تبرر له تسبيب الموت – ولم يكن قطعاً في حالة استفزاز لأنه متعدى وكذلك لا يستفيد من حالة المشاجرة التي سادت بسبب تعديهم على ممتلكات الغير وبالتالي فإن الجريمة القتل التي اقترفت من جانب فريق المتهمين ظلت في مستواها الأصلي وهو القتل العمد وعند اقترانها بجريمة النهب السابق ثبوتها تجعل جميع أفراد ذلك الفريق عرضة للإدانة تحت المادة 338 من قانون العقوبات – وكل هذا في الأصل ليس من المفروض أن يكون موضع نزاع إذ أن أقوال المتهمين في فحواها تنطوي على اعتراف ضمني به ويمثل فقط للدفع بنفي المسئولية الذاتية عن واقعة الطعن وإنكار قصد السرقة – والدفع الأول كما أوضحنا غير مجدي لأن القتل في هذه الجريمة تنسحب مسئوليته على جميع أفراد الفريق بغض النظر عن المتسبب فيه شخصياً – وزعم انتفاء قصد السرقة مردود أيضاً كما ذكرنا بعملية التحضير وسبق التدبير المتمثل في لجوئهم للتلثم وإخفاء وجوههم ومحاولة سترها أثناء حصدهم للصمغ والاستيلاء عليه دون وجه حق.
لكل ذلك نؤيد إدانة المتهمين تحت المادة 78/338 من قانون العقوبات.
ونؤيد عقوبة الإعدام الصادرة ضدهما.
( المحكمــة العليــا )
القضــــاة:
سعادة السيد دفع الله الرضي نائب رئيس القضاء رئيسا
سعادة السيد فاروق أحمد إبراهيم قاضي المحكمة العليا عضوا
سعادة السيد الأمين محمد الأمين تاتاي قاضي المحكمة العليا عضوا
عثمان محمد حامد الطاعن
ضــد
خيري محمد فضل شيخ إدريس المطعون ضده
(م ع/ط م/203/1979م)
المبادئ:
إجراءات مدنية – الوقائع التي لم تنكر صراحة – وجوب إثباتها المادة 74(2) إثبات – الحاجة الماسة – وجوب إثباتها بكل الطرق الإثبات المتاحة.
1- إذا لم ينكر الطاعن واقعة الحاجة الماسة صراحة وليس هنالك ما يشر إلى إنه قد اقر بها ضمنا إذا كل ما حواه رده أنه لا يعرف إن كان يحتاج إلى المنزل أو لا يحتاج إليه بمعنى آخر فهو تمهيد يدعو المطعون ضده لإثبات دعواه ولعل هذه واحدة من أنسب الحالات التي تبرر استعمال الرخصة الممنوحة للمحكمة لالزام المطعون ضده بإثبات ما ادعاه إذ أن الحاجة الماسة هي أمر شخصي خاص بمن يدعيها ويصعب على المستأجر في الظروف العادية القطع بها.
2- لقد استقر القضاء على وجوب إثبات واقعة الحاجة الماسة بكل طرق الإثبات المتاحة وأنه يتعين على المحكمة ألا تحكم بها ولو فشل المدعى عليه في الظهور أمام المحاكمة.
المحامــون:
عصام عبد الماجد أبو قصيصة عن الطاعن
إسماعيل عبد الله عن المطعون ضده
الحكــــم
28:10:1979:
القاضي فاروق أحمد إبراهيم:
هذا طعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في الاستئناف المدني رقم 385/1979، بتاريخ 20/6:1979 والذي قضى بتأييد حكم قاضي المديرية المؤيد بدوره للحكم الابتدائي الصادر بإخلاء الطاعن من العقار محل النزاع.
وتتحصل الوقائع في انه بتاريخ 16/4/1979 أقام المطعون ضده الدعوى رقم 859/1979 أما محكمة الخرطوم الجزئية طالبا القضاء بإخلاء الطاعن من منزله المؤجر إليه بحجة أنه يحتاج إليه حاجة ماسة وضرورية لسكنه الخاص.
أقر الطاعن بواقعتي الملكية والايجارية وفي رده على طلب الإخلاء للحاجة الماسة قال:-
(إذا وجدنا منزل سوف أخلي).
وفي رده على طلب تفاصيل تقدم به محامي المطعون ضده لتوضيح هذه العبارة أجاب بأنه لا يعرف إن كان المطعون ضده يحتاج إلى المنزل أو لا يحتاج إليه. وهنا طلب محامي المطعون ضده اعتبار هذا الرد كإقرار ضمني بواقعة الحاجة الماسة طالما لم ينكرها الطاعن صراحة أو ضمنا واستند في طلبه هذا إلى نص المادة (74) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974.
أصدرت المحكمة حكما اعترافيا بإخلاء الطاعن من العقار وتم تأييده أمام محكمة المديرية وما بعدها محكمة الاستئناف ومن ثم هذا الطلب بطريق النقض.
ينعي محامي الطاعن على الحكم الابتدائي كما أيدته محكمة المديرية والاستئناف مالفته للقانون والخطأ في تطبيقه لما اعتبر رد الطاعن على دعوى الحاجة الماسة إقرارا بها في حين أن مسالة الحاجة الماسة تتطلب إقناع المحكمة بها مما لا يتحقق إلا إذا سمعت المحكمة دعوى المطعون ضده واقتنعت بقيام تلك الحاجة، ويضيف بأن الحاجة الماسة هي من الأمور الشخصية التي تتصل بالمالك وحده مما يقتضي إثباتها بكل وسائل الإثبات بغض النظر عن رد المدعى عليه كما وأن المادة 74(2) من قانون الإجراءات المدنية أجازت للمحكمة أن تطلب إثبات أي واقعة لم تنكر صراحة بأي طريقة أخرى من طرق الإثبات مما كان يتعين معه أن تستمع المحكمة إلى بينة المطعون ضده قبل أن تصدر أمرها بإخلائه.
رد محامي المطعون ضده بأن المحكمة قد أتاحت الفرصة للطاعن لابداء دفوعه في الدعوى ولكنه لم يقدم أمامها أي إنكار صريح أو ضمني لادعاء الحاجة الماسة كما وأن اتصالها بشخص المالك لا يرفع عن كاهل الطاعن ما يوجبه القانون من ضرورة مراعاة قواعد الاجراءات قبل مرحلة سماع الدعوى وأن ظهور الطاعن في الجلسة الأولى بغير محام لا يشكل عذارا إذا سبق إعلانه بتلك الجلسة قبل وقت طويل.
وحيث أن النعي على الحكم الابتدائي صحيح ذلك أنه لا يجوز للمحكمة أن تأخذ أي من الخصوم على غرة قبل أن تستوثق من حقيقة دفاعه. وإذا كانت المادة 74(2) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 تنص على أن كل واقعة اشتملت عليها عريضة الدعوى ولم يرد بشأنها إنكار صريح أو ضمني تعتبر أنها معترف بها إلا أن تلك المادة تجيز أيضا للمحكمة أن تطلب إثبات أية واقعة لم تنكر صراحة بأي طريقة أخرى من طرق الإثبات والواضح أن الطاعن لم ينكر واقعة الحاجة الماسة صراحة وفي ذلك الوقت فليس هنالك ما يشير إلى أنه قد أقر بها ضمنا إذ كل ما حواه رده أنه لا يعرف أن كان يحتاج إلى المنزل أو لا يحتاج إليه بمعنى آخر فهو يدعو المطعون ضده لإثبات دعواه. ولعل هذه واحدة من أنسب الحالات التي تبرر استعمال الرخصة الممنوحة للمحكمة لالزام المطعون ضده بإثبات ما ادعاه إذ أن الحاجة الماسة هي أمر شخصي خاص بمن يدعيها ويصعب على المستأجر في الظروف العادية أن يقطع بها.
لقد استقر القضاء على وجوب إثبات واقعة الحاجة الماسة بكل طرق الإثبات المتاحة وأنه يتعين على المحكمة ألا تحكم بها ولو فشل المدعى عليه في الظهور أمام المحكمة.
ولقد تشددت المحاكم في تطبيق هذه القاعدة بالنسبة لدعاوى الإخلاء بسبب الحاجة الماسة واشترطت لصحة الحكم الغيابي في هذه الحالة أن يثبت المدعي قبل إصداره، حاجته الماسة والملحة لاسترداد الحيازة وأن تقتنع المحكمة من البينات المقدمة بثبوت تلك الحاجة.
(حسن ضوي عبد الجليل ضد شركة مرقص التجارية) (مجلة الأحكام القضائية لسنة 1967 صفحة 194).
على محمد كمبال ضد ورثة الطيب الدويح (استنئاف/ 296/1974).
فإن كان هذا هو الحال بالنسبة للأحكام الغيابية فإنه من باب أولى أن تشدد المحاكم في تطبيق هذه القاعدة بالنسبة للدعاوى التي يمثل فيها المدعي عليه ويفشل في تقديم دفاع واضح لدرء سيف الإخلاء.
لما تقدم فإن يتعين قبول الطعن وإلغاء حكم محكمة الاستئناف ما سبقه من أحكام وتعاد الأوراق إلى محكمة الموضوع للاستماع إلى دفاع الطاعن والفصل في الدعوى وفقا لما يرد فث هذا الحكم.
أمـــر:
1- يلغى حكم محكمة الاستئناف المؤيد لحكم محكمتي المديرية والموضوع وتعاد الأوراق إلى قاضي الموضوع لسماع دفاع الطاعن وافصل في الدعوى وفقا لما ورد في هذا الحكم.
2- لا أمر بشأن الرسوم.
القاضي الأمين محمد الأمين تاتاي:
أوافق.
القاضي دفع الله الرضي:
من واجب المحكمة أن تستوثق من الأطراف لمعرفة ما اتفق عليه وما أختلف عليه بغرض عمل نقاط النزاع وطالما رد الطاعن كان يحتمل قضيتين فكان على المحكمة أن تتحقق من الموضوع بصفة أكثر فعالية وحسم وطالما يفهم من رد الطاعن أنه على المدعي أن يثبت حاجته من ضمن ما يفهم من عبارة الرد فإني أوافق على الرأي الذي توصل إليه زميلي.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
سعادة السيد عمر بخيت العوض قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن على أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد دود دينج كوال
م ع/ م ك/29/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي – الإثارة الشديدة والمفاجئة – اكتشاف الخيانة الزوجية يسبب الإثارة الشديدة المفاجئة.
إثبات – الإثبات المطلوب لإثبات الجريمة فوق مرحلة الشك المعقول – لا يؤثر فيه إثارة المتهم لدفوع المادة 249 عقوبات.
إثبات – الدفوع تحت المادة 249 عقوبات – الإثبات المطلوب فيها – لا يرقى لمرحلة الإثبات وراء الشك المعقول.
إثبات – أقوال المتهمين عندما يكون هو الشاهد الوحيد للحادث – يجب الأخذ بها ما لم تكن منافية للعقل والمنطق والمجرى العادي للأمور.
إثبات الاعتراف القضائي – تجزئته – لا تصح إلا إذا نصب الاعتراف على ارتكاب الجريمة ثم اقترنت به وقائع تتعلق بظروف الجريمة.
إثبات الاعتراف القضائي – جواز تجزئته وأخذ ما تراه المحكمة مطابقاً للحقيقة.
1- اكتشاف الخيانة الزوجية يسبب إثارة شديدة وقوية تجرد الزوج من ضبط النفس وتجعل القتل الذي تسبب فيه قتلاً جنائياً وليس قتلاً عمداً.
2- إذا أثار المتهم أياً من الاستثناءات الواردة تحت المادة 249 من قانون العقوبات مجالاً للشك المعقول.
3- الإثبات المطلوب من المتهم عند إثارة دفوع المادة 249 من قانون العقوبات هو أن يبرز قضية مقبولة ومعقولة ولكن لا إلزام عليه في إثباتها فوق مرحلة الشك المعقول.
4- يجب أن تقبل أقوال المتهم بالنسبة لروايته عما حدث في مسرح الحادث في الحالة التي لم يكن فيها شخص سواه والمجني عليه باعتبار أنها صحيحة متى كانت غير منافية للعقل والمنطق والمجرى العادي للأمور.
5- تجزئة الاعتراف لا تصح إذا انصب على ارتكاب الجريمة ثم اقترنت به وقائع تتعلق بظروف الجريمة ولكن بغير سابق إصرار أو إذا أقر المتهم بارتكاب الجريمة وهو في حالة دفاع شرعي عن النفس أو أنه تعرض لإثارة شديدة وقوية مثلاً – عندما وجد زوجته المجني عليها في اتصال جنسي كامل مع خليلها.
6- تواتر قضاء المحكمة العليا أن محكمة الموضوع غير ملتزمة بأخذ اعتراف المتهم باطنه وظاهره بل لها عند تكوين عقيدتها أن تجزئ الاعتراف وتأخذ ما تراه مطابقاً للحقيقة وأن تعرض عما تراه مغايراً لها.
الحكـــــم
12/5/1979 :
القاضي عبد المنعم الزين النحاس :-
عرض إجراءات هذه المحاكمة (م ع/ م ك/ 29/79) للنظر في تأييد قرار الإدانة والفصل في الاسترحام الذي تقدم به المتهم دود دينق كوال الذي أدانته محكمة كبرى عقدت بالضعين تحت المادة 251 عقوبات وقضت بالإعدام شنقاً حتى الموت.
خلاصة وقائع الطعن أنه في يوم الحادث 14/12/1978 لاحق المتهم دود دونق كوال زوجته قرشين بالعصا زنة 643 جراماً (معروضات) على رأسها وسبب لها جروحاً سطحية في ساقيها وقد أبان التقرير الطبي (م1/أ عند فحص الجثة كسراً بالجمجمة تحت الأذن اليسرى وقد قطعت الأذن اليسرى إلى نصفين ، ونتج عن ذلك نزيف بالأذن اليسرى والفم والأنف. وقد أضاف التقرير وجود جرحين سطحيين طوليين بالساق من طعنة سكين وخلص التقرير الطبي إلى أن سبب الوفاة يعزى إلى نزيف داخلي أثر ضربة من آلة حادة صلبة.
خلصت المحكمة إلى أن أركان جريمة القتل العمد قد تضافرت البينات لتأسيسها باعتراف المحكوم عليه قضائياً وترديده لهذا الاعتراف أمام قاضي الإحالة وإصراره على واقعة ملاحقة زوجته بضربات من عصا. وقد ثبت – كما أشرنا – أن الضربات تلك عجلت بمنية المجني عليها إذ أدت إلى نزيف داخلي في المخ. ولم تر المحكمة الكبرى أسباباً سائغة تبرر إمكانية المحكوم عليه من أي من الاستثناءات الواردة في المادة 249 عقوبات. وفي هذا نحن في خلاف مع ما توصلت إليه.
تواتر قضاء المحكمة العليا أن محكمة الموضوع غير ملزمة بأخذ اعتراف المحكوم عليه باطنه وظاهره بل لها عند تكوين عقيدتها أن تجزئ الاعتراف وأخذ ما تراه مطابقاً للحقيقة وأن تعرض عما تراه مغايراً لها. وقد توصلنا في سابقة حيدر عبد الرازق على م ع/م ك/120/1878) إلى (أن تجزئه الاعتراف لا تصح قانوناً إلا إذا كان الاعتراف قد انصب على ارتكاب الجريمة ثم اقترنت به وقائع تتعلق بظروف الجريمة ولكن بغير سابق إصرار أو إذا أقر بارتكاب الجريمة وهو في حالة دفاع شرعي عن النفس (وكما ذكرنا أنه تعرض لإثارة شديدة وقوية عندما وجد زوجته المجني عليها في اتصال جنسي كامل مع خليلها الهارب. في هذه الحالة أنصب الإقرار على وقائع إلا أن وجود هذه الوقائع يستلزم حتماً عدم وقوع جريمة القتل العمد. وفي هذه الحالة – اهتداء بما استقر عليه قضاء المحكمة العليا – يجوز تجزئة الوقائع التي انصب عليها الإقرار والأخذ ببعضها دون الآخر ، إلا أنه لا يجوز القول بأن اعتراف المحكوم عليه ببعض الوقائع يعتبر في حد ذاته اعترافاً بارتكاب الجريمة لأن إرادة المحكوم عليه لم تنصرف إلى التسليم بارتكاب الجريمة كما خلصت المحكمة الكبرى.
ذكر المحكوم عليه في اعترافه القضائي (ص 9و 10 من يومية التحري) أنه عند أوبته مساء إلى منزله أبصر زوجته في اتصال جنسي كامل مع المدعو دينج الذي كان عارياً ، وفر هارباً يحمل ملابسه في يده عند مداهمته المحكوم عليه لهما ولم يلحق به وفي تلك اللحظة أرادت المجني عليها أن تهرب إلا أن المحكوم عليه عاجلها بضربة ولاحقها بأخرى أودت بحياتها.
ولم نجد أسباباً تبرر تجاهل المحكمة الكبرى لهذه الواقعة بل أن الأخذ بهذه الواقعة (رؤية المحكوم عليه زوجته المجني عليها في اتصال جنسي كامل) لا غضاضه عليه على ضوء ما أبانت المحكمة العليا. أنه يجب أن تقبل أقوال المتهم بالنسبة لروايته عما حدث في مسرح الحادث في الحالة التي لم يكن فيها شخص سواه والمجني عليها باعتبار أنها صحيحة متى كانت غير منافية لمقتضى العقل والمنطق والمجرى العادي للأمور. وقد أصر المحكوم عليه على تلك الأقوال في التحري والتحقيق القضائي والمحاكمة. طرحت المحكمة الكبرى هذا الجزء في إقرار المحكوم عليه وخلصت أن ما ساقه المحكوم عليه من بينات لا يسند ذلك الزعم. وقد سبق أن نوهنا في السابقة المشار إليها أن هناك قرينة قانونية قابلة للدحض أن المحكوم عليه برئ إلى أن يثبت جرمه ، وإذا أثار المحكوم أياً من الاستثناءات الواردة تحت المادة 249 عقوبات ، لا يقلل هذا من العبء القائم على كاهل الاتهام لإثباته الجريمة. الإثبات المطلوب من المحكوم عليه عند إثارة دفوع المادة 249 عقوبات أن يبرز قضية معقولة ومقبولة ولكن لا إلزام عليه بإثباتها فوق مرحلة الشك المعقول.
وبما أن ليس هناك من أدلة عدا إقرار المحكوم عليه بواقعة المجني عليها إزاء اكتشاف خيانتها الزوجية وقد تواتر قضاء المحاكم أن اكتشاف الخيانة الزوجية يسبب إثارة شديدة وقوية تجرد الشخص من ضبط النفس وتجعل القتل الذي يتسبب فيه قتلاً جنائياً وليس قتلاً عمداً. العنصر الأساسي والمهم في الإثارة الحالة النفسية للمحكوم عليه إذ أنه عندما ارتكب الجريمة لم يكن مسيطراً على شعوره وفقد قوة ضبط النفس. وبما أننا نميل إلى صدق رواية المحكوم عليه أنه شاهد زوجته المجني عليها في حضن المدعو دينج الهارب ، فقد أتي المحكوم عليه تصرفه أثر إثارة قوية ومفاجئة فقد أثناءها قوة الضبط وهذا يجعله مستفيداً من الاستثناء الوارد في المادة 249 (1) من قانون العقوبات وبالتالي نرفض الإدانة تحت المادة 251 عقوبات ونعدلها لتكون تحت المادة 253 عقوبات ونأمر بسجن المتهم أربع عشر سنة ابتداء من 14/12/1978م.
القاضي عمر بخيت العوض : القاضي حسن على أحمد:
أوافق. أوافق.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد محمد الفضل شوقى قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد أحمد التجانى عبد الهادى قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد حسن محمد متعنى وآخر
م ع/ م ك/7/ 1979
المبادئ:
إثبات – قرابة الشاهد للأطراف – أثارها.
إجراءات جنائية – عدم التهمة في مرحلة التحقيق أو المحاكمة – أثره مادة 156 إجراءات.
قانون جنائي – العقوبة وجوب توقيع عقوبة منفردة عن كل جريمة أدين بها المتهم.
أن مجرد قرابة الشاهد لطرف من الأطراف لا تعنى بالضرورة تحيزه له وأن قواعد الإثبات لا تحول دون قبول تلك الشهادة وإعطاءها الوزن الكافي وأن التحيز الذي يستدعى استبعاد الشهادة أو التقليل من شأنها يحتاج إلى إثبات خاص وأدلة مقنعة مستقاة من واقع الحال وليس مجرد القرابة.
وفقاً لنص المادة 156 من قانون الإجراءات الجنائية فإن محاكمة المتهم بجريمة بدون أن تكون قد حررت له فيها تهمة أمام قاضي الإحالة أو أمام المحكمة الكبرى بعد دخولها في المحاكمة تصبح باطلة ويتعين شطب الإدانة بها.
3- ينبغي أن توقع عقوبة منفردة لكل جريمة أدين بها المتهم تحسباً لاحتمالات عدم التأييد لواحدة أو أكثر من الإدانات التي صدرت ضد المتهم.
الحكــــم
16/4/1979م
القاضي محمد الفضل شوقي :
حدث وقائع هذه القضية يوم 17/1/1977م في ود بندة وقد راح ضحيتها شخصان – رجل وامرأة – وقد جلست محكمة كبرى برئاسة كمال الدين عباس في النهود يوم 6/7/1978 لمحاكمة المتهمين الأربعة فيها وأتبعت في محاكمتها الإجراءات المزدوجة وقسمت المتهمين إلى فريقين الأول ويسمى (أ) والثاني هو الفريق (ب) وفي يوم 8/11/1978م أصدرت قراراتها وقد جاءت كما يلي :
الفريق الأول (أ) :
المتهم الأول حسن محمد متعنى :
مذنب بجريمة الاشتراك في القتل العمد تحت المادة 88/251 من قانون العقوبات لتسببه في وفاة المرحوم إبراهيم سليمان أبشر – ويحكم عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت.
المتهم الثاني محمد أحمد الطالب :
مذنب بجريمة الاشتراك في القتل العمد تحت المادة 88/251 من قانون العقوبات لمساهمته في تسبيب وفاة المرحوم إبراهيم سليمان أبشر – ومذنب أيضاً بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات في وفاة المرحومة فاطمة محمد ومذنب كذلك تحت المادة 259 من قانون العقوبات لشروعه في قتل المجني عليها أمينة عبد الكريم ويحكم عليه في الجرائم الثلاث بعقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت.
الفريق الثاني (ب) :
المتهم الأول آدم سليمان والمتهمة الثانية أمينة عبد الكريم غير مذنبين بجريمة إثارة الاضطراب تحت المادة 127/أ من قانون العقوبات ولا بجريمة تسبيب الأذى الجسيم تحت المادة 278 من قانون العقوبات واللتين وجهت لهما تهمة بهما – وقد أمرت المحكمة بإطلاق سراحهما.
الحادث كما هو واضح حادث مشاجرة بين فريقين وقائعها متداخلة ومتشابكة وقد بذلت المحكمة مجهوداً واضحاً لحصر الحقائق الجوهرية في أضيق نطاق وفي استخلاص البينات التي يعول عليها والتي تثبت تلك الوقائع فوق كل شك معقول وقد خرجت من ذلك بأن المتهمين في الفريق (أ) وهما من قبيلة الحمر كانا يسيران في يوم 17/1/1977م متوجهين لقريتهما وسلكا طريقاً قادهما لزراعة القتيل الأول الذي هو من قبيلة المراته وقد كانت له حزازات معهما من قبل فلما التقى ثلاثتهم داخل الزرع تطور الأمر سريعاً إلى اصطدام دموي وقد انهال المتهم الأول وزميله المتهم الثاني على القتيل صاحب الزرع طعناً بالسكين وضرباً بالفأس حتى بلغت إصاباته عشر إصابات فسقط يلفظ أنفاسه الأخيرة وحضرت حينذاك القتيلة الثانية وهي من أقربائه وسمعت المتهم الثاني يدعو المتهم الأول ليضرب المصاب ضربة تقضي عليه نهائياً. وحاولت المرأة أن تحول دون ذلك. فما كان من المتهم الثاني إلا أن سدد لها طعنتين في بطنها خرجت معها أمعاؤها من مكانها ثم جاءت المجني عليها الثالثة أمينه شاهدة الاتهام الثانية عشر (وهي المتهمة الثانية في الفريق الثاني) جارية لمساندة أهلها المصابين وتحدثت مع القتيلة الثانية التي أخبرتها أن المتهم الثاني (أ) هو الذي طعنها فهجمت أمينة على المتهم الأول (أ) وأصابته في رأسه بعود كانت تتسلح به فتصدى لها المتهم الثاني (أ) وطعنها في ظهرها وبطنها فسقطت في حالة عجز تام ومن بعد ذلك حضر شقيق المتوفى الأول وهو المتهم الأول في الفريق (ب) وكان المتهمان في الفريق (أ) قد غادرا مكان الحادث فلحق بهما ودخل معهما في معركة تبادلوا فيها الضرب وانتهى الحادث في منزل شيخ الحلة حيث تم القبض على المتهمين من الفريق (أ). وقد توفي القتيل الأول لساعته في مكان الحادث أما المصابة الثانية فاطمة فقد قضت نحبها بمستشفى النهود في يوم 11/2/1977. متأثرة بالإصابات التي لحقتها في بطنها وذلك بعد أن أدلت بأقوال في حالة الاحتضار رددت فيها أن الذي طعنها هو المتهم الثاني (أ). والمصابة الثالثة أمينة تم علاجها وشفيت من الجروح التي أصابها بها المتهم الثاني (أ).
تقدم لنا المتهمان في الفريق (أ) بمذكرة يعترضان فيها على الإدانة ويدفعان بأنهما كانا في حالة دفاع شرعي عن النفس ، كما تقدم لنا محاميهما بطعن عن طريق النقض يستند فيه على النقاط الأساسية التالية :-
1- أن المتهمين لم يتعديا على مزرعة القتيل الأول وأن الصدفة فقط هي التي قادتها للالتقاء به.
2- أن المتهمين عندما تحرش بهما القتيل الأول وتصدي لهما ببندقيته اضطر للدفاع عن نفسيهما وكانا في حالة دفاع شرعي عندما وقع الصدام.
3- أن القتيلة والمجني عليها أمينة كلاهما تربطهما بالقتيل الأول رابطة القرابة وشهادتهما تعتبر متحيزة ولا يركن إليها.
4- إن الحادث وقع على أية حال أثناء معركة عنيفة مفاجئة والمتهمين يستحقان الاستفادة من هذا الظرف وأن تنخفض جريمتها لمستوى القتل الجنائي إذا لم يحكم ببراءتهما عن أساس حق الدفاع الشرعي عن النفس.
نبدأ أولاً بالقول بأن مجرد قرابة الشاهد لطرف من الأطراف لا تعنى بالضرورة تحيزه له وأن قواعد الإثبات لا تحول دون قبول تلك الشهادة وإعطائها الوزن الكافي وأن التحيز الذي يستدعى استبعاد الشهادة أو التقليل من شأنها يحتاج إلى إثبات خاص وأدلة مقنعة مستقاة من واقع الحال وليس مجرد القرابة وهو شئ لم يعمل السيد المحامي على تقديمه ، ومن ناحية أخرى أن مهمة تقييم البينات وإعطائها الوزن الذي تستحقه هو من صميم اختصاصات محكمة الموضوع وليس لأي طرف أن يطعن في ذلك متى جاء التقييم سليماً ومتفقاً مع الوضع الطبيعي للأمور ومتسقاً مع التصور الصحيح للحادث كما توحي به القرائن ، لقد أعطت المحكمة بالفعل وزناً كبيراً لأقوال القتيلة الثانية وفي في حالة الاحتضار وكذلك لأقوال المصابة أمينة التي شفيت من جروحها وأدلت بأقوال حازت على ثقة المحكمة ، وعلى ضوء ذلك توصلت المحكمة إلى أن الذي طعن القتيل الأول هو المتهم الأول (أ) الشيء الذي يعترف به هو – كما أنه لا ينازع في أن الوفاة حدثت في الحين والساعة وأنها كانت نتيجة مباشرة للإصابات التي لحقته ولو أنه ينازع في عدد الطعنات التي وجهها للقتيل – وقد جاء استخلاص المحكمة من القرائن إلى أنه هو وزميله المتهم الثاني وحدهما ولا أحد غيرهما المسئولان عن كل تلك الإصابات العشر مستساغاً ومقبولاً ولا يتحمل الجدل والشهادة الطبية تؤكد أن الوفاة كانت نتيجة مباشرة لذلك الأذى الذي أصابه أثناء الحادث ، وفي نوعية الإصابات وأوصافها ما يقوم إلى الجزم بتوفر القصد الجنائي ، وفي نطاق الظروف الطارئة لم تجد المحكمة أساساً لأعمال ظروف الإباحة التي لا محل لها حسب التصور الذي توصلت إليه من الوقائع التي ثبتت. واستبعدت المحكمة أيضاً ظرف الاستفزاز إذ أن المتهمين كانا هما باعترافهما اللذين تعديا بدخول مزرعة القتيل الأول. ثم ناقشت المحكمة ظرف الدفاع الشرعي عن النفس الذي تشبث به المتهمان معتمدين على قصة البندقية التي تمسكا بأن القتيل حاول أن يطلقها عليهما وقد تضاربت البينات في شأن هذه البندقية ولكن ما خلصت له المحكمة كان منطقياً ومفحماً وهو أنه حتى لو فرضنا جدلاً أن القتيل صاحب المزرعة كان يحمل بندقية وهددهما بها فإن خطورتها قد زالت في اللحظة التي نجحا في استخلاصها منه وكان لأي منهما أن ينهال بكل تلك الطعنات بعد أن أصبح اعزلاً وأصبحت البندقية في يد المتهم الأول (أ). أعطت المحكمة أيضاً ظرف المعركة المفاجئة حقه الكافي من الاعتبار وكادت أن تمنح المتهم الأول الفرصة للاستفادة منه لولا تخلف شرط جوهري من شروطه وهو عدم القسوة وعدم المبالغة في العنف وقد وجدت المحكمة في كثرة الطعنات وتعددها حتى بلغت العشرة ما يسبغ على التصرف وصف الشراسة والقسوة وهذه حقيقة واقعة. ولهذا كان لزاماً على المحكمة أن تستبعد أيضاً هذا الظرف وأدانت المتهم الأول (أ) بجريمة القتل العمد ولكنها قرنتها خطأ بالمادة 88 من قانون العقوبات حيث كان يجدر أن يكون الاقتران بالمادة 78 لأن الفعل الإجرامي الذي ارتكبه هذا المتهم الأول (أ) جاء أساساً حسب البينات التي اقتنعت بها المحكمة منطوياً على عنصر الاشتراك مع زميله المتهم الثاني (أ) وليس على مجرد عنصر التحريض ولذا نعدل إدانة المتهم الأول مع زميله المتهم الثاني (أ) وليس على مجرد عنصر التحريض ولذا نعدل إدانة المتهم الأول لتكون تحت المادة 78/251 من قانون العقوبات ونؤيد عقوبة الإعدام الصادرة ضده. أما عن المتهم الثاني من الفريق (أ) فإن موضوعه أكثر تعقيداً وجسامة وقد أنكر هو من جانبه اشتراكه في الطعن والضرب ونجد أن زميله المتهم (أ) حاول أن يحميه وأن يتحمل هو وحده المسئولية عن الحادث فزعم أنه هو (المتهم الأول) الذي طعن القتيل الأول والذي طعن أيضاً القتيلة الثانية ولكن جاءت البينات التي اطمأنت لها المحكمة متعارضة مع هذا فقد أكدت القتيلة الثانية وهي في حالة احتضار أن الذي طعنها هو محمد أحمد (المتهم الثاني) ورددت هذا أكثر من مرة قبل وفاتها. ويجدر أن نذكر هنا أن الأقوال في حالة الاحتضار لها في قواعد الإثبات موضوعاً مميزاً ووزناً كبيراً إذ أن المحتضر وهو يتوقع الموت ويودع الحياة يكون أبعد ما يكون عن الكذب وعن التمويه وبمنأى عن النوازع والنزوات التي تدفع إلى الاختلاق والتلفيق ، ومن هنا جاءت ثقة المحكمة في أن ما ذكره هذا المتهم الثاني (أ) كان مجرد كذل وأن مزاعم زميله المتهم (أ) كانت مجرد محاولة للتستر عليه وحصراً للمسئولية في نفسه فقد كان يعلم أنه شخصياً متورط تورطاً لا خلاص منه ويبدو أنه فضل أن يحمل هو كل العبء ورأي أنه أن كان لا مناص من العقاب فخير لهما أن يقع سوطه في ظهر واحد بدلاً من أن يصيب كليهما. ثم جاءت أقوال الشاهدة آمنة مؤكدة أن هذا المتهم الثاني (أ) لعب دوراً في إصابة القتيل الأول وأنه هو وحدة الذي قضى على القتيلة الثانية وأنه هو وحده أيضاً الذي طعنها في ظهرها وبطنها. وهنالك ملاحظة هامة نضيفها عن هذه الشاهدة وهي أنها ليس لديها صالح لأن تلصق بهذا المتهم أفعالاً لم يرتكبها وأن المنطق السليم يقوم للقول بأن ما ذكرته هو الحق وهو الشيء الذي حدث فعلاً. هذه البينات دامغة وكافية تماماً لأن تثبت ضد المتهم الثاني (أ) جريمة الاشتراك في تسبيب وفاة القتيل الأول وفي تسبيب وفاة القتيلة الثانية أما عن الجريمة الأولي فقد سبق أن ناقشنا عناصرها والوقائع في شأنها وقد تبين لنا سداد اقتناع المحكمة الكبرى بأن هذا المتهم الثاني (أ) قد اشترك مع المتهم الأول (أ) في ارتكابها ولذا نؤيد إدانته بها ولكننا نصحح وضع المواد لتكون الإدانة تحت المادة 78/251 من قانون العقوبات – وعن الجريمة الثانية نجد في أقوال القتيلة نفسها وهي في الاحتضار وفي أقوال المصابة آمنة ما يثبت أن هذا المتهم هو الذي طعن القتيلة تلك الطعنات في بطنها التي فشلت فيها كل محاولات العلاج فأدت لوفاتها بالمستشفى وهي طعنات تثبت في حد ذاتها عنصر القصد الجنائي وقد جاءت تلك الطعنات في ظرف لا محل للتحدث فيه عن الاستفزاز ولا عن حق الدفاع الشرعي عن النفس فقد كانت المعتدى عليها قبل كل شئ امرأة لا تشكل خطورة أمام رجل مسلح بسكين – وقد أصبح تصرف المتهم عند طعنها في بطنها حتى برزت أمعاؤها متصفاً بالشراسة والمبالغة مما يتعين معه حرمانه من الإفادة من حالة المعركة المفاجئة التي يمكن القول بأنها كانت سائدة وبناءاً عليه نؤيد أيضاً إدانته بجريمة تسببه في قتل هذه المرأة تحت المادة 251 من قانون العقوبات. أما عن جريمة شروعه في قتل المجني عليها الثالثة آمنة فأول ما يواجهنا في شأنها هو أنه لم توجه له بها تهمة على الإطلاق وأنه وفقاً للمادة 156 من قانون الإجراءات الجنائية فإن محاكمته بهذه الجريمة بالذات بدون أن تكون قد حررت له بها تهمة أمام قاضي الإحالة أو أمام المحكمة الكبرى بعد دخولها في المحاكمة تصبح باطلة ويتعين شطب الإدانة بها ولذا نرفض تأييد إدانته تحت المادة 259 من قانون العقوبات.
ننتقل الآن للعقوبة ونرى أن ننبه أولاً إلى أن المحكمة كان ينبغي أن توقع عقوبة منفردة لكل جريمة أدانت بها المتهم تسحباً لاحتمالات عدم التأييد لواحدة أو أكثر من الإدانات التي صدرت ضده (كما حدث الآن) وأن تكون عقوبة الجريمة التي تؤيد أدانته بها معززة وواضحة على انفصال لننظر في أمرها إذا ألغينا العقوبات الأخرى دون حاجة للرجوع مرة أخرى لمحكمة الموضوع هذا عن المبدأ العام أما في هذه القضية فقد أيدنا إدانة المتهم بجريمتين من الجرائم التي أدانته بها المحكمة وأصبح حكم الإعدام اللازم منهما مجباً بالفعل لجميع العقوبات الأخرى ونحن نؤيد هذا الحكم.
بقي فقط الجانب الآخر للقضية وهو جانب الطرف الثاني (ب) المستضعف والذي يتكون من المجني عليها الثالثة آمنة ومن شقيق القتيل الأول الذي حضر متأخراً وحاول إعاقة الهاربين عن الهروب فالتحم معهما في معركة وتبادل معهما الضرب لقد وجدت المحكمة عن صواب أن تصرف كليهما كان في نطاق الدفاع الشرعي ومعفى من المسئولية الجنائية وبناءاً عليه برأتهما ونحن على وفاق تام معها في هذا الشأن ونؤيد براءة المتهمين الذي يتكون منهما الفريق (ب).
الأمر النهائي :
نؤيد إدانة حسن محمد متعنى تحت المادة 78/251 من قانون العقوبات والحكم بإعدامه شنقاً حتى الموت. ونؤيد إدانة محمد أحمد الطالب تحت المادة 78/251 من قانون العقوبات وتحت المادة 251 من قانون العقوبات والحكم بإعدامه شنقاً حتى الموت ونؤيد براءة المتهمين آدم سليمان بشر وأمينة عبد الكريم من التهم الموجهة إليهما.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد صلاح الدين محمد شبيكة قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد أمين هاشم وآخر
م ع/ط ج/75/ 1979
المبادئ:
إجراءات جنائية – الإحالة الإيجازية – هي القاعدة والاستثناء هو الإجراءات غير الإيجازية.
إجراءات جنائية – سلطة الفحص بغرض تعديل الأوامر الفرعية – المادة 257 والفقرة (ز) من المادة 256 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م – شرطها استشعار الأمر المطلوب فحصه – عدم اشتراط طريقة معينة لاستشعار الخلل ولطلب الأوراق.
إجراءات جنائية – مواعيد الجلسات – تعتبر من الأوامر الفرعية – ويمكن تعديلها بواسطة نفس القاضي الذي حددها.
إجراءات جنائية – الفرق بين الأحكام القضائية والأوامر الطارئة – الأوامر الطارئة يجوز تعديلها بواسطة نفس المحكمة التي أصدرتها – المادة 247 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م.
1- بموجب المادة 157 من قانون الإجراءات الجنائية تعتبر إجراءات الإحالة الإيجازية هي القاعدة والاستثناء هو الإجراءات غير الإيجازية.
2- تملك المحكمة الاستئنافية سلطة طلب الأوراق وفحصها بموجب المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية بغرض تعديل أو إلغاء أو إضافة أي أمر فرعي حسبما تراه عادلاً وفقاً لنص الفقرة ( ز ) من المادة 256 من نفس القانون ولا يهم في هذا الصدد الطريقة التي نما بها إلى علم السلطة الاستئنافية وجود الخلل في الإجراءات ولا يهم الطريق الذي تسلكه السلطة في الحصول على المحضر بل المهم هو استشعار الخلل.
3- تعديل مواعيد الجلسات بواسطة القاضي الذي حددها لا يمكن الطعن فيه على أساس انعدام السلطة أو تجاوزها وإن كان من الممكن الاعتراض إذا كان التعديل يؤدى أضرار بأحد الأطراف أو بمتطلبات العدالة.
4- يوجد فرق بين الأحكام القضائية وبين الأوامر الطارئة التي تصدرها المحكمة من آن لآخر فالأولي غير قابلة للتعديل بواسطة نفس المحكمة التي تصدرها وذلك بنص المادة 247 من قانون الإجراءات الجنائية أما الأوامر الطارئة فهي عرضة للتغيير بواسطة السلطة القضائية التي تصدرها حسب تغير الأحوال والظروف التي دعت لإصدارها.
(الحكــــم)
2/6/1979م
رئيس القضاء خلف الله الرشيد :
في يوم 25/11/1977 سجل المدعى أبو عبيدة الطيب بقوش بلاغ لدى بوليس الخرطوم ضد أمين هاشم وثلاثة آخرين يتهمهم فيه بأنهم قد احتالوا عليه وأوهموه بأنهم سوف يسلمونه كميات من الأقمشة المستوردة إذا ما دفع قيمتها مقدماً وعن طريق ذلك الوهم استطاعوا أن يتحصلوا منه على شيكات قيمتها مائة وسبعة ألفاً ومائتان وخمسون جنيه – وبعد فتح البلاغ وإجراء التحريات تحت المادة الاحتيال رفعت الإجراء للسيد قاضي جنايات الخرطوم وسط الذي شرع في يوم 9/8/1978 في التحقيق القضائي الذي يستلزمه هذا الموضوع حيث أن قيمة المال موضوع الشكوى يجعل منها إذا ما تقرر محاكمتها جنائياً من اختصاص محكمة كبرى. وفي تلك الجلسة استمعت المحكمة لشاهد الاتهام الأول المتحرى ثم أجلت السير في التحقيق لتاريخ آخر ، ولكن سيره تعثر لأسباب وأعذار كثيرة وتعددت التأجيلات من موعد لآخر وفي جلسة يوم 24/2/1979 تقدم محامي المتهمين بشهادة طبية تفيد بأن المتهم الأول مريض فاضطرت المحكمة لتأجيل آخر. وتقدم ممثل الاتهام بشكوى للسيد قاضي المديرية باستيضاح الطبيب الذي حرر الشهادة الطبية وجاء رده مفيداً بإمكانية حضور المتهم المريض للجلسات وقررت المحكمة مواصلة التحقيق بأسرع مما كان مقرر من قبل وعدلت مواعيد الجلسات إلى تاريخ أقرب فاستأنف السيد محامى المتهمين ضد هذا التعديل وأصدر السيد قاضى المديرية قراره في الاستئناف ولم يرى وجهاً للاعتراضات التي أبداها السيد مقدم الاستئناف ثم وجه بأن يتبع السيد قاضي الإجراءات الإيجازية في التحقيق. من بعد ذلك استأنف السيد محامى المتهمين لمحكمة الاستئناف التي قررت بتاريخ 27/3/1979 تأييد السيد قاضي المديرية.
يعطن أمامنا الآن السيد محامي المتهمين ضد قرار محكمة الاستئناف بمذكرة بلغ عدد صفحاتها الاثنى عشر والنقاط التي يعترض عليها أساساً لا تتعدى ثلاث وهي:
1-سلطة السيّد قاضي المديرية والسيّد قاضي محكمة الاستئناف المسئول عن محاكم المديرية في توجيه محكمة الموضوع أثناء سير القضية.
2-سلطة المحكمة في تعديل مواعيد الجليات بعد تحديدها وجعلها أقرب مما كانت عليه.
3-تطبيق إجراءات الإحالة الإيجازية في هذه القضية الشائكة.
ونبدأ أولاً بالرد على النقطة الثانية ونشير إلى الفارق بين الأحكام القضائية وبين الأوامر الطارئة التي تصدرها المحكمة من آن لآخر ، فالأولى غير قابلة للتعديل بواسطـة نفـس المحكمة التي تصدرها وذلك بنص المادة 247 من قانـون الإجراءات الجنائية أما الأوامـر الطارئة فهـي عرضة دائماً للتغييـر بواسطة السلطة القضائيـة التي تصدرها حسب تغير الأحوال والظروف التي دعن إصدارها . وتطبيقاً لذلك نجد قاضي الجنايات يأمر بالإفراج عن المتهم بالضمانة بعد أن يكون قد أمر بوضعه في الحراسة وقد يأمر مرّة أخرى بإعادة القبض عليه إذا ما استدعت التحريات ذلك أو صارت الضمانة غير كافية وكذلك مواعيد الجليات تصدر في صيغة أوامر قابلة للتعديل حسب مقتضيات الظروف ولا يمكن الطعن في أي تغيير تحدثه فيها المحكمة على أساس انعدام السلطة أو تجاوزها وأن كان من الممكن الاعتراض إذا كان التغيير يؤدي إلى أضرار بأحد الأطراف أو متطلبات العدالة الشيء الذي لا نراه قد حدث في ظروف هذه القضية.
أما عن سلطة قاضي المديرية والمحاكم ذات السلطة الاستئنافية بشكل عام للتدخل في سير المحاكمات فإننا نرى أن خلطاً كثيراً قد حدث فيه وأن الجدل الذي أثاره السيّد مقدّم الطعن قد ذهب لأكثر مما يجب والموضوع في الأصل في غاية الاستقامة والوضوح حسب نصوص قانون الإجراءات الجنائية الذي لم يترك شيئاً للاجتهاد وليس هنالك من بعده حاجة للرجوع إلى قانون الهيئة القضائية ولا محل أيضاً لإقحام أعمال الإشراف الإداري. فالموضوع قضائي بحت ويدور حول قضية محددة والخلاف والتظلم نشأ في شأن نقطة قانونية معينة وهنا تبرز لنا أهمية النص الاستئنافية سلطة طلب وفحص أي إجراءات جنائية أمام أي من المحاكم الأدنى درجة الخاضعة لها والتصرف فيها حسب ما ورد بالفقرة ( ز ) من المادة 256 من نفس القانون وذلك بتعديل أو إلغاء أو إضافة أي أمر فرعي حسبما تراه عادلاً.
يقول السيد المحامي مقدم الطعن أن التوجيهات كانت شفهية وأن السيد قاضي المديرية لم يطلب الملف ولم يمارس أي سلطات فحص أو استئناف ونحن لا نجد في المحضر ما يشير إلى شئ من هذا ولا يجوز قانوناً ولا يليق ممارسة أن يكون هذا موضوع جدل أو أن يكون الطريق الذي سلكه السيد قاضي المديرية في الحصول على المحضر والإلمام بالحقائق موضوع بحث واستقصاء. وكذلك ليس بذي بال ماهية الاعتراض الذي جعل السيد قاضي المديرية يتحرك لمباشرة سلطته التلقائية في الفحص هل كان ذلك نتيجة لطلب أو التماس أو شكوى إذ أن سلطة الفحص كما ذكرنا هي سلطة تلقائية يباشرها من تلقاء نفسه وأي اتصال به في هذا الصدد يعتبر التماس لتحريكه لمباشرتها ولم يختط القانون صيغة أو أسلوباً خاصاً محدداً لمثل ذلك الاتصال أو ذلك الطلب المهم الآن هو أن تلك السلطة الاستئنافية نما إلى علمها أو استشعرت خللاً في القضية أمام محكمة خاضعة لها مباشرة ورأت الاطمئنان إلى حسن سير الإجراءات بالسرعة المطلوبة فبادرت وسلكت الطريق المؤدى للفحص وألمت بالظروف والحقائق وأصدرت توجيهاتها اللازمة – ولا محل للطعن في أي من هذه الخطوات- ولا نرى وجهاً للجدل والاعتراض عليها.
ننتقل الآن للنقطة الأساسية في طلب محامى المتهمين والجديرة بالاعتبار والتي كان ينبغي أن ينحصر فيها ويستغني عن ذلك الاستطراد والخوض في النقاط الجانبية – وهي النقطة الخاضعة بالتوجيه الذي أصدره السيد قاضي المديرية لمحكمة الموضوع بأن تتبع إجراءات الإحالة الإيجازية – ونحن لا نرى سبباً للخروج عن هذه القاعدة في قضية ذات صفة مستعجلة وليس فيها تعقيد ويمكن للمحكمة الكبرى أن تمحض كل النقاط التي يستند عليها الدفاع وتفصل في كل الاعتراضات التي يبديها – وبناءاً عليه يشطب الطلب وتعاد الأوراق للمحكمة للسير وفقاً للتوجيهات الصادرة.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد صلاح الدين محمد شبيكة نائب رئيس القضاء عضواً
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد محمود حامد عيسى
(م ع/م ك/45/ 1979)
المبادئ:
قانون جنائي – الاستفزاز بسبب تصرفات الزوجة – ينشأ في حالة وجود الزوجة في موقف لا يقبل إلا تفسيراً واحداً هو مباشرتها للاتصال الجنسي أو أنها على وشك ذلك.
قانون جنائي – الاستفزاز المتراكم – مثال لما يرقى للاستفزاز المتراكم.
استفزاز الزوج لكي يصبح جديراً بأن يوصف بالخطورة – لابد أن يكون وليد وضع يجد فيه المتهم زوجته في حالة تلبس بالعملية الجنسية والمقصود بهذا أن يجدهما في حالة دامغة لا تحمل سوى تفسير واحد وهو أنهما كانا يباشران الاتصال الجنسي أو على وشك الدخول فيه أما إذا كان الوضع يبدو في نظر الشخص العادي قابلاً لتفسير آخر أو أن له أي مبرر فإن الاستفزاز يصير قاصراً عن الوصول لدرجة الخطورة.
2- بما أن المتهم قد أنذر زوجته بألا تسمح للمجني عليه بدخول منزله في غيابه ونهاها عن أن تكون لها أي علاقة به وبما أنه اشتكى لأخيه من المجني عليه وعبر عن عدم اطمئنانه له وامتعاضه وثبت أن انشغاله بهذا الأمر وصل إلى الحد الذي جعله يزمع الرحيل كلياً من تلك القرية فإن عثوره على المجني عليه مستلقياً على سرير داخل حجرة بمنزل المتهم مع وجود زوجته بنفس الحجرة يكفي لتطبيق نظرية الاستفزاز المتراكم واستفادة المتهم من دفع الاستفزاز الخطير المفاجئ على الرغم من أن واقعة وجود المجني عليه مع زوجة المتهم داخل حجرة واحدة قد لا تكفي وحدها لقيام عذر الاستفزاز الخطير.
رأي عابر :
بما أن مسألة الاستفزاز هي مسألة نفسية بحتة فإن القيم الأخلاقية والاعتبارات الاجتماعية خارجة عن نطاقها ويمكن للمتهم أن تستفزه تصرفات خليلته تماماً وإلى نفس الدرجة التي تستفزه إليها تصرفات زوجته.
الحكــــم
9/6/1979م :
القاضي محمد الفضل شوقي :
أمام محكمة كبرى في عطبرة برئاسة السيد عمر عبد الله الشيخ على تمت محاكمة المتهم محمود حامد عيسى يوم 4/2/1979 بتهمة القتل العمد وقد أدانته المحكمة بالتهمة التي وجهت إليه تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت.
البينات في هذه القضية جاءت على قدر كبير من الوفرة والوضوح وباستقرائها نستطيع أن نلخص الوقائع الأساسية في أن المتهم والقتيل وهما أبناء خؤولة كانا يسكنان متجاورين في حلة سلالات التابعة لنقطة بوليس سيدون بمركز عطبرة – وقد كان المتهم يشك في زوجته وأن المجني عليه على علاقة غير شرعية بها فحذرها منه وشدد في تحذيرها ونهاها من السماح له بدخول منزلها في غيابه كما أبلغ أخوه شاهد الدفاع الأول عن هذا الموضوع وشكي له من المجني عليه ثم اتجهت نيته نحو الرحيل كلياً من القرية تفادياً للمشاكل وأعلن عن ذلك حتى بلغ الخبر والد الزوجة وهو شاهد الدفاع الثاني وفي يوم 22/3/1978 عاد المتهم لمنزله فوجد المجني عليه داخل الحجرة مستلقياً في السرير وزوجته في نفس الحجرة فما كان منه إلا أن استل سيفه وضرب المجني عليه ثلاث ضربات كسرت إحداهن الجمجمة وبترت الثانية كفه اليسرى وجرحت الثالثة قدمه اليسرى – وقد أدى كسر الجمجمة إلى نزيف داخلي توفي المصاب بسببه بالمستشفي يوم 29/3/1978 وقد اعترف المتهم بضرب المجني عليه ودفع بأنه كان في حالة استفزاز خطير.
تقدم لنا محامى المتهم بطعن عن طريق النقض خرج فيه عن موضوع القضية وتعرض لنقاط لا تخدم أغراض دفاعه – ويمكن تلخيص النقاط التي أوردها بإيجاز كثير فيما يلي :-
1- أن زوجة المتهم قد كذبت عندما نفت أن المجني عليه كان في حالة اتصال جنسي بها عند دخول المتهم عليها – وأن المتهم هو الصادق في قوله أنه وجدهما في هذه الحالة.
2- أن المتهم يستحق بناءاً على هذه الحالة أن يستفيد من عذر الاستفزاز الخطير والمفاجئ تحت الفقرة (1) من المادة 249 من قانون العقوبات.
3- أن قضية الجاك قمر المنشورة بالصحيفة 105 الأحكام الشهرية أكتوبر ونوفمبر 1977 والتي استندت عليها المحكمة في رفضها منح المتهم فائدة الاستفزاز الخطير الذي دفع به تنطوي على خطأ وهي مناقضة لأحكام أخرى أصدرتها المحكمة العليا وذلك لأنها أولاً تضع الزوجة والخليلة على قدم المساواة في ناحية الاستفزاز الخطير الذي يولده تواجد أي منهما في حالة تلبس مع شخص غريب – وهو أمر مخالف لقواعد الأخلاق – وثانياً لأنها تشترط أن تكون الزوجة أو الخليلة في حالة تلبس مع الأجنبي لكيما يصبح الدفع بالاستفزاز الخطير مقبولاً.
ونرى أن نبدأ أولاً بالرد على هذه النقطة الأخيرة التي أقحمها السيد محامى المتهم إقحاماً ولم يكن في حاجة للخوض فيها فهي لا تخدم أغراض قضيته أو دفاعه في شئ – وقد أضاف بها إلى أعبائنا إضافات كنا في غنى عنها – ولا مناص من أن نتوقف قليلاً ونوضح النظريات القانونية في هذا الشأن وهي واضحة ومستقرة.
أما عن وضح الزوجة والخليلة في درجة متساوية عندما تثور اعتبارات الاستفزاز الخطير وما يراه السيد مقدم الطعن من أن مثل هذا الوضع يرفضه المجتمع والدين فإن ذلك لا يغير من موقف القانون الساري المفعول إلا إذا عدلته السلطة التشريعية المختصة بحيث يشمل على المبدأ الخلقي المنادى به.
أما الرأي الفقهي فيوضحه الدكتور البدراوى عند حديثه عن حقيقة العلاقة بين القانون والأخلاق في كتابه "المدخل للعلوم القانغ نية" بالصحيفة 49 من طبعة 1962 حيث يقول " لاشك أن هناك اختلافاً في النطاق بين دائرة القانون ودائرة الأخلاق – فهناك من ناحية أولي واجبات الإنسان نحو نفسه وهذه واجبات خلقية بحتة لا شأن للقانون بها – ومن ناحية أخرى فإن القانون لا يهتم بما يضمره الإنسان من شعور نحو غيره ما لم يظهر في الخارج بأعمال ظاهرة فالقاعدة القانونية كما أسلفنا هدفها السلوك الظاهر.. وهنالك أمور ينظمها القانون ولا شأن للأخلاق بها.. وأخيراً فإن هنالك أموراً يسمح بها القانون مع خروجها على الأخلاق" هذا هو الرأي الفقهي بشكل عام ومع أن الدكتور البدراوى يتطرق بعد ذلك للتحدث عن الاتفاقيات المنافية للأخلاق وكيف أنها باطلة ويضرب مثلاً بالاتفاق على إيجاد علاقات جنسية غير مشروعة إلا أن البطلان هناك ينصب على الاتفاق ذاته وهو ما لسنا بصدده في نطاق القضايا الجنائية التي تعنى في المكان الأول بالمشاعر والانفعالات والآثار النفسية وهي أحاسيس واقعة لا تتدخل نظريات البطلان في نشوئها ولا تحد من فعاليتها.
ننتقل بعد ذلك إلى السوابق القضائية ويشير السيد مقدم الطعن ب قضية حكومة السودان ضد الأمين كرامة الحاج المنشورة بالصحيفة 59 من المجلة القانونية لسنة 1961م والتي تقرر مبدأ أصولياً في القانون الجنائي وننقل منها ما ترجمته :-
"بما أن مسألة الاستفزاز هي مسألة نفسية بحتة فإن القيم الأخلاقية والاعتبارات الاجتماعية خارجة عن نطاقها – ويمكن للمتهم أن تستفزه خليلته تماماً وإلى نفس الدرجة التي تستفزه إليها زوجته" – ومع أن وقائع تلك القضية غير مطابقة لوقائع القضية المشار إليها إلا أن هذا المبدأ غير مرتبط بالوقائع وإنما هو في الأصل كما ذكرنا قاعدة أصولية عامة انبنت على واقع الاختلاف بين المشار البشرية من ناحية ومتطلبات المجتمع ومكارم الأخلاق من ناحية أخرى.
وأخيراً يشير السيد مقدم الطعن إلى كتاب راتنلال عن القانون الجنائي وليته أطلع على ما ورد بالصحيفة 774 أما الطبعة الواحدة والعشرين.
"الرجل الذي يرى امرأة في أحضان رجل آخر ويفقد السيطرة على أعصابه كنتيجة لذلك فإن نوع الرابطة التي تربطه بتلك المرأة من حيث أنها مجرد خليلة له وليست زوجة ليس لها أي أثر واقعي ولا تبطل فعالية المادة 304 من القانون".
نكتفي بهذا في شأن توضيح الشقة بين القواعد القانونية وبين مبادئ الأخلاق كذلك الفوارق بين المشاعر والأحاسيس النابعة من واقع النفس البشرية من ناحية وما تدعو إليه متطلبات المجتمع السليم والأخلاق الكريمة من مبادئ ونظريات مثالية في الناحية الأخرى- ونتطرق الآن إلى حالة التلبس التي وردت بسابقة الجاك قمر وإنما ذكرت فقط أن الاستفزاز لكيما يصبح جديراً بأن يوصف بالخطورة فلابد أن يكون وليد وضع يجد فيه المتهم زوجته في حالة تلبس بالعملية الجنسية – ومن الواضح أن المقصود هو أن يجدهما في حالة دامغة لا تتحمل سوى تفسير واحد وهو أنهما كانا يباشران الاتصال أو على وشك الدخول فيه – أما إذا كان الوضع يبدو في نظر الشخص العادي قابلاً لتفسير آخر – أو أنه له أي مبرر فإن الاستفزاز يصير قاصراً على الوصول لدرجة الخطورة وعلى ضوء هذا المعنى نجد أن تلك السابقة إن لم تقل شيئاً يختلف عما ورد بجميع السوابق الأخرى التي أوردها السيد مقدم الطعن – وأنها جميعاً تتفق في أن الحالة التي يطالب المتهم على أساسها بفائدة عذر الاستفزاز الخطير يلزم أن تكون حالة تقود الشخص العادي في ذلك المجتمع المحدد إلى القطع بأن وراء الأكمة ما وراءها وتفقده السيطرة الفعلية على أعصابه ونضيف أيضاً أن ما ذكره السيد المحامي من أن قضية الجاك قمر تخالف ما استقر عليه الفقه الجنائي المتعلق بالاستفزاز ففيه شئ من المبالغة وذلك لأن المحكمة في تلك القضية كانت مقيدة بوقائعها وهي وقائع تختلف عن وقائع هذه القضية. ففي تلك القضية وجد المتهم المجني عليه بداخل منزل خليلته وطلب منه مغادرة المنزل ولما رفض أمسك به وأخرجه ثم ضربه بعكاز وأرداه قتيلاً وعلقت المحكمة على سبيل الاستدلال بأن الدفع غير وارد لأن الاستفزاز لا يصل درجة الخطورة إلا إذا وجد المتهم في حالة تلبس وهذا على سبيل المثال بمعنى أن التلبس يشكل واحدة من تلك الدرجات وننتقل الآن إلى فحص الوقائع ونجد أن سائر العناصر جريمة القتل العمد في المقام الأول مثبته تماماً ببينات وافية وقد أعطتها المحكمة حقها الكافي من البحث والتمحيص في حيثياتها الرصينة - وهي بشكل عام غير متنازع عليها – فالمتهم يعترف بضربه للمجني عليه بالسيف – وقد جاءت الوفاة كنتيجة مباشرة للضربة التي أصابت الرأس والمقطوع بأثرها القاتل في التقرير الطبي – وهي ضربة كما قالت المحكمة إن لم تنم عن قصد المباشر لتسبيب الوفاة فإنها على الأقل دليل على أن المتهم كأي شخص عادي قد كان يعلم عند تسديدها بأنها من المرجح وليس المحتمل فحسب أن تؤدى للوفاة – وهو علم يستوي قانوناً مع القصد المباشر لتسبيب الوفاة- وهذه هي عناصر القتل العمد الأساسية الثلاث – وقد انحصر النزاع في المطالبة بالأعذار الطارئة التي تتدخل لتخفيف درجتها وعلى وجه التحديد عذر الاستفزاز الخطير المفاجئ ونتفق مع السيد المحامى في أنه يتضح من الوقائع الثابتة أن هناك استفزازاً " متراكماً" فلقد ثبت أن المتهم أنذر زوجته شاهدة الاتهام الثانية بألا تسمح للمجني عليه بدخول منزله في غيابه ونهاها عن أن تكون لها أي علاقة به كما ثبت أنه اشتكى لأخيه من المجني عليه وعبر عن عدم اطمئنانه له وامتعاضه من تصرفاته وثبت أيضاً أن انشغال ذهنه بهذا الأمر وعلى الشهود والقرائن تشير بوضوح إلى أن المتهم كان مشغول البال بموضوع المجنى عليه وبمناوراته حول منزله وزوجته وأنه كان في حالة معاناة نفسية وقلق من التفكير في هذا الأمر. ثم حل يوم الحادث حضر المتهم لمنزله عائداً من الخارج ولم يكد يدخل حتى فوجئ بالمجني عليه مستلقياً في سرير وكانت زوجته مصدر القلق هنالك في نفس الحجرة فما كان منه إلا أن أعمل سيفه في جسد المجني عليه. هذا التصور الحادث تتوفر في أوصافه جميع متطلبات نظرية الاستفزاز المتراكم. فقد كانت هنالك سلسلة من حالات الانفعال والاضطراب المتعاقبة كل منها تزيد من حدة الأخرى وفجأة جاءت الواقعة الأخيرة وهي تواجد المجني عليه داخل منزل المتهم في حالة تدعو للشك ومع أنها قد لا تكفى وحدها لقيام عذر الاستفزاز الخطير إلا أنها على ضوء ما سبقها من أحداث وخلفيات تصبح بمثابة الشرارة التي أوقدت الحريق أو القشة التي قصمت ظهر البعير. واستناداً على هذه النظرية تصبح الجريمة هي جريمة قتل جنائي ونحن لذلك نعدل الإدانة لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات ونعدل العقوبات بعد مراجعة السوابق المماثلة وعلى ضوء اعتبارات القرابة بين الجاني والقتيل لتكون عشرة أعوام سجن ابتداء من 22/3/1978م.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
سعادة السيد عمر بخيت العوض قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن على أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد محمد عبد الرحمن عبد النور
م ع/ م ك/31/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي – حسبان درجات الخطر.
قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي – واجب من يتوقع العدوان.
قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي – معنى الوقت المتسع للحصول على حماية السلطة.
1- أن المدافع وقت وقوع العدوان لا يحسب درجات الخطر بميزان الذهب وإنما يتصرف بحسب جسامة العدوان المحدق به.
2- أن الذي يتوقع العدوان من واجبه أن يحتاط لحماية نفسه على وجهين – لطلب حماية السلطة عن طريق تعهد المجني عليه بعدم الاعتداء على المتهم والثاني أن يستعد لحماية نفسه بحمله سلاحاً مشروعاً بحسب الظروف.
3- المقصود بوجود الوقت المتسع للحصول على حماية السلطة العامة ينظر إليه وقت نشوء الخطر المحدق بالإنسان وبصورة جدية يحق للرجل العادي أن يتوقع وقوع العدوان عليه وهذا يقتضي ظهور عنصر مادي وليس مجرد النية التي تقبع في داخل أفكار المعتدى.
الحكــــــم
17/7/1979م
القاضي عمر بخيت العوض :
أصدرت محكمة كبرى عقدت في سنجة برئاسة القاضي عثمان جلال الدين الحكم بإعدام المتهم محمد عبد الرحمن النور بعد أن وجدته مذنباً تحت المادة 251 من قانون العقوبات وفقاً للوقائع التي ذكرتها في ملخص الوقائع.
ولقد جاء في تلك الوقائع أن المتهم والمجني عليه على علاقة غير شريفة بشاهدة الاتهام الثانية وكلاهما يعلم بذلك. وفي يوم الحادث كان المتهم وجماعة يشربون لمريسة في أنداية شاهدة الاتهام الثانية وعند انتهاء مواعيد الأنادي انتقل جمعهم لمنزلها وبعد نفاذ الشراب غادر الرفاق المنزل وتركوا المتهم مع شاهدة الاتهام الثانية.
وبعد انصرافهم اختلى المتهم بشاهدة الاتهام الثانية وعندما فرغ من مجامعتها سمع سوت المجني عليه ينادى على شاهدة الاتهام الثانية التي ارتدت قميصها وخرجت له. وفي هذا الأثناء ارتدى المتهم لباسه ولما أوشك دخل عليه المجني عليه شاهراً حربته (كوكاب) وصوبه في اتجاه المتهم ولكن لم يصبه بسوء فاستل سكينه واشتبك مع المتهم الذي تمكن من تسديد ثلاث طعنات واحدة على صدر المجني عليه وثانية على بطنه والثالثة على مقدمة الرأس فسقط المجني عليه ميتاً لتوه.
هذه الوقائع ثابتة من أقوال الشهود وإقرار المتهم وبالتالي فإن عناصر القتل قد توفرت من حيث الإصابات ومكانها من الجسم والأداة المستخدمة الأمر الذي يستنتج منه علم المتهم على أن الموت هو النتيجة الراجحة.
ولقد تعرضت المحكمة الكبرى لحق الدفاع عن النفس لأن الوقائع على صورتها التي صدقتها تشير إلى نشوء ذلك الحق ولكن المحكمة الكبرى رفضت إعمال هذا الحق لصالح المتهم بسبب أن المتهم والمجنى عليه على علاقة غير شريفة بتلك المرأة وأن كلاهما مترصداً للآخر بسبب هذه العلاقة ولهذا فقد استعد كل منهما للقاء الآخر وعلى الأخص المتهم فقد لبس حجابه وحضر ومعه سكينه.
أن الذي ذهبت إليه المحكمة الكبرى هو تقرير لمبدأ لا يقوم على أساس إلا إذا أرادت القول بأن على المتهم واجب اللجوء للسلطات إن كان يخشى وقوع ضرر عليه وأن يطلب حمايتها إزاء الخطر المحتمل. ولكن المقصود بوجود الوقت المتسع للحصول على حماية السلطة العامة ننظر إليه وقت نشوء الخطر المحدق بالإنسان وبصورة جدية يحق للرجل العادي أن يتوقع وقوع العدوان عليه وهذا يقتضي ظهور عنصر مادي وليس مجرد النية التي تقبع في داخل أفكار المعتدى. ولهذا فإن تعاقب المتهم والمجني عليه على معاشرة تلك البغي قد تولد حقداً لدى كل منهما على الآخر ولكن هذا لا يكفى لنشوء حق الدفاع وبالتالي إعمال الضوابط الخاصة بممارسته.
ومن وجه آخر فإن الذي يتوقع العدوان من واجبه أن يحتاط لحماية نفسه على وجهين: يطلب حماية السلطة عن طريق تعهد المجني عليه لعدم الاعتداء عليه المتهم والثاني أن يستعد لحماية نفسه لحمله سلاحاً مشروعاً بحسب الظروف ولإيلام على اتخاذ مثل هذه الحيطة ولا يجعله ذلك محروماً من ممارسة حق الدفاع عن النفس لأن الممارسة مرتبطة بظهور علامات تدل على نشوء الخطر وأنه وشيك الوقوع أما فوراً وبذلك يعمد المدافع لحماية نفسه بنفسه أو هناك مهلة من الوقت يستطيع خلالها الحصول على حماية السلطة العامة.
وبعد كل هذا الإيضاح فإن الوقائع تشير إلى عدم وجود خطر ماثل عندما جاء المتهم لمنزل شاهدة الاتهام الثانية حيث لم يوجد المجني عليه في مسرح الأحداث وبالتالي لم يكن هناك خطر ماثل يستوجب اللجوء إلى السلطة العامة ولذلك فإننا لا نوافق المحكمة الكبرى رأيها في سلب حق الدفاع الشرعي لمجرد أن المتهم كان يحمل سلاحاً ولأن توقعه للعدوان من جانب المجني عليه مجرد احتمال قد يحدث وقد لا يحدث وبذلك لا توجد الصفة الأساسية وهي الخطر الماثل المحدق والذي وشيك الوقوع.
وعليه فإن المجني عليه عندما دخل قطية شاهدة الاتهام شاهراً حربته وقد دفعها نحو المتهم فإن للمتهم الحق في أن يدافع عن نفسه إزاء هذا الخطر المحدق به وقد فعل حين أمسك بالحربة إلا أن المجني عليه استل سكينه واشتبك مع المتهم الذي بادر بدوره بشهر سكينه وطعن بها المجني عليه ثلاث طعنات. وقد أصيب هو بطعنة واحدة أسفل البطن وهنا يتبادر إلى الذهن القول بتجاوز القدر اللازم للدفاع ولكن طبيعة المعركة التي دارت وإصرار المجنى عليه على الاشتباك مع المتهم مرة بالحربة وأخرى بالسكين تدل على أن عدوانه لم يتوقف إلا بعد تسديد تلك الطعنات غير أن المحكمة الكبرى ترى أن طعنة واحدة كانت كافية لإيقاف عدوان المجني عليه ومن رأيها أن التجاوز حدث بالنسبة للطعنة الثانية من الطعنات الأساسية وهي ما تحت ما قيل عنه بأن المدافع وقت العدوان المحدق به وأنه من العدالة ومن المعقول أن يسمح له في مثل هذه الظروف بالتجاوز بالطعنة الواحدة نسبة لتلاحق الأحداث وانعدام الحالة العقلية المتزنة التي تقدر الأمور بالانضباط الكافي.
ولذلك فإننا لا نرى أن المتهم قد تجاوز حقه في الدفاع عن النفس حيث كان مواجهاً بعدوان نشأ عنه اعتقاد جازم بأنه مهدد لحياته بالموت إن لم يستخدم حقه في الدفاع عن النفس كما أنه لم يكن لديه وقت للحصول على حماية السلطة العامة حيث هاجمه المجني عليه وهو بداخل القطية ولم يكمل ارتداء ملابسه.
لهذا فإننا نقرر إلغاء إدانة المتهم تحت المادة 251 عقوبات ونأمر بإطلاق سراحه فوراً.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
سعادة السيد فضل شوقى قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد أحمد التجانى عبد الهادى قاضي المحكمة الكبرى عضواً
سعادة السيد محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عباس السماح النور
م ع/ م ك/82/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي – ثبوت حق الدفاع الشرعي للمتهم بعد استفزازه للمجني عليه.
رغم أن المتهم قد سبب لزوج المرأة استفزازاً لدى زيارتها مما يبرر تخفيف مسئولية الزوج في حالة الاعتداء على المتهم على أساس الاستفزاز أو الدفاع الشرعي ، إلا أنه في حالة هرب المتهم قد ينشأ له حق الدفاع الشرعي لدى ملاحقة الزوج للمتهم والاعتداء عليه.
(الحكـــم)
30/7/1979م:-
القاضي محمد محمود أبو قصيصة :
صدر الحكم باعدام المتهم عباس السماح النور الذي سبب موت المرحوم آدم موسى أحمد. كان بين المرحوم وزوجته خلاف أدى لانتقال الزوجة من منزل الزوجية إلى منزل والدتها. وكان القتيل يشتبه في وجود علاقة بين المتهم والزوجة وكان يراقب سلوك الزوجة. وشهد أحد الشهود أن المتهم كان يتغنى بالزوجة في الحفلات.
قدم المحامى التجانى على التوم استئنافاً يقول فيه أن المتهم كان مدافعاً عن نفسه ويطلب الحكم له بالبراءة.
مثل أمام المحكمة ثلاثة شهود أحدهم المتحرى. والشاهدان الآخران لم يشهدا الحادث ولكن يستفاد من شهادتيهما أن القتيل كان يتعقب زوجته وأن المتهم كلفا بزوجة القتيل.
وكان يوم الحادث وقد جاء الزوج ليبيت حيث أهل الزوجة ووضع له سرير في راكوبة لا تبعد عن القطية التي بها الزوجة. وفي المساء كان المتهم يتحدث مع الزوجة في موضع يبعد عن قطيتها بثلاثة وعشرين خطوة " راجع الخارطة مستند 2" وهنا (على رواية المتهم) حضر الزوج وضرب المتهم بالعصا وهرب المتهم. ثم لحقه القتيل وظل يضربه فطعن المتهم القتيل بسكينه القتيل عدة مرات إلى أن قضى عليه.
لم يشهد هذا الحادث أحد من الشهود والشخص الوحيد الذي حضر الحادث هو الزوجة ، وهي لم تمثل كشاهدة لأنها كانت متهمة بالمشاركة مع المتهم الأول.
وأقوالها التي انتهت إليها أمام المحكمة الكبرى تفيد أنها كانت تتحدث مع زوجها المرحوم فمر عليهما المتهم وحيا. وهنا تقول الزوجة أن المرحوم ضرب المتهم وأن المتهم هرب وأن المرحوم تناول سكيناً من سريره ولحق بالمتهم.
وجدت جثة القتيل في خور على بعد 387 خطوة من منزل الزوجة. وبالطرح يكون بعده من موضع ملاقاة الأطراف 364 خطوة. (راجع الخارطة). هذه الأبعاد تتمشى مع قول المتهمين أن القتيل طارد المتهم.
الثابت عندنا أن القتيل ضرب المتهم عندما رآه على مقربة من قطية الزوجة وقول الزوجة (المتهمة الثانية) أنها كانت تتحدث مع زوجها ، أو قول المتهم أنه كان يتحدث مع المتهمة الثانية في تلك اللحظة لا يغير في الأمر شيئاً. ففي كلا الحالتين كان في ذلك المساء بالقرب من قطية الزوجة. ووجود المتهم في ذلك الموضع في ظروف خلاف الزوجة مع زوجها بسبب صلة المتهم بالزوجة لهو أمر يثير غضب الزوج. وفي فورة الغضب ضرب القتيل المتهم ثم طارده إلى أن حدث الطعن في الخور.
لقد نفت المحكمة الكبرى أن القتيل ضرب المتهم حين تقابل الثلاثة بالقرب من القطية. هذا رغماً عن أن الشخصين الموجودين المتهمين – أفادا أن القتيل ضرب المتهم ولم يكن بمكان الحادث أي شخص آخر يشهد بغير هذا. وهذا القول لا يعارض طبيعة الأشياء بل هو المتوقع في مثل هذه الظروف. وقد وجدت عصا القتيل مكسورة بالقرب من مكان الجثة.
هذه القرائن تشير إلى أن ما ذهب إليه المتهمان صحيح. وليس صحيحاً أن كل ما يقوله متهم يكون كذا. فالذي يقوله متهم يمكن أن يكون صحيحاً إن كان ذلك القول مؤيداً مما يحيط به من قرائن. ولقد أيدت التقارير الطبية وجود خدوش لدى المتهم فرفضت المحكمة التقارير لأنها صادرة من مساعد طبي. بيد أنني حين كنت استأنس بيومية التحري ، بدأ لي أن هنالك خدوشاً بجسم المتهم. ذلك أن المتحرى كان دائماً يسأل المتهم عن مصدر "الجروح الموجودة على سواعد يديه" وكان رد المتهم أن بقرته المريضة عضته مسببة له هذه الجروح. (راجع صفحة 5-6 ثم صفحة 31 من يومية التحري). كان هذا في وقت ينفى فيه المتهم صلته بالحادث وكان المتحرى يشتبه في وجود الصلة من وجود هذه الجروح.
من ذلك نطمئن إلى أن القتيل عاجل المتهم بضربات من عصاه وأن المتهم ولى هارباً وأن القتيل لحق به وضربه بالعصا التي وجدت مكسورة وأن المتهم طعن القتيل بآلة حادة مهما كان نوعها أو مصدرها.
والسؤال الآن مسئولية المتهم عند تسبيبه موت القتيل.
وبدأت المحكمة بالاستفزاز وناقشته نقاشاً مستفيضاً عرضت فيه السوابق والمراجع القانونية فأحسنت بذلك صنعاً. وتوصلت المحكمة الكبرى – صواباً في الرأي – إلى أن المتهم لا يستفيد من دفع بالاستفزاز لأنه هو المتسبب فيه وبذلك تقول المادة 38 من قانون العقوبات. لو كان الزوج هو القاتل لاستفاد الزوج من المادة 249 (1) لأنه هو الواقع تحت الاستفزاز الشديد المفاجئ. ولكن المتهم لا يستفيد من ذلك.
ولكن المحكمة الكبرى رفضت أن تقبل أن المتهم كان يدافع عن نفسه.
أما محامي المتهم فيقول أن حق الإباحة تحت المواد 55-61 ما زال ممنوحاً للمتهم الذي هرب بجلده وكان المرحوم في غنى عن متابعته.
لقد رفعت المحكمة الكبرى بحق أن يستفيد المتهم من الدفع بالاستفزاز. وسبب رفضها أن المتهم هو الذي تسبب في هذه الحوادث بفعله. ويبدو لي أنها تأثرت بهذا القول عند التعرض لحق الدفاع الشرعي بينما أن الدفع بالاستفزاز يخالف الدفع بحق الدفاع الشرعي. لقد كان الزوج واقعاً تحت استفزاز. فإذا قتل الزوج المتهم ، لم تكن الجريمة قتلاً عمداً وإنما كانت جريمة القتل الذي لا يصل إلى درجة القتل العمد. أي أن الزوج ما زال مرتكباً جريمة. فالاستفزاز ليس دفعاً يبرئ من جريمة وإنما هو يعرض الفاعل لعقوبة أقل. فإذا أراد الزوج تحت الاستفزاز أن يقتل العشيق كان للعشيق أن يدافع عن نفسه. والخيط هنا رفيع ولا يحدث هذا الوضع كثيراً ، لأن الطرفين في هذا الوضع كثيراً ما يشتبكان فتنشأ معركة مفاجئة يكون مجالها المادة 249 (4). أما إذا قرر العشيق ترك الميدان ، وتمادى الزوج متأثراً باستفزازه، جاز للعشيق أن يدافع عن نفسه ، فلا يتوقع منه أن يظل مكتوف الأيدي بعد انسحابه، وهو يرى بعينه قدوم الموت نحوه. له في هذه الحالة أن يدافع عن نفسه. ولقد اضطر العشيق (المتهم) في هذه الحالة إلى أن يدافع عن نفسه ففعل. وعلى ذلك فإن فعله لا يكون جريمة.. هذا إذا كان الزوج أتي فعله وهو واقع تحت تأثير الاستفزاز. غير أن الزوج قد يكون أتى فعله وهو يمارس حقه في الدفاع. ففي رواية المتهم، أن الزوج وجد المتهم يتحدث مع الزوجة ليلاً بالقرب من قطيتها. للزوج في هذه الحالة أن يمارس حقه في الدفاع ضد أي معتد يأتي ليلاً إلى حيث تسكن الزوجة. ولكن هذا الحق ينتهي بهروب المتهم العشيق وهو شخص معروف للزوج في هذه القضية. في هذه الحالة لا يكون ضرب الزوج للمتهم خلف القطية جريمة لأن الزوج يمارس حق الدفاع الشرعي. أما عند انتهاء الخطر بهروب العشيق ، ينتهي حق الزوج في الدفاع وتصبح ملاحقته للمتهم العشيق عدواناً يكون للعشيق الحق في صده ، لأن الزوج يكون متجاوزاً حدود الدفاع. وإذا ما صد العشيق الاعتداء وهو متخوف من الموت أو الأذى الجسيم ، لم يكن المتهم مرتكباً جريمة.
في أنه في كلتا الحالتين فإن المتهم كان يدافع عن نفسه ولا يكون فعله جريمة أرى لذلك إلغاء إدانته وإطلاق سراحه بالبراءة فوراً.
لقد برئت المتهمة الثانية من جريمة القتل. ولكنها أدينت تحت المادة 179 من قانون العقوبات. ولا نجد في المحضر تهمة موجهة للمتهمة تحت هذه المادة ، ولا نجد دفاعاً لها حول معلومة كاذبة. وليست التهمة تحت المادة 179 هنا من التهم التي يمكن الاستغناء عن توجيهها بموجب المادتين 204 و 205 من قانون الإجراءات الجنائية. وعليه فإن الإدانة تحت هذه المادة تكون معيبة وأري إلغاؤها.
لقد كان حكم المحكمة الكبرى ثريا باستعراض القانون واللجوء إلى سوابقه ومراجعه في الكثير من النقاط والتي لم تثار في هذا الاستئناف. ولابد لنا أن نحمد لرئيس المحكمة الكبرى السيد عبد الله الشيخ الجزولي أسلوبه هذا في تسبيب الأحكام وإن خالفنا محكمته في النتيجة.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد محمد الفضل شوقى نائب رئيس القضاء عضواً
سعادة السيد أحمد التجانى عبد الهادى قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد الصديق بخيت محمد نور
م ع/ط ج/156/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي – الاستفزاز بالكلمات – يعتبر استفزازاً شديداً مفاجئاً – المادة 249 عقوبات.
1- السوابق القضائية لم تقرر أن الكلمات وحدها والإساءة لا يمكن أن تكون سبباً للاستفزاز لإحداث القتل وإنما ذكرت أنه في بعض الظروف الخاصة تكون سبباً للاستفزاز وإحداث الموت ومن ثم يتعين أن يفيد المتهم من دفع الاستفزاز الشديد المفاجئ عملاً بأحكام الفقرة الأول من المادة 249 من قانون العقوبات وفقاً لظروف هذه الدعوى وأدلتها.
المحامون :
أحمد السيد دفع السيد
(الحكــــم)
1/10/1979م
القاضي أحمد التجاني عبد الهادي :
أدانت محكمة كبرى عقدت برفاعة المتهم الصديق بخيت محمد نور تحت المادة 253 عقوبات وحكمت عليه بالسجن لمدة 12 سنة بتاريخ 21/5/1979 وترأس المحكمة القاضي إمام البدري على بتاريخ 22/7/1979 ورفضت محكمة استئناف الجزيرة تأييد الإدانة وأمرت بإعادة النظر فيها.
تقدم لنا محامى المتهم بهذا الطعن بطريق النقض ضد قرار محكمة الاستئناف وتتحصل الوقائع كما سردتها المحكمة بأن الشاهد الصديق حمدتو ( ش أ4) قابل المتهم والمرحوم والشاهد عمر محمد بابكر (ش.أ.3) في طريقهم للأنادى.
قبيل المغيب خرج المرحوم والشاهد عمر محمد نحو قريتهما عندما قابلهما الذي كان يسير منفرداً وسألهما إذا كانا يعرفان مكان الصديق حمدو. فرد عليه المرحوم أنت والصديق شنو... ولما احتج المتهم على هذا الرد قال له المرحوم والله هسع الزول يقبضك ينيكك.. وعلى أثر ذلك استل المتهم سكينه وسدد طعنه واحدة للمرحوم على ظهره أدت إلى وفاته.
نتفق مع المحكمة الكبرى في ما توصلت إليه من أن المتهم طعن المرحوم وتسبب في موته وأنه كان يعلم أن الموت هو النتيجة الراجحة لفعله.
قررت المحكمة أن المتهم كان ضحية لاستفزاز شديد من قبل المرحوم الذي استفز المتهم بهذه العبارات النابية. لقد قالت المحكمة الكبرى ما يلى (ومن رأي هذه المحكمة فإن تلك العبارة في مثل بيئة المتهم تعد استفزازاً خطراً للغاية إذ أن فيها جرحاً لرجولة المتهم واستخفاف شديد).
رفضت محكمة الاستئناف بأغلبية أعضائها قبول هذه الدفوع على أساس أن هذه الكلمات التي جاءت على لسان المرحوم لا تشكل استفزازاً شديداً مفاجئاً.. يجعل المتهم يفقد السيطرة على نفسه وخاصة أنها غير مصحوبة بشئ .. وأشار إلى قضية (حكومة السودان ضد إبراهيم بريمة شطيعة (المجلة القضائية لسنة 1968 صفحة 38).
حيث ذكرت محكمة الاستئناف أن مجرد الكلمات التي لم تكن مصحوبة بضربة مثلاً لا تعتبر سبباً للاستفزاز.
لقد عارض القاضي العام وقيع الله زميليه في محكمة الاستئناف وقد ناقش قضية إبراهيم شطيعة وذكر أن المحكمة لم تصدق رواية المتهم بان المرحومة أساءت إليه بالألفاظ.
ويرى السيد وقيع الله أن الكلمات النابية في بعض الظروف قد تشكل استفزازاً خطيراً. ويؤدى إلى القتل ويرى أن الألفاظ التي وجهها المرحوم للمتهم تكفى لإثارته إذا راعينا البيئة وفهم المتهم.
والسؤال الذي يجب الإجابة عليه في هذا الصدد هو (هل الكلمات التي وجهها المرحوم تكفى لإثارته مما يجعله يفقد السيطرة على نفسه ويقتل المرحوم ؟؟).
لقد قال المرحوم للمتهم هذه الكلمات (والله هسع الزول يقبضك وينيكك والصديق ينيكك).
مما لا شك فيه أن هذه الألفاظ سيئة جداً بل ممعنة في الإساءة كما أنها.. في نفس الوقت تؤدى إلى الإثارة وإلى الانفعال.. وإذا نظرنا إلى بيئة المتهم وتفكيره وسذاجة فهمه نجد أن مثل هذه الألفاظ تعتبر مهدرة للرجولة.. وتقلل من مكانة المتهم.. قد لا يكون هذا منطبقاً لشخص مثقف أو في المدن.. ولكن في بيئة متأخرة مثل بيئة المتهم قد تؤدى إلى نتائج وخيمة. أن السوابق القضائية لم تقرر أن الكلمات وحدها والإساءة لا يمكن أن تكون سبباً لإحداث القتل.. وإنما ذكرت أن في بعض الظروف الخاصة قد تكون الإساءة سبباً للاستفزاز وإحداث الموت.
لقد جاء في كتاب نلسون (قانون العقوبات الهندي (الطبعة السادسة سنة 1968 بصفحة 1500) في قضية بإنجلترا عن موضوع الإساءة بالألفاظ وأثرها في جرائم القتل:
“As a general rule of law, no provocation of words willreduce the crime of murder to that of manslaughter, but… under specialcircumstances, there may such a provocation of words will have theeffect.”
وقد أشار المؤلف بصفحة 1502 من نفس الكتاب أن من الملاحظ في تعليقات مؤلفي القانون الهندي أن الألفاظ السيئة في بعض الأحيان. قد تؤدى إلى استفزاز مفاجئ بالمعنى الموضح في المادة.
وعليه أن ما وجهه المرحوم للمتهم من ألفاظ كان كافياً لإثارته مما يجعله يستفيد من الاستثناء الأول من المادة 249 عقوبات ولذا نؤيد قرار المحكمة الكبرى ونلغي قرار محكمة الاستئناف.
المحكمة العليا
القضاة :-
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد محمد محمود أبو قصيصة قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد عيسى آدم عبد الرحيم وعبد الله يعقوب
م ع/ م ك/100/ 1979
المبادئ:
إجراءات جنائية – وسائل القبض في حالة المقاومة – المادة 30 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 – قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي في حالة اعتداء الجاني على المتهم.
متى كان الفعل المرتكب جريمة عقوبتها الإعدام فإن للشخص الذي ارتكبت أمامه الجريمة حق القبض واستعمال جميع الوسائل اللازمة لتنفيذ القبض وفي سبيل ذلك أن حدث أن حاول الاعتداء على ذلك الشخص نشأ حق الدفاع له لرد الاعتداء وأن تسبب في موت الجاني.
رأي مخالف :
إن ظروف الدعوى وأدلتها وملابساتها تدل على أن مشاجرة نشبت بين والد المجني عليه والجاني وامتدت المشاجرة بين الجاني والمتهم مما يجعل فعل المتهم قتلاً جنائياً معاقباً عليه تحت المادة 253 عقوبات.
المحامــون :
التجانى على التوم:
(الحكـــم)
4/10/1979
القاضي محمد محمود أبو قصيصة :
مات في هذه الحادثة ثلاثة أشخاص ، والد المتهم الأول من جهة وشخصان آخران من الجهة الأخرى وحكمت المحكمة الكبرى على كل من المتهمين الأول والثاني بالإعدام بعد إدانتهما بارتكاب جريمة القتل العمد بالمشاركة.
تقدم المحامى التجاني على التوم باستئناف ينادى فيه ببراءة المتهم الثاني وتبديل إدانة المتهم الأول لتصبح تحت المادة 253 عقوبات.
لقد تعدت إبل القتيلين على زرع والد المتهم واشتبكا معه وأردياه قتيلاً في أرضه. ثم ضربا ابنه المتهم الأول والذي وقع. وبعد أن استجمع المتهم الأول قواه أخذ فأسه وطفق يتتبع آثار القتيلين إلى أن وصلهما وقد لحق بهم المتهم الثاني. هنا حدث الاشتباك وقد مات القتيلان.
وجدت المحكمة الكبرى أن حق الدفاع الشرعي انتهى بهروب القتيلين من مسرح الحادث بعد قتلهما والد المتهم الأول.
ورأت المحكمة الكبرى أن المتهم كان تحت استفزاز ولكن الاستفزاز فقد عنصر الفجائية عندما تتبع المتهم الأول آثار القتيلين إلى أن لحق بهما. وأدانت المتهمين.
أما محامى المتهمين فيقول أنه لا بينة ضد المتهم الثاني. أما المتهم الأول فما زال تحت استفزاز حيث لم تمضى الفترة الكافية التي تعيد إليه الهدوء. فهو تتبع المعتدين بعد الحادث مباشرة.
غير أن قراءة أقوال المتهمين في يومية التحري والتحقيق القضائي والمحاكمة مع شهادة شاهد الاتهام الثالث وهو أحد شاهدي العيان تدل على شئ آخر.
فإن المتهم الأول عند سؤاله لأول مرة في يومية التحري في الصفحة الثانية أنه حضر فور الاعتداء على والده فضربه أحد المعتدين حتى وقع. ونهض بعد خمس دقائق فوجد والده قد فارق الحياة وأخذ فأسه وتتبع الآثار حتى لحق بالقاتلين. ثم يقول في الصفحة الثالثة :-
(وقلت لهم قتلتوا والدي وما تمشوا وهم قاموا جارين وختمتهم من الأمام وضربت واحد منهم بالفأس ووقع على الأرض).
ثم يقول في التحقيق القضائي أنه لحق بذينك الشخصين على بعد نحو مائتي متر "فقلت لهما أين أنتما ذاهبان وقد قتلتما والدي فقال أحدهما للآخر دق العبد".
ويقول أمام المحكمة الكبرى "لحقتهم وقلت ليهم يا جماعة قتلتوا أبوي ماشين وين واحد قال لأخوه دق العبد".
ويقول شاهد العيان الاتهام الثالث أنه شاهد شخصين أمسك أحدهما برسن جمل الساير (أحد القتيلين) فضرب الساير جمله ليسرع به. ويقول أن أحد الشخصين (المتهمين ) ضرب جمل الساير فرماه أرضاً وضرب السائر رماه.
يبين من أقوال المتهم التي أدلى بها في المواضيع الثلاث المذكورة أنه حاول أن يوقف الشخصين اللذان تسببا في قتل والده.. وبعبارة قانونية فإنه حاول القبض على هذين الشخصين. ويثبت هذه الأقوال شاهد الاتهام الثالث الذي ذكر أن المتهم الأول أمسك برسن الجمل وضرب الساير جمله ليهرب. بعد ذلك ضرب المتهم الأول جمل الساير. فهل للمتهم الأول الحق في القبض على من سبب موت والده؟ الإجابة تبدأ بالمادة 27 (د) من قانون الإجراءات الجنائية التي تقول :-
"يجوز لأي شخص القبض على أي شخص يرتكب في حضوره جريمة مأذون فيها للشرطة بالقبض عليه بدون أمر قبض" والمادة 25 (ب) تجيز للشرطة بمقتضى الخانة الثالثة من الجدول الملحق بقانون الإجراءات الجنائية. وفي حالة تسبيب الموت يجيز الجدول المذكور للشرطة القبض بدون أمر قبض وبالتالي يجوز للشخص العادي أن يقبض بدون أمر قبض إذا ارتكبت جريمة القتل أمامه. وعلى ذلك فإن المتهم الأول لم يرتكب جريمة حين تتبع أثر القتيلين إلى أن لحق بهما وإلى أن مسك جمل أحدهما بغرض القبض عليهما. وقد عبر عن غرضه حين قال لهما أنتما قتلتما والدي فلا تذهبا. والذي حدث أن القتيلين لم ينتظراه وإنما ضرب أحدهما جمله ليهرب كما شهد شاهد الاتهام الثالث وهو زميل للقتيلين. وإذا وضحت نية الهروب فهل يجوز للمتهم الأول أن يستعمل القوة ليثنى شخصاً عن الهروب.
في مقاومة القبض تقول المادة 30 (1) : "يجوز لمن خول سلطة القبض على شخص أن يستعمل جميع الوسائل اللازمة لتنفيذ هذا القبض إذا قاوم الشخص المطلوب القبض عليه أو حاول التهرب من القبض عليه".
والقيد على استخدام هذه الوسائل تنص عليه الفقرة الثانية من هذه المادة وهي تقول :-
على أن هذه المادة لا تعطى حق تسبيب الموت لشخص لا يكون متهماً في جريمة معاقب عليها بالإعدام أو السجن مدة تتجاوز عشر سنوات.
لقد قتل والد المتهم أمام عينيه إذن فالفعل المرتكب في عين المتهم الأول هو جريمة عقوبتها الإعدام ابتداء ولذا فللمتهم الأول حق القبض واستعمال جميع الوسائل اللازمة لتنفيذ القبض. فما هي الوسائل التي استخدمها المتهم الأول؟
لقد أثبت شاهد الاتهام الثالث أن الوسيلة هي مسك رسن الجمل ولكن صاحب الجمل الساير ضرب جمله ليهرب. هنا حدث ضرب المتهم للجمل وهي محاولة أخرى الغرض منها الحيلولة دون الهرب ولا نلمس تفسيراً آخر في هذه الظروف. وإذا تذكرنا أن للقتيل الساير فأساً هي الفأس التي تعرف عليها شاهد الاتهام الثالث لما وجدنا غرابة في استعمال المتهم الأول لفأسه في مواجهة السائر وقد حدث مثل ذلك أن تلقى المتهم الأول ضربات أوقعته عندما كان في مزرعة والده قبل ذهاب القتيلين منهما.
إن كان المتهم الأول استعمل فأسه في مقاومة الهرب بعد أن حاول قبض القتيلين مرة بمطالبته إياهما بالوقوف ومرة بإمساكه رسن الجمل ومرة بضرب الجمل لتعطيله فلا غبار عليه أن استعمل فأسه بعد محاولاته الأولي ولم تجد في القبض على القتيلين عند ذلك يكون فعل المتهم في حدود ما أجازه له القانون فيما ذكرنا ولا الكون فعله جريمة.
وأن كان المتهم الأول في خشيته من مجابهة الموت أو الأذى الجسيم ضرب السائر الذي كان يحمل فأساً وقد فشلت محاولات القبض عليه ، فإن فعله لا يكون جريمة كمدافع عن نفسه. أرى لذلك أن فعل المتهم الأول بإصابته للقتيل السائر لا يكون جريمة وأن نطلق سراحه بالبراءة.
هذا فيما يختص بالقتيل السائر ولكن كان مع السائر شخص آخر وهو أمر يزيد خطورة فهناك مجابهة من شخصين ثبتت خطورتهما لأنهما سببا موت الوالد قبل دقائق. وبما أن ظرف القتل للشخصين واحد فإن فعل المتهم الأول لا يكون جريمة أيضاً فيما يتعلق بقتل الشخص الآخر ممارسة لحق الدفاع.
وكان مع المتهم الأول شخص آخر هو المتهم الثاني وهو خال المتهم الأول.
يقول المتهم الأول أنه هو الذي ضرب القتيلين فهو يقول أن القتيل السائر هم بضربه فعاجله المتهم الأول ورماه ويقول أن القتيل الثاني ضرب المتهم الثاني فرماه وأراد القتيل الثاني أن يلحق ضربه أخرى للمتهم الثاني فضربه المتهم الأول ولم ينسب شاهد الاتهام الثالث ضربه للمتهم الثاني ولم تشهد شاهدة الاتهام الرابعة بشهادة من حيث أنها لم تزد على أن المتهمين قتلا المرحومين ولم توضح كيف ومن فعل هذا.
إذا رجعنا لأقوال المتهم الثاني نجد أنه قال أنه اتجه لمكان الشجار وعاجله أحد القتيلين بضربة وقع على أثرها. ولما أفاق وجد الجثتين أمامه. ولست أدرى من أين جاءت المحكمة الكبرى بأن المتهم الثاني طعن السائر بينما لم يسرد ذلك في البينة التي أديت على اليمين. بل أرى أنه لم يثبت أن المتهم الثاني أصاب شخصاً من القتيلين. فهو هب عند نشوء المشكلة وهو خال المتهم الأول ولو اشترك فإن فعله لا يكون جريمة لأن له حق القبض مثل المتهم الأول. ولكن لا يوجد في البينة أن المتهم الثاني سدد أية إصابة. أري لذلك إطلاق سراح المتهم الثاني بالبراءة أيضاً.
القاضي أحمد التجاني عبد الهادي :
اتفق مع السيد أبو قصيصة بأن حق الدفاع عن النفس نشأ بالنسبة للمتهمين. لقد قتل والد المتهم الأول أمام ناظريه وضرب هو أيضاً من قبل القتيلين اللذين هربا.. وقد حاول المتهم الأول والثاني القبض عليهما أو الذهاب إلى السلطات إلا أنهما رفضا وبادرا بالهجوم.
رأي مخالف :
القاضي محمد الفضل شوقى :
مع احترامي لرأي السيد محمد محمود أبو قصيصة أري أن مشاجرة قد نشبت بين القتيلين ووالد المتهم الأول – ومع أن الأول وزميله الثاني كان لديهما الحق في أن يحاولا القبض القتيلين إلا أن الأخيرين عندما لم ينصاعا وهما في حالة هياج لأوامر المتهمين دخلا معهما في مشاجرة هي امتداد للمشاجرة الأولى. والقانون في هذه الحالة لا يعطى للمتهمين حق تسبيب وفاة القتيلين بحيث يخليهما من المسئولية الجنائية إطلاقاً – أن التكييف الصحيح للوقائع الذي يوفق بين جميع هذه الاعتبارات هو أن المتهمين قد تسببا في وفاة القتيلين أثناء مشاجرة عنيفة ومفاجئة ومتصلة الحلقات وبذلك يكونا قد ارتكبا جريمة تسبيب القتل الجنائي تحت المادة 253 من قانون العقوبات.
( المحكمة العليا )
القضاة :-
سعادة السيد عمر بخيت العوض قاضى المحكمة العليا رئيساً
سعادة السيد حسن على أحمد قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد الأمين محمد الأمين تاتاى قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد بتول مصطفى حسن
م ع/ ط ج/194/ 1979
المبادئ:
قانون جنائي – دخول المالك للعقار – في غياب المستأجر – يعتبر تعدياً – المادة 387 من قانون العقوبات لسنة 1974م.
قواعد عامة – مجرد ملكية العقار لا تعطى المالك حق الدخول فيه – متى كان هنالك من يحوز عليه حايزة قانونية.
2- يعتبر المالك مرتكباً جريمة التعدي ولو لم يكن هنالك أشخاص بالمنزل في حالة غياب المستأجر عن العقار لأن غياب المستأجر عن العقار لبعض الوقت لا يقطع صلة الحيازة الفعلية.
رأي عابر :
أن الحيازة ولو كانت عند منشئها غير صحيحة إلا أنها لو استمرت لبعض الوقت بموافقة المالك الحقيقي العلنية فإن الحائز يستمتع بما يعرف قانوناً بالحيازة الحكيمة مما يعطيه الحق في إقامة دعوى التعدي ضد المالك الحقيقي.
1- أن مجرد ملكية العقار لا تعطى المالك حق الدخول فيه إذا كان هنالك من يجوز عليه حيازة قانونية عن طريق الإيجار أو خلافه ذلك أن المستأجر هو الجدير بالحماية وأن تغيب المستأجر عن المنزل لسبب أو لآخر ولأية مدة طالت أم قصرت لا يحرمه من حماية القانون.
المحامــون :
الصادق الشامي :
(الحكـــم)
27/12/1979 :
القاضي حسن على أحمد :
هذا طلب طعن بالنقض تقدم به المحامي الصادق الشامي نيابة عن المتهمة التي سبق أن أدينت تحت المادة 387 من قانون العقوبات.
بدأت القضية ببلاغ من الشاكي ضد المتهمة مدعياً أنه كان مستأجراً لجزء من منزل المتهمة الكائن بمنطقة برى أثناء غيابه بالبلد في إجازة قامت المتهمة بإجبار إخوانه الذين تركهم بالمنزل مع متاعه بإخلاء المنزل ثم قامت بتأجيره لأشخاص آخرين.
وجدت محكمة الجنايات أن الشاكي كان يحوز المنزل مثار النزاع وأن حيازته تلك لم تنقطع بسبب تغيبه عن المنزل في إجازة وأن المتهمة تعدت على المنزل عندما سمحت لآخرين بالدخول فيه ومع علمها بأن المنزل ما زال مؤجراً للشاكي.
أما قاضي المديرية الذي رفع الأمر أثر استئناف من المتهمة فقد قرر إلغاء الإدانة والعقوبة تبعاً لذلك مشيراً إلى أن حيازة الشاكي أصبحت محلاً للشك والخلاف وكل شك في رأيه تمتنع معه الحماية المنصوص عنها في المادة 387 من قانون العقوبات وينعقد الاختصاص في شأنه للقضاء المدني بحجة أن قول الشاكي بأنه ترك إخوانه بالمنزل وسافر وأن المتهمة قامت بتأجيره لآخرين هو جوهر النزاع وهو بهذا نزاع مدني.
ومحكمة الاستئناف التي رفع إليها الشاكي طلباً للفحص في قرار قاضي المديرية فقد رأت أنه ما دام الشاكي هو المستأجر للمنزل وهو الحائز عليه فعلياً وكما دام غيابه
لفترة مؤقتة لا تشكل انقطاعاً لهذه الحيازة حسب ما جاء في حيثيات المحكمة الجنائية وما دان أخوة الشاكي لا يمكن اعتبارهم مستأجرين بدلاً عنه فإن هنالك تعدى واضح وفعل يعتبر مضايقاً للشاكي عندما أدخلت المتهمة أشخاصاً آخرين في هذا الجزء من المنزل ومضت محكمة الاستئناف قائلة أنها لم تجد أثراً للشك الذي تكلم عنه قاضي المديرية.
الدفوع التي ساقها محامي المتهمة تتلخص في الآتي :-
1- أن أقوال المتهمة تدل على أن الشاكي عبارة عن شخص مرخص له وأنه يتعين التمييز بين التأجير من الباطن ومجرد الرخصة بالإقامة إذ أنها في الحالة الأخيرة لا تخول الرخصة للمرخص له أي حقوق في مواجهة المالك.
2- أن حيازة الشاكي أصبحت محل شك فالشاكي نفسه يعترف بأنه رحل من المنزل في عام 1977 ولم يرجع إلا عند فتح البلاغ في 11/3/1979 وكيف لا يعتبر انقطاع الشاكي عن الإقامة في المنزل ولمدة ستة وعشرين شهراً كاملة انقطاعاً للحيازة أو مجرد شك في وجودها واستمرارها.
3- أن استرداد المتهمة لمنزلها بإخلاء المستأجر الأصلي ومن معه قبل سبعة أشهر من البلاغ وغياب الشاكي من المنزل يجعل المتهمة هي صاحبة الحيازة الفعلية والحكيمة الواجب حمايتها. كما أن استرداد الحيازة بواسطة مالكة المنزل ينفي وجود أي قصد جنائي من جانبها ولا يمكن القول بأنها قصدت مضايقة الشاكي أو إرهابه إذ أن استرداد المتهمة للحيازة تم بحسن نية.
4- جاء في قضاء المحكمة في العديد من السوابق القضائية الأخيرة أن النزاع حول الحيازة ليس مكانه المحاكم الجنائية.
لقد جاء في مذكرة قاضي الجنايات أن الوقائع في هذه القضية بسيطة وواضحة وهو محل فيما ذهب إليه وقطعاً لدابر أي تحريض أو تخريج لا سند له من البينات الواردة في القضية أرى أنه من الأوفق أن نسوق ما جاء في إفادة الشاكي والمتهمة بحرفه. جاء في إفادة الشاكي ما يلي :-
( أنا أسكن في منزل المتهمة منذ سنة 1973م كمستأجر وفي سنة 1978 أنا سافرت للبلد وتركت أخواني في البيت وفي شهر أغسطس سنة 1978 توفى زوج المتهمة وقالت ما عاوزة تؤجر منزلها للعزابة ورفضت تسلم الإيجار وأخلى أخواني المنزل وتركوا عفشي في المنزل وبعد ما رجعت من البلد أخبرني أخواني بأن المتهمة رفضت استلام الإيجار وطلعتنا من البيت. مشيت للمتهمة وقلت لها أنت طلعتى الناس ديل عشان شنو؟ نحن عايزين البيت. والمتهمة قالت أنا أجرت البيت لناس جدد. وأنا قمت فتحت بلاغ تعدى.. أنا مستأجر البيت من المتهمة أنا عفشي لسع في بيت المتهمة.
جاء في استجواب المتهمة ما يلي :-
نحن كنا مؤجرين البيت لواحد أسمه إبراهيم وبعدين إبراهيم أجره لواحد اسمه سليمان والشاكي من الباطن من سليمان ونحن أجرنا ليه – وراجلي طلب من الشاكي أن يخلى المنزل وفي أثناء ذلك راجلي مات والشاكي كان مسافر وأثناء غيابه راجلى كان طلب من إخوانه عشان يطلعوا من البيت وبالفعل إخوانه طلعوا بعد أربعة أشهر والشاكي جاء بعد ما إخوانه طلعوا ومشى فتح بلاغ ضدي.
الشاكي عفشه كان موجود في الحوش. أنا ما أجرت البيت للناس ديل هم أولادي وناس أقربائي وأنا سكنتهم.
بعد أن أثبتنا كل البينات التي جاءت في هذه القضية نعود للرد على دفوع محامى المتهمة.
فيما يتعلق بالدفع الأول للمرء أن يتساءل في دهشة واستغراب شديدين من أين يستقي محامى المتهمة فكرة أن الشاكي شخص مرخص له إذا كان الشاكي يقول أنه يسكن في هذا المنزل منذ سنة 1973م كمستأجر والمتهمة نفسها تقول أن الشاكي مؤجر من الباطن.
فيما يتعلق بالدفع الثاني لست أدرى ولا المنجم يدرى أين عثر محامى المتهمة على حقيقة أن الشاكي نفسه يعترف بأنه رحل من المنزل في عام 1977م ولم يرجع إلا عندما فتح البلاغ في 11/3/1979 في حين أن الشاكي يقول أنه في سنة 1978م سافر إلى البلد وترك إخوانه في البيت وعاد في وقت لم يحدده ووجد إخوانه قد أخلوا البيت وأن الشك في حيازة الشاكي للمنزل الذي بنى علي هذه الحقيقة المغلوطة أو اللاحقيقية ليس جدير بالمناقشة.
فيما يتعلق بالدفع الثالث يقول محامي المتهمة أن استرداد المتهمة لمنزلها بإخلاء المستأجر الأصلي ومن معه قبل سبعة أشهر من البلاغ وغياب الشاكي من المنزل جعل المتهمة هي صاحبة الحيازة الفعلية أن المرء ليحار فعلاً إن كان محامي المتهمة يتكلم عن القضية التي بين أيدينا أم يتكلم عن قضية أخرى لا علاقة بها من هو المستأجر الأصلي الذي استردت منه المتهمة منزلها بإخلائه منه إذ لم ترد بينة في هذا الشأن كل ما جاء من أقوال المتهمة نفسها أن البيت كان مؤجراً لواحد اسمه إبراهيم وإبراهيم هذا أجره لواحد اسمه سليمان والشاكي مؤجر من الباطن من سليمان أي أن المستأجر الأخير هو الشاكي الذي كان يسكن معه بعض أخوته وعند ذهابه في إجازة تاركاً أخوته وعفشه بالمنزل جاءت المتهمة وأجلت أخوان الشاكي من المنزل وأجرته لآخرين هنا حصل التعدي وليس قبله وليست الحيازة بسبب التعدي هي حيازة فعلية أو حكمية إذ المناط هو النظر للحيازة قبل التعدي موضوع النزاع. أن المتهمة فعلاً قد حازت على المنزل ولكن على سبيل التعدي على حيازة قانونية سابقة وهي الحيازة المتمثلة في حيازة الشاكي بحسبانه المستأجر الأخير والذي شرعت المادة 378 من قانون العقوبات لحمايته. أن مجرد ملكة المتهمة للعقار لا يعطيها حق الدخول فيه إذا كان هنالك من يحوز عليه حيازة قانونية عن طريق الإيجار أو خلافه وهذا الأخير هو القمين بأن تبذل له الحماية في الحيازة الهادئة ولا يقدح في ذلك كون أنه كان متغيباً عن المنزل لسبب أو لآخر. ولأية مدة طالت أم قصرت إلا بحكم من المحكمة المدنية وباللجوء إلى قانون تقييد الإيجارات بسبب عدم الدفع الإيجار المستحق إذا تخلف المستأجر عن دفع الإيجار في حالة فترة غيابه عن المنزل.
والذي يتعجب منه و يدهش له أن الأسانيد التي ساقها محامى المتهمة لا تسعفه بل تقف على طرفي نقيض مما رمى إليه. فقد أشار إلى المراجع :
(Penal Law India by Gour Vol. IIV, P. 3585)
:واقتطف مايلي
“ Even where possession was initially wrongful, if it has continued for some time by acquiescence or sufferance of the rightful owner, he would acquire what the law regards as juridical possession, entitling him to maintain an action for trespass against the true owner.”
فهم محامى المتهة من ذلك ان النص يؤيد دعواه في غياب الشاكي عن المنزل للفترة التي ذكرها يعطي المتهمة الحيازة الفعلية والحكمية بينهما إن النص واضح في دلالاته إن الحيازة ولو كانت عند منشئيها غير صحيحة إلا أنها لو استمرت لبعض الوقت بموافقة المالك الحقيقي الضمنية فإن الحيازة تنستممر بما بعرف قانوناً بالحيازة الحكمية . مما يعطيه الحق في إقامة دعوى التعدي ضد المالك تالحقيقي للعقار لأن المالك الحقيقي سمح للحائز بغض النظر عن حيازته الفعلية بالبقاء في ملكه مما يفي حمايته من التعدي الجنائي من قبيل المالك الحقيقي وربما لا يحول بين المالك واستعادة حيازة ملكة عن طريق القضاء المدني
ومن نفس المرجع في صفحة 2317 أقتطف محامى المتهمة الآتي :-
“No criminal trespass where the owner has taken possession of his own land in the absence of a person who claims to be in possession as a tenant”
أقتطف محامى المتهمة هذا الجزء تأييداً لدعواه في أن رحيل المستأجرين من المنزل أعطى المتهمة بوصفها المالكة للعقار حق استرداد الحيازة على العقار ولكن فات عليه أنه رغم غياب المستأجر الذين ألجأتهم المتهمة لإخلاء المنزل. لأنه من البديهي أن المقصود من الغياب أن يكون العقار شاغراً إذ بذلك وحده يتسنى له الدخول في العقار بغرض حيازته.
أما ما جاء في الدفع الرابع فإنه لا يستحق المناقشة أو بالأحرى فقد اشتملت مناقشة الدفوع الثلاث الأوائل على ذلك بعد أن استقر لدينا أن ليس هنالك نزاع حول الحيازة وإنما هنالك حيازة لدى الشاكي تعدت عليها المتهمة بإجبارها أخوة الشاكي على الجلاء عن المنزل وتأجيره لآخرين والجريمة تعتبر قد ارتكبت حتى ولو لم يكن هنالك أناس بالمنزل في حالة غياب المستأجر عن العقار لأن غياب المستأجر عن العقار لبعض الوقت لا يقطع صلة الحيازة الفعلية به.
“The offence of criminal trespass can only be committed against a person who is in actual physical possession of the property in question. If the complainant is not in actual possession of the property this offence cannot be committed. But the offence may be committed even when the person in possession of the property is absent”
جاء ذلك في كتاب راتنلال – قانون العقوبات الهندي – الطبعة الخامسة والعشرين الصفحة 271 وجاء في نفس الصفحة ما يلي :-
“A person may be guilty of criminal trespass on the land of another without ever setting foot on it for example he causes others to build on it against the wishes and in spite of the protest of its owner”
وأضيف أو إذا سمح لآخرين بالسكني فيها وهذا المثال الذي أضفناه هو الكثير الحدوث على ضوء كل ذلك أرى أن الفعل الذي أتته المتهمة وهو الدخول في المنزل المؤجر على النحو الذي أوضحناه يشكل جريمة التعدي الجنائي ولكن الأمر لا يحتاج إلى وقفة بشأن أمر إعادة الحيازة للشاكي بسبب أن المتهمة قد أجرت المنزل لأشخاص آخرين وهم ليس أطرافاً أو متهمين في هذه القضية الجنائية وعليه لا يجوز إصدار أمر بإخراجهم من المنزل قياساً على أن الأوامر لا تصدر إلا في مواجهة من كان طرفاً ولذلك فإن هؤلاء السكان الحاليين موقف لم يصدر بشأنه قرار ويترك الأمر في هذه القضية للمحاكم المدنية لتقرر حقوقهم وطالما أن الشاكي لم يضمنهم للدعوى الجنائية فإنه لا يستفيد من هذه الإجراءات بإصدار أمر على الصورة التي توسعنا فيها في قضية حكومة السودان ضد ستنا أحمد الشايقي المجلة القانونية لسنة 1973م صفحة 311 بشأن مدى ونطاق الأمر بالتعويض.
والخلاف بين هذه القضية المعروضة أمامنا وتلك التي أشرنا إليها هو أن المتهمة ستنا الشايقي كانت هي المتعدية وبالتالي يجوز أن يصدر ضدهما الأمر بالتعويض أو خلافه من الأوامر الجائز صدورها وأن تنفيذ ذلك الأمر لا يؤثر على حقوق ومراكز قانونية لآخرين ولكن في هذه القضية فإن المتهمة قد أجرت المنزل لأطراف آخرين ليس لهم علاقة حتى الآن في هذه القضية وبالتالي لا يستقيم أن يصدر أمر ضد المتهمة وهو يتعدى في أثر على أشخاص آخرين ولئن ذكر في محكمة الاستئناف سابقاً أن التوسع في تفسير المادة 77 (أ) (2) أمر مرغوب فيه فإن القصد قد انصرف للحالات التي تتطابق مع قضية ستنا أحمد الشايقي وعليه أرى أن نؤيد الإدانة والعقوبة ونرفض الأمر برد الحيازة للشاكي والذي يمكنه إقامة دعوى مدنية ضد السكان الحاليين.
( المحكمــة العليــا )
القضــــاة:
سعادة السيد مهدي الفحــل نائب رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد الأمين محمد أحمد تاتاي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضــد حسين عباس عبد القيوم
( م ع/م ك/146/1979م)
المــبادئ:
قانون جنائي – مراعاة التصرفات قبل وبعد الحادث – الاضطراب العقلي أو التخلف – تأثيره على القدرة على تحكم المتهم في أفعاله – عذر مخفف.
إجراءات جنائية – الاتهام – عدد التهم – تهمة منفصلة عن كل جريمة.
إجراءات جنائية – الاستجواب – التحقيق الشفوي أساس المحاكمة أمام المحكمة الكبرى – استجواب المتهم لتمكينه من الإدلاء بأقواله ورد ما ورد ضده من ادعاءات.
قانون جنائي – الجنون – إثباته.
4- لا يعد القتل قتلا عمدا متى كان الجاني واقعا تحت تأثير اضطراب ناشئ عن مرض عقلي أو تخلف إلى حد يؤثر على قدرته في التحكم في أفعاله أو السيطرة عليها.
1- يجب مراعاة أن تكون هناك تهمة منفصلة عن كل جريمة مستقلة بناء على نص المادة 199 من قانون الإجراءات الجنائية.
2- استجواب المتهم أمام المحكمة الكبرى ليس إضافة لأقواله أمام قاضي الإحالة إنما هو استجواب جديد على ضوء البينات التي قدمها الاتهام أمام المحكمة الكبرى.
3- لإثبات أن المتهم كانت تعوذه القدرة على إدراك ماهية أفعاله وقت ارتكاب الحادث يجب التحقق من تصرفات المتهم قبل الحادث وبعدد وأثناء المحاكمة ومن الدافع لارتكاب الجريمة وغير ذلك من الظروف والملابسات
الحكـــــم
14/7/1980:
القاضي الأمين محمد الأمين تاتاي:
بتاريخ 1/12/1979 أدانت المحكمة الكبرى المنعقدة في أمدرمان، المتهم حسين عباس عقد القيوم تحت المدة 251 من قانون العقوبات وأمرت بإعدامه شنقا حتى الموت مع التوصية بالرأفة ومن ثم قدمت إجراءات المحاكمة لهذه المحكمة بناء على المادة 250 من قانون الإجراءات الجنائية للتأييد مشفوعة بطلب الاسترحام من محامي المتهم مطالب فيه بتخفيف العقوبة الصادرة ضد المتهم لظروفه العائلية.
ملخص البينات التي اعتمدت عليها المحكمة الكبرى لإدانة المتهم بموجب المادة أعلاه كانت كالآتي:-
بتاريخ 16/3/1977، بأمدرمان الجديدة وحوالي الساعة 1.45 صباحا شاهد الاتهام عبد الله أحمد نارا تشتعل في غرفة جاره المرحوم حسن عباس واتجه إلى المكان وعند وصوله وجد المتهم حسين عباس شقيق حسن وكان يحمل عكازا في يده وكان يشعل سجارة ويقف بالقرب من المكان ولما سأله عن ما حصل أجابه المتهم بأنه قد قام بحرق المجني عليهم داخل الغرفة – حرقتهم لأنهم حرقوا قلبي "طلب الشاهد عبد الله من الشاهد مبارك قاسم أن يذهب لابلاغ الشرطة وتم إسعاف المجني عليه إلى المستشفى ولكنهم كانوا قد توفوا لرحمة مولاهم، قام المتهم بوضع جاء وقش داخل الحجرة وأشعل النار فيها وكان الغرفة ذات منفذ واحد وهو الباب وكان سقفها من القنا مما ساعد على سرعة اشتعال النار واختناق المجني عليه وحرقهم تماما حسب ما أشارت إلى ذلك مستندات الاتهام الخاصة لسبب الوفاة. كان بداخل الغرفة ستة أشخاص وهم: حسن عباس شقيق المتهم وعزيزة دوكه زوجة حسن عباس وأربعة أطفال وهم: رضوان وعمره حوالي تسع سنوات وحنان وعمرها حوالي سبع سنوات وراضي وعمره حوالي خمس سنوات وحنان وعمرها حوالي سبع سنوات وراضي وعمره حوالي خمس سنوات وعوض وعمره حوالي سنتين. ثبت أن هناك خلافا بين المتهم وبين أخيه حسن المرحوم وزوجة حسن والمتهم يقيم في غرفة بجوار غرفة المرحوم أخيه ومعه أبناءه، وقد هربت ابنته من المنزل ويعتقد المتهم بأن أخيه وزجته مسئولان عن هروب ابنته وقد قام بحرقهم انتقاما لما بدر منهم نحوه.
من ناحية الإجراءات ننعى أولا على المحكمة الكبرى عدم التفاتها للخطأ التي وقعت فيه محكمة الإحالة بتوجيهها الاتهام تحت المادة 251 من قانون العقوبات عن ستة جرائم قتل في ورقة واحدة كأنما المتهم قد ارتكب جريمة قتل واحدة ضد شخص واحد، يجب أن تكون هناك تهمة منفصلة عن كل جريمة مستقلة بناء على نص المادة 199 من قانون الاجراءات الجنائية وطبقا لمنطوق المادة 194 من قانون الإجراءات الجنائية فإن الخطأ في ورقة الاتهام أو اغفال بيان الجريمة إن لم يكن قد أدى بالفعل إلى تضليل المتهم ونتج عنه إهدار للعدالة فلا يعتد به وحيث أنه لم يتبين لنا ذلك في القضية التي أمامنا فإننا نتغاضى عن هذا الخطأ الشكلي ولكن نلفت نظر المحكمة لعدم تكرار هذا الخطأ مستقبلا.
كما أن ورقة الاتهام قد أغفلت العنصر الأول من المادة 248 من قانون العقوبات والمتعلقة بقصد القتل واقتصرت على العنصر الثاني العلم يرجحان الموت وينبغي أن تشمل ورقة الاتهام على كل أركان الجريمة وعناصرها كما تعرف المادة المعنية من ذلك القانون كما أن استجواب المتهم أمام المحكمة الكبرى ليست إضافة لأقواله أمام قاضي الإحالة وانما هو استجواب جديد على ضوء البينات التي قدمها الاتهام أمام المحكمة الكبرى وعليه نلفت نظر المحكمة إلى ذلك أيضا.
من الناحية الموضوعية السؤال الأول وهو: هل قام المتهم بحرق المجني عليهم وإذا كانت الإجابة بنعم هل كان يقصد بذلك موتهم أو على أقل تقدير كان يعلم بأن الموت سوف يكون النتيجة الراجحة لفعله؟
سجل المتهم اعترافا قضائياً بيومية التحري في يوم الحادث وأمام قاضي الإحالة أنكر اعترافه بأنه حرق المجني عليهم وبهذا تقرر أن الاعتراف القضائي المسجل بواسطة قاضي الإحالة طبقا لأحكام القانون وهناك بينات أخرى منفصلة تؤيد الاعتراف القضائي وعليه تقرر هذه المحكمة أن المتهم فعلا قام بحرق المجني عليهم الستة داخل الغرفة.
وأيضا تقرر هذه المحكمة إن إشعال النار داخل الغرفة قد تسبب في حرق المجني عليهم الستة ونتج عن ذلك الحريق وفاة المجني عليهم الستة وكان سبب الوفاة الاختناق نتيجة للحريق وهذا ثابت من أقوال شهود الإتهام وقرار الطبيب الذي قام بتشريح الجثث الستة للمجني عليهم بعد الحادث.
وتقرر أيضا هذه المحكمة أن المتهم كان يقصد أو على أقل تقدير كان يعلم بأن موت المجني عليهم الستة هو النتيجة الراجحة لفعله وليست المحتملة هذا لأنه كان يعلم بأن المجني عليهم الستة كانوا ينامون داخل الغرفة ومع ذلك قام بوضع قش داخل الغرفة وصب الجاز على ذلك القش قام بإشعال النار ووقف بعد ذلك أمام باب الغرفة وهو المنفذ الوحيد بها وكان يحمل عكازاً في يده لمنع أي شخص من الخروج من الغرفة وكان ذلك دليلا وعندما حضر شاهد الاتهام، عندما رأى النار تشتعل في الغرفة وسأل المتهم عنها إجابة مباشرة أنه حرقهم لأنهم حرقوا قلبه ولعيه فإدانة المتهم المبدئية بموجب المادة 251 من قانون العقوبات كانت صحيحة.
هل هناك أسباب مبيحة أو مخففة للمسئولية الجنائية لفعل المتهم أعلاه؟
الدفع الوحيد الذي تقدم به المتهم هو أنه كان في حالة جنون مؤقت عندما ارتكب الجريمة على حسب نص المادة 50 من قانون العقوبات والتي ينص على الآتي:-
"لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكابه ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية واضح من نص المادة أعلاها أن تتكون من جزئين الأول القدرة على إدراك ماهية أفعاله والثاني عدم السيطرة عليها بسبب الجنون والإجابة على أي جزء من الجزئين بالإيجاب ينفي المسئولية الجنائية وقد أخطأت المحكمة الكبرى عندما أغفلت صياغة السؤال على جزئين كما ينبغي على حسب نص المادة أعلاه، وحصرت نفسها في الجزء الأول من المادة ولكنها ناقشت الأدلة المتعلقة بالجزء الثاني.
للإجابة على الجزء الأول من المادة أعلاه على المحكمة أن تتحقق في عدة مسائل، وضع المتهم تحت مراقبة الطبيب والحصول على تقرير منه – رصد تصرفات المتهم قبل الحادث وبعده- تصرفات المتهم أثناء المحاكمة- هل كان للمتهم دافع لارتكاب الجريمة- هل قام المتهم بأعداد العدة لارتكاب الجريمة –نوعية السلاح الذي اختاره وكيفية استعماله- هل قام المتهم بإخفاء معالم الجريمة – تصريحات المتهم بعد الحادث مباشرة – لم تحقق المحكمة الكبرى في كل النقاط أعلاه ولكن ما توفر من أدلة يجعلنا نطمئن للإجابة على الجزء الأول من المادة أعلاه عدم قدرة المتهم من إدراك ماهية أفعاله وقت ارتكاب الحادث بسبب الجنون.
ثابت من أقوال المتهم في جميع مراحل هذه القضية ومن شهود الاتهام والدفاع أن العلاقات كانت سيئة بين أسرة المتهم وأسرة المرحوم وأن ابنته قد هربت من المنزل بسبب احتقار زوجة المرحوم لها وأنه ذهب للبحث عنها في كوستي ولم يعثر عليها. ليلة الحادث حضر المتهم من كوستي وكان مرهقا ودخل في نقاش مع المرحوم وزوجته وأقوال شاهد الاتهام عبد الله أحمد الخاصة عن تفاصيل سفر المتهم لكوستي – للبحث عن ابنته تعكس أن المتهم كان يدرك لما يدور حوله وإنه شخص مسئول ويدرك مسئولياته وأقوال المتهم للمتحري وكذلك أثناء التحقيق القضائي والمحكمة الكبرى كانت منطقية ومتطابقة ومرتبة وتعكس أن المتهم يحتفظ بتفاصيل دقيقة وعليه كل ذلك يثبت أن المتهم كانت تصرفاته عادية قبل الحادث.
دوافع المتهم للحادث تعكس العلاقات السيئة مع أسرة المرحوم واعتقاده بأن المرحوم وزوجته مسئولان عن هروب ابنته بسبب شتمها دائما بأنها بنت حرام وتصريح المتهم أثناء الحادث بأنه حرقهم لأنهم حرقوا قلبه توضح الدافع الإجرامي للانتقام والعنف.
كما أن البينات المقدمة كافية لاثبات أن المتهم كان يسعى للانتقام هذا لأنه قام بالتخطيط وإعداد العدة لتنفيذ جريمته – أحضر قشا وجازا – سكب الجاز على القش داخل الغرفة وكان بداخلها المجني عليه وفي ساعة الهزيع من الليل والناس نيام وقف بعكاز أمام الباب وهو المنفذ الوحيد للغرفة لمنع هروبهم وهذه التصرفات تعكس وعي المتهم وإدراكه لماهية أفعاله وقت الحادث.
أما عن شهادة أخصائي الأمراض النفسية فقد ذكر أن المتهم يعاني من اضطرابات في الشخصية وأن مثل هذا الشخص يكون واع وأنه ارتكب الفعل ولكنه لا يستطيع تقييمه أي لا يستطيع تقييمه أي لا يستطيع تحديد فداحة الجرم الذي ارتكبه بمعنى آخر أنه لا يدرك خطورة نتائج تصرفاته وإذا نظرنا إلى نص وإذا نظرنا إلى نص المادة 50 من قانون العقوبات نجدها تتحدث عن ماهية العقل (Nature of the act Consequences of the act.)ولم تتحدث عن نتائج الفعل للأسباب أعلاه تقرر هذه المحكمة أن المتهم كان يدرك ماهية أفعاله وقت الحادث.
هل كان المتهم فاقد السيطرة على افعاله بسبب الجنوب كما نصت المادة 50 من قانون العقوبات في الجزء الثاني فيها؟
لقد نكل المتهم عن اعترافه القضائي أمام قاضي الإحالة وأمام المحكمة الكبرى وذكر أنه لم يحرق المجني عليهم ولكنه بعد أن أشعل سجارة بنقو لم يعلم بما حدث بعد ذلك بمعنى آخر أنه فقد السيطرة على أفعاله وقت الحادث بتأثير تدخين سيجارة البنقو. شاهد الاتهام عبد الله ذكر أنه وجد المتهم يقف أمام الغرفة والغرفة تحترق وكان المتهم يدخن سيجارة وأفاد أخصائي الأمراض العصبية والذي تولى الكشف على المتهم بعد الحادث أنه لا يستطيع أن يحدد أن المتهم مصاب بجنون مؤقت أم لا، وقد ذكر الأخصائي أن الاضطرابات الشخصية والميل إلى الخمر، قد تؤدي إلى الجنون أما بالنسبة للبنقو هناك اختلاف في الطب وعلى حسب معرفته يؤدي استعمال النبقو إلى تدهور في المظهر والسلوك وليس في العقل وفي بعض الناس يؤثر على حالتهم من حيث الأفعال والمظهر والعقل وفي البعض الآخر على المظهر دون العقل والطب يختلف في ذلك ولا يوجد شيء ثابت.
من أقوال الأخصائي أعلاه ترى هذه المحكمة أن الشاهد حاول أن ينفي أن المتهم كان مجنونا وقت ارتكاب الحادث وذلك بسبب تعاطي البنقو على حسب رأيه الخاص، رغم اختلاف الطب في هذا المجال ونسبة لأن القرار إذا كان المتهم مجنوناً بناء على المادة 50 من قانون العقوبات هو قرار قانوني وليس طبيا لذلك كان على المحكمة أن تقرر ذلك بعد الأخذ في الاعتبار البينة الطبية والبينات الأخرى المتاحة بظروف ارتكاب الجريمة وحالة المتهم قبل ارتكاب الجريمة ووقت ارتكاب الجريمة وبعد ارتكاب الجريمة.
أما فيما يختص بالإثبات ونسبة لأن معظم الجرائم ترتكب في حالة عدم السيطرة على الأفعال فيجب على المحاكم أن تستوثق استيثاقا جازما من البينات المتاحة لاثبات عدم السيطرة ولذلك أي بينة طبيعة في هذا المعنى غير مؤيدة لبينات أخرى بحيث أن تقبل بكثير من الحذر وذلك لأن حالة المتهم العقلية وقت ارتكاب الجريمة قد تختلف عن الحالة التي رآها معه الطبيب بعد ذلك.
وعليه ورغم أن المتهم شخص غير طبيعي ويعاني من اضطرابات في الشخصية كما ذكر الطبيب إلا أنه قبل وبعد الحادث بوقت وجيز كان المتهم طبيعياً كما يكشف عن ذلك أقوال شهود الاتهام وتصرفات المتهم الطبيعية وسعيه للانتقام لابنته التي هربت بسبب سوء معاملة المجني عليهم كما أن المتهم يحتفظ بذاكرة قوية واضحة لكل التفاصيل والتصرفات التي سبقت الحادث وبعد الحادث مما يدل على أنه كان مسيطراً على أفعاله وفي نفس الوقت لم يذكر الطبيب أن المتهم يعاني من مرض عقلي أو أوهام تجعله فريسة لتصورات غير واقعية.
للأسباب أعلاه تقرر هذه المحكمة عدم وجود بينة تثبت أن المتهم كان فاقد السيطرة على أفعاله عندما ارتكب الحادث بسبب الجنون المؤقت.
هل يستفيد المتهم من الاستثناء السادس للمادة 249 من قانون العقوبات والتي تنص على الآتي: "لا يعد القتل قتلا عمدا إذا كان الجاني وقت ارتكاب الفعل واقعا تحت تأثير اضطراب ناشئ عن تخلف أو اصابة أو مرض عقلي إلى درجة تؤثر تأثير حقيقياً على قدرته في التحكم في أفعاله أو السيطرة عليهما.
ذكرت المحكمة الكبرى هذا الدفع الأول بناء على المادة 50 من قانون العقوبات ولكنها بلك أسف لم تناقش هذا الدافع واكتفت بمناقشة الدفع الأول فقط.
أن قتل المتهم لشقيقه وزوجته وأربعة من أطفالهم حرقا بالنار وبالطريقة البشعة القاسية يدل في حد ذاته على أن المتهم شخص غير طبيعي “Abnormal” إذ أن القرابة التي قدستها الأديان ونظمتها التقاليد والنظم الاجتماعية تجعل العلاقات الطبيعية لها هي الود والمحبة والتجاوز عن الهفوات تعظيما لشأنها. ويؤكد ذلك تقرير الطبيب وقوله أمام المحكمة أن المتهم يعاني من اضطراب في الشخصية مستوى ذكائه دون الوسط يكثر من تدخينه البنقو وشراب الخمر لم يحظ بأي تعليم.
إذا أخذنا في الاعتبار الفعل الذي ارتكبه المتهم كان كما ذكرنا أعلاه واضطراب شخصية المتهم مع ضعف ذكائه وترديه في تعاطي المخدرات. كلها تجعلنا نقرر باطمئنان أن المتهم كان شخصاً غير طبيعي “Abnormal” بمعنى نص المادة أعلاه.
بمعنى آخر واقع تحت تأثير اضطراب نفسي ناشئ عن ظروفه الاجتماعية المعقدة وترديه في إدمان المخدرات والخمر والذي يؤدي إلى إصابة بمرض عقلي وان اختلفت النظريات الطبية بشأن تأثير البنقو على العقل، فإننا نعطي المتهم فائدة الشك في مثل هذه الحالة ونقرر أن تدخينه لسيجارة البنقو قبل الحادث مع الظروف التي سبقت الحادث من هروب ابنته بسبب احتقار المجني عليهم له، وتحدي المرحوم وزوجته له وتهديهما له بالقتل وحالة الكآبة التي كان فيها المتهم وما وصفه شاهد الاتهام عبد الله أن المتهم كان في حالة نفسية لا يستطيع الأكل ويؤكد ذلك الاعتراف القضائي الذي أدلى به المتهم بعد الحاث مباشرة عندما قال: الموقف مؤلم جدا بالنسبة لي والأولاد اللذين حرقوا أولاد أخوي وأنا تعبان جدا وما بقد أقول أي حاجة غايتو قدر وحصل. بالرغم من أن أقوال المتهم تشير إلى وعي تام لكل ما فعله إلا أنه لا يستطيع تقييم ما قام به كل ذلك يبرر أن المتهم ارتكب الفعل عندما كان واقعا تحت تأثير اضطراب ناشئ عهن مرض عقلي إلى درجة أنه أثر تأثيراً حقيقيا على قدرته في التحكم في أفعاله والسيطرة عليها هذا –إذا كان المتهم فعلا في حالة طبيعية لما كان رد الفعل لأفعال شقيقه وزوجته حرقهما بالنار مع أطفالهم الأربعة- ورغم أن الطبيب لم يشر صراحة إلى أن المتهم مصاب بمرض عقلي وكما ذكرنا أعلاه أن القرار إذا كان المتهم مريض بمرض عقلي هو قرار قضائي وليس طبي على حسب نص القانون.
للأسباب أعلاه تقرر المحكمة أن المتهم يستفيد من الاستثناء السادس للمادة 249 من قانون العقوبات مما يستوجب تعديل جريمة القتل، القتل العمد للقتل الجنائي وعليه نعدل الإدانة من المادة 251 من قانون العقوبات إلى المادة 253 من قانون العقوبات وكذلك نعدل عقوبة الإعدام إلى عقوبة السجن مدى الحياة.
8/12/1980:
القاضي مهدي الفحل
أوافق .
30/9/1980م :
القاضي أحمد التجاني عبد الهادي:
أوافق.
📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات