سوابق و أحكام قضائية منشورة في مجلة الأحكام القضائية العام ١٩٧٧م

موجز الاخبار

سوابق و أحكام قضائية منشورة في مجلة الأحكام القضائية العام ١٩٧٧م

  

للمزيد من الاحكام القضائية تابع مجلة الاحكام  القضائية السودانية بالضغط هنا 


المحكمة العليا

 

القضاة :

 

سعادة السيد/ صلاح الدين شبيكة           نائب رئيس القضاء              رئيساً 

 

سعادة السيد/ الصادق عبد الله               قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد /عبد الله أبو عاقلة              قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

سيد محمود وهبي                                       الطاعن

 

// ضد //

 

            ورثة الأمين سعد الله                        المطعون ضده

 

م ع/ط م/372/1977

 

المبادئ:

 

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 –معنى كلمة (محكمة) الواردة في المادة 130- إجراءات جنائية.

 

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 –معنى كلمة (طعن) الواردة في المادة 176.

 

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 –إذن المحكمة المدنية بفتح بلاغ تحت المادة 169 من قانون العقوبات –قابل للاستئناف –المواد 176 (أ) و (د) من قانون الإجراءات المدنية و (130) من قانون الإجراءات الجنائية.

 

1- كلمة (محكمة) الواردة في المادة 130 من قانون الإجراءات الجنائية تشمل المحاكم المدنية والشرعية والجنائية وهي تجيز إلغاء أو تأييد الأمر بالإذن من أي سلطة تتبع لها السلطة التي منحت أو رفضت الإذن.

 

2- كلمة طعن الواردة في المادة 176 من قانون الإجراءات المدنية تعني كافة أنواع التظلم أمام كافة المحاكم أما كلمة الطعن بالنقض فهو قاصر على التظلم المرفوع للمحكمة العليا.

 

3- أمر المحكمة المدنية بسماحها بفتح بلاغ تحت المادة 169 من قانون العقوبات أمر قابل لتنفيذ الفوري وهو لذلك يقبل الاستئناف تحت المادة 176 (أ) و (د) من قانون الإجراءات المدنية.

 

المحامون:

 

عبد الحليم الطاهر                           جوهان جرجس جودة

 

الحكـــم

 

1/2/1978

 

 القاضى /الصادق عبد الله:-

 

            يتحصل الطعن في أن محكمة أمدرمان الجزئية أصدرت في 10/2/1977 أمراً بالإذن لمحام المدعي بالقضية المدنية رقم 1300/76 بإن يفتح بلاغـاً ضد وكيل المدعي عليه بشهادة الزور بسبب إدلائه بأقوال متناقضة أمام المحكمة في تلك الدعوى.

 

   لدى استئناف المدعي عليه شطب قاضي المديرية الاستئناف استناداً إلى أن الأمر المطعون فيه لا ينهي الخصومة.

 

   ضد حكم محكمة المديرية بطعن محامي المدعي عليه مشيراً إلى أنه وفقاً للمادة 176 (أ) من  قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 فإن الأمر المطعون فيه أمر ينص القانون صراحة بجواز استئنافه وذلك بالمادة 130 (6) من قانون الإجراءات الجنائيه لسنة 1974. كما أن الأمر قابل للتنفيذ الفوري وهو لذلك قابل للاستئناف تحت الاستثناء (د) من المادة 176.

 

  أما محامي المطعون ضده فيرد متمسكاً بقرار محكمة المديرية وأسبابه.ويضيف بأن الأمر المطعون فيه ليس حكماً والمادة 207 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 تتحدث عن اختصاص هذه المحكمة بالنظر في الطعون ضد (الأحكام) وليس (الأوامر) . 

 

   وعلى فرض صحة إدعاء الطعن فيرى محامي المطعون ضده أن هذا الطعن في الأمر لا يجوز إلا بعد انتهاء الدعوى.

 

   ثم يسترسل المحامي بالخوض في موضوع البلاغ ومناقشة الوقائع . إن الطعن يتعلق فقط باختصاص محكمة المديرية في نظر الاستئناف المرفوع إليها من المدعي وقد فصلت تلك المحكمة في موضوع الاختصاص فقط ولذلك فإن هـذه ا لمحكمة مقيدة بالنظر في ما فصلت فيه محكمة المديرية.

 

  إننا نتفق مع محامي الطاعن في ما ساقه من أسباب فالأمر بفتح البلاغ تحت المادة 169 عقوبات أمر قابل للتنفيذ الفوري فهو لذلك يقبل الاستئناف تحت المادة 176 (د) من قانون الإجراءات المدنية.

 

   وكذلك فالمادة 130 من قانون الإجراءات الجنائية في فقراتها السادسة تجيز إلغاء أو تأييد الأمر بالإذن من أي سلطة تتبع لها السلطة التي منحت أو رفضت الإذن . وكلمة (محكمة) الواردة بتلك المادة تشمل المحاكم الجنائية والمدنية والشرعية كما تفسرها الفقرة الثانية.

 

  فما دام الأمر المطعون فيه مأذوناً قانوناً بجواز استئنافه فإنه واقع لا محالة تحت الاستثناء الأول من المادة 176 من قانون الإجراءات المدنية. ومن ثم فهو قابل للاستئناف.

 

  أما ان المادة 207 من قانون الإجراءات المدنية تحدد اختصاص هذه المحكمة بالفصل في الطعن ضد الأحكام فقط دون الأوامر فمردود عليه أن كلمة (الطعن) الواردة بالمادة 176 تعني كافة أنواع التظلم أمام كافة المحاكم بمـا فيها هذه المحكمة (أما الطعن بالنقض) فهو قاصر على التظلم المرفوع لهذه المحكمة.

 

وهذا التفسير يعد من أبرز سمات قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 كما جاء في مقدمته (ص 1011).

 

   يضاف إلى ذلك أن الباب الثامن  من ذلك القانون والذي يشمل المادة 176 قد استعملت فيه كلمة (الأحكام) لتشمل الأوامر أيضاً فعنوانه (الطعون في الأحكام) بينما مواده تنظم كيفية ومدى الطعون في الأحكام والأوامر أيضاً.

 

  وعليه فإن المادة 207 التي يشير إليها محامي المطعون ضده يتعين قراءتها في ضوء التفسير الوارد بالمقدمة ومع الباب الثامن الخاص بالطعون في الأحكام.

 

  ننتهي بذلك إلى أن إذن المحكمة الجزئية بفتح بلاغ تحت المادة 169 من قانون العقوبات هو أمر قابل للاستئناف لمحكمة المديرية بموجب المادة 176 (أ) و (د) والمادة (130) (6) من قانون الإجراءات الجنائية. 

 

 وعليه نأمر بما يلي:-

 

   يلغى الحكم المطعون فيه وتعاد الأوراق لمحكمة المديرية للفصل في الاستئناف.

 

31/1/1978:

 

القاضي عبد الله أبو عاقلة أبو سن:

 

أوافق. وليس عندي مزيد.

 

1/2/1978:

 

القاضي صلاح الدين شبيكة:

 

أوافــق.

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

صاحب السعادة السيد  خلف الله الرشيد    رئيس القضاء                    رئيساً

 

سعادة السيد عمر بخيت العوض          قاضي المحكمة العليا              عضواً

 

سعادة السيد حسن علي أحمد                قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

حكومة السودان   ضد    جيرو لومو واندي كانوقا

 

(م ع/م ك/86/1977م)

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – القتل الجنائي- العلم بأن الموت نتيجة محتملة لا راجحة للفعل – المادة 248 عقوبات .

 

قانون جنائي- نقض الحكم لا يجوز إن كان الحكم موافقاً للقانون ولو كان هنالك اختلاف في التسبيب .

 

 

            يعتبر القتل قتلاً جنائياً لا يصل إلى درجة القتل العمد إذا كان المتهم عالماً بأن القتل نتيجة محتملة لفعله لا راجحة وذلك عملاً بأحكام المادة 248 .

             لا يجوز نقض الحكم متى كان منطوقه موافقاً للقانون بحسب النتيجة التي انتهى غليها ولو كان تسبيب المحكمة العليا مخالفاً لتسبيب المحكمة الكبرى .

 

 

الحكـــــم

 

30/6/1977:

 

حوكم المتهم جيرو لومو واندي كاندوقا أمام محكمة كبرى عقدت بعطبرة برئاسة القاضي أمبرو مازينو بتاريخ 10و 11 مارس 1977 بموجب المادتين 251 عقوبات و 275 عقوبات . وذلك لإزهاقه روح المجني عليه عمانويل أجاك وتسببيه الإتلاف لمنزل المجني عليها .

 

حوكم المتهم بالسجن المؤبد لإدانته بموجب المادة 253 عقوبات وبخمس سنوات سجن لإدانته بموجب المادة 375 عقوبات . على أن تسري العقوبتان بالتطابق .

 

أمامنا طلب استئناف من المتهم يتحصل في الآتي :

 

1- أن المتهم ليس متأكداً من حريق المنزل ولعل الحريق شب مصادفة .

 

2- لم يكن ينوي قتل أي من المجني عليهما .

 

3- أن المجني عليهما اتهماه زوراً وضارباه وسببا له أذىً وأخذا منه دراجته ونزعا منها بعض قطع الغيار .

 

4- يطلب على سبيل الاحتياط تخفيف العقوبة إذ لم يكن يتوقعها كما أنه يطلب الرأفة بأبنائه  الذين لا عائل لهم.

 

وقائع هذه القضية ظاهرة وبسيطة بساطة المتهم نفسه الذي سرد الوقائع الصحيحة منذ أن ألقي عليه القبض إلى أن مثل أمام المحكمة الكبرى بلا تغيير وأيدته البينات الأخرى وتتلخص في إن المتهم كان يسير في طريقه في بلده أزو طالباً منزل أخيه فيلكس نقباتندا (ش أ . 23) وكان يدفع دراجته دفعاً لتسرب الهواء من أحد إطاريها وكان يحمل فوق الدراجة مواد غذائية ولما كان الوقت متأخراً أشعل المتهم النار في عود من الخشب ليستضئ به ولما قرب من منزل نقباتندا ماراً بمنزل المجني عليهما وهما مدرسان اعترضا طريقه واتهماه بأنه لص ولكنه نفى ذلك واحتدم النقاش حتى سمعه (ش . أ .ت.4) عزالدين بلال الذي خرج من منزله وذهب إلى حيث يقف المتهم والمجني عليهما وأخبرهما أن المتهم لم يكن لصاً واستطاع أن يطلق سراحه وسار المتهم في طريقه ورجع عز الدين إلا أن المجني عليهما كانا في حالة سكر شديد لحقا بالمتهم وكررا اتهامهما له وانتزعا منه دراجته وألقيا بها في القش وأوسعاه ضرباًَ ولكماً حتى استغاث وسمعه أخوه نقباتندا (ش.أ.ت.2) وصرخت زوجته أيضاً وتمكن نقباتندا من إقناع المجني عليهما بأن المتهم لم يكن لصاً وفض الاشتباك وطلب منه أن يهرع بعيداً عن مكان الحادث وفعلاً ذهب المتهم بعيداً ولما استيقن أن المجني عليهما قد ذهبا لحالهما رجع بحثاً عن الدراجة والمواد الغذائية التي كان يحملها فوق الدراجة وتبعثرت بسبب الاشتباك .

 

عاد المتهم ووجد العود الذي كان يستضئ به ما زال مشتعلاً  وأخذه للبحث عن ضالته ولما لم يعثر على الدراجة ولا مواده الغذائية أشعل النار في قطية المجني عليهما اللذين كانا يغطان في نوم عميق .

 

ولم تلبث  النار أن أضرمت وأحرقت المجني عليهما ولكن تمكن أحدهما وهو جيمس من الخروج قبل أن تتمكن النار منه وتحامل الآخر على نفسه حتى وقع في الباب  وتمكن زملاؤه من المدرسين من سحبه على خارج القطية ولكنه مات متأثراً بحروقه .

 

في ضوء هذه الوقائع توصلت لمحكمة إلى إدانة المتهم بموجب المادة 253 عقوبات ورأت أنه لا بد مستفيد من الاستثناء الأول للمادة 249 ع .أدانته بموجب المادة 37 عقوبات لتسبيب الإتلاف لمنزل معد للسكن .

 

ولا نرى أن المحكمة الكبرى قد أصابت في قرارها وذلك للأسباب الآتية :_

 

أولاً : كان يجب أن توجه إلى المتهم ثلاث تهم :_

 

تهمة بموجب المادة 251عقوبات 8. وهذه قد وجهت الوجه الصحيح وتهمة بموجب المادة 259 عقوبات أو على الأقل تهمة بموجب المادة 279(2) ثم تهمة بموجب المادة 375 عقوبات .

 

وهذه تؤيد الوقائع الثابتة والتي لا لبس فيها . فقد اتضح أن المتهم قد اعتدى عليه وضرب وأخذت دراجته ولكنه رجع بعد فترة وأشعل النار في مكان معد للسكن ونتج عن ذلك حريق المنزل وموت المجني عليه الأول وإصابة الآخر بأذى جسيم . التكييف القانوني لهذا الفعل على ظاهر الوقائع هو تسبيب القتل العمد لأن المتهم قد هاجت نفسه  بسبب الاعتداء السابق عليه بدافع الانتقام أراد أن يسبب موت المجني عليهما ولكن بالتدقيق في الوقائع نجد أن المتهم قد سبب موت المجني عليهما ولكنه لم يرتكب جريمة القتل العمد كما سوف نفصل لاحقاً .

 

ثانياً :ليس على المحكمة أن أشعل المتهم النار في منزل معد للسكن ولذلك ركزت على التهمة الثانية دون النظر إلى ما لحق المجني عليه الثاني من أذى وكأن ما أصاب المجني عليه الثاني لم يكن بذي بال ولم تنله المحاكمة ولا يزال حق المجني عليه الثاني بلا قصاص .

 

ثالثاً  ينظر إلى الجزم ككل ولا يجوز تجزئته بحيث يصبح بعد ذلك سلسلة جرائم لا رابط بينها وإذا نظرنا إلى الوقائع المقرونة مع النصوص القانونية نجد ببساطة أن المتهم قد ارتكب جريمة إتلاف منزل ونتج عن ذلك موت المجني عليه الأول وأذى المجني عليه الثاني والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : هل سبب المتهم حريق المنزل بقصد قتل المجني عليهما ؟.

 

والإجابة على هذا السؤال تحدد التكييف القانوني الصحيح لفعل المتهم المجرم يقول المتهم أنه لم يقصد قتل المجني عليهما ولكنه أضرم النار بقصد أو بغير قصد فهل يجوز قصر فعله على تسبيب الإتلاف بالنار دون النظر إلى نتائج ذلك الفعل ؟ من المعلوم أن وسائل إحداث الموت أو تسبيبه غير متناهية والأسلحة التي تحدث الموت متعددة ، فيمكن تسبيب الموت بسلاح خطر في مكان خطر كأن يطعن أحد شخصاً آخر بسكين في بطنه أو صدره أو أن يحدث قطعاً بفرار أو فأس في الرأس وهكذا .

 

أو أن يسمم الشخص الآخر أو يخنقه حتى تنقبض روحه أو يغرقه وهكذا.

 

ومدار كل ذلك القصد الجنائي فإذا كان قصد المتهم تسبيب الموت تكون الإدانة بموجب المادة 251 عقوبات . إذا لم تتوفر أسباب الإباحة أو الأسباب التي تغير من وصف الجريمة و وإذا كان قصد المتهم تسبيب الأذى الجسيم الذي قد يفضي إلى الموت أو أن الموت قد يكون محتملا فإن الإدانة تكون بموجب المادة 253 عقوبات . لأن القتل ليس عمداً بل قتلاً جنائياً .

 

والوقائع التي بين أيدينا لا يستدل معها على أن المتهم قصد قتل المجني عليهما ولا شك في أنه صادق فيما زعم من أنه لم يكن ينوي قتلهما فهو قد أشعل النار بسبب حقده على المجني عليهما اللذين اتهماه زوراًًً وبهتاناً وضرباه  وضيعا عليه مواده الغذائية ودراجته وقد ارتكب بسبب ذلك الحقد جريمة إتلاف منزل معد للسكن بالنار وما كان يهمه أن يحرق المجني عليهما ويموتا أو ينجوا أي استوى عنده ما ينتج من جراء الحريق وقد صدقته المحكمة في كل ما ذهب إليه لوجود الدليل على صدق ما يقول وليس هناك ما يوجب تكذيبه فيما زعم أنه لم يكن ينوي قتلهما ولذلك لا نرى وجهاً لدخول المحكمة في مناقشة الاستثناء الأول ولو صح أن المتهم قد قتل المجني عليهما وتوفرت الأدلة فإن الاستثناء الأول لن يفيده في شئ لأن الزمن مضى بعد ما فرق نقباتندا بينه وبين المجني عليهما وساعة إشعاله للحريق مدة طويلة وكافية لأن تهدأ فيها المشاعر ولا نعتقد أن عدم عثوره على الدراجة يعد سبباً للإثارة مستقلاً بذاته مقترناً مع الحادث الأول .     

 

لذلك كان على المحكمة أن تقرر إدانته بالقتل الجنائي بالنسبة لتسبيب موت المجني عليه الأول وتسبيب الأذى الجسيم بوسائل خطرة بالنسبة للمجني عليه الثاني  وذلك  لأن الحريق لم يكن مقصوداً في ذاته وإلا لقصر القرار على المادة375 عقوبات .

 

وعليه نرى تأييد قرار الإدانة بموجب المادة 253 عقوبات للأسباب المذكورة وليس على أساس أعمال الاستثناء الأول للمادة 249 عقوبات . وتغيير قرار الإدانة بالنسبة لما سبب للمجني عليه من أذى إلى مذنب بموجب المادة 279(2) وتأييد قرار الإدانة بموجب 375 عقوبات .

 

وبما أننا لا نستطيع زيادة لعقوبة فنؤيد العقوبة كما وقعتها المحكمة .

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

صاحب السعادة السيد  خلف الله الرشيد    رئيس القضاء                     رئيساً

 

سعادة السيد عمر بخيت العوض            قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد حسن علي أحمد                قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

حكومة السودان   ضد    علي أمبده فضل الله

 

(م ع/م ك/94/1977م)

 

(الحكــــــم )

 

في 30/6/1977: عقدت محكمة كبرى بالنهود برئاسة القاضي عبد المنعم محمود بشير لمحاكمة المتهم علي أمبده فضل الله والذي اتهم بقتل المجني عليه  فضل الله سليمان إبراهيم بقرية الكلافي من أعمال مركزالدويم .

 

لقد وجدته تلك المحكمة مذنباً تحت المادة 251  من قانون العقوبات حيث ترجح لديها أن المتهم هو الذي قتل المجني عليه بطلق ناري من بندقية خرطوش أصابته على بطنه حتى برزت أمعاؤه وقد توفي في مكان الحادث قبل نقله للمستشفى . اعتمدت المحكمة في إدانتها لجرم المتهم على الأقوال التي أدلى بها المني عليه لشيخ الحلة ومشاهدة المتهم بقرية الدميرة يحمل بندقية ويتجه شمالاً ثم أقوال قصاص الأثر وأخيراً بينة الطفلة بخيتة فضل الله ابنة المجني عليه والتي كانت ترافقه عند وقوع الحادث .

 

المتهم يعترض على الإدانة ويصر على إنكار الجريمة ولهذا رفعت إلينا أوراق المحكمة للنظر في طلبه هذا وممارسة سلطتنا في التأييد .

 

أنه من رأينا ابتداءً أن رئيس المحكمة الكبرى قد تطرق لجميع العناصر  والمبادئ القانونية المؤيدة لها عند مناقشة لأسباب الإدانة كما استعان بما أتيح له وتيسر من سوابق القضاء السوداني وهو جهد محمود ويشكر عليه رئيس المحكمة الكبرى .

 

وبعد اطلاعنا على محضر المحكمة فإننا نرى أن ما توصلت إليه المحكمة الكبرى لا يتفق مع القواعد السليمة التي تعرضت إليها في مذكرة أسباب الإدانة.

 

أولاً : أقوال المحتضر 

 

لقد وضحت المحكمة الكبرى مبدأ قبول أقوال المحتضر في الإثبات وطبقت ذلك تطبيقاً صحيحاً من أنه صدرت أقوال من المحتضر المجني عليه  ولكنها قصرت عن تحديد المعنى الصحيح لتلك الأقوال التي أدلى بها  المجني عليه لشيخ الحلة .

 

لقد اقتنعت المحكمة الكبرى بأن  المجني عليه قال أنه ضرب بواسطة علي أمبده المتهم في هذه القضية ولكن بمراجعتنا ليومية التحري والتي نعتبرها أداة مساعدة ذات أثر فعال في تحديد وزن وقيمة أقوال  الشاهد وهي تبرز بجلاء مدى تحمل الشاهد للأدلاء  بمعنى أن يكون وقت سماعه لأقوال المحتضر أو مشاهدته للوقائع ذا فهم جيد وذاكرة حسنة تحفظ الوقائع كما حدثت ثم يحتفظ بها ويعيدها وقت أداء الشهادة على الوجه الذي علقت به في ذهنه وقت تحمله الشهادة .

 

لقد قرر شيخ الحلة وبعض شهود الاتهام أن المجني عليه قال لهم أن الذي ضربه بالبندقية وهو علي أمبده ولكنهم عند استجوابهم في التحري ذكر بعضهم أن المجني عليه لم يجاوب على سؤال الشيخ بتحديد الذي ضربه ابتداءً بل أجاب عليه في المرة الأخيرة عندما سأله خصمك منو؟ فكانت الإجابة علي أمبده هذا يدل على أنه يستنتج أن الذي فعل ذلك الفعل المنكر هو علي أمبده لما بينهما من محن وضغائن . يدعم هذا الرأي أنه عندما سأل هل رأى الشخص الذي ضربه فأجاب بأنه لم يره . راجع أقوال شاهد الاتهام جمعة أحمد التوم بصفحة 5 من يومية التحري .

 

ومن هذا يتضح أن الشهود لم يكونوا أهلاً لتحمل لشهادة لأنهم أدوها على وجه مختلف عن الوجه الذي سمعوه من المجني عليه وبذلك لا يتوفر الاطمئنان الكافي للأخذ بهذا القول المزعوم صدوره من المجني عليه بأن المتهم علي أمبده هو الذي ضربه على وجه اليقين وإنما يؤخذ على أنه يعني فقط أنه يتهم علي أمبده لما بينهما من عداوة .

 

ثانياً : بينة قصاص الأثر :

 

            لقد أثبت بعض الشهود أنهم وجدوا آثار أقدام بالقرب من مكان الحادث وأنهم في صباح اليوم التالي للحادث تتبعوا تلك الآثار حتى وصلوا بها إلى منزل والد المتهم علي أمبده وأن قصاص الأثر  قد شاهد آثار الأقدام في مكان الحادث وفي مناطق متعددة في الطريق ثم أمام منزل والد المتهم وبعد ذلك تعرف عليها في طابور الأثر .

 

ولقد بين المنشور الجنائي رقم 39 قواعد قبول بينة قصاص الأثر وحدد الضوابط التي يجب الاعتماد عليها حتى يمكن الاطمئنان لتلك البينة والتي هي في جوهرها رأي خبير إلا أننا نرى أن تلك البينة التي أدلى بها قصاص الأثر قد شابها قصور مما جعلها مظنة عدم التصديق.

 

لقد بين حكمدار الشرطة في تعليقه على قصور التحري على صفحة 20 من يومية التحري حيث فشل المتحري في اتباع القواعد التي تتخذ في حالات طابور الأثر وهي مخالفة للفقرة (هـ) من المنشور الجنائي 39 من ناحية ومن ناحية أخرى فإن قصاص الأثر لم يتابع الأثر من الجهة التي بدأ منها حتى مكان الحادث ومن مكان الحادث حتى منزل المتهم لأن معرفة بداية حركة ووصول الأثر إلى مكان الحادث ذات أهمية بالغة في تصديق أقوال قصاص الأثر خصوصاً إذا ربطته بمكان شاهد فيه بعض الشهود المتهم كما في هذه القضية وفي ذلك مخالفة لما جاء بالفقرة (ج) من المنشور الجنائي رقم 39 .

 

هذا بجانب أن العمل جرى على ضرورة تأييد أقوال قصاص الأثر ببينة أخرى كما قررت الفقرة (الثانية) من المنشور المباشر إليه وهذا حق وعدل خصوصاً في مثل هذه الجرائم الخطيرة إذ لا بد من ثبوت جرم المتهم ببينة واضحة وقائمة على اليقين التام وفي هذه القضية لا نجد عنصراً قصاص الأثر .

 

ثالثاً: أقوال الطفلة بخيتة فضل الله :

 

لقد ادعت هذه الطفلة أنها رأت المتهم عندما أضاء والدها البطارية عليه وتعرفت عليه بينما هي في أقوالها عند استجوابها في التحري لم تذكر شيئاً عند رؤيتها للجاني وقالت أنها فقط  سمعت صوت الطلقة ثم سقط والدها من حماره وهذا هو الشيء المنطقي ولا يعقل بعد ذلك  أن يكون والدها قد أضاء بطاريته ليرى الجاني .

 

لقد أدت هذه الطفلة أقوالها من غير يمين لأن المحكمة اعتقدت في أنها تدرك معنى قول الحق ، من رأينا أيضاً أن بينة الأطفال وإن كانت جائزة القبول إلا أنها نفسها تحتاج إلى تعضيد ببينة أخرى لأن الأطفال قد يتحملون الشهادة ولأن خيالهم الجامح لا يجعلهم يحفظون ما شاهدوا ويؤدونه وقت مثولهم أمام المحاكم على الوجه الذي كان وقت تحمل الشهادة ولهذا لسبب كان العمل قد جرى على تأييد أقوالهم في جرائم الجنس وجرائم القتل العمد .

 

وعليه فإننا نرى أن البينات المقدمة في هذه القضية لا تكفي للقطع بعيداً عن الشك في أن المتهم علي أمبده هو الذي ارتكب تلك الجريمة بالرغم من وجود البواعث التي قد تبررها وهو ما قيل عن وجود عداوة بينه وبين المجني عليه لأن لإثبات البواعث لا يرقى ولا يؤدي إلى ارتكاب الجريمة ولكنه يفسر القيام بها .

 

وبما أننا لم نشارك المحكمة الكبرى اعتمادها على بينة قصاص الأثر ولا بينة الطفلة بخيتة فضل الله وبما أننا قد حددنا معنى أقوال المحتضر وحصرناها في أنها تشير إلى وجود بواعث القتل لدى المتهم فإننا نقرر أن البينات المقدمة في هذه القضية لا تقطع بإدانة المتهم وعليه نأمر بإلغاء الإدانة تحت المادة 251 عقوبات ونأمر بإطلاق سراحه .

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة

 

سعادة السيد / مهدي الفحل                  نائب رئيس القضاء              رئيساً

 

سعادة السيد / عمر بخيت العوض     قاضي المحكمة العليا     عضواً

 

سعادة السيد / أحمد التجاني عبد الهادي  قاضي المحكمة العليا    عضواً

 

حكومة السودان ضد جابر ضو النعيم محمد

 

م ع/م ك/98/1977

 

الحكــم

 

القاضي عمر بخيت العوض :

 

عقدت محكمة كبرى بالنهود برئاسة القاضي حمزة محمد نور لمحاكمة المتهمين جابر ضو النعيم محمد و مفرح محمد دامي تحت المادة 251 من قانون العقوبات، وبتاريخ 20/4/1977 أدانتهما المحكمة تحت المادة المشار إليها وأصدرت حكمها بإعدام المتهمين شنقاً حتى الموت وذلك لإزهاقهما روح المرحوم حامد الدومة معلى .

 

تتحصل الوقائع في الآتي:

 

المرحوم حامد الدومة معلى يعمل تاجر إبل، وهو من قبيلة الزيادية وقد جاء إلى النهود لشراء إبل وقد نزل ضيفاً في منزل الشاهد أحمد جمعة أحمد - شاهد الاتهام الثاني . اشترى من زريبة المواشي بالنهود عدداً من الإبل وفي نيته شراء عدد آخر . في صباح يوم الحادث 13/10/1976 ذهب لمنزل شاهدة الاتهام الثالثة سيدة محمد إبراهيم وهي عاهرة تسكن في منطقة غرب زريبة المواشي وتعرف  عليها ثم أعطاها خمسة جنيهات بعد أن وعدها بالحضور مساء نفس اليوم لقضاء وقت معها .

 

في المساء عادت الشاهدة سيدة محمد إبراهيم لمنزلها بعد أن تدخنت في منزل الشاهدة الخامسة فاطمة الرحيمة لتأخذ بطاريتها بعد أن قررت عدم الوفاء بوعدها للمرحوم مفضلة الذهاب لعشيقها المدعو السر جبار والذي كان ينوي السفر في اليوم التالي . عند وصولها أمام منزلها وجدت المرحوم والمتهمين الأول والثاني وشاهد الاتهام الرابع الزاكي أحمد عينة يجلسون أمام منزلها وأذنت لهم جميعاً بالدخول حيث دخلوا وجلسوا، طلب منها المتهم الأول جابر ضو النعيم محمد باد أن ناداها خارج القطية بأن تذهب إلى منزل صديقتها فاطمة وأن تتركهم لأن لديهم موضوع خاص يريدون التحدث فيه .

 

انصاعت الشاهدة سيدة محمد إبراهيم لطلب المتهم الأول جابر ضو النعيم وذهبت لمنزل صديقها السر بعد أن تركت المتهمين والمرحوم والشاهد الزاكي في منزلها .

 

حضر شخص ملثم الوجه غير معروف ودخل المنزل وجلس معهم طلب المتهم الأول جابر من المرحوم أن يشتري لهم خمرة، ولكن المرحوم رد عليهم بأنه لا يشرب الخمر، وعندما ألح المتهم الأول على المرحوم تدخل الشاهد الزاكي أحمد عينه وأخرج خمسين قرشاً للمتهم لشراء الخمر إلا أن المتهم جابر شتمه .

 

المتهم جابر شتم المرحوم بقوله يا عبد ولكن المرحوم رد عليه أنا ما عبد أنا زيادي حر، أراد المرحوم أن يستعدل في جلسته في السرير ولكن المتهم جابر ضربه بعصا على جنبه الأيسر ثم ضربه المتهمان الأول والثاني معاً بعصا على رأسه، فسقط المرحوم على الأرض وهدد المتهم الأول جابر الشاهد الزاكي بالقتل إذا تحدث عن أي شيء وقع، وقال المرحوم صابر: غدرتني يا جابر كتلتني الأمان . خرج الشاهد الزاكي وطارده المتهم الثاني مفرح، وقف الشاهد تحت شجرة قرب مكان الحادث ورأى المتهمين ومعهم الشخص الملثم يتوجهون شمالاً ويختفون في الظلام . خرج المرحوم يتعثر في خطاه وسقط قرب زريبة المواشي على بعد 247 خطوة من منزل الحادث .

 

عادت الشاهدة سيدة محمد إبراهيم إلى منزلها حوالي الرابعة صباحاً وقد وجدت آثار أقدام في داخل القطية، كما وجدت عصا ومركوب ومصباح مكسر، وعلمت من جارها أن مشاجرة قد وقعت في منزلها، أخفت العصا في رف القطية .

 

في صباح اليوم التالي عثر على جثة المرحوم وقد توفي متأثراً من نزيف داخل المخ من جراء كسور بالرأس، تم القبض على عدد من المشتبه فيهم بما فيهم المتهمان الأول والثاني، وانحصرت فيهما التهمة، وأنكر المتهمان في كل المراحل إرتكابهما جريمة القتل أو إلتقائهما بالمرحوم يوم الحادث .

 

في الطعن الذي تقدم به المتهمان ضد الحكم الصادر ضدها يقدحان في بينة الشاهدة سيدة محمد إبراهيم التي وردت ضدهما ويصفانها بأنها كاذبة وقد ارتكبت الجريمة في منزلها وهي تريد التستر على عشيقها الشاهد الزاكي أحمد عينة، وهو الفاعل الحقيقي للجريمة وتريد الإيقاع بالمتهمين، كما يضيفان بأن الشاهد الزاكي وسيدة كانوا مقبوضين بالحراسة في نفس التهمة . مما لا شك فيه أن المحكمة اعتمدا اعتماداً أساسياً على شهادة الشاهد الرابع الزاكي أحمد عينه الذي حضر الحادث وبينة الشاهدة الثالثة سيدة محمد إبراهيم التي ذكرت أن المرحوم والمتهمين كانوا بمنزلها يوم الحادث إلى آخر ما جاء بأقوالها .

 

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن – هل يقبل الطعن في تصديق رواية الشاهدين على  أساس أنهما شريكان أو متهمان في نفس الجريمة، ولقد ثبت تماماً أن الشاهدة سيدة محمد إبراهيم والزاكي أحمد عينة تم القبض عليهما كمتهمين بواسطة البوليس أثناء التحري، حيث اتجهت الشبهات نحو اشتراكهما في الجريمة، وأودعا الحراسة مدة من الزمن، وبعد اكتمال التحريات انحصرت التهمة في المتهمين الأول والثاني وعليه تم الإفراج عن الشاهدين نهائياً . ونسبة لصلتهما بوقائع الحادث أحضرهما الاتهام كشاهدين .

 

إن ما يقوم به البوليس في أثناء التحري وما يتخذه من إجراءات قبض على الذين يشك في صلتهم بالحادث وإيداعهم في الحراسة رهن التحقيق، ثم يطلق سراحهم لعدم وجود جريمة ضدهم لا تجعلهم تلقائياً شركاء في الجريمة مع بقية المتهمين الذين توفرت ضدهم البينات لأن الشريك يجب أن يكون له دور إيجابي واضح في ارتكاب الجريمة، وأن يكون شريكاً في ارتكابها بأي صورة، وبمعنىً آخر يكون هو نفسه متهماً . وإن الأدلة ضده توفرت . لقد عرف Lord Simonds  في قضية ( Dawis  ) الشركاء في الجريمة كما يلي :

 

Principals and secondary agents to the crime charged and persons umpeding the arrest of the principal or a secondary party in the case of an arrestable offence .

 

لم يفلح الاتهام بتقديمه بينة قاطعة ضد هذين الشاهدين حتى يمكن اعتبارهما شريكين بالمعنى الواضح أعلاه . ولكن بالرغم من ذلك علينا أن نوضح ما شاب موقفهما في هذه القضية .

 

إن الحادث وقع في منزل الشاهدة سيدة محمد إبراهيم حيث تركت المجني عليه والشاهد الزاكي والمتهمين يجلسون بداخل منزلها وانصرفت كما تدعي لقضاء ليلة آثمة مع خليلها وبعد أن خدعت المجني عليه والذي أراد أن يقضي منها وطراً محرماً وحسب ادعائها وعندما بدأت تباشير الصباح عادت أدراجها ومعها رفيقها الآثم وادعت أنها لم تر شيئاً ولكن في الصباح وجدت أنبوبة فكس تخص شخص المجني عليه فخبأتها في شنطتها ثم نقلت الشنطة إلى منزل آخر كذلك وجدت حذا المجني عليه فلفته في قطعة قماش ولما جاء الزاكي سلمته له وطلبت منه أن يلقيه في حفرة الأدبخانة كما وجدت بعض العصي المعروضة فخبأتها ببين قش سقف القطية . إنها وحسب ادعائها وحتى ذلك الوقت لم تعلم بوقوع الجريمة وإن عملها هذا كله تعتقد أن إخفاء الأشياء لا رابط بينها وبين الجريمة .

 

أما الشاهد الزاكي فقد أقر كما أيدت ذلك الشاهدة سيدة أنه كان مع المجني عليه والمتهمين وأنه شاهد الحادث عندما وقع وظل ساكتاً لم يقدم عوناً أو مساعدة للمجني عليه ثم خرج بعد ذلك  إلى منزله وظل على صمته حتى بعد أن عرف بموت المجني عليه بل تعدى دور الصمت حيث جاء لمنزل الشاهدة سيدة وأخذ منها حذا المجني عليه وألقاه في غياهب بئر الأدبخانة وحتى بعد أن قض عليه بواسطة البوليس أثناء التحري ظل على حالة إنكار كأنه لا يعرف شياً حتى تجمعت خيوط الأحداث وأشارت إليه بأصابع الاتهام فإذا به يروي الأحداث على الصورة التي رواها بها .

 

إن الشاهدة سيدة هي امرأة ساقطة وهي بهذه الصورة من الفسق لا يركن لأقوالها ولا يعول عليها خصوصاً وأن سلوكها منذ البداية يدل على أنها مخادعة حتى في عهرها ولا تلتزم بقول حتى ممارستها لمجونها ثم فوق هذا فإنها عندما عادت للمنزل قامت بإخفاء بعض الأشياء التي تخص المجني عليه والتي تضفي وضوحاً على معالم الجريمة، وفعلها هذا يجعلها في تقديري بمنزلة الشريك و المتستر على الجاني .

 

إن الأشياء التي أخفتها وإن لم تكن خاصة بالمتهمين فإنها غالباً تخص المجني عليه وأنها تساعد في كشف غموض الجريمة إذ على الأقل توضح مكان ارتكابها لأن المجني عليه وجد ساقطاً بعيداً  عن منزلها وقد ساعدها في ذلك الشاهد الزاكي والذي له دور أكبر لأنه شاهد الأحداث كما وقعت وظل على صمته، بل أدلى بمعلومات كاذبة ابتداءً .

 

إن مثل هؤلاء الشهود لا ينبغي على أقل تقدير أن تضع بينتهما وزناً يجعلها تقود المتهمين إلى حبل المشنقة وهو ما جرى عليه العمل في القضاء عندنا كما جاء في قضية حكومة السودان ضد أحمد عبد الله سعيد وآخرين – محكمة كبرى 449/1964م – المجلة القانونية لسنة 1965م صفحة 125 .

 

لقد قال رئيس القضاء بابكر عوض الله في تلك القضية ما يلي : ( مترجمة ) :

 

لقد اعتمدت المحكمة كلياً على أقوال سلامة عبد الرحمن العوني الذي كان متهماً في بداية الإجراءات ثم منح عفواً تحت المادة 253 من قانون الإجراءات الجنائية وذلك لكي تكون أقواله ضد شريكه الآخر وقد أجهدت المحكمة نفسها كثيراً لتوضيح أنه لا ضرورة للبحث عن بينة لتعضد أقوال هذا الشاهد . وفي غمرة معاناتها هذه فشلت المحكمة بكل أسف في إدراك دور المتهم الثاني واعتبرته مجرد شخص شاهد الجريمة وفشل في الإبلاغ عنها وسيراً على هذا فقد جهدت المحكمة لتأكيد اعتمادها على بينة هذا الشاهد مستعينة بسلسلة من المقطفات من السوابق الهندية .

 

ولكن بكل تواضع فإنني أجد نفسي عاجزاً عن الاتفاق مع المحكمة سواء في تحديد طبيعة دور المتهم الثاني في هذه القضية أو في اعتماد المقتطفات التي اعتمدت عليها المحكمة .

 

إن المتهم الثاني ليس مجرد شخص شاهد جريمة قتل ارتكبت واختار برؤية حذرة أن يضمن سلامته وإن اعتقادي أن سلوك المتهم الثاني كما اعترف به أكثر ملائمة مع القول بأنه اشترك بدور رئيسي في الجريمة وليس مجرد شاهد عيان . لأنه ربما خدع المجني عليه وأحضره إلى مكان ارتكاب الجريمة مسهلاً العدوان عليه أو ربما شارك المتهم الأول في الصراع الذي بلغ ذروته لقتل المجني عليه وأخيراً وليس آخراً ربما كان هو الشخص الذي سدد للمجني عليه الضربة القاتلة .

 

ثم قال السيد رئيس القضاء بابكر عوض الله : ( لئن ساغ أن تكون مثل شهادة المتهم الثاني كافية لإرسال الرجال إلى حبل  المشنقة فإنني لا أكاد أتبين كيف ينجو شخص بريء من عقوبة الإعدام، وإذا كان الشاهد قد أدلى ببينة مختلفة في يوم واحد يمكن قبولها ويصدق في ادعائه بأنه صحب المتهم الأول لحمايته بالرغم من ذلك هرب في اللحظة الحاسمة ليشهد الأحداث من ركن آمن، وإذ كان من الجائز أن يصدق ادعاؤه بعد مشاهدته لما جرى بأنه ذهب إلى منزل القاتل وفي هدوء جلس وتناول طعاماً شهياً . فإذ صدق كل ذلك واعتبر في البينة فإن معاييرنا القضائية يجب أن ينظر إليها بالاحتقار لا لبساطتها بل لمنتهى سذاجتها ) .

 

ثم عرج إلى الافتراض الآخر وهو المهم في رأينا لانطباقه على هذه القضية فقال : ( حتى لو افترضنا أن المتهم الثاني كان مجرد مشاهد للأحداث لا أعتقد أن القانون في الهند قد أصبح مستقراً بشأن تأييد أو عدم تأييد مثل هذه البينة، لقد جاء في كتاب سوهون  الطبعة الخامسة عشرة سنة 1961م قوله : " إن الشهود الذين يقرون بعلمهم بالجريمة ولم يتخذوا شيئاً لمنعها أو يخبروا أحداً بوقوعها ليسوا بالضرورة شركاء ولكن يجب أن ينظر لشهادتهم بعين الريبة وأن يكون الاعتماد عليها في نفس مستوى الاعتماد  على بينة الشريك " . ثم دعم هذا الرأي بما جاء في أقوال الأستاذ الهندي راجو في قانون الإثبات الذي قال فيه : " إذا رأى الشاهد الجريمة منذ بدايتها وحتى نهايتها وسمع استغاثة الضحية ولم يهب لنجدتها أو تقديم العون فإن هذا الشاهد ليس في وضع أقل من وضع الشريك في الجريمة ولهذا لا تعتمد أقواله ما لم تؤيد ببينة أخرى " ) .

 

ثم يقول القاضي بابكر عوض الله إن الرأي الصواب الذي يعتمده هو ما جاء في السابقة الهندية التي أشار إليها في حكمه والتي جاء فيها ما يلي : ( لا ينعى القانون ولا يوجد فيه ما يبرر الاعتراض بأن بينة الشاهد الذي تصادف وجوده وعلم بالجريمة ولم يبذل محاولة لمنعها أو لم يفصح عن وقوعها يجب أن يكون الاعتماد عليها في الإثبات مثل الاعتماد على بينة الشريك . وأن السؤال الملح هو مدى الثقة التي تمنح لأقوال مثل هذا الشاهد مع الأخذ بالظروف والوقائع المحيطة بكل قضية ) .

 

وعليه فإنه ليس من السهل أن توضع الثقة في بينة يدلي بها شخص تنطبق عليه الأوصاف أعلاه وهو على كل حال ليس شريكاً وبذلك تكون القاعدة الواجبة التطبيق هي مدى قيمة هذه البينة . ثم قرر القاضي بابكر عوض الله بعد ذلك ما يلي : ( إذا قبلنا وجهة نظر المحكمة أو اعتبرنا المتهم الثاني شريكاً فإنه يجب على كل حال أن نؤيد شهادته تأييداً كافياً وأنه في مثل هذه القضية يجب أن لا يسود مبدأ التخلي عن التأييد ونتركه يغلب على مبدأ العدالة التي توجب أن يثبت الاتهام قضيته بعيداً عن كل شك معقول ) .

 

وعليه فإن الشاهدة سيدة محمد إبراهيم  والشاهد الزاكي كما ذكرت سابقاً لا بد أنهما قد لعبا دوراً مهماً في استدراج المجني عليه لمكان الحادث لنهب نقوده، فقد خادعته بقبول معاشرته بالحرام ثم اختفت عن مسرح الأحداث مؤدية دورها في استدراج الضحية . وإن الشاهد الزاكي كان الشيطان الأخرس الذي شاهد الأحداث ولم يعاون المجني عليه أو يقدم له مساعدة بل آثر الصمت . بل إنه سعى لإخفاء بعض المعروضات .

 

بهذا فإن بينتهما وحدها لا تقبل لتجريم المتهمين من غير تأييد وتعضيد، الأمر الذي نفتقده في هذه القضية وبالتالي يظل المبدأ العادل قائماً ونقول إن الاتهام لم يثبت قضية بعيداً عن كل شك معقول ونعلن أننا لا يمكن أن نوافق على إزهاق روح إنسان بناء على بينة مثل بينة الشاهدة العاهرة المستدرجة والشاهد الجبان ومن ثم أرى أن نقرر إلغاء الإدانة تحت المادة 251 عقوبات وإطلاق سراحهما .

 

24/10/1977م :

 

القاضي مهدي الفحل :

 

أوافق .

 

24/10/1977م :

 

القاضي أحمد التجاني  عبد الهادي :

 

أوافق . 

 

 

 

 

 (المحكمة العليا)

 

القضاة :

 

سعادة السيد/ دفع الله الرضي               قاضي المحكمة العليا            رئيساً 

 

سعادة السيد/ فاروق أحمد إبراهيم          قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد/ عبد الله الأمين                 قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

عبد الله باعبود                               الطاعن

 

//          ضد        //

 

عبدالله كرار كشة                            المطعون ضده

 

(م ع/ط م/446/1977)

 

المبادئ:

 

قانون الإجراءات المدنية –الاختصاص المحلي-دعاوى العقود-لا يشترط لانعقاده توقيع العقد في دائرة اختصاص المحكمة.

 

لا يشترط لانعقاد الاختصاص أن يتم توقيع العقد في دائرة اختصاص المحكمة إنما يكفي أن يصدر القبول في تلك الدائرة وأن وقع العقد فيما بعد في مكان آخر.

 

 

 

المحامون:

 

            الرشيد نايل                                   الطيب أبوجديري

 

الحكم

 

14/2/1978:

 

   هذا طعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في الاستئناف المدني رقم557 /1977 بتاريخ 14/11/1977  والذي قضى بشطب استئناف الطاعن وتأييد القرار الصادر من قاضي المديرية بالخرطوم ومؤداه:

 

1-   أن الاختصاص بنظر النزاع معقود  لمحكمة المديرية بالخرطوم.

 

2-إن طلب محامي الطاعن بإلزام المطعون ضده بالإجابة على بعض الأسئلة بعد تحديد نقاط النزاع ليس  له ما يبرره ويتعين رفضه.

 

وتتحصل الوقائع في أنه بتاريخ 10/2/1973 أقام المطعون ضده الدعوى رقم 30/1973 أمام محكمة المديرية بالخرطوم طالباً القضاء له بمبلغ 49.230130 (مليمج) بالإضافة إلى الفوائد القانونية والأتعاب وذلك نتيجة إخلال الطاعن بالعقد المبرم بين الطرفين بتاريخ 9/3/1972.

 

  استمرت إجراءات التقاضي حتى 1/6/1976  حينما تقدم محامي الطاعن (المدعي عليه ) بطلب  لمده بتفاصيل عن عريضة الدعوى بعد أن عـدلها محامي المطعون ضده (المدعي) وتم  إيداع الرد على الطلب بتاريخ 3/6/1976.

 

وقد اعترض محامي الطاعن على ذلك الرد وطالب بشطبه وإصدار أمر بمده بتفاصيل أوضح، كما اعترض أيضاً على اختصاص محكمة الخرطوم بنظر النزاع.

 

  رفضت المحكمة طلب محامي الطاعن فيما يتعلق باختصاص المحكمة وإلزام محامي المطعون ضده بتقديم تفاصيل أوفي ثم سارت الإجراءات بعد ذلك وتم تحديد نقاط النزاع. وفي جلسة 6/4/ 1977

 

  أودع محامي الطاعن بعض ملاحظاته على الإقرارات ونقاط النزاع كما تقدم بطلب لإضافة نقطة نزاع قانونية حول اختصاص الحكمة بنظر النزاع وقد استجابت المحكمة إلى طلبه وتقرر سماع الطرفين حول هذه النقطة قبل التصدي لبقية النقاط الأخرى.

 

   وفي جلسة 26/6/1977 استمعت المحكمة إلى وكيل الطاعن وشاهده كما  استمعت إلى المطعون ضده واستكمل السماع في جلسة 9/7/1977 حين استمعت إلى شاهد المطعون ضده. هذا وقد أودع محاميا الطرفين مرافعاتهما حول تلك النقطة.

 

في 27/7/1977 أصدرت المحكمة قرارها بأن الاختصاص ينعقد لمحكمة الخرطوم وليس محكمة بورتسودان وذلك لما ثبت لديها من إن إبرام العقد قد تم بالخرطوموبمكتب شاهد المطعون  ضده الأول.   وهنا  أشار محامي الطاعن إلى أنه  سبق  أن تقدم  في2/4/1977 بطلب لإلزام محامي المطعون ضده بالإجابة على بعض الأسئلة وأن الأخير قد فشل في الرد عليها. وأضاف بأنه قد فات عليه أثناء مناقشة نقاط النزاع الانتباه إلى هذا الأمر وطالب بإصدار أمر لإلزام محامي المطعون ضده بالإجابة على عليها.

 

اعترض محامي المطعون ضده على ذلك الطلب بحجة أن سماع الدعوى قد تأخر دونما مبرر وبعد أن رد محامي الطاعن مصراً على طلبه أصدرت المحكمة قراراً برفض الطلب لسببين:-

 

1-أنه سوف يعطل السير في الدعوى أكثر مما وقع بالفعل وذلك بإعادة الوضع إلى مرحلة ما قبل تحديد نقاط النزاع.

 

2- أنه من حق الطاعن أن يتقدم بتلك الأسئلة إلى خصمه أثناء مرحلة السماع.

 

تقدم محامي الطاعن بطعن أمام محكمة الاستئناف ضد كل من القرار القاضي بانعقاد الاختصاص لمحكمة الخرطوم والقرار القاضى برفض الزام محامى المطعون ضده   بالرد على الأسئلة التي أثارها محامي الطاعن. وفي 14/11/1977 أصدرت محكمة الاستئناف حكماً يقضي بشطب الطعن لسببين:-

 

1-  إن الاتفاق المشار إليه قد تم بالخرطوم وفقاً للبينات المقدمة أمام المحكمة ومن ثم ينعقد الاختصاص لمحكمة الخرطوم.

 

2-  إن الأمر برفض إلزام المطعون ضده بالرد على أسئلة الطاعن هو أمر غير منه للخصومة مما لا يجوز الطعن فيه على استقلال.

 

  تقدم إلينا محامي الطاعن بهذا الطلب بطريق النقض وهو يتحصل في سببين ينعي بالسبب الأول منهما على الحكم الاستئنافي مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه لما قضى بانعقاد الاختصاص لمحكمة الخرطوم وذلك لما خلص إليه من ان العقد قد ابرم في دائرة اختصاصاها دون أن يكون لذلك سند من الأدلة.

 

            وحيث أن هذا النعي غير منتج ذلك أولاً أنه لا يعدو أن يكون جدلاً حول وزن الأدلة وتقدير الدليل مما تستقل به محكمة الموضوع ومن بعدها محكمة الاستئناف باعتبارها محكمة قانون ووقائع- ولا رقابة عليها في ذلك لهذه المحكمة متى كان استخلاصها سائغاً ومستمداً من أدلة الدعوى وظروفها وقرائن الأحـوال فيها. ولا يقدح في سلامة حكمها إن هي وازنت بين الأدلة المقدمة إثباتاً ونفـياً ثم رجحت شهادة المطعون ضده على بقية الشهادات الأخرى التي اتسمت بالتناقض الواضح وعدم التحديد في حين إن ما قدمه المطعون ضده من بينات كان قاطعاً في الدلالة على أن الإيجاب أو القبول المكونان للعقد المكتوب (مستند إدعاء (1)) قد تما بالخرطوم وبمكتب شاهد المطعون ضده الأول الذي تدخل بين الطرفين إلى أن وصلا إلى الاتفاق المذكور وتم في ضوء ذلك فتح الاعتماد المالي ببنك الشعب بالخرطوم وهو البنك الذي يعمل به ذلك الشاهد.

 

ومردود عليه ثانياً بأنه لا يشترط لانعقاد الاختصاص أن يتم توقيع العقد في دائرة اختصاص المحكمة وإنما يكفي أن يصدر القبول في تلك الدائرة وإن تم توقيع العقد فيما بعد بمكان آخر.

 

“Where the parties personally meet at any place and proposal of one is accepted by the other, that place, of course , will be the place of making the contract. If the proposal and acceptance there of are made at different places, the place of acceptance will be the place where the contract is made”.

 

(Commentaires on C.P code, vol 1 at page 539).

 

            وحيث أن محامي الطاعن ينعي بالسبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه لما قضى به من أن الأمر الصادر بعدم إلزام المطعون ضده بالرد على أسئلة الطاعن لا ينهي الخصومة بين الطرفين ومن ثم لا يجوز الطعن فيه على استقلال.  وفي بيان ذلك يقول بأن الأمر المشار إليه يعـد بمثابة إنهاء الحق الطاعن في هذه الدعوى وإلزامه بتقديم بينات هو في غني عنها بما يعد مشابهاً لأمر التنفيذ الفوري.

 

   إن هذا النعي مردود عليه بأن الأمر الصادر من قاضي المديرية لا يدخل ضمن الأوامر المستثناة على سبيل الحصر بموجب المادة 176 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 والتي نصت صراحة على جواز استئنافها. ومن هنا فلا سبيل للاجتهاد أو القياس بإضافة أوامر على سبيل التشبيه.

 

ولربما اختلف الوضع لو أن مثل ذلك الأمر قد صدر في خصومة فرعية بين الطرفين بغرض إنهائها كالأمر الصادر في الإجراءات التحفظية أو الأمر الصادر باستبعاد الحكم الغيابي شريطة إيداع مبلغ معين. أما وأنه لا يتعلق بالطلبات الأصلية للخصوم أو الدفوع المقدمة منهم ومن ثم لا يحسم النزاع على أصل الحق أو في خصومة فرعية لا تنتهي به ولاية القاضي بصدده فهو لا يعدو أن يكـون إجراء لإدارة عجلة الخصومة والسير فيها.

 

وإذا كان من رأي محامي الطاعن أن المعنى بالتنفيذ الفوري هو تنفيذ موكله للأمر المطعون فيه أي الإذعان له فهذا تفسير غير صحيح إذ أن المقصود هو تمكين أحد الطرفين من حمل السلطات عن طريق إجراءات محددة لإجبار الطرف الآخر على أداء عمل معين أو الامتناع عن أدائه.

 

ولما كان الحكم المطعون فيه قد وافق هذا النظر يصبح النعي عليه بمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه غير سديد ويتعين طبقاً لذلك شطب هذا الطعن إيجازياً والزام الطاعن بالرسوم.

 

14/2/1978                                              14/2/1978

 

القاضي عبد الله الأمين:                                 القاضي دفع الله الرضي:

 

أوافق.                                                    أوافق.

 

 

 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

سعادة  السيد/ هنري رياض سكلا          قاضي المحكمة العليا            رئيساً

 

سعادة  السيد/ صالح وهبي محمد              قاضي المحكمة العليا        عضواً

 

سعادة  السيد/ التجاني الزبير              قاضي المحكمة العليا             عضواً

 

 

 

جعفر سليمان جبريل                        الطاعن

 

//          ضد   //

 

حليمة حسن جبريل              المطعون ضده

 

(م ع/ط م/243/1977)

 

المبادئ:

 

قانون الإجراءات المدنية 1974-فوات ميعاد الطعن –سلطة المحكمة في مد المدة من تلقاء نفسها-لأسباب كافية-المواد 303-70(ب).

 

للمحكمة سلطة طبيعية بموجب المواد 303 و 70 (ب) من قانون الإجراءات المدنية في مد ميعاد الطعن إذا رأت أن هناك أسباب كافية لذلك سواءًًًََ ذكرها مقدم الطلب أم لم يذكرها كأن يكون الحكم المطعون فيه خاطئ ممعن في الخطأ وأنه انبنى على أسباب خاطئة وإجراءات معيبة.

 

المحامون:-

 

محمد فتح الرحمن العطا                    عبد الغفور عبد القادر صالح

 

الحــكم

 

27/10/1977

 

القاضي/صالح وهبي محمد:

 

            في 27/5/1977 قدم المحامي محمد فتح الرحمن العطا نيابة عن جعفر سليمان عريضة طعن بالنقض في الحكم الصادر من  محكمة الاستئناف بتاريخ 24/11/76 في الاستئناف رقم 772/76 القاضي بإلغاء حكم محكمة الموضوع وإعادة الدعوى للسماع والذي أعلن للطاعن في 28/4/1977 وقد قدم محامـي المطعون ضدها مذكرة الدفاع.

 

            تتحصل وقائع الطعن في أن المطعون ضدها أقامت في 2/2/1974 الدعوى رقم 11/1974 بمحكمة عطبرة الجزئية في مواجهة الطاعن مدعية أنـها اشترت نصف المنزل رقم306 الموردة عطبرة من الطاعن بمبلغ 210 جنيـهاً ودفعت له المبلغ ولكنه فشل في تسجيل المنزل باسمها وطالبت بتسجيل المنزل أو رد المبلغ المدفوع بالإضافة إلي مبلغ 45 ج التزم الطاعن بدفعه لها كتعويض.

 

   قدم الطاعن رداً يعترف فيه بالبيع ويناهض الدعوى استناداً إلـى أن المنزل مملوك لابنه القاصر أنور وإن المجلس البلدي قد رفض التصديق على البيع وأنه  عرض  رد المبلغ الذي دفعته المدعية ولكنها رفضت استلامه وأصرت المدعية على دعواها وطالبت بإمهالها لتوكيل محام يدافع عن حقوقها. وفي جلسة 31/7/1974 ظهر المحامي عبد الغفور عبد القادر نيابة عن المدعية وطاب بضم أنور جعفر كمدع عليه ثان في الدعوى كما طالب بملغ 720 جنيهاً كتعويض للإخلال بالعقد بإلاضافة إلي المبلغ الذي دفعته المدعية.

 

            لم تصدر المحكمة أمراً صريحاً فيما يختص بالطلب الأول، وإنمـا أمرت بتحصيل فرق الرسوم وفي جلسة 9/10/1974 طالب محامي المدعية بإصدار حكم رضائي "بناء على اعتراف المدعي عليه بالبيع"وإعتراض محامى المدعى عليه على اساس ان موكله قد نازع الدعوى وطلب نقض البيع و أصدرت المحكمة قراراً في 2/11/1974 يقضي ببطلان البيع تأسيساً على أن البائع لا يمتلك عقاراً ولا يحمل تفويضاً يخول له حق التصرف في حقوق ابنه القاصر واستندت المحكمة إلى نص المادة 117 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 في هذا الشأن وبعـد النطق بذلك  القرار...طلب محامي المدعية تحديد جلسة للسماع فيما يختص بالتعويض واعترض محامي المدعي عليه وبعد الاستماع لدفوع الطرفين أصدرت المحكمة قراراً في 26/11/1974 قضت بموجبه بأن يدفع المدعى عليه للمدعية مبلغ 210 جنيه وأن تشطب الدعوى فيما  عدا ذلك.

 

   لم تقبل المدعية بذلك وتقدمت في 9/12/1974 باستئناف لدى قاضي المديرية بالدامر.

 

            وفي 19/8/1976 أصدر السيد قاضي المديرية حكماً يقضي بشطب الاستئناف لعدم الاختصاص استناداً إلى المادة 160 ب من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 وفي 16/9/1976 تقدمت المدعية باستئناف لمـحكمة الاستئناف بالخرطوم حيث صدر الحكم المطعون فيه بالنقض التالي.

 

   ينعي الطاعن على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله لما قضى بقبول الاستئناف بعد فوات المدة المحددة خلافاً لما نصت عليه المادة 178 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 وعلى عكس ما قضت به المحكمة العليا في هذا الشأن ويشير محامي الطاعن إلى الحكم في قضية ورثة محمد محمد أحمد خير ضد سليمان بن عوف (م ع/ط م/ 145/74) –والي قضية محمد  محمود  ضد محمد حسن أبو العلا (م ع/ط م/ 328/76) ويقول أن محكمة الاستئناف لم تلتزم بأحكام المحكمة العليا وأنها تجاوزت عن الشكل ونظرت في الموضوع وأنها لم تمارس صلاحياتها المنصوص عنها تحت المادة 70 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 وفق الضوابط المحددة.

 

            وينعي الطاعن بالسبب الثاني على الحكم مخالفته للقانون لما قضى بأن العقد بين الطرفين عقد صحيح في حين أن الطاعن لم يكن يملك حق التصرف في العقار وأن القانون يمنع بيع أموال القاصر دون إذن من المحكمة الشرعية ولذلك فإن العقد يعتبر باطلاً حسب نص المادة 34/3 من قانون العقود.

 

   وقد رد على ذلك محامي المطعون ضدها فقال أن للمحكمة سلطات طبيعية في إصدار الأوامر التي تراها ضرورية لتحقيق العدالة أو منع سوء استغلال إجراءات إصدار الأوامر التي تراها ضرورية لتحقيق العدالة أو منع سوء استغلال إجراءات المحكمة وذلك بنص المادة 303 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 وبـأن ما جاء في قانون الإجراءات المدنية لا يعتبر مقيداً لسلطات المحكمة الطبيعية وأن العدالة هي ما ينشده الجميع وما الإجراءات إلا مسائل للوصول إليها وأن محكمة الاستئناف قد أصابت في حكمها بأن الضوابط الإجرائية ومن بينها الضوابط الزمنية إنما شرعت لكفالة الحقوق ولا يجوز أن تصبح هي ذاتها سبباً لإهدار العدالة وأجاب على السبب الثاني بأن محكمة الموضوع لم تسلك الطريق الصحيـح للفصل في النزاع وأن البيع قد وقع صحيحاً ولا مجال لتطبيق المادة 12 أو المادة 34(2) من قانون العقود لأن المادة تتكلم عن ناقصي الأهلية والقاصر هنا فاقد الأهلية إذ أن عمره أربع سنوات والمادة الثانية تشير إلى الاتفاقات غير المشروعة والعقد هنا غير صحيح ومشروع.

 

   والنعي بالسبب الأول مردود لأن المادة 70(ب) من قانون الإجراءات المـدنية لسنة 1974 قد خولت المحكمة صلاحيات واسعة لمد الميعاد لأسباب تراها كافية وليس في نص المادة ما يدل على وجوب تقديم طلب بأسباب المد وإنما ترك الأمر لتقدير المحكمة فإن رأت أن هنالك أسباباً كافية لمد الميعاد سواء ذكرها مقدم الطلب أو لم يذكرها  مارست سلطاتها تحت المادة المشار إليها وأن رأت غير ذلك رفضت قبول الطلب شكلاً وللمحكمة سلطات طبيعية في إصدار الأوامر التي تراها ضرورية لتحقيق العدالة وذلك بموجب أحكام المادة 303 من قـانون الإجراءات المدنية وقد مارست المحكمة صلاحياتها وفق القانون وأوضحت الأسباب التي اعتمدت عليها وذكرت " أن الحكم المطعون فيه خاطئ ممعن في الخطأ وأنه انبنى على أسباب خاطئة وإجراءات معيبة".

 

            وأشار حكم محكمة الاستئناف إلى الخطأ البين في حكم محكمة الموضوع وإلى  الإجراءات المعيبة التي أهدرت حقوق المطعون ضدها على النحو الوارد في الحكم ولا سبيل إلى التصدي للحكم إلا إذا ثبت سوء استغلال للسلطة أو إذا مارست المحكمة صلاحياتها بطريقة جزافية لا قضائية.

 

  أما السوابق القضائية التي أشار إليها المحامي، فلا مجال لتطبيقها هنا إذ أن لكل قضية ظروفها ووقائعها وملابساتها وربما تتوافر الأسباب الكافية في قضية ما وتنعدم في قضية أخرى وربما تقتنع المحكمة بوجود أسباب كافية في قضية ولا تجد في قضية أخرى أي سبب يبرر استعمال سلطاتها القضائية وقلما تتشابه القضايا بحيث يمكن تطبيق قاعدة ثابتة عليها-وقي قضية ورثة محمد محمد أحمد خير (م ع/ط م/ 145/74) لم تتوافر الأسباب التي تجيز المد ورفضت المحكمة العليا قبول الطعن شكلاً وهنالك سوابق عديدة غير التي ذكرها محامي الطاعن قضت فيها المحاكم برفض الطعن لسقوط  الحق بمضى المدة ولكن ذلك لايعنى ان يد المحكمة مغلوله وانها لاتستطيع ان تمارس سلطاتها بموجب المادة 70 (ب) أو المادة 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية وقد دأبت محاكم السودان على ممارسة سلطاتها الطبيعية لتحقيق العدالة دون التقيد بالإجراءات الشكلية وأرست قاعدة هامة هي ألا يطغى الشكل على الموضوع وإلا تكون الإجراءات حجر عثرة في سبيل تحقيق العدالة ولا أشك أن حكم محكمة الاستئناف في هذه الدعوى قد انبنى على أساس من هذا الفهم الصحيح للقانون وقد جاء فيه (أن الضوابط الإجرائية ومن بينها الضوابط الزمنية إنما شرعت لتؤدي إلى كفالة الحقوق والأحكام العادلة ولا يجوز أن تصبح هي ذاتها سبباً في إهدار العدالة وضياع الحق.

 

   والنعي بالسبب الثاني مردود عليه بأنه غير منتج وذلك لأن الحكم المطعون فيه قضى بإعادة الأوراق لمحكمة أول درجة للسير فيها وفقاً للإجراءات المقررة المعتادة والحكم فيها من جديد.

 

  ولذلك لا محل للفصل فيما إذا كان بيع الغير باطلاً  أو قابلاً للإبطال أو غـير نـافذ إذ أن للأطراف أن يتناضلوا في ذلك أمام محكمة أول درجة.

 

  وحيث أن الحكم المطعون فيه قد طبق القانون تطبيقاً صحيحاً ولا محل للطعن فيه يتعين شطب هذا الطعن وإلزام الطاعن بالرسوم. 

 

أمر:-

 

1-   يشطب الطعن.

 

2-   يلزم الطاعن بالرسوم.

 

3-   تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى.                

 

    27/10/1977                                                     27/10/1977

 

القاضي هنري رياض سكلا:-                 القاضي التجاني الزبير:-

 

أوافق.                                                    أوافق.

 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة :

 

سعادة السيد دفع الله الرضي               قاضي المحكمة العليا      رئيساً

 

سعادة السيد أحمد التجاني عبد الهادي                  قاضي المحكمة العليا      عضواً

 

سعادة السيد عبد الله الأمين                     قاضي المحكمة العليا      عضواً

 

يني تادرس عطية                طاعن

 

ضد

 

محمد حسن طاهر                مطعون ضده

 

(م ع/ط م/351/1977)

 

المبادئ:

 

قانون تقييد الإيجارات – لا تملك محكمة التنفيذ الصلاحيات المنصوص عليها في المادة 12.

 

1-إذا أصدرت محكمة الموضوع حكمها بأن يتخلى المستأجر العقار فوراً ولم تستعمل سلطاتها التقديرية بموجب المادة 12 من قانون تقيد الإيجارات فإن على محكمة التنفيذ تنفيذ الحكم بالصيغة التي صدر بها لأنها لا تملك الصلاحيات المنصوص عليها في المادة 12.

 

المحرر:-

 

            أنظر حكم المحكمة العليا في قضية عبد الحافظ محمد ضد كريمة الزبير محجوب (م ع/ط م/191/76) اتبعت .

 

المحامون :-

 

عبد الرحيم صالح باضاوي 

 

الحكم :

 

12/9/1977:

 

القاضي أحمد التجاني :

 

            الطاعن هو المدين في التنفيذ رقم 204/1976 أمام محكمة الخرطوم الجزئية وقد صدر الحكم بأن يخلي المنزل موضوع النزاع ... طلب الطاعن من محكمة التنفيذ إمهاله فترة بموجب المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات حتى يتمكن من إيجاد المنزل البديل .... رفضت محكمة التنفيذ وأيدتها محكمة المديرية والاستئناف .

 

            وعليه تقدم لنا الطاعن بهذا الطلب عن طريق النقض ضد قرار محكمة الاستئناف والمؤيد لقرار محكمة المديرية ومحكمة التنفيذ .... ويمكن تلخيص الطعن بأن المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات تعطي محكمة التنفيذ الحق في مد فترة الإخلاء .... كما أضافت السوابق القضائية تؤيد هذا الاتجاه .... كما تطرق محامي الطاعن إلي سرد وقائع لا طائل من ورائها وليس هذا مكانها .. المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات تنص على الآتي :-

 

            (إذا صدر أمر ضد مستأجر باسترداد الحيازة بموجب الفقرة (د) أو (هـ) من المادة 11 في هذا القانون ولم يجد في ذلك التاريخ مسكناً آخر لسكنى المستأجر يجوز للمحكمة باختيارها أن ترجى تنفيذ ذلك الأمر لأي مدة لا تزيد عن ثلاثة أشهر .

 

            من الواضح أن هذه المادة تعطي المحكمة التي تصدر حكم الإخلاء بموجب المادة 11(د) أو (هـ) السلطة التقديرية عند ثبوت الحاجة الملحة ألا تصدر أمر الإخلاء فوراً .... بل لديها السلطة لتأجيله لفترة ثلاثة أشهر كحد أقصى.وذلك حسب ظروف المستأجر.. على أن يوضح ذلك في الحكم (Decree).

 

            أن هذه المادة تختص بمحكمة الموضوع وليست لمحكمة التنفيذ السلطة التقديرية المنصوص عليها في المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات لأن محكمة التنفيذ ليست من شأنها أن تتغول على سلطات محكمة الموضوع التي أصدرت الحكم .

 

            وعليه إذا أصدرت محكمة الموضوع حكمها بأن يتخلى المستأجر العقار فوراً ... وبالتالي لم تستعمل سلطاتها التقديرية بموجب المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات .... فإن على محكمة التنفيذ الانصياع لهذا الأمر والعمل على تنفيذه بنفس الصيغة التي صدر بها .... وليس من سلطاتها تأجيل التنفيذ بموجب المادة 12 إيجارات لأنها أساساً لا تملك هذه السلطات التقديرية التي تبيح التأجيل . لقد قرر المحكمة العليا في قضية :

 

عبد الحافظ محمد ضد كريمة الزبير محجوب رقم (م ع/ط م/191/1976) أن محكمة التنفيذ لا تملك الصلاحيات المنصوص عليها في المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات.

 

            فيما يختص بمد فترة الإخلاء إذ أن هذا الحق من اختصاص محكمة الموضوع .

 

            تحضرني بهذه المناسبة قضية حديثة نظرتها هذه الدائرة تماثل وقائعها وقائع هذا الطعن . وهي أحمد محمد البشير ضد مصطفى محمد هادي م ع/ط م/228/77 حيث تطرقت إلي السابقة عبد الحافظ محمد ضد كريمة الزبير محجوب وأوضحت أن محكمة التنفيذ ليست لديها السلطات التقديرية بموجب المادة 12 إيجارات لمد فترة التنفيذ .

 

            أن الطاعن يطلب مد فترة التنفيذ بموجب المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات وحسب نص المادة فإن الفترة القصوى التي تمنحها المحكمة لطاعن هي ثلاثة أشهر .... وبعملية حسابية بسيطة نجد أن الطاعن بقى في العقار مدة أكثر مما تمنحه له المحكمة بموجب المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات مع افتراض موافقة المحكمة على طلبه فقد تقدم الطاعن بطلب لمحكمة الموضوع في 12/4/1977 لمد فترة الإخلاء .... واستمر في مطالبته في كل مراحل الاستئناف حتى هذه المحكمة حيث قدمت طلبه في 7/9/1977 وعليه فإن الطاعن بقى في العقار لمدة خمسة أشهر تقريباً . أي زاد على الفترة التي يطلبها بشهرين تقريباً . ورغم ذلك يطلب ثلاثة أشهر أخرى . أن الطاعن في الواقع انتزع الفترة التي يطلبها للبقاء في العقار مستقلاً الإجراءات وقد بقى أكثر من الفترة التي تحددها المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات .

 

            هذا الطعن لا أمل فيه وعليه يرفض الطعن .

 

18/9/1977:

 

القاضي عبد الله الأمين :

 

أوافق .

 

القاضي دفع الله الرضي :

 

            أوافق على شطب الطلب لأن مقدمه بقى في المنزل والقضية في الاستئناف أكثر من المدة التي طلبها ولكن اختلف مع رأي الأغلبية فيما يختص بسلطات المحكمة التقديرية في المادة 12 من قانون تقييد الإيجارات إذ أن هذه المادة لا تخلو من غموض ولذلك وجب على المحاكم تفسيرها وفيما يختص بتفسير ذلك لابد من مراعاة الظروف العامة . أن هذه المادة قالت المحكمة ولكنها لم تقل المحاكم التي أصدرت الحكم أم محكمة التنفيذ في حين التفسير لكلمة محكمة يشمل الاثنين مذلك وجب الخوض في ذلك . وهذا بالضرورة يثير الإشكال هل من الأحسن تضييق الموضوع بحيث ينحصر مد المدة في المحكمة التي أصدرت الحكم أم بتوسيع ذلك وإعطاء نفس الصلاحية لمحكمة التنفيذ كذلك، وأنا أميل إلي التفسير الأخير لأنه يضع الصلاحية في يد أكثر من محكمة ويصبح في المقدور مراعاة الظروف التي تحيط بإنسان ما ولا سيما في الظروف الراهنة وضائقة السكن لا تخفى على أحد وبالطبع المفروض أن تستعمل المحاكم تلك السلطة استعمالاً عادلاً وقضائياً .

 

            على كل ما أسلفت في معرفة هذا الرأي فأنني اتفق مع رأي الأغلبية فيما يختص بشطب الطلب لظروفه الخاصة به.

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة :

 

صاحب السعادة السيد / خلف الله الرشيد               رئيس القضاء       رئيساً

 

سعادة السيد / محمد الفضل شوقي              قاضي المحكمة العليا      عضواَ

 

سعادة السيد / أحمد التجاني عبد الهادي                قاضي المحكمة العليا      عضواَ

 

حكومة السودان ضد عياد رياض توما

 

م ع/ط ج/106/1977

 

المبادئ:

 

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 – قرار البراءة لا يصدر إلا بعد المحاكمة أمام محكمة مختصة .

 

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 – ممثل الاتهام لا يملك سلطة وقف الإجراءات الجنائية.

 

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 – التصنيف القانوني للفعل يحكمه معيار موضوعي لا دخل لاتفاق الأطراف فيه .

 

قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 – لا يجوز التنازل عن الدعوى العامة – سلطة النائب العام في وقف الإجراءات – المادة 231(1) .

 

            1- إذا حفظ البلاغ فإن ذلك لا يمنع من إعادة فتحه مرة أخرى وتقديم المتهم للمحاكمة وإن عبارة ( إطلاق سراح ) لا تعني البراءة والتي لا تتم إلا بالمحاكمة أمام محكمة مختصة .

 

2- ممثل الاتهام لا يتمتع بسلطة وقف الإجراءات التي يتمتع بها النائب العام .

 

 

            تصنيف الفعل الذي أتى به المتهم عملية مستقلة يحكمها القانون ومعيارها موضوعي فلو اتفق الشاكي والمتهم على وصف الفعل بأنه مدني أو جنائي كان ذلك لا يؤثر مطلقاً في تكييفه القانوني .

            لا يستطيع أحد أن يتنازل عن الدعوى العامة ولكن يحق للنائب العام أن يوقف الإجراءات لأسباب يقتنع بها بموجب المادة 231(أ) ولا يترتب على ذلك تبرئة المتهم بل يطلق سراحه فقط .

 

 

المحامون : عبد الله نجيب .

 

الحكـــــم

 

31/10/1977 :

 

            هذا طلب بالنقض في قرار محكمة الاستئناف بتاريخ 20/8/1977 والقاضي بإعادة الأوراق للسير فيها أمام المحكمة الكبرى .

 

            تتلخص وقائع هذه القضية بإيجاز شديد في أن المتهم عياد رياض توما قد قدم للمحاكمة بتاريخ 4/6/1975 بتهمة الاحتيال وذلك لأن المتهم المذكور قد أوهم الشاكين بأنه صاحب شركة تسمى الشركة العالمية للسيارات وأنها بسبيل استيراد عربات ولذلك دفعت له مبالغ بلغت في جملتها 29.443 جنيهاً .

 

            أجلت الإجراءات بسبب محاولات متعددة انتهت بقرار محكمة الاستئناف المشار إليه المطعون فيه الآن أمام هذه المحكمة .

 

            تتحصل أسباب الطعن في الآتي :

 

1-         أن المحكمة الكبرى قد أخطأت في تطبيق القانون وأنها قد تجاوزت سلطاتها عندما قررت فصل قضية المتهم الأول عياد رياض توما عن قضية المتهم الثاني شاكر حنا وذلك لأنه :

 

( أ ) قد سبق أن تقدم ممثل الدفاع عن المتهم الثاني بفصل قضيته عن قضية المتهم الأول واعترض ممثل الاتهام ورفض ذلك الطلب وقررت المحكمة ضرورة السير في محاكمة واحدة .

 

(ب) أيد ذلك القرار أمام محكمة المديرية وأمام محكمة الاستئناف .

 

(ج) إن غياب المتهم الثاني خارج البلاد للعلاج لمرض خطير لا يبرر الخروج على القرار القاضي بوحدة الإجراءات ضد المتهمين .

 

2- ليس هناك ما يبرر الاستمرار في المحاكمة للأسباب الآتية :

 

( أ ) تمت تسويات نهائية واعترف بها الشاكون كتابة يتضح منها أن النزاع مدنياً وليس جنائياً وأن عائلة المتهم الأول تكبدت خسائر فادحة في سبيل الوصول إلى تسويات مع الشاكين وقد اعترف الشاكون بأن النزاع مدني وأن البلاغ فتح قبل موعد تسليم العربات باثني عشر يوماً . وأن المحكمة الكبرى اقتنعت بذلك وأمرت بحفظ القضية.

 

(ب)       سلمت المستندات التي يعتمد عليها المتهم الأول في دفاعه وقام بتدميرها اعتماداً على قرار تبرئته وأن الإيصالات التي تمت بموجبها التسوية دمرت أيضاَ .

 

(ج)  أمرت محكمة الاستئناف بالاستمرار في المحاكمة بعد أن ألغت قرار الحفظ والبراءة وأن محكمة الاستئناف لم تكن قد أخطرت بأن مستندات القضية قد دمرت .

 

( د )      أصدرت محكمة الاستئناف في حدود المعلومات التي وفرها لها ممثل النيابة دون أن تعلم أن المستندات قد دمرت .

 

(هـ) إن طلب إعادة النظر قد قدم بعد فوات المدة المنصوص عليها في القانون والتي لا تسمح بنقض قرار البراءة بعد مضي ثلاثة أشهر .

 

( و)  قد أضير المتهم الأول بسبب تدمير المستندات ولذلك فإن محاكمته قد تضر بمصلحته وأن تدمير المستندات كان بحسن النية .

 

( ز)  إن تدخل النائب العام بموجب المادة 211 من قانون الإجراءات الجنائية ينحصر في سحب  الإذن بالاتهام ولكن لا يتعدى ذلك إلى أن يبطل النائب العام الإجراءات التي تمت بواسطة ممثل الاتهام وبموافقة الشاكين .

 

(ح ) إن استمرار المحاكمة بهذه الصورة فيه إهدار كامل لحق المتهم الأول القانوني في تلقي محاكمة عادلة، لأن الاعتماد على المستندات التي انتقاها الاتهام دون وجود المستندات الأخرى فيه إبراز لقضية الإتهام فقط وأن المستندات المبادة فيها دفاع كامل بالنسبة للمتهم .

 

            ولذلك طلب السيد المحامي وقف الإجراءات وحفظ البلاغ وتبرئة المتهم الأول نهائياً .

 

            ولنناقش الأسباب التي يعتمد عليها الطعن حسبما لخصناها أعلاه .

 

            ولعل أبلغ ما يمكن أن نستهل به المناقشة الجملة التي فتحت بها محكمة الاستئناف أسباب قرارها وهي أن ( هذه حلقة جديدة في سلسلة الاستئنافات المتبادلة بين الأطراف في الادعاء المقام ضد المستأنف ... الخ ) .

 

            وهي بحق سلسلة عجيبة اعتمدت على كل الحيل والأسباب الواهية منها والحقيقية في تأجيل النظر في هذا البلاغ ومن ثم الحيلولة دون الوصول بالإجراءات على نهاياتها حتى تعرف الحقيقة .

 

            لعل كل الأسباب التي سيقت في الاستئناف والطعن تصلح أن تكون دفوع تثار أمام المحكمة المختصة وهي المحكمة الكبرى ولا تصلح أن تعرض أمام المحكمة الاستئنافية لخروج ذلك عن طبيعة الإجراء الاستئنافي .

 

            يدفع محامي المتهم بالسبب الأول بأن المحكمة الكبرى أخطأت في فصل الإجراءات وذلك لأنها رفضت الفصل من قبل وأن محكمة الاستئناف أيدت ذلك وأيدته من بعدها المحكمة العليا ولذلك أصبح قرار الفصل اللاحق مخالفاً لقرار المحاكم الأعلى وليس هناك ما يبرر الفصل الآن حتى لو طال غياب المتهم الثاني .

 

            وهذا الدفع مردود عليه بأن قرار المحكمة العليا والقرار الأدنى له لا يحول دون إصدار القرار الأخير القاضي بفصل المحاكمة وذلك بسبب عملي وهو غياب المتهم الثاني خارج البلاد وأن هذه الواقعة قد أثرت في كل الظروف المحيطة بالقضية .

 

            كان القرار الأول مبنياً على وجود المتهمين في البلاد ولكن اختلفت الظروف الآن اختلافاً جذرياً ولا يدري أحد على وجه اليقين متى يعود المتهم الثاني ولعله لن يعود وكان أمر سفره بدءاً خطأ وليس هذا مجال لإجراء محاسبة في ذلك الأجراء .

 

            وجود المتهم خارج البلاد لا يبرر أن تظل القضية معلقة ولا يبرر أن تحفظ . يترتب على ذلك وقف الإجراءات وحفظها في مواجهة المتهم الحي . إن هذا المبدأ لو قرر لترتب عليه آثار سيئة وضارة معاً لا يمكن أن يقال أن هناك قاعدة كهذه يمكن التمسك بها بصرف النظر عن عدالة الإجراءات الجنائية .

 

            ويدفع محامي المتهم بالسبب الثاني كما بينا بأن تسويات قد تمت مع الشاكين وأن المستندات التي يعتمد عليها المتهم الأول في دفاعه قد دمرت وأن محكمة الاستئناف قد ألغت قرار البراءة بعد مضي أكثر من ثلاثة اشهر وأن النائب العام بتدخله بموجب المادة 211 من قانون الإجراءات الجنائية لا يستطيع أن يعطل الخطوات التي اتخذها ممثل الاتهام المأذون من قبله في بداية الإجراءات إلى غير ما ورد في الأسباب الملخصة أعلاه .

 

            والرد على ذلك السبب سهل وميسور ولا نجد سبباً واحداً مما ساقه السيد محامي الدفاع يمكن أن يقف على رجليه وذلك لأن التسويات التي تمت ولو بموافقة الشاكين لا تغير من طبيعة الفعل المجرم .

 

            المسألة مسألة تصنيف الفعل الذي أتى به المتهم وعملية التصنيف هذه لا تعتمد على رأي الاتهام أو الشاكي أو المتهم وإنما هي عملية مستقلة يحكمها القانون ومعيارها موضوعي ولو اتفق الشاكي والمتهم على وصف الفعل بأنه مدني أو جنائي فإن ذلك لا يؤثر مطلقاً في تصنيفه القانوني ولذلك فإن اعتراف الشاكين وموافقة ممثل الاتهام في أن النزاع مدني لا تغير الحقيقة .

 

            ولذلك وما دام الفعل المجرم جنائياً فإن الإجراء الواجب الإتباع هو التحقيق في أن البلاغ من  الصنف الذي يقبل فيه التنازل أم ليس من ذلك الصنف، وهذا معلوم ومبين في جدول مرفق بقانون الإجراءات الجنائية وليست هناك قاعدة أخرى يمكن الاعتماد عليها  وما على المحكمة إلا أن تنظر في الجدول وتقرأ فإن كانت التهمة في ذلك الجدول تتخذ القرار المناسب ولسنا في حاجة إلى القول بأن التهمة هذه لا تدخل في الجدول الوارد في الفصل التاسع والعشرين من قانون الإجراءات مفصلاً لما أجمل في المادة 286/1 منه .

 

            بقي بعد ذلك اتخاذ الإجراءات الواجبة قانوناً وهو تقديم المتهم للمحاكمة أمام المحكمة المختصة ولا يستطيع أحد مهما كان أن يتنازل عن الدعوى العامة ولكن يحق للنائب العام أن يوقف الإجراءات لأسباب يقتنع بها بموجب المادة 231/أ ولا يترتب على ذلك الإجراء تبرئة المتهم بل يطلق سراح المتهم فقط . وهذا ما لم يحدث في هذه القضية وعليه لا نرى ما يبرر القول بأن النائب العام لا يستطيع أن يلغي ما تم من إجراءات اتفق عليها ممثل الاتهام إذا ما قرر أن يباشر سلطاته بموجب المادة 211 من نفس القانون لأن ممثل الاتهام لا يستطيع أن يتفق على أي إجراء خارج القانون ولا يتمتع بسلطة وقف الإجراءات التي يتمتع بها النائب العام .

 

            أما من حيث أن المستندات التي يعتمد عليها المتهم في دفاعه قد دمرت وأنه بذلك قد يحرم من حقه في الدفاع فهذا قول مردود بسبب أن تدمير المستندات لم يقم به الاتهام ولم تقم به جهة أخرى بل قام به المتهم الأول وحده وبمحض إرادته فترتب على ذلك ما يضيره، ويكون هو الملام وليس في عرف القانون ما يبرر إعطاءه فائدة سوء تصرفه ولو كان ما يقوله محامي المتهم الأول صحيحاً من أن المستندات تحتوي على تبرئته لما أقدم المتهم الأول على تدميرها فالطبيعي أن يحتفظ المرء بما يثبت براءته لا أن يدمر ذلك ولا نرى أن اعتماد المتهم على قرار ما سماه السيد محامي ( تبرئته ) سبباً مقنعاً لأن المتهم يعلم كما يعلم السيد المحامي أنه لم يبرأ وكلمة ( تبرئة ) واردة في غير محلها لأن الإجراء الذي اتخذ هو حفظ البلاغ وقد يحفظ البلاغ لعدة أسباب ولا يمنع ذلك من فتحه مرة أخرى وتقديم المتهم للمحاكمة ولذلك لم يستعمل المشرع كلمة ( براءة ) بل استعمل عبارة ( إطلاق سراح ) بمعنى أن المتهم قد ترك سبيله إذ لو برئ لأصبح ذلك دفعاً يسقط أي إجراء لاحق بموجب المادة 208 من قانون الإجراءات الجنائية، ولا يبرأ المتهم إلا إذا تمت إجراءات محاكمة أمام محكمة مختصة وهذا ما لم يحدث .

 

            إن التهمة الموجهة إلى المتهم خطيرة وإن حق تقديمه للمحاكمة حق عام لا يملك أحد أن يسلبه ولا بد أن تقرر المحكمة المختصة في مصير المتهم وقد يصلح بعض هذه الأسباب التي ساقها محامي الدفاع أساساً لدفوع يمكن أن تثار أمام المحكمة المختصة .

 

            وتجدر الإشارة إلى أن هذه المحكمة تنعى على مثل هذه الإجراءات التي تتبع بالطعن في قرارات أو أوامر لا تنهي النزاع الجنائي وقد تتسبب مثل هذه الإجراءات في تعطيل القضايا الجنائية بلا مبرر وبلا طائل وقد لا يستفيد منها المتهم وقد تضر بالحق العام .

 

            إن الإجراءات أو سلسة الاستئنافات التي أشارت إليها محكمة الاستئناف قد تسببت في تعطيل البت في هذه القضية ولعلها سببت آلاماً نفسية للمتهم الذي لا يعرف مصيره حتى الآن .

 

            وعليه نرى أن الأصوب الاستمرار في الإجراءات بعد أن قطعت مرحلة كبيرة حتى يبت في مصير المتهم على وجه اليقين ويتعين تأييد قرار محكمة الاستئناف .

 

أمــر :

 

يشطب طلب الطعن وتعاد الأوراق إلى المحكمة الكبرى للسير فيها .

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة

 

سعادة السيد / مهدي الفحل                  نائب رئيس القضاء              رئيساً

 

سعادة السيد / حسن علي أحمد              قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد / أحمد التجاني عبد الهادي   قاضي المحكمة العليا             عضواً

 

حكومة السودان ضد  (1) عبد العزيز إبراهيم خلف الله

 

                                                             (2) عباس محمد السيد البربري

 

م ع/ط ج/143/1977

 

المبادئ:

 

قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين لسنة 1948 – إجراءات فصل العمال – المادة 10 (3) (2) .

 

1- على المخدم قبل فصل العامل أن يأخذ موافقة مفتش العمل موضحاً أسباب الفصل على حسب نص المادة 10/3/2 من قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين لسنة 1948 . وعلى مفتش العمل أن يرد على طلب المخدم خلال سبعة أيام من تاريخ استلامه للطلب وإلا فمن حق المخدم أن يفصل العامل دون أن يكون مسئولاً جنائياً بموجب المادة 36 من القانون المذكور أعلاه تعديل 1969 و 1973م .

 

 

 

 

 

الحكــم

 

14/3/1978م :

 

القاضي حسن علي أحمد :

 

بتاريخ 30/8/1976 تقدم مساعد المحافظ لشئون العمل ببورتسودان بشكوى ضد المتهمين عبد العزيز إبراهيم خلف الله – نائب مدير معاصر زيوت شركة البربري، وعباس محمد السيد البربري – رئيس إدارة المصنع، بدعوى أنهما قاما بفصل 55 عاملاً من عمال المصنع دون مبرر قانوني مما يجعل الفصل تعسفياً الأمر الذي يوجب مساءلتهما تحت المادة 36 من قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين لسنة 1948 تعديل 1969 و 1973م .

 

قضت محكمة جنيات بورتسودان ببراءة المتهمين لأن الشركة قد طلبت موافقة مدير العمل بتاريخ 15/4/1976 ولكن المدير لم يرد بالموافقة أو عدمها ولما كان البندان (2) و (3) من المادة 10 من القانون المشار إليه يقضيان بأن يصدر مدير العم قراره خلال أسبوع من تاريخ إحالة الأمر إليه ولم يفعل فإن المتهمين في هذه الحالة يكونان في حل من أمرهما .

 

استؤنف هذا القرار لقاضي المديرية الذي ألغى قرار البراءة وأمر بالقبض على المتهمين بغرض إدانتهما وفرض عقوبة عليهما .

 

تقدم محامي المتهمين باستئناف لمحكمة الاستئناف ضد قرار محكمة المديرية التي ألغت قرار قاضي المديرية وأيدت حكم محكمة الجنايات القاضي ببراءة المتهمين وإطلاق سراحهما .

 

وضد هذا القرار الأخير تقدم مساعد المحافظ التنفيذي لشئون العمل بهذا الطعن ومشيراً إلى مستند (1) وهو الخطاب المرسل من الشركة لمساعد المحافظ للعمل يقول الأخير في طعنه أنه لم يكن هناك طلب من إدارة الشركة أي من المتهمين لفصل 55 عاملاً وإنما بفصل 13 عاملاً فقط، وتضيف أنه إذا سلمنا جدلاً بأحقية الشركة في فصل الثلاثة عشر عاملاً فإن بقية العاملين تم فصلهم وعددهم (42) عاملاً ولم يكن هناك مبرراٌ قانونياً لفصلهم من الخدمة حيث أنه لم يقدم أي طلب بفصل 55 عاملاً وبالتالي فإن مضي سبعة أيام دون موافقة مدير العمل وفقاًً لأحكام الفقرة الثانية من المادة 10/3 من قانون المخدمين والأشخاص المستخدمين لم يكن متوفراً وبالتالي ليس هناك مبرراً لإعفاء المتهمين من المسئولية الجنائية .

 

أجدني في وفاق تام مع ما ذهبت إليه محكمة الجنايات وأيدتها محكمة الاستئناف، ولنبدأ بالدفع الذي تقدم به مساعد المحافظ لشئون العاملين و المتعلق بالاثنين وأربعين عاملاً والذين لم يتقدم المتهمان بطلب لمدير العمل للموافقة على فصلهم حسب زعمه، وللرد على ذلك نقول أن المستند رقم (1) المؤرخ 15/4/1976 والمعنون لمساعد المحافظ لشئون العمل يقول في فقرته الأخيرة ما يلي :

 

   " هذا ونرفق لسيادتكم الكشف الأول للقوة التي نريد الاستغناء عن خدماتهم برجاء الموافقة على إنهاء خدمتهم وصرف استحقاقاتهم "

 

وفعلاً أرفق مع هذا الخطاب كشفاً بأسماء 55 عاملاً هم الذين طلب المتهمان من مدير العمل الموافقة على الاستغناء عن خدماتهم للأسباب التي أوضحاها في خطابهما المذكور. هذا يدحض دفع مساعد المحافظ .

 

ومن الناحية الأخرى فإن التهمة الموجهة إلى المتهمين هي مخالفتهما لنص المادة 10(3) ثانياً من قانون المخدمين والأشخاص  المستخدمين بفصلهما الخمسة وخمسين عاملاً، وهذه المادة تنص على ما معناه : لا يجوز إنهاء عقد العمل إلا بعد الحصول على موافقة مدير العمل ويتعين على مدير العمل إصدار قراره خلال أسبوع من تاريخ استلامه طلب المخدم .

 

لقد قام المخدم بواجبه الذي يفرضه عليه القانون وذلك عندما كتب لمدير العمل طالباُ موافقته بفصل الخمسة وخمسين عاملاً للأسباب الاقتصادية المقنعة التي أوضحها المخدم في خطابه والتي سبق للسيد وزير الصناعة أن اقتنع بوجاهتها ومن ثم وافق على فصل ثمانية وخمسين عاملاً وأن مدير العمل لم يقم بواجبه نحو الموافقة أو عدمها في المدة التي حددتها المادة المذكورة بل لم يفعل أي شيء إزاء الرد على خطاب المخدم حتى قام المخدم بفصل العمال بعد مدة طويلة من إرساله ذلك الخطاب .

 

لقد نص القانون صراحة على أنه على مدير العمل  أن يصدر قراره في مدة أقصاها أسبوع من تاريخ استلامه طلب المخدم وعدم الرد في المدة المحددة أو إهمال الرد كلية على الطلب يجعل المخدم في حل من أمره ليتصرف وفق ما يريد طالما أن هناك سبباً قانونياً للفصل وقد أثبت المتهمان وجود عوامل اقتصادية توجب التخفيف في القوة العاملة منها أن الشركة قد أجبرت على عصر الفول بدلاً عن البذرة بينما الوابورات مصممة على عصر البذرة مما ألحق بالشركة خسارة فادحة وفي الفول لم تستطع الدولة توفيره للمصنع وأنه بناء على دراسات أجرتها وزارة الصناعة واستناداً على سلطات الوزير تحت قانون التنمية وتشجيع الاستثمار الصناعي لسنة 1974م وافق الوزير على فصل 58 عاملاً للأسباب الاقتصادية .

 

على ضوء ما سبق، لا أجد أن محكمة الاستئناف ومن قبلها محكمة الجنايات قد خالفتا القانون أو ارتكبتا خطأً في تأويله أو تطبيقه وعليه أرى أن لا نتدخل .

 

القاضي أحمد التجاني عبد الهادي :

 

أوافق .

 

القاضي مهدي الفحل :

 

أوافق .

 

أمر : لا نرى سبباً للتدخل في قرار محكمة الاستئناف .

 

                         مهدي الفحـــل   _ رئيس الدائرة

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

 القضاة :

 

سيادة السيد / عبد المنعم الزين النحاس    قاضي محكمة الاستئناف        رئيساً

 

سيادة السيد / محمد ميرغني مبروك       قاضي محكمة  الاستئناف       عضواً

 

سيادة السيد / الصادق سليمان               قاضي محكمة الاستئناف     عضواُ

 

حكومة السودان ضد كتيرة داؤد الخليفة

 

م أ/أ ن ج/ 372/1977

 

  قانون المال الضائع والمتروك لسنة 1905 - هدف المشرع من فرض المكافأة .

 

قانون المال الضائع لسنة 1905 – مكافأة من عثر على المال المفقود .

 

قانون المال الضائع والمتروك لسنة 1905 – تعريف المال المفقود – المادة 4 . 

 

1- الهدف من المكافأة هو حث الناس على مساعدة الشرطة في كشف النقاب عن المال المسروق والمفقود والمتروك .

 

2- يستحق من عثر على المال الضائع مكافأة قدرها عشر قيمته أو عشر عائد مبيعه وليس للمالك أن يرفض أو يمنح أقل من عشر القيمة .

 

3- يعتبر المال مفقوداً إذا فقده صاحبه بإهمال أو خبأه من قام بسرقته .

 

 

 

الحكـــم

 

13/3/1977:

 

القاضي عبد المنعم الزين :

 

هذا طلب إعادة نظر تقدم به المواطن محمد آدم رحمة نيابة عن ابنه الطفل ماجد محمد آدم رحمة الذي عثر على مصوغات ذهبية ملقاة على قارعة الطريق وقدرت قيمتها بـ4500 وقد سلمها إلى سلطات الأمن التي سلمتها فيما بعد إلى المدعوة كتيرة داؤد الخليفة التي سبق أن أبلغت البوليس أن مجهولاً كسر منزلها وسرق الذهب المشار إليه .

 

استجاب قاضي الجنيات بعد أن أجرى تحقيقاً أولياً أطلق على إثره سراح المتهمين الذين حولهم الشبهات لالتماس والد الطفل وأمر بأن تمنحه الشاكية صاحبة الذهب عشر قيمته كمكافأة . رفضت الأخيرة ومنحت الطفل مبلغ عشرة جنيهات فقط رفضها والده بدوره وأصر على تطبيق ما أمر به قاضي الجنيات مما حدا بالشاكية أن تلجأ إلى السيد قاضي المديرية الذي رفض تأييد قرار محكمة أول درجة لأن الذهب كان مسروقاً ولم يكن ضائعاً أو مفقوداً بإهمال من الشاكية .

 

لا أجدني في اتفاق مع ما خلصت إليه محكمة المديرية . المادة (4) من قانون المال الضائع والمتروك لسنة 1905 تنص صراحة على استحقاق الشخص الذي يعثر على مال ضائع لعشر قيمته أو عشر  عائد بيع المال على سبيل المكافأة هذا حق مكفول بنص القانون، وليس أمره متروكاً لأريحية مالك المال أن يرفض أن يعطي أو يمنح أكثر أو أقل من عشر قيمة المال الذي عثر عليه . الشرط الأساسي أن يكون المال ضائع، وقد ذكر الطفل الذي عثر على المال على اليمين أنه وجد ( كيساً بجوار الخور ) وسلمه لوالده وكان بالكيس المصوغات التي ذكرت الشاكية أنها مسروقة . وفي رأيي أن ادعاء الشاكية فيما بعد أن الذهب سرق من منزلها لا يحرم الشخص الذي عثر عليه أن يطالب بالمكافأة أقلها التي فرضها القانون له . في رأيي أن الذهب بالكيفية التي وجد بها يعتبر كمال مفقود، وليس بذات أهمية أن تكون الشاكية فقدته بإهمال منها في ذلك المكان . أو خبأه أحد ممن اتهموا بالسرقة في ذلك في رأيي أن عثور الشخص في كلا الحالتين على المال يجعله مستحقاً للمكافأة . وهدف القانون من فرض هذه المكافأة تشجيع المواطنين على تسليم ما يعثرون عليه ملقياً على قارعة الطريق أو مخبأ أو مدفوناً لسلطات الأمن وهذا في حد ذاته يعتبر كعون ومساعدة لسلطات الأمن في ملاحقة ومتابعة وكشف النقاب عن  المال المسروق والمفقود والمتروك هذا هو الهدف الأصلي من وراء هذا التشريع .

 

إزاء كل ذلك لا أعتقد أنه يحث للشاكية أن تمتنع عن منح من عثر على مصوغاتها المكافأة التي يستحقها قانوناً ومن ثم أرى تأييد قرار قاضي الجنايات ونقض قرار السيد قاضي المديرية .

 

القاضي محمد الأمين مبروك :

 

أوافق .

 

8/10/1977 :

 

القاضي الصادق سليمان :

 

أوافق  الزميل عبد المنعم الرأي في أن الهدف من قانون المال الضائع والمتروك لسنة 1905 هو تشجيع المواطنين على تسليم ما يعثرون عليه للسلطات ولا يقبل أن يهزم هذا الغرض بمثل هذه الدفوع السهلة التي يلجأ إليها أصحاب المال الضائع وأولها أنهم فقدوا المال بفعل سارق أو محتال .

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / التجاني الزبير مساعد   قاضي محكمة الاستئناف             رئيساً

 

سيادة السيد / بكري سر الختم              قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / ميرغني مبروك              قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان ضد جمعة صالح محمد

 

م أ/أ ن ج/45/1977

 

المبادئ:

 

إجراءات جنائية – عدم ضرورة إثبات أقوال المتهم – توفر أدلة أخرى للإدانة - المنشور رقم 7 .

 

إجراءات جنائية – أقوال المتهم بيومية التحري كبينة – المنشور رقم 7.

 

1- إذا كانت هناك بينات أخرى يمكن أن تقوم عليها إدانة فأقوال المتهم بيومية التحري لا يشترط إثباتها بواسطة من قام بتدوينها .

 

2- أقوال المتهم بيومية التحري ليست بينة وعله يتحتم استدعاء من قام بتدوينها إذا أرادت المحكمة أن تعتمد عليها كبينة .

 

 

 

 المحامون : آدم خير عبيد الله .

 

الحكــــــــم

 

20/3/1977 :

 

القاضي التجاني الزبير :

 

أدين هذا المتهم تحت المادة 396 عقوبات وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات . الثابت من البينات التي قدمت أن المتهم قد وجد داخل الحجرة في منزل الشاكي، والثابت أيضاً أنه كان يحمل سيخة وأن المفصلتين من الدولاب قد فكتا وأن باب حوش المنزل كان مقفولاً .

 

قدم هذا الاستئناف نيابة عن المتهم وتضمن عدة أسباب .

 

أولاً : إن محكمة الموضوع خالفت المنشور الجنائي رقم 7 المؤرخ 15/2/1951 لأنها لم تستمع لرجل الشرطة الذي سجل أقوال المتهم بل سمعت شرطياً آخر بدلاً عنه .

 

يبدو أن محامي المتهم قد بتر المنشور الجنائي رقم 7 والذي يبدأ بالقول بأن أقوال المتهم في يومية التحري ليست بينة ويجب إثباتها باستدعاء الشخص الذي دونها ويمكنه تنشيط ذاكرته بالرجوع لتلك الأقوال .

 

ويعني هذا الجزء من المنشور أن المحكمة إذا أرادت أن تستند  على أقوال المتهم في يومية كبينة فيجب أن تستدعي من دون تلك الأقوال .

 

في القضية التي أمامنا فإن وجود المتهم ليلاً داخل الحجرة يثبت دون الحاجة لأقوال المتهم في يومية التحري ولذلك فالمحكمة لم تعتمد على تلك الأقوال كبينة .

 

وخلاصة المنشور كما جاء في الجزء الأخير منه يحتم على المحكمة استدعاء الشخص الذي دون الأقوال إذا كانت ترى أن الإدانة قد تتأثر بما أدلى به المتهم للشرطة وفي هذه الحالة تعرض عليه يومية التحري ويقرأ كل الأقوال بطريقة تمكن المتهم أو المحكمة من مناقشته .

 

وهذا القيد على سلطة المحكمة يسري إذا كانت تلك الأقوال ستقبل كبينة بغرض الإدانة، أما إذا كانت هناك بينات أخرى يمكن أن تقوم عليها الإدانة فأقوال المتهم في يومية التحري سواءً أقر بالتهمة أو أنكرها قد لا تؤثر كثيراً ولذلك ومع الاحترام فإن الحديث عن مخالفة المنشور رقم 7 لا يقيد الدفاع في شيء .

 

يعيب محامي المتهم على المحكمة عدم استدعائها للشاهدة ويرى في ذلك مخالفة للمادة 219 من قانون الإجراءات الجنائية .

 

ونحن لا نرى أين تكمن المخالفة فإذا كان هناك عشرات الشهود فليس من واجب المحكمة أن تستدعيهم كلهم إذا كانت شهادة بعضهم تكفي لإثبات جرم المتهم لا سيما وأنه كواقع فإن الشهود في السودان كثيراً ما يتعذر العثور  عليهم . كما أن السلطة في المادة 229 هي سلطة جوازية .

 

تحدث محامي الدفاع عن عدم انطباق المادة 396 لعدم توفر أركان المادة 380 عقوبات لأن الاتهام في رأيه فشل في إثبات القصد الجنائي وهذا الدفع لا يستحق أن نرد عليه من الوقائع التي تثبت أمام المحكمة لا يمكن القول بأن القصد الجنائي غير متوفر إذا دخل المتهم المنزل ليلاً وكان الباب مقفولاً وقبض داخل الحجرة ووجدت مفصلات الدولاب مكسورة .

 

بقية ما أورده محامي المتهم لا قيمة له ويتميز بالخلط وعدم وضوح الرؤيا القانونية وفيه تطويل وتكرار غير مجد .

 

لذلك فرأينا أن الإدانة تحت المادة 396 عقوبات كانت سليمة ونؤيدها .

 

بالنسبة للعقوبة فالمتهم ليس له سوابق ولغرض تدرج العقوبة فرأينا أن تعدل العقوبة إلى السجن عام واحد .

 

27/3/1977 :

 

القاضي بكري سر الختم :

 

أتفق مع زميلي التجاني فيما ذهب إليه عن الإدانة ويؤسفني ألا أتفق معه على تخفيف العقوبة فالحد الأقصى للعقوبة في هذه الحالة هو أربع عشرة سنة وقد كثرت حوادث التعدي في الآونة الأخيرة مما يوجب تشديد العقوبة هذا بالإضافة إلى أن المدة الطويلة نسبياً تهدف إلى تدريب المحكوم عليه على حرفة يكسب منها رزقه بعد خروجه من السجن، أما المدة القصيرة قد تضر أكثر من أن تفيد كذلك أرى أن نؤيد العقوبة كما أصدرتها محكمة الموضوع .

 

31/3/1977 :

 

القاضي محمد ميرغني مبروك :

 

إنني أتفق مع الأخ بكري في أن جرائم الكسر المنزلي يجب أن تؤخذ بالشدة ولذا لا أرى سبباً يستوجب تخفيف العقوبة .

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / التجاني الزبير                قاضي محكمة الاستئناف        رئيساً

 

سيادة السيد / محمد محمود أبو قصيصة   قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / محمد ميرغني مبروك       قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان ضد الطيب رابح الخير

 

م أ/أ ن ج/84/1977

 

المبادئ:

 

قانون حركة المرور لسنة 1962 – الإهمال المشترك لا يصلح كدفع تحت المادة 22 .

 

1- إن مبدأ الإهمال المشترك لا يصلح كدفع في القضايا الجنائية مهما بلغت درجة إهمال المصاب فإما أن يكون المتهم مهملاً فيدان أو غير مهمل فيبرأ .

 

 

 

الحكـــــــــم

 

23/3/1977:

 

القاضي التجاني الزبير :

 

هذا استئناف من المتهم الذي أدين تحت المادة 22/6 حركة لتسبيبه موت أحد الأشخاص نتيجة اصطدامه بالبص الذي كان يقوده وقد حكم عليه بالسجن عامين وسحب رخصته نهائياً .

 

وقد أيدت الإدانة والحكم والأمر بواسطة قاضي المديرية . قدم هذا الاستئناف وهو في جملته لا يحمل غير تفسير للوقائع واستنتاج مختلف عما توصل إليه قاضي الموضوع وقاضي المديرية .

 

لقد توصلت محكمة الموضوع إلا أن المتوفى كان في منتصف الشارع عندما حدثت الصدمة وأن آثار الفرامل كانت إلى مسافة 10 خطوات مع أن الفرامل جيدة وأن البص اصطدم بعربة أخرى وبالتلتوار قبل توقفه . وقررت أن المتهم لو كان يقود عربته دون إهمال لرأى المصاب وهو يعبر الشارع ولو كان يسير بسرعة معقولة لأمكنه التوقف قبل أن يصدم المصاب ولما صدم العربة الأخرى والتلتوار وتوصلت إلى أن المتهم كان يقود العربة بإهمال أما الحديث عن سكر المتوفى وحتى إهماله فقد يصلح كدفع مدني عند تفسير الدفاع ( الإهمال المشترك ) أما في القضايا الجنائية فإما أن يكون المتهم غير مهمل فيبرأ أو يكون مهملاً فيدان مهما بلغت درجة إهمال المصاب . لذلك أن الأدلة كانت صحيحة ونؤيدها .

 

وبالنسبة للعقوبة فالمتهم يقر بسوابق كثيرة تحت قانون الحركة وآخرها تسببه في وفاة أحد المواطنين والحكم عليه بالغرامة 100 جنيه وفي رأينا أن عقوبة السجن عامين عقوبة مناسبة.

 

وبالنسبة للأمر بسحب الرخصة نهائياً فهذا يعني أن المتهم لا بد أن يبدأ حياة جديدة ومختلفة عن التي تعلمها وقد لا يكون في وضع يمكنه من تعلم صنعة أخرى ولذلك فرأينا أن نعدل أمر سحب رخصته لمدة عام بعد انتهاء فترة سجنه على أمل أن يكون أكثر يقظة وحرص على  أرواح الناس .

 

26/3/1977:

 

القاضي محمد محمود ابوقصيصة :

 

أوافق .

 

26/3/1977:

 

القاضي محمد ميرغنى مبروك:

 

أوافق .

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / التجاني الزبير مساعد   قاضي محكمة الاستئناف             رئيساً

 

سيادة السيد / الصادق سلمان               قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / محمد ميرغني مبروك قاضي محكمة الاستئناف              عضواً

 

حكومة السودان ضد عطية قرم عطية 

 

م أ/م ك/35/1977

 

 

 

المبادئ:

 

إثبات – لإثبات حق الدفاع الشرعي يكفي خلق شك معقول .

 

قانون جنائي – الحد العام لحق الدفاع الشرعي – المادة 58 من قانون العقوبات لسنة 1974.

 

1- لقد استقر قضاء المحاكم بأنه يكفي لإثبات حق الدفاع الشرعي إذا خلق المتهم شكاً معقولاً في ذهن المحكمة يشير إلى أنه كان يمارس ذلك الحق .

 

2- إن الحد العام لحق الدفاع الشرعي لا يقاس بالتناسب في عدد الضربات أو نوع السلاح، بل مناط بزوال العدوان أو الخطر المراد دفعه

 

.المحامون : فيصل  عبد القادر

 

الحكــــــم

 

16/3/1977 :

 

القاضي الصادق سلمان :

 

أدانت المحكمة الكبرى المنعقدة بالخرطوم بحري في 26/12/1976م السجين المستأنف تحت المادة 253 من قانون العقوبات بعد أن توصلت لقرار بأن السجين كان يمارس حقه في الدفاع الشرعي عن النفس ابتداءً عندما تسبب في موت المجني عليه، ولكنه ( السجين ) تجاوز الحد المعقول فسبب أذىً أكثر من اللازم مما يوقعه تحت طائلة المادة المذكورة . ضد قرار الإدانة يتقدم محامي السجين بطلبه هذا ناعياً على المحكمة الكبرى قولها أن المتهم تجاوز حقه في الدفاع الشرعي .

 

البينات الثابتة أمام المحكمة الكبرى يمكن تلخيصها في أن المتهم وهو من أبناء جبال النوبة كان يرغب في إقامة علاقة مع المجني عليه التي كانت تسكن مع شاهدة الاتهام الثالثة هنية عبد الله النور، ولم تكن هنية راضية عن فكرة العلاقة ومن ثم أخذت تشجع المجني عليه على رفض مبادرات المتهم ووصلت الأمور درجة من السوء أجبرت المتهم في الليلة السابقة للأحداث أن يطلب من المجني عليها رد 150 قرشاً كان قد أعطاها لها، وكانت المطالبة في حدها فرصة ملائمة انتهزتها شاهدة الاتهام الثالثة هنية لتمطر المتهم وابلاً من السباب طاعنة في رجولته وانتهى الأمر بأن تسلم المتهم نقوده من شاهد الاتهام الرابع زوج شاهدة الاتهام الثالثة .

 

صبيحة يوم الحادث وفي حوالي الساعة السادسة صباحاً ذهب المتهم ناحية منزل شاهدة الاتهام الثالثة وأخذ يعاتبها على موقفها منه الليلة السابقة مذكراً لها بالعلاقة التي تربطهما فما كان من الشاهدة إلا أن أخذت عكازاً واعتدت على المتهم بالضرب الأمر الذي استدعى تدخل شاهد الدفاع عبد الله الحسن الذي سارع بالقبض على العصى المستعملة في الضرب وكان المتهم والشاهدة هنية يمسكان بطرفها،  التفت الشاهدة ناحية المجني عليها ولامتها بعدم الاشتراك في المشاجرة ( يا شرموطة إنتي قاعدة وأنا أشاكل ليك ) استفزت العبارة المجني  عليها التي أسرعت داخل الغرفة وخرجت وبيدها السكين ( المعروضة على المحكمة الكبرى ) وعندما رآها المتهم مقبلة نحوه حذرها بقوله ( الله والرسول بيني وبينك ) ولكنها لم تتوقف بل ضربته بالسكين على الجهة اليسرى من الصدر وأصابته بجرح نازف إلى داخل الصدر ( م أ 2) عند ذلك ترك المتهم العكاز لشاهدة الاتهام الثالثة وشاهد الدفاع عبد الله الحسن وهجم على المجني عليها وكانت السكين المستعملة في الضرب قد سقطت من يدها بعد مقاومة تمكن المتهم من أخذ السكين وطعن بها المجني عليها طعنتين على البطن نفذتا فتسببتا في خروج الأمعاء .

 

بنت المحكمة الكبرى الإدانة على ما توصلت إليه من استقراء الحقائق الثابتة وقالت إن المتهم كان يباشر حقه في الدفاع الشرعي عندما طعن المجني عليها بالسكين، ولكنه لم يلتزم حدود ذلك الحق وتجاوزها لأنه ألحق المجني عليها طعنتين بينما أصابته هي بطعنة واحدة وطعنها في بطنها بينما طعنته هي في صدره وكانت طعناته نافذة بينما لم تصل طعنتها القلب .

 

لم تكتفي المحكمة الكبرى بذلك بل مضت لتقول أن المتهم ملزم بإثبات أنه لم يتجاوز القدر اللازم بحق الدفاع الشرعي وذلك فوق مرحلة الشك المعقول ولا يكفي أن يلقي الشك في ذهن المحكمة كما في حالة إثبات حق الدفاع .

 

قرار المحكمة هذا يثير أمرين أرى أن أتصدى لهما . أولهما متعلق بالمادة 58 عقوبات التي تبين الحد العام لحق الدفاع الشرعي والذي أرى أن محكمة الموضوع لم توفق فيه عندما رأت أن المتهم قد تجاوزه . حاولت محكمة الموضوع أن تجعل من الحساب أمراً فاصلاً في موضوع التجاوز، وذلك عندما اعتمدت  على عدم التناسب في عدد الضربات على عكس ما ورد في حكم السيد محمد الفضل شوقي في قضية حكومة السودان ضد عجال محمد بدوي ( المجلة 1971 صفحة 122 ) أما عن عدد الضربات التي وجهها المتهم للمجني عليها وتعدادها فهي كما ذكرنا لا تحسب في هذه الحالة من ناحية الكم وإنما من ناحية المدى وقد اقتنعت المحكمة أن المتهم توقف بمجرد أن سقط المجني عليه الأول على الأرض . وقال السيد صالح عتيق في قضية حكومة السودان ضد طه هارون ( المجلة 1971 صفحة 1 ) :

 

" ولما كان هذا الحق مبنياً على المبدأ الذي يلزم الشخص بمساعدة نفسه فلا يطلب منه أن ينتظر مكتوف اليد إلى أن يصاب بالأذى بل عليه أن يبادر بدرء الخطر قبل وقوعه وكما يلزمه باختيار نوع السلاح المناسب أو أن يكيل الضربة بضربة بل عليه أن يقضي على خصمه قبل أن يقضي عليه " . وقالت محكمة الاستئناف في قضية حكومة السودان ضد محمد النور حامد ( المجلة سنة 1972 صفحة .. ) ( أن الشخص الذي يدافع عن حياته لا يمكن أن يقرر أن دفاعه مستنداً على ما يطرأ من تغيرات أثناء الدفاع أي لا يمكن أن يتوقع من شخص هاجمه آخر وطعنه في عنقه أن يفكر بعد أن انتزع السكين أنه أصبح في مأمن على نفسه ) . وأوردت النص التالي من كتاب العقوبات الهندي لقور :

 

A man who is assaulted is not bound to modulated his defence step by step according to the attack. Where the assault has once taken a dangerous form every allawance should be made for one, who with the instinct of self preservation strong upon him, pursues his defence a little further than to perfectly cool by stander would seem absolutely necessary. The law will always make just allawance for the sentiment of a person placed in a situation of peril who has no time to think.

 

استناداً على هذه السوابق أقول أن المتهم كان مواجهاً بهجوم شنته عليه شاهدة الاتهام الثالثة بعكاز وأصابته على رأسه وقامت المجني عليها بطعنه بالسكين ( التي قادتها لحتفها ) مما اقتضى حجزه بالمستشفى وبقاؤه من 1/6/1974 وحتى 8/1/1975 ليتم شفاؤه، فهل يعقل والحال كما ذكرنا أن تطلب تحديد عدد طعنة واحدة للمجني عليها أو التفكير في أن يصيبها في نفس الموضع من جسمها مثل الذي أصابته فيه، كيف يجوز لنا القول أن الطعنة الواحدة تكفي لتقعد المجني عليها عن مواصلة الاعتداء بينما كل الدلائل تشير إلى  أن المجني عليها وشاهدة الاتهام الثالثة كانتا تحاولان مواصلة العدوان؟ المتهم في نظري محق في تصرفه الرامي للتخلص من أحد المعتدين ليتمكن من مواجهة الثاني ولا يحق محاسبته إن أدت تصرفاته لوفاة أحد المهاجمين علماً بأنه ( المتهم ) لم يتصرف بقسوة ووقف عندما تبين له أن المجني عليها لم تعد قادرة على إلحاق أذىً به .

 

الأمر الثاني الذي يثيره قرار المحكمة يتعلق بإلقاء عبء إثبات عدم تجاوز الحد اللازم للدفاع على المتهم ومحاولتها التفريق بين الدفعين تحت المادة 58 والمادة 249/2 من نفس القانون . في إيجاز أقول أنني لم أستطع تبين المنطق الذي استندت عليه المحكمة في رأيها ذلك والذي خطته في سطور قليلة لم تعدد فيها أي سند من القانون . لقد استقر القضاء على أنه يكفي أن يلقي المتهم شكاً معقولاً في ذهن المحكمة يشير إلى أنه كان يمارس حقه في الدفاع الشرعي ليستفيد من ذلك الدفع فكيف لنا أن نسلبه باليمين ما أعطيناه له بالشمال لنطلب منه الإثبات فوق مرحلة الشك العقول . إنه التزم بحدود ذلك الحق ما هو الإثبات المطلوب من المتهم بعد أن وضعت جميع الحقائق أمام المحكمة لا شك أن الظروف المصاحبة للاعتداء ونوع الإصابات وملاءمتها للاعتداء هي التي تحكم ما إذا التزم المتهم القدر اللازم للدفاع عن نفسه أم لا وبما أنه قد وضح لي من قراءة المحضر وما توصلت له المحكمة الكبرى من حقائق أن المتهم لم يتجاوز حقه في الدفاع الشرعي عن نفسه فيصبح نقاش ما توصلت إليه المحكمة الكبرى رغم اقتناعي بخطئه غير ذي أثر في القرار .

 

إن وافق الزميلان أرى أن يقبل هذا الاستئناف ويلغى قرار إدانة المتهم تحت المادة 253 عقوبات ونأمر بإطلاق سراحه فوراً .

 

2/4/1977 :

 

القاضي التجاني الزبير :

 

أوافق على النتيجة التي توصل إليها زميلي الصادق سلمان . في صفحة 81 من المحضر جاء في قرار المحكمة الكبرى الآتي :

 

( لقد قررنا أن المتهم كان يستعمل حقه في الدفاع الشرعي بحسن نية عندما طعن المرحومة وقررنا أنه لم يكن لديه سبق إصرار لإحداث موتها أو تسبيب أذىً لها كما قررنا أنه لم يكن لديه قصد إحداث أذىً أكثر مما هو ضروري للدفاع أو لم يثبت ذلك بصفة قاطعة . كما قررت المحكمة أنه لم يكن هناك متسع من الوقت للجوء إلى حماية السلطات ) .

 

وكنت أتوقع أن تكون النتيجة الطبيعية استناداً على ما توصلت إليه المحكمة الكبرى نفسها هي براءة المتهم وقد أزعجني أن المحكمة ناقشت الاستثناءات وأدنت المتهم تحت المادة 253 عقوبات .

 

وعلى أية حال فإنني أؤيد زميلي المحترمين في استبدال عقوبة الجلد بالغرامة 20جنيها وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة شهرين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محكمة استئناف الجزيرة والنيلين

 

القضاة :

 

سعادة السيد / عبد الله أبو عاقلة أبو سن قاضي محكمة الاستئناف      رئيساً

 

سيادة السيد / عبد الله العوض               قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / حكيم الطيب                   قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان ضد الياس محمد أحمد العوض

 

م أ/أ ن ج/39/1977

 

المبادئ:

 

إجراءات جنائية – اختصاص المحكمة بإجراء التحقيق أو المحاكمة – سلطة تقديرية المواد 149و160 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 .

 

إجراءات جنائية – تحديد عمر الحدث من اختصاص محاكم الدرجة الأولى والثانية – المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م .

 

1- إذا كانت المحكمة مختصة ابتداءً بإجراء التحقيق أو المحاكمة ثم تكشف لها بعد البينات أنها مختصة بالمحاكمة بدلاً من المحكمة الكبرى فتحيل التحقيق القضائي إلى محاكمة المادة 160 أو أنها غير مختصة بالمحاكمة فتحيلها إلى تحقيق قضائي المادة 149 .

 

2- محاكم الدرجة الأولى والثانية – اختصاصها أصلياً بنظر جرائم الأحداث وهذا يعني بالضرورة أن تحديد عمر الحدث متروك لتلك المحاكم كما هو واضح من نص المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م .

 

الحكــــم

 

القاضي حكيم الطيب :

 

18/4/1977 :

 

الاتهام الذي يواجهه المتهم يقع تحت المادة 318 عقوبات . وبمجرد بدء الإجراءات – التي بدأت كتحقيق قضائي فيما يبدو – تقدم ممثل الدفاع بطلب لتحويل التحقيق إلى محاكمة وذلك بموجب المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية حيث أن عمر المتهم – حسب تقدير الطبيب يقل عن الستة عشر عاماً . اعترض ممثل الاتهام وقال إن لديه بينات ينوي تقديمها تثبت  أن سن المتهم تفوق السادسة عشر . واستناداً على تقدير الطبيب قررت محكمة الإحالة تحويل التحقيق إلى محاكمة ورأى السيد قاضي المديرية أن يترك أمر تحديد عمر المتهم - كمسألة وقائعية للمحكمة الكبرى – فألغى أمر محكمة الموضوع وأمر بمواصلة الإجراءات كتحقيق قضائي، ومن ثم تقدم ممثل الدفاع بطلب الفحص الحالي .

 

في رأيي أن كل هذا معركة في غير معترك . المادة 149(1) إجراءات جنائية توجب على قاضي الجنايات تحويل المحاكمة إلى تحقيق قضائي إذا تبين له في أي مرحلة قبل التوقيع على الحكم بأن القضية من القضايا التي يجب أن تحاكم أمام محكمة كبرى والمادة 160 إجراءات جنائية توجب عليه تحويل التحقيق إلى محاكمة إذا تبين له بعد أخذ البينة والاستجواب أنها ليست من القضايا التي تجب المحاكمة عنها أمام محكمة كبرى. معنى هذا أنه لا يهم كثيراً الشكل الذي تبدأ به الإجراءات- تحقيق قضائي أو محاكمة غير إيجازية، والمادتان المذكورتان تكفلان للمحكمة حرية الحركة متى اتضحت لها الرؤيا، وقد كان على ممثل الدفاع والاتهام ( وقاضي المديرية من بعدها ) عدم التعجل وانتظار الوقت المناسب .

 

لذلك، ورغم أن قرار قاضي المديرية لم يكن له ما يبرره أرى أن لا نتدخل فيه – حتى لا نصححه بقرار آخر غير مبرر .

 

القاضي عبد الله أبو  عاقلة أبو سن :

 

26/4/1977 :

 

أعتقد أنه يجب التفرقة بوضوح بين المادة 15 والمادتين 149و160ق أ ج . فالمادة 15 في الفصل الثالث الذي يحدد اختصاص المحاكم الجنائية والمادتان 149و160 تقعان في الفصلين السابع عشر والثامن عشر اللذين يوضحان على التوالي إجراءات المحاكمات  غير الإيجازية والتحقيقات القضائية .

 

والدفع الذي أثاره السيد محامي المتهم أمام محكمة أول درجة هو في حقيقته دفع متعلق بالاختصاص، وهو دفع يجب الفصل فيه بعيداً عن المادتين 149 و160 اللتين تحفظان للمحكمة حق تحويل المحاكمة إلى تحقيق أو تحويل التحقيق إلى محاكمة بعد الاستماع إلى البينات . والافتراض هنا بالطبع أن المحكمة كانت مختصة ابتداءً بإجراء التحقيق أو المحاكمة، ثم تكشف لها فيما بعد البينات أنها مختصة بالمحاكمة بدلاً من المحكمة الكبرى فتحيل التحقيق القضائي إلى محاكمة ( المادة 160 ) أو أنها غير مختصة بالمحاكمة فتحيلها إلى تحقيق قضائي ( المادة 149) .

 

أما المادة 15 ق.أ.ج فإنها تجيز محاكمة القاضي من الدرجة الأولى أو الثانية الأحداث الذين تقل سنهم عن ستة عشر عاماً عن أي جريمة غير معاقب عليها بالإعدام، أي أن المادة المذكورة تعطي محاكم الدرجة الأولى والثانية اختصاصاً أصلياً بنظر جرائم الأحداث المذكورة وهذا يعني بالضرورة أن تحديد عمر الأحداث متروك للمحاكم المذكورة كما هو واضح من ظاهر النص ( الجاني الذي ترى المحكمة سنة تقل عن ستة عشر عاماً ) وقد رأت محكمة  أول درجة لأسباب كافية أوضحتها في قرارها أن عمر المتهم يقل عن ستة عشر عاماً فقررت محاكمته بدلاً من إجراء التحقيق القضائي وهذا عندي قرار صحيح قانوناً ويتعين تأييده وإلغاء قرار قاضي المديرية .

 

القاضي  عبد الله العوض :

 

30/4/1977 :

 

قررت محكمة أول درجة محاكمة المتهم أمامها بعد أن تبين لها أن سنه لم تتجاوز السادسة عشر وذلك استناداً إلى تقرير الطبيب حول عمر المتهم، لقد اتخذت محكمة أول درجة قرارها هذا وفقاً لسلطاتها الجوازية تحت المادة 15 من قانون الإجراءات الجنائية، ولا أجد خطاءً واضحاً في هذا القرار يبرر إلغاء تحويل المحاكمة إلى تحقيق قضائي خصوصاً في هذه المرحلة، أي قبل الشروع الفعلي في المحاكمة وسماع البينات . وتبين لها عندئذ أن سن المتهم تزيد عن الستة عشر  عاماً، فليس هنالك ما يحول بينها وبين تحويل المحاكمة إلى تحقيق قضائي .

 

لهذا فإنني أرى أيضاَ إلغاء قرار السيد قاضي المديرية وإعادة الأوراق لحكمة أول درجة للسير في المحاكمة .

 

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / عبد الله العوض محمد   قاضي محكمة الاستئناف             رئيساً

 

سيادة السيد / وقيع الله عبد الله              قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / بابكر زين العابدين           قاضي محكمة الاستئناف       عضواً

 

حكومة السودان ضد عز الدين علي هارون

 

م أ/أ س ج/30/1977

 

المبادئ:

 

إثبات – بينة الشريك – ضرورة تعضيدها في الجرائم الخطيرة .

 

إثبات – السوابق القضائية – الأسباب التي بني عليها الحكم في السابقة – الأسباب العرضية .

 

1- ليس ثمة نص في القانون على وجوب تأييد بينة الشريك ولكن جرى العمل على وجوب التأييد في حالة الجرائم الخطيرة .

2- يكفي لتأييد بينة الشريك أن تكون هنالك قرائن أحوال تدعم الوقائع المراد استنتاجها .

 

3- تلتزم المحاكم الأدنى درجة من المحكمة العليا بالأسباب التي بني عليها الحكم ولكنها لا تلتزم بالرأي الذي يبدى على سبيل المناقشة العرضية في الحكم الذي يعتبر سابقة قضائية.

 

المحامون : محمد يوسف محمد .

 

الحكـــــم

 

6/6/1977 :

 

القاضي بابكر زين العابدين :

 

كل ادعاء في هذه الإجراءات يصلح لأن يكون موضوع بلاغ منفصل ومحاكمة منفصلة، وذلك لاختلاف زمان ومكان كل واقعة ولاختلاف دافعي الرشوة والمبلغ المدفوع ولاختلاف الشهود الذين حضروا كل واقعة .

 

دمج البوليس كل الادعاءات في بلاغ واحد، و تحاكم المتهمان عن كل الادعاءات في محاكمة واحدة لو تم فتح بلاغ منفصل لكل ادعاء وتمت محاكمة منفصلة لكل واقعة كانت المهمة تكون أسهل بكثير مما عليه الآن . أضف إلى ذلك كأن يكون مستوى التحري ومستوى المحاكمة أفضل مما عليه الآن وكان، في وسع التحري أن يركز على الوقائع التي يوجد حولها تأييد  ويصرف النظر عن البلاغات التي لا يجد لها تأييد .

 

بعد هذه الملاحظة البسيطة أتناول الادعاءات واحداً واحداً لنرى إن كان كل ادعاء قد ثبت أم لم يثبت .

 

قالت كلتوم كبير – شاهدة الإثبات السابعة – أنها دفعت مئة وخمسين قرشاً للمتهم الأول بحضور زوجها سومي دلدوم – شاهد الإثبات العاشر – وتعرفت على المتهم الأول في طابور الشخصية . قال سومي دلدوم – شاهد الإثبات العاشر – إن زوجته كلتوم كبير دفعت مئة وخمسين قرشاً للمتهم الأول، وأنه تعرف على المتهم الأول والثاني في طابور الشخصية . قال ب ج حسن عبد الرحمن الفحل شاهد الإثبات الأول أن كلتوم كبير وزوجها سومي دلدوم تعرفا على المتهم الأول فقط إلا أن الزوج أخرج الشرطي إسماعيل عمر الذي لم يشترك في الحملة باعتباره المتهم الثاني .

 

طعن محامي المتهمين في موقف سومي دلدوم وقال إنه شريك أو في حكم الشريك استناداً على محاكة حكومة السودان ضد أحمد عبد الله سعيد صفحة 145 من مجلة الأحكام القضائية السودانية 1965، ومن ثم يرى أن أقواله لا تؤيد أقوال زوجته كلتوم كبير في أنها دفعت مئة وخمسين قرشاً للمتهم الأول . قضية حكومة السودان ضد أحمد عبد الله سعيد في نظري أرست مبدأ عدم جواز تأسيس الإدانة على بينة الشريك وحدها دون تأييد لتلك البينة، وما جاء فيها من حديث عن قوة بينة الشخص الذي يشهد جريمة ولا يقدم على تقديم المساعدة وكشفها للسلطات المختصة مجرد obiter dictum والأنظمة التي تتمسك بإتباع السوابق القضائية التمسك مقصور على ( Ratio decidindi of the case )  ولا يعتد بالرأي العرضي ( obiter dictum ) السابقة القضائية لها سلطة القانون ولكن الرأي العرض له ( persuasine authority ) يجب إتباع السابقة القضائية إلا إذا كان هناك سبيل للتميز في الوقائع بين السابقة القضائية والقضية المطروحة . المحاكم غير مقيدة بإتباع الرأي العرضي ولكن في العادة لا تحيد عنه إلا لأسباب وجيهة لا أود أن أذهب أكثر من ذلك وأسوق الدليل على أن السابقة القضائية لها قوة القانون والرأي العرضي غير ملزمة المحاكم بإتباعه وذلك لأن الأمر من البديهيات . نظامنا أخذ بمبدأ التقيد بالسوابق القضائية وإتباعها في القضايا المماثلة، والدليل على ذلك هو أن السوابق القضائية مصدر من مصادر القانون في السودان، وقد قالت المحكمة العليا مؤخراً في م ع/ط م/159/76 بول برنارد بولس ضد محاسن صلاح زروق، نشرة الأحكام الشهرية السودانية لشهري أغسطس وسبتمبر 1976 أن أحكام المحكمة العليا مقيدة لكافة المحاكم الأدنى بما فيها محكمة الاستئناف ولا يجوز لمحكمة أدنى أن تورد قرار للمحكمة  العليا ثم تقرر صراحة عدم التزامها به لخطأه ما لم يكن هناك سبيل للتميز ( Distinction ) في الوقائع بين السابقة القضائية والقضية المطروحة، لا أظن أن نظامنا القضائي الذي أخذ مؤخراً بمبدأ التقيد بالسوابق القضائية يريد أن يقيد المحاكم بالرأي العرضي أيضاً، وبالتالي يخالف النظام العالمي الذي سبقنا في نظام الأخذ والتقيد بالسوابق القضائية للنظام العالمي – كمال قلت – يتقيد بالسوابق القضائية ولا يتقيد بالرأي العرضي، رغم أنه عملياً لا يحيد عنه إلا لأسباب معقولة .

 

لا يوجد نص تسريعي في نظامنا يوجب ضرورة تأييد بينة الشريك . فرضت السوابق القضائية السودانية مهتدية بالفقه الإنجليزي والهندي ضرورة تأييد بينة الشريك .

 

العبرة من مبدأ تعضيد بينة الشريك هو  الاحتياط ضد مخاطر تصغير الشريك لدوره وتكبير دور زميله الذي يشهد ضده لصالح الاتهام . ولا يشترط في التأييد أن يكون بينة مباشرة من شاهد آخر مستقل بل تكفي القرائن والملابسات التي تربط المتهم بالواقعة، وقد أخذت المحكمة العليا شفي قضية حكومة السودان ضد يوسف عبد الله مجلة الأحكام الشهرية السودانية لسنة 1972 صفحة 226 بهذا الرأي، قلت إنه من الجائز عدم الأخذ بالرأي العرضي في قضايا سابقة وأرى عدم الأخذ برأي القاضي بابكر عوض الله العرضي في القضية التي أشار إليها محامي المتهمين العالم وذلك لأن الشاهد سومي دلدوم ليس بشريك في الجريمة مع المتهمين حيث أنه لا يمكن محاكمته على الوقائع كما أنه كشف الجريمة من أول وهلة، ولا يتوقع منه في مثل هذه الظروف أن يفعل  أكثر من ذلك، ثم إن الاتجاه الحديث كما أوصت به لجنة مراجعة القانون الجنائي الإنجليزي هو تضييق نطاق تطبيق مبدأ تعضيد بينة الشريك وحصره في قضايا الجنس وذلك لصعوبة تحديد من هو الشريك ولأن شهادة الشريك في بعض الحالات أصدق من شهادة الشاهد العادي أضف إلى ذلك أن التوسع في نطاق تطبيق مبدأ تعضيد بينة الشريك ليشمل حالة سومي دلدوم قد تؤدي بالضرورة إلى عدم مساءلة من يستلم الرشوة لأن كل من يشهد دفعها سيعتبر في حكم الشريك ومن ثم تنشأ ضرورة تأييد بينته، لهذا الأسباب أرى عدم التقيد بالرأي العرضي في السابقة المشار إليها، وأرى أن بينة سومي دلدوم بينة شاهد عادي تصلح لتأييد بينة زوجته كلتوم كبير، ما جاء في أقوال الصول عبد القادر صالح مصطفى – شاهد الإثبات الخامس عشر – وتعرف الشاهدين على المتهم الأول في طابور الشخصية يشكل قرائن وملابسات تصلح لتأييد بينة كلتوم كبير وزوجها سومي دلدوم وعليه أرى أن واقعة دفع كلتوم كبير لمبلغ مئة وخمسين قرشاً للمتهمين كرشوة واقعة ثابتة .

 

قالت علوية دقيل - شاهدة الإثبات الخامسة – أنها دفعت مئة وخمسين قرشاً للمتهمين ولم تتعرف عليهما في طابور الشخصية، قال زوجها خميس جاد الله – شاهد الإثبات الحادي عشر – إن زوجته علوية دقيل دفعت مئة وخمسين قرشاًَ للمتهمين وأضاف أنه لم يطلب منه التعرف عليهما في طابور الشخصية، أرى للأسباب التي وردت حول الواقعة الأولى أن الواقعة قد ثبتت بعد مرحلة الشك المعقول .

 

قالت آمنة أبو زيد حمد – شاهدة الإثبات السادسة – أنها دفعت واحد جنيه للمتهم الأول إلا أنها لم تتعرف عليه في طابور الشخصية، قال أحمد غربال – شاهد الإثبات الثاني – أن المتهمين حضرا إلى منزل آمنة أبو زيد أحمد ودخل  الأول ووقف الثاني في الخارج وخرج الأول يحمل قروش في يده وتعرف على الأول في الطابور وأيد ب ج/حسين عبد الرحمن الفحل شاهد الإثبات الأول تعرفه على المتهم الأول، حضورهما إلى منزل الشاهدة ودخول الأول وخروجه يحمل قروش في يده والتعرف عليه في طابور الشخصية وما جاء في أقوال عبد القادر صالح مصطفى – شاهد الإثبات الخامس عشر – يشكل قرائن وملابسات تصلح لتأييد بينة الشاهدة في أنها دفعت واحد جنيه للمتهم الأول وبالتالي أرى أن هذه الواقعة قد ثبت.

 

قالت أم بساط الفاضل – شاهدة الإثبات الثالثة – أنها دفعت جنيهن للمتهمين ولم تتعرف عليهما في طابور الشخصية – قال زوجها عبد الله محكوم بريمة – شاهد الإثبات الثاني عشر – حضر شرطيان إلى منزله في المرة الأولى وفتشا المنزل وانصرفا ثم حضر اثنان مرة ثانية وفتشا المنزل وانصرفا وأضاف أنه لم يتعرف عليهم في طابور الشخصية، ولم ير قروش تدفع لهم  . قال محمود كرتكيل – شاهد الإثبات الثالث عشر أنه نظر المتهمين مع أم بساط وزوجها في منزلهما . طلب منه الزوج الخروج فخرج فيما بعد انصرف المتهمان دون أن يتخذا إجراء هناك احتمالان إما أن يكون الزوج كاذب وبالتالي يجدد الشهادة وإما أن يكون صادقاً فيما قال وبالتالي كاذبة زوجته، أميل إلى تكذيب الزوج وأرى أنه جحد الإدلاء بالحقيقة استناداً على أقوال محمود كرتكيل الذي يعرف المتهمين ونظرهم مع الزوج وزوجته وأكد وجود خمور في منزل الزوج وانصرف المتهمين، فبائن على أن اتفاقاً تم بين  أصحاب الدار والمتهمين ولذا فتلك قرينة مؤيدة لبينة الزوجة في أنها دفعت جنيهين للمتهمين .

 

قالت حليمة علي – شاهدة الإثبات الثامنة – أنها دفعت مئة وسبعين قرشاً للشرطيين المتهمين وتعرفت عليهما في طابور الشخصية . أكد ب ج/ حسن عبد الرحمن الفحل – شاهد الإثبات الأول – تعرف الشاهدة  على المتهم في طابور الشخصية . تعرف الشاهدة على المتهمين في الطابور مضافاً إليه ما جاء في أقوال عبد القادر صالح مصطفى – شاهد الإثبات الخامس عشر – يعد تأييداً لأقوال  الشاهد . لذا أرى أن هذه الواقعة أيضاَ قد ثبتت .

 

قالت حليمة علي – شاهدة الإثبات الثامنة – أنها دفعت مئة وسبعين قرشاً لشرطيين لا تعرفهما – الحملة مكونة من ستة وعشرين شرطي – وقد يكون الدفع تم لنفرين آخرين من قوة الحملة ولذا لا تكفي لتأسيس الإدانة ومن ثم أرى أن هذه الواقعة غير مثبتة .

 

قالت آمنة عثمان قاطع – شاهدة الإثبات التاسعة – أنها دفعت واحد جنيه لشرطيين لا تعرفهما. الدفع قد يكون حدث لأي نفرين آخرين من أفراد الحملة المكونة من ستة وعشرين شرطياً، ولذا هذه إفادة لا تصلح لتأسيس الإدانة، ومن ثم أرى أن الواقعة غير مثبتة .

 

زيادة على ذلك إن محكمة الاستئناف الجنائية الإنجليزية قررت في سنة 1965 في قضية R.V.Evans (1965)2QB295 أن بينة زوجة الشريك تعضد بينة زوجها الشريك في الجريمة . إذا كانت الزوجة تصلح لتأييد أقوال الزوج الشريك فمن باب أولى أن يصلح الزوج لتأييد أقوال زوجته الشريكة، لأن الزوج خاصة في السودان أقوى في موقفه من الزوجة .

 

لكل هذه الأسباب أرى عدم التدخل في الإدانة كما أرى عدم  التدخل في العقوبة وذلك لأسباب مناسبتها مع خطورة الأفعال .

 

11/6/1977م :

 

القاضي عبد الله العوض :

 

أوافق .

 

15/6/1977م :

 

القاضي وقيع الله عبد الله :

 

أوافق .

 

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / عبد الله الأمين                قاضي محكمة الاستئناف        رئسياً

 

سيادة السيد / زكي عبد الرحمن            قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / حسين عبد الله    قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان ضد خديجة حسن

 

م أ/أ ن ج/221/1977

 

 

المبادئ:

 

قانون مكافحة البغاء لسنة 1976م – التحريض على ارتكاب جريمة البغاء . وجود المتهمين في غرفة واحدة المتهم الثاني يجلس على بنبر متجرداً من بنطلونه والمتهمة الأولى تجلس بفستانها على سرير .

 

قانون مكافحة البغاء لسنة 1976م – تعريف جريمة البغاء المادة 3 .

 

قانون مكافحة البغاء لسنة 1976م – الشروع في جريمة البغاء .

 

1- إن فعل المتهمين تحريضاً بمعنى المادة 82أ من قانون العقوبات على ارتكاب جريمة البغاء هو فعل معاقب عليه وإن لم ترتكب الجريمة محل التحريض المادة 91 من قانون العقوبات .

 

2- إن جريمة البغاء بتعريفها الوارد في المادة 3 تعني المواقعة وبالتالي فإن فعل المتهمين لا يشكل جريمة بهذا المعنى .

 

3- لا يشكل فعل المتهمين شروعاً في جريمة البغاء لأن الفعل لا يؤدي مباشرة إلى جريمة البغاء إذا ما توقف لأسباب لا دخل للمتهمين فيها .

 

الحكــــم

 

 7/7/1977م :

 

القاضي زكي عبد الرحمن :

 

إن الجريمة المعاقب عليها بموجب المادة 4 من قانون مكافحة البغاء لسنة 1976 هي جريمة البغاء المعرفة في المادة 3 من نفس القانون وهي ( المواقعة ) وكذلك التحريض عليها والشروع فيها ( المادة 7 من القانون ) وليس في القانون جريمة تسمى ( ممارسة البغاء ) إلا ما تكرر من بغاء فشكل عدداً من الجرائم جاوزت تسميتها لغوياً ( ممارسة البغاء ) . وبالنظر إلى محضر هذه القضية يتضح أن البينة الواردة هو أن السجين الثاني وجد وهو بلباسه فقط في حجرة السجينة الأولى وفي ظروف تبرر استنتاج تأهبهما لممارسة الجنس وقد أقر السجين الثاني بهذا ونفى تمام العملية الجنسية .

 

والسؤال الذي يثور في هذه الظروف هو ما إذا كان ذلك يشكل جريمة بموجب المادة 9 من القانون أو أي مادة أخرى .

 

الثابت هو عدم حدوث الواقعة مما ينفي التهمة بموجب تلك المادة والسؤال هو ما إذا كان هناك شروع في ارتكاب الجريمة .

 

في تقديري أن الحالة التي وجد فيها السجينات تشكل على أحسن الفروض ضرباً من ضروب التحضير ونية مبيتة ولا شيء  غير ذلك، والقانون لا يحاكم شخصاً في مثل هاتين الحالتين فمجرد التحضير الذي لم يصل مرحلة الشروع والنية التي لا يصاحبها فعل يندرج تحت المادة من مواد القانون العقابي لا يشكلان جريمة .

 

إن المحكمة ربما أخذت رد السجينين على التهمة كأساس لقرارها بإدانتهما فقد أجابا بذلك على تهمة ممارسة البغاء التي وجهتها المحكمة بأنهما مذنبان، وفي رأيي أن هذا لا يصلح إقراراً كافياً للإدانة خاصة وقد أجابا بذلك بعد أن نفيا واقعة حدوث أي مواقعة جنسية بينهما .

 

ويبدو لي أنهما لم يفهما التهمة جيداً وفي الواقع لم تكن التهمة نفسها صحيحة إذ كما قلت من قبل ليست هناك جريمة تسمى ممارسة البغاء وإنما الجريمة هي البغاء وهي المواقعة الفعلية وربما قصد السجينان الإقرار بواقعة قبضهما في الحالة التي وجدا فيها وبفهم خاطئ أن ذلك يشكل تهمة ضدهما .

 

لكل ما سبق فإنني أرى إلغاء قرار قاضي مديرية النيل الذي أيد قرار إدانة المتهمين وأرى تبعاً لذلك إلغاء قرار إدانة السجينين والأمر بإطلاق سراح السجينة الأولى فوراً والغرامة للسجين الثاني .

 

9/7/1977م :

 

القاضي عبد الله الأمين :

 

أرجو أن أختلف مع كل من محكمة الموضوع والزميل المحترم زكي عبد الرحمن على التفصيل التالي :

 

وفقاً للمادة الرابعة من قانون مكافحة البغاء لسنة 1976 لا تقوم جريمة ولا شك إن الوقائع الثابتة في هذه القضية ( وجود المتهمين في غرفة واحدة . المتهم الثاني يجلس على بنبر متجرداً من بنطلونه – المتهمة الأولى تجلس على سرير ) لا تشكل جريمة البغاء بتعريفها الوارد في المادة الثالثة من القانون وقد أخطأت محكمة الموضوع في إدانة المتهمين بناء على إقرارهما وذلك التناقض مع الوقائع الثابتة لا شك أن المتهمين لم يفهما طبيعة الاتهام الموجه لهما، إلى هذا الحد أوافق الزميل زكي وأوافقه أيضاَ على أن الوقائع المذكورة لا تشكل شروعاً في جريمة البغاء ذلك أنها لا تؤدي مباشرة إلى جريمة البغاء إذا لم توقف لأسباب لا دخل للمتهمين فيها، بعد هذا أختلف مع الزميل المحترم زكي فيما ذهب إليه من أن الوقائع المذكورة لا تشكل جريمة تحت قانون مكافحة البغاء أو أي قانون آخر . ذلك أنه وفقاً لنص المادة السابعة من القانون المذكور تسرى أحكام الفصل الخامس والفصل السادس والفصل السابع من قانون العقوبات وهي الفصول الخاصة بالأفعال المشتركة والتحريض والشروع على التوالي في رأيي أن الوقائع الثابتة في حق المتهمين تشكل تحريضاً بالمعنى الوارد في المادة 82أ من قانون العقوبات على ارتكاب الجريمة محل التحريض وذلك إعمالاً لنص المادة 91 من قانون العقوبات . في هذه الحالة فإن الحد  الأقصى للعقوبة هو خمسة عشر شهراً ( ربع الحد الأقصى لجريمة البغاء ذاتها ) وحيث أنه لا سوابق للمتهمة أرى تخفيض العقوبة إلى شهرين سجناً وأن لا نتدخل بشأن عقوبة المتهم الثاني . هذا يعني تعديل الإدانة لتكون تحت المادة 4 من قانون مكافحة البغاء مقروءة مع المادة 91 عقوبات .

 

19/7/1977م :

 

القاضي حسين عبد الله :

 

أتفق مع الأخ عبد الله وأرى أن جريمة التحريض قد اكتملت . 

 

 

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / عمر محمد الطاهر           قاضي محكمة الاستئناف        رئيساً

 

سيادة السيد / حسين عبد الله                 قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / أحمد عبد الرحمن            قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان ضد محمود وأمين برهماي

 

م أ/م ك/201/1977

 

المبادئ:

 

قواعد عامة – في معنى الجريمة الأصغر .

 

إجراءات جنائية – توجيه تهمة بالجريمة الأكبر – إدانة المتهم بالجريمة الأصغر . المادة 205(أ) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م .

 

2- إذا كانت عناصر وظروف الجريمة الأكبر لا يكون جزء منها الجريمة الأصغر لأن تكوينها لا يتم إلا بعد إضافة عناصر وظروف أخرى جديدة فإنها تعتبر هي الجريمة الأصغر بالنسبة للأولى وعليه لا يدان بها شخص إلا بعد توجيه التهمة بها .

 

1- إذا كانت الجريمة تتكون من عدة مفردات فإن توجيه تهمة بالجريمة الأكبر لا يحول دون إدانة المتهم بالجريمة الأصغر لأن الجريمة الأكبر تكون قد حوت عناصر وظروف الجريمة الأصغر مما لا يكون في ذلك في ذلك مما يسبب أخذ المتهم على غرة وبالتالي لا يشكل إخلالاً بحقه في الدفاع عن نفسه .

 

الحكــــم

 

18/7/1977:

 

القاضي عمر محمد طاهر :

 

قدم المتهم محمود أمين برهماي للمحاكمة أمام محكمة كبرى عقدت ببورتسودان في يوم 14/4/1977 لمحاكمته تحت المادة 351 عقوبات .

 

وبعد أن استمعت المحكمة بينة الاتهام والدفاع أدانت المتهم تحت المادة 351(أ) عقوبات بدلاً من المادة 351 وأصدرت حكمها عليه بالسجن لمدة ستة أشهر من تاريخ المحاكمة (12/6/77) كما فرضت عليه دفع قدرها 232.740 مليمجـ أو سنتين ونصف سجناً .

 

يتقدم لنا الآن محامي المتهم طالباً إلغاء هذا الحكم على أساس أن المال الذي أدين المتهم بتبديده ليس مالاً عاماً كما تتطلب المادة 351/أ لأنه يخص شركة خاصة ولا تملك الدولة حصة من الحصص فيه .

 

وعلى رأيي أن المحكمة الكبرى لمن تكن معيبة في تحويل التهمة من المادة 351 إلى المادة 352/أ بتطبيق المادة 205/أ من قانون الإجراءات الجنائية على اعتبار أن المادة 351/أ تمثل الجريمة الأصغر بالنسبة للمادة 351 .

 

إن الأساس الذي تقوم عليه فكرة إدانة المتهم بالجريمة الأصغر إذا كانت التهمة قد وجهت إليه بمقتضى الجريمة الأكبر هو أن الجريمة الأكبر تكون عادة متضمنة لعناصر وظروف الجريمة الأصغر بحيث أن المتهم عندما توجه إليه الجريمة الأكبر ثم يدان بالجريمة الأصغر منها لا يكون في ذلك ما يسبب أخذه على غرة الأمر الذي يعتبر إخلالاً بحقه في الدفاع عن نفسه . وعليه فإنه إذا كانت عناصر وظروف الجريمة الأكبر لا يكون جزء منها الجريمة الأصغر لأن هذه الجريمة الأخيرة لا يتم تكوينها إلا بعد إضافة عناصر وظروف بالنسبة للأولى ومن ثم لا يجوز أن يدان بها شخص إلا بعد توجيه التهمة بها .

 

يقول (جور) في شرحه لقانون الإجراءات الجنائية الهندي ( الطبعة الخامسة ص 1192 ) ما يلي :

 

" إن مقتضى الفكرة التي تدور حولها هذه المادة هو أنه إذا كانت الجريمة تتكون من عدة مفردات ويكفي جزء فقط من هذه المفردات لتكون جريمة أصغر كاملة، فإن توجيه التهمة بالجريمة الأكبر يتيح للمتهم أن يحيط علماً بكل الظروف التي تكون الجريمة الأصغر التي قد يدان بها، ويمكن الوصول إلى معرفة الجريمة  الأخيرة ( الأصغر ) بمجرد استقراء عناصر الجريمة الأولى، أما إذا كانت الظروف المكونة للجريمة لأكبر لا تدخل في تكوين الجريمة الأصغر بالنظر لتعريف الجريمة الأكبر فإن هذه القاعدة لا تكون قابلة للتطبيق ذلك لأن الاتهام بالجريمة الأكبر يكون في هذه الحالة وبالضرورة متضمناً لإخطار المتهم بوجود ما يمكن أن يكون الجريمة الأصغر " .

 

والجريمة تحت المادة 351/أ عقوبات التي أدين بها المتهم تحتوي على عناصر وظروف غير موجودة في المادة 351 عقوبات، فبالنسبة لمادة 351/أ يجب أن يكون المال عاماً أو أن الدولة تملك جزءاً منه، ولا يشترط ذلك بالنسبة للمادة 351 إذ يكفي في هذه المادة أن يكون المتهم مؤتمناً على المال بصفته موظفاً عاماً سواءًٍ كان المال ملكاً للدولة أم لا .

 

والمتهم الآن يقول في دفاعه أن المال الذي أدين بتبديده ليس مالاً عاماً ولكنه ملك لشركة من شركات القطاع الخاص، ولا تملك هذه البضائع في الميناء في طريقها للترحيل للخرطوم لا يجعلها مالاً عاماً بالضرورة حتى وإن كان هناك إشراف حكومي على ترحيلها، لكن يمكن أن ينطبق على التصرف فيها بسوء قصد أحكام المادة 351 عقوبات لأنها تشترط أن يكون الموظف لا المال عاماً، وعليه فإننا إذا أدنا المتهم تحت المادة 351/أ عقوقات بدلا من المادة 315 عقوبات من غير أن توجه له تهمة بالجريمة الأولى فإنه يكون قد حرم من إبداء دفاعه بالنسبة لما يدعيه من أن المال محل الاتهام ليس مالاً عاماً ولكنه يخص شركة من شركات القطاع الخاص ولا تملك الدولة حصة من الحصص فيه .

 

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن المحكمة الكبرى عندما أدانت المتهم تحت المادة 351/أ عقوبات لم تتطرق لمناقشة ما إذا كان المال موضوع القضية مالاً عاماً أم خاصاً وإذا كان خاصاً هل الدولة تملك نصيباً فيه أم لا . ذلك لأن هذه الواقعة عنصر من العناصر التي لا يمكن إثبات الجريمة بدون توفره، وإذا كان هذا الخطأ يكفي وحده لإلغاء الإدانة تحت المادة 351/أ عقوبات فالواقع أن المحكمة قد وقعت في هذا الخطأ نتيجة لاعتقادها بأن المادة الأخيرة ليست صورة أخرى مصغرة للمادة 351 عقوبات .

 

لهذه الأسباب مجتمعة أرى أن نرفض تأييد الإدانة تحت المادة 351/أ  عقوبات وأن نعيد هذه الإجراءات لإعادة النظر فيها ضوء هذه المذكرة .

 

القاضي حسين عبد الله :

 

14/7/1977:

 

أوافق .

 

القاضي أحمد عبد الرحمن :

 

26/7/1977 :

 

أوافق .

 

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / حسين محمد حسين           قاضي محكمة الاستئناف      رئيساً

 

سيادة السيد / عمر محمد طاهر             قاضي محكمة الاستئناف        عضواًَ

 

سيادة السيد / أمبروز ريني ثيك               قاضي محكمة الاستئناف      عضواً

 

حكومة السودان ضد أساغة حسن عبد الله

 

م أ/م ك/213/77

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي – متى ينشأ . المادة 55 من قانون العقوبات لسنة 1974م .

 

1- إن نشوء حق الدفاع الشرعي عن النفس لا يتطلب بالضرورة حدوث الأذى بل ينشأ بمجرد بدء التخوف على أسباب معقولة ولا يشترط أن يكون الاعتداء حقيقياً بل يكفي أن يكون تصورياً على وشك الوقوع ومبنياً على أسباب معقولة .

الحكم

 

القاضي حسين محمد حسين :

 

7/8/1977م :

 

في 6/5/1975 برأت محكمة كبرى انعقدت بكتم المتهم أساغة حسن عبد الرحمن من التهمة الموجهة إليه بموجب المادة 251 عقوبات . تقدم أهل القتيل بطلب لإعادة النظر في قرار البراءة لهذه المحكمة التي قررت إعادة القضية للمحكمة الكبرى لتعيد النظر في القرار .

 

تشكلت محكمة كبرى أخرى وفي 28/4/1977 أدانت هذه المحكمة المتهم بموجب المادة 253 عقوبات – وحكمت عليه بالسجن لمدة سبع سنوات . يتقدم المتهم بطلب لتخفيف العقوبة. وقائع القضية تتلخص في أن المتهم كان سارحاً ببهائمه لمدة تسعة أيام ثم عاد يوم الحادث لقريته حيث ذهب إلى قطيته ورقد في سرير واحد مع زوجته في ساعة متأخرة من الليل، جاء المرحوم لقطية المتهم حيث فتح الباب ودخل، شعرت به زوجة المتهم وسألت عن الداخل وطبت منه عدم الدخول ولكن المرحوم استمر في سيره نحو السرير ووصل السرير وانحنى بجسده على المتهم وزوجته وكان يلف وجهه بشال حتى لا يعرفه أحد أحس به المتهم فمسكه من الشال ثم أخذ سكينة وكان يضعها تحت المخدة وطعن بها المرحوم طعنتين في الظهر . رأت المحكمة الكبرى أن عناصر جريمة  القتل العمد متوفرة وأن المتهم يستفيد من الاستثناء الأول بالمادة 249 عقوبات إذ سبب دخول المرحوم له استفزازاً مفاجئاً وشديداً وعليه فقد حكمت عليه بالسجن لمدة سبع سنوات وقد رأت المحكمة أنه لم ينشأ أي حق للدفاع عن النفس للمتهم .

 

إنني لا أتفق مع المحكمة الكبرى في قراراها بأنه لم يكن هناك أي حق للدفاع عن النفس بالنسبة للمتهم حتى يمارسه عندما دخل عليه المرحوم في قطيته . في قضية حكومة السودان ضد طه هارون إبراهيم مجلة الأحكام القضائية السودانية لسنة 1971م يقول السيد صالح محمد علي عتيق قاضي المحكمة العليا بتفويض من رئيس القضاء بالصحيفتين رقم 1و2 : "وعلى كل حال فإن نشوء حق الدفاع الشرعي عن النفس لا يتطلب بالضرورة حدوث الأذى بل ينشأ بمجرد بدء التخوف على أسباب معقولة ولا يشترط أن يكون الاعتداء حقيقياً بل يكفي أن يكون تصورياً على وشك الوقوع ومبنياً على أسباب معقولة " . في القضية التي أمامنا جاء المرحوم وهو يخفي وجهه بشال ودخل بعد منتصف الليل على المتهم وزوجته وانحنى فوق السرير الذي كانا ينامان عليه . ألا يوجد تخوف في هذه الحالة؟ وهل من الطبيعي أن يدخل شخص على آخر في مخدعه في منتصف الليل؟ لا أدري كيف تقول المحكمة أنه لم ينشأ حق الدفاع عن النفس للمتهم . هل تقصد المحكمة أن ذلك الشخص ( المرحوم ) قد جاء في ذلك الوقت للزيارة أو لإقراء السلام ثم الخروج بهدوء؟ لا يعني دخول شخص على آخر في مخدعه وهو يخفي وجهه بشال حتى لا يتعرف عليه أنه يضمر شر؟ لقد جاء المرحوم حتى سرير المتهم وانحنى فوقه وهو يحمل سوطاً في يده ألا يوجد في هذه الحالة تخوف لقد كان تصرف المتهم طبيعياً إذا أمسك الشال وأخرج سكينه باليد الأخرى وطعن بها هذا الشخص الذي تسلل إلى منزله بعد منتصف الليل . السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو هل تعدى المتهم حقه في الدفاع عن النفس؟ يقول السيد عتيق قاضي المحكمة العليا في نفس القضية أعلاه بالصحيفة رقم2 " ولما كان هذا الحق مبنياً على المبدأ الذي يلزم الشخص بمساعدة نفسه فلا يتطلب منه أن ينتظر مكتوف اليدين إلى أن يصاب بالأذى بل عليه أن يبادر بدرء الخطر قبل وقوعه وكما لا يلزمه باختيار نوع السلاح المناسب أو يكيل الضربة بضربة بل عليه أن يقضي على خصمه قبل أن يقضي الأخير عليه " .

 

كما ذكرت أعلاه فقد جاء المرحوم وهو يحمل سوطاً وكان للمتهم عصا تحت السرير وسكينه تحت المخدة فاختار السكين لأنها أقرب ولأن الجاني وصل إليه إذ انحنى فوقه حيث لم تكن لديه المدة الكافية ليبحث عن العصا تحت السرير . لقد استطاع المتهم أن يمسك بيد المرحوم اليمنى والتي لا تحمل أي شيء بينما كان المرحوم يحمل السوط بيده اليسرى عليه فإنني أرى إن إمساك المتهم بيد المرحوم اليمنى لم يجعل المرحوم عاجزاًَ بدون سلاح إذ كان سلاحه في اليد الأخرى . لقد طعن المتهم المرحوم طعنتين بالظهر ولا يمكن القول أن هذا العدد كبير . وفي رأيي فقد نشأ حق الدفاع عن النفس للمتهم ومارس المتهم حقه ولم يتجاوز ذلك الحق . للمساكن حرمتها وليس بالأمر الهين التعدي على المسكن في أكثر الأماكن خصوصية ألا وهو المخدع الذي يضم  الزوج والزوجة . وإنني أرى أن نلغي قرار الإدانة وأن نأمر بإطلاق سراح المتهم فوراً .

 

القاضي  عمر محمد طاهر :

 

7/8/1977م :

 

أوافق على ما جاء بمذكرة الزميل حسن .

 

Ambrose Riny Thiik

 

13/8/1977

 

I beg to diger. In my view the facts as proved by sufficient evidence do with the finding of not guilty U/s 253 S.P.C. as arrived at by my colleagues Hussein and El Tahir.

 

The evidence does not indicate what kind of threat the deceased had posed to the accused. On the contrary, the reasonable inference appears to the deceased may have had an illicit relationship with the wife of the accused and therefore, close to visit the home of the accused at the odd hour night to further his illicit end at the time when he thought the accused was still on his long journey. If this hypothesis is tenable then the accused of inflicting two knife-stabs were administered in circumstances of provocation.

 

It is a grave and sudden provocation for a man to walk into another man’s bed room while in bed with his wife at such odd hour of  mid night as to leave him in no doubt that trespasser is there to further such illicit purpose as adultery with his wife.

 

In the alternative, it is also reasonable to infer that was put to to fear by the dece act of walking on him that late hour of the night in

 

circumstances where the deceased was not even willing to disclose his identity. However, the estimation of the degree of apprehension caused to the mind of the accused, and therefore, the amount of force he thereby uses under those circumstances should be subject of evaluation. The accused did see the deceased coming towards them carrying a whip when the wife of the accused repeatedly demanded his identity, to no avail. I agree that it was reasonable for the accused to either anticipate that the deceased was about to use force with the whip he was carrying, or that he was after his wife, especially when he had first returned from a nine-day-journey.

 

He could have used the stick which was under the bed to forestall the deceased’s whip stroke; or if he could not have the time to reach for the stick, as argued by my brothers Hussein, J. it might have been sufficient to inflict one knife-stab instead of two.

 

Perhaps the deceased might have ended his threat and without him necessarily coming to his death as a result of a single-stab.

 

I think that the accused acted in excess of his right to self defence, and is therefore guilty U/S 253 S.P.C.

 

As to sentence, it should be the lenient side in view of the above circumstances already indicated. I would have regarded the period spent in detention since his arrest adequate and release him forthwith.

 

 

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / عبد المنعم الزين النحاس    قاضي محكمة الاستئناف    رئيساً

 

سيادة السيد / محمد ميرغني مبروك       قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / فؤاد الأمين                    قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان ضد خميس آدم أرباب

 

م أ/أ ن ج/317/1977م

 

 

 

المبادئ:

 

القوانين المحلية – الأوامر المحلية لتنظيم البناء لسنة 1972 – عدم جواز التشييد أو التعديل في المباني إلا بعد الحصول على إذن كتابي – المادة المقررة للعقوبة هي الواجبة التطبيق دون غيرها .

 

1- إن من يقوم بالتشييد أو البناء على أرض أو إدخال تعديلات فيها ولا يحصل على إذن كتابي من السلطات المحلية يكون مرتكباً لمخالفة تحت المادة 11 من الأوامر المحلية لتنظيم البناء لسنة 1952 ويتعين معاقبته تحت المادة 8(ب) وفقاً لتعديل 1973م .

 

 

 

المحامون : عبد الوهاب محمد عبد الوهاب .

 

الحكــــم

 

25/8/1977م :

 

القاضي عبد المنعم الزين النحاس :

 

أدانت محكمة العوائد بالخرطوم المتهم خميس أرباب تحت المادتين 5(1) و8(1) من الأمر المحلي رقم 6 وقضت عليه بالغرامة 25 جنيهاً وفي حالة عدم الدفع 45 يوماً سجناً كما أمرت بهدم المصنع .

 

أيد السيد قاضي المديرية الإدانة تحت المادة 5( أ ) من القانون المشار إليه ورفض الإدانة تحت المادة 8( أ ) والأمر بالهدم وعدله للأمر بوقف المصنع .

 

ومن ثم  قدم هذا الطلب لإعادة النظر في قرار قاضي المديرية تأسياً على :

 

1- إن إدانة المتهم تحت المادة 5( أ ) من الأمر المحلي لمراقبة تخطيط المدن والقرى سنة 1957 خاطئة لأن المحكمة تفتقر إلى البينات التي تثبت أن المتهم كان يزاول العمل المسند إليه دون ترخيص .

 

2- ليس من سلطة محكمة إيجازية أن تصدر أمراً يحد من استعمال العقار .

 

فات على محكمتي أول وثاني درجة التطرق إلى نص المادة 11 من الأوامر الملحية لتنظيم البناء سنة 1952 القائلة ( ما عدا ما هو مستثنى بالأمر المحلي فإن أي شخص يعتزم تشييد أو بناء أو عمل أي تعديلات أو إضافات أو إصلاحات اقتضاها تعديل جوهري في أغراض الاستعمال لبناء قائم ملزم بالحصول من المجلس على تصريح كتابي ) النص واضح إذ يلزم أي شخص يريد إجراء تشييد أو بناء أو حتى إدخال تعديلات في بناء قائم ملزم بالحصول على تصريح من السلطات المحلية التي يقدم لها طلب ويرفق معه – كما تنص المادة 15 من نفس الأمر – خريطة توضح موقع القطعة التي يراد تشييدها وموقع المباني القائمة والمقترحة وموقع أقرب الأجزاء في المباني من القطع ا لملاصقة للقطعة التي يزمع فيها تشييد البناء . كما تعرف المادة 4( أ ) من نفس الأوامر التشييد لبناء جديد .

 

العقوبات التي تعالج المخالفات تحت الأوامر المحلية لتنظيم البناء سنة 1952 منصوص عليها في القسم الأول بفقراته الثلاث في تلك الأوامر ويشير البند الأول أن من يخالف المادة 11 التي تطرقنا إليها يصبح عرضة ( لغرامة لا تزيد عن 25 جنيهاً للمخالفة الأولى أو الثانية والغرامة لا تزيد عن 100 جنيه وللسجن لمدة أقصاها ستة أشهر للمخالفة الثالثة أو أي مخالفة تليها ) ويوضح البند الثالث من نفس القسم الأول أن أي شخص يرتكب أي مخالفة ذات طابع مستمر لأي أمر من هذه الأوامر التي نحن بصددها يصبح بعد الإدانة عرضة لغرامة لا تزيد عن خمسة جنيهات عن كل يوم تستمر فيه المخالفة بعد تاريخ الإدانة إلى حد أقصى مقداره 3000 جنيه وبالسجن لمدة 6 أشهر وذلك بديلاً عن أي عقوبة يكون عرضة لها تحت الفقرتين الأولى والثانية من القسم الأول .

 

وقد أدخلت تعديلات في هذه العقوبة بنص المادة 8(ب) في لائحة الحكومة المحلية تعديل سنة 1973 نشر في الغازيتة بتاريخ 15/4/1973 ويقرأ النص ( أي شخص يشيد أو يستمر أو يساعد في تشييد أي بناء دون الحصول على تصريح يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن 25 جنيهاً أو بالعقوبتين معاً .

 

وقد استقر رأي هذه المحكمة في سابقتي الفاضل رحمة الله أ ن ج/154/75 وعابدين محمد عبد الهادي أ ن ج/100/75 أن لا مناص من تطبيق المادة 8(ب) من لائحة الحكومة المحلية تعديل سنة 1973 إقتداءً لسابقة حكومة السودان ضد النيل عمر المكاشفي ( المجلة القانونية 56  ص 49) إذ أن تعديل سنة 1973 لاحق فيما يختص بالعقوبة للأوامر المحلية لتنظيم البناء سنة 1952 لذا وجب التقيد به .

 

نخرج بعد ذلك لنناقش المادة 8(أ) التي أدانت محكمة أول درجة المتهم على ضوءها، لا بد بداءة أن نبادر بالقول أن هذه المادة لا تحدد جريمة تعاقب عليها وإنما تضفي على السلطات المحلية – ولا أحد سواها – جواز سلطة الهدم إذ تنص صراحة ( يجوز للمجالس أن تقوم بهدم أي بناء سواء كان مؤقتاً أم دائماً بدء في تشييده من 1/1/1961 أو بعد ذلك التاريخ بعد إذن كتابي ) ولا تحتوي المادة أكثر مما نصت . وبالتالي من الخطأ إدانة شخص بموجبها إذ أنها لا تعتبر مادة عقوبة وإنما مادة العقاب هي المادة 8(ب) في تعديل سنة 1973 الذي سبق أن اشرنا إليها وبذا أرى خطأ الإدانة تحت المادة 8( أ ) في قانون سنة 1952 كما أشار السيد قاضي المديرية ولكن لغير الأسباب التي أوردها .

 

نعود بعد ذلك لنعالج المادة 5 (1 ) التي اكتفى السيد قاضي المديرية بإدانة المتهم تحتها . لا أجدني في اتفاق مع هذا الرأي . المادة 5(1)   في الأمر المحلي نمرة 6 لا يجيز استعمال مبنى قائم أو جزء منه بمنطقة السكن كدكان أو معمل .

 

افترض قاضي المديرة أن المتهم استغل مبنى للسكن أو جزء منه كمصنع للبلاط وهذا غير صحيح وينافي ما ذكره المتهم صراحة عند استجوابه أمام محكمة أول درجة وما ذكره شاهد الاتهام الوحيد ( أن المتهم شيد مصنع للبلاط في القطعة نمرة 10 الحارة الثانية الجريف غرب منذ ثلاث سنوات شيد المصنع بدون خرط وتصديق من الجهات المختصة ) وقد اعترف المتهم صراحة بهذا القول بحذافيره بتشييد مصنع بدون خرط وتصديق من السلطات في منطقة سكنية .

 

إزاء هذه البينة لا مجال لانطباق المادة 5(1) في الأمر المشار إليه . وهذه مخالفة واضحة للمادة 11 مقروءة مع المادة 15 في  الأوامر المحلية لتنظيم البناء وتعاقب عليها المادة 8(ب) من تعديل سنة 1973م الآنف الذكر ، وصلاحية السلطات المحلية من هدم وغيره والرجوع على المتهم بما تكبد من مصاريف وهذا منصوص عليه كما سبق أن نوهنا تحت المادة 8(1) في الأمر .

 

إزاء كل ذلك أرى أن تعاد الأوراق إلى محكمة العوائد لتعيد النظر في الإدانة على ضوء هذه المذكرة وتوقع ما يتراءى لها من عقوبة وتصدر أية أوامر مع العقوبة . إن سلطة الهدم متروكة لتقدير السلطة المحلية كما أسلفنا القول .

 

8/9/1977م :

 

القاضي محمد ميرغني مبروك :

 

أوافق .

 

 

 

28/9/1977م :

 

القاضي فؤاد الأمين :

 

أوافق .

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / زكي عبد الرحمن            قاضي محكمة الاستئناف       رئيساً

 

سيادة السيد / أحمد عبد الرحمن            قاضي محكمة الاستئناف        عضواَ

 

سيادة السيد / حسين عبد الله                 قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان ضد عثمان عبد الله مسكين

 

م أ/أ ن ج/380/1977

 

 

 

المبادئ:

 

إجراءات جنائية – إصدار أمر بوضع شخص تحت المراقبة – نفاذ الأمر – عرض  الأمر على محكمة المديرية للتأييد – جواز الاستئناف – المادة 86 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م .

 

إن عرض الأمر الصادر بوضع شخص تحت مراقبة الشرطة بموجب البند (1) من المادة 86 على قاضي المديرية المختص أو أي محكمة أعلى، إجراء واجب إعمالاً لأحكام البند (2) من نفس المادة، لكن عدم عرض الأمر للتأييد بترتب عليه البطلان وإلا يظل الأمر نافذاً ما لم يصدر أمر بإلغائه من محكمة المديرية أو المحكمة الأعلى درجة لدى استئنافه من جانب الشخص المضرور .

 

المحامون : الطيب محمد الطاهر .

 

الحكــم

 

 4/9/1977م :

 

القاضي زكي عبد الرحمن :

 

هذه إجراءات تعهد بموجب المادة 86 من قانون الإجراءات الجنائية سنة 1974 وقد قررت محكمة جنايات الدامر وضع المدعو عثمان عبد الله مسكين تحت مراقبة الشرطة وذلك بعد التحقيق في الأمر بموجب المادة 85 من  القانون نفسه .

 

يطلب الأستاذ الطيب الطاهر المحامي نيابة عن المراقب إلغاء ذلك الأمر لأنه لم يعرض على السلطة المؤيدة وفقاً لما ينص عليه البند (2) من المادة 86 وقد رفض قاضي مديرية النيل التدخل تأسيساً على أن عدم عرض الأمر عليه لم يخل بدفاع المراقب . ويرى المحامي أن العرض أمر ملزم وعدم الوفاء به مبطل للإجراءات .

 

ينص البند (2) من المادة 86 المشار إليها على ما يلي :

 

( (2) كل أمر صادر بالوضع تحت مراقبة الشرطة بموجب البند (1)  يجب عرضه على المحكمة العليا أو محكمة الاستئناف أو قاضي المديرية حسب ما يقتضي الحال للتأييد ) .

 

والملاحظ أن البند يحمل عبارات إلزام واضحة وإنني أتفق مع المحامي أن الغرض هو التأكد من سلامة الأمر لأنه يقع قيداً على حرية المواطن غير أن القانون لا يحدد ميعاداً لرفع الأمر للسلطة المؤيدة واكتفى بمنح حق الاستئناف للشخص الذي يوضع تحت المراقبة ( أنظر المادة 254(ب) من قانون الإجراءات ) ومع ذلك نص البند (1) من المادة 86 أنه إذا ثبت بعد التحقيق أنه من الضروري من أجل المحافظة على الأمن ... الخ .. فإنه ( يجب على القاضي أن يصدر أمراً بذلك ) ومعنى هذا أن الأمر يصدر ويصبح نافذاً إلى أن تنقضه السلطة المؤيدة – فالتأييد ليس شرطاً مسبقاً لنفاذ أمر المراقبة .

 

وعلى هذا فإنه إذا وضعت الإجراءات أمام السلطة المؤيدة نتيجة لاستئناف يقدم إليها قبل صدور قرار التأييد فإن ذلك يكفي ولا تبطل الإجراءات لمجرد أن الاستئناف سبق إجراء العرض . ومثل هذا الأمر متصور إذا نظرنا للمادة 254 التي تجعل سلطة نظر الاستئناف ضد أمر صادر بموجب المادة 86 من اختصاص قاضي المديرية فلو أن الأمر لا بد أن يؤيد قبل سريانه فإن قاضي المديرية ما كان من الممكن أن ينظر في استئناف ضد أمر كهذا لأنه في هذه الحالة يكون أمراً أيده بنفسه قبل الطعن فيه .

 

إنني أتفق مع محامي الشخص الموضوع تحت المراقبة أن عرض الأمر على السلطة المؤيدة أمر لازم ولكنني أرى أن عدم عرضه عيب لم يعد ذا معنى بعد أن وقف قاضي المديرية عليه وأيده . فقط أرى التنبيه إلى ضرورة عرض مثل هذه الأوامر للسلطة الأعلى في أسرع وقت بعد صدورها .

 

عليه أؤيد الأمر المطعون فيه ولا أرى سبباً للتدخل .

 

5/9/1977

 

أحمد عبد الرحمن

 

أوافـــق .

 

5/9/1977

 

حسين عبد الله

 

أوافـــق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / عبد المنعم الزين النحاس    قاضي محكمة الاستئناف        رئيساً

 

سيادة السيد / محمد ميرغني مبروك       قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / عبد الله العوض                           قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان ضد يوسف أحمد الزبير

 

م أ/م ك/247/1977

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – استثناء المعركة المفاجئة – لا يعفى من المسئولية إذا لم يتناسب مع الجرم الذي ارتكب . المادة 249/4 من قانون العقوبات لسنة 1974 .

 

1- العراك المفاجئ الذي يقع من غير سبق إصرار لا يعفي من مسئولية القتل العمد إذا لم يكن بتناسب مع الجريمة التي وقعت .

 

المحامون : محمد علي الحاج 

 

الحكـــم

 

القاضي محمد ميرغني مبروك :

 

4/11/1977م :

 

في 23/12/1977م انعقدت محكمة كبرى بالخرطوم لمحاكمة المتهم يوسف أحمد الزبير تحت المادة 251 من قانون العقوبات . وفي 20/8/1977 قررت المحكمة إدانة المتهم تحت المادة 253 بدلاً من المادة 251 ثم أصدرت حكمها عليه بالسجن لمدة 12 عاماً وذلك اعتباراً من تاريخ وضعه بالحراسة في 3/5/1975م .

 

تتلخص وقائع هذه القضية باختصار في أنه بتاريخ 3/5/1975 ذهب المجني عليه ( صديق عبد الله ) مع صديقه شاهد الاتهام الثاني ( سيد إبراهيم علي ) لزيارة أحد معارفهم ببري حيث قضيا معه بعض الوقت ومن هناك انتقلا إلى أحد المنازل بالمنطقة وتناولا شيئاً من الخمر ثم خرجا إلى الشارع وفي حوالي الساعة 12 في طريقهما إلى مكان مسكنهما وفي أثناء ذلك وقف  المجني عليه أمام مطعم مغلق ( دكان ) بجوار منزل المتهم بغرض إصلاح حذائه الذي كان يضايقه أثناء سيره .

 

وقد صحب حركة المجني عليه هذه نباح كلب كان يقف أمام باب منزل  المتهم وعلى إثر ذلك نهض المتهم الذي كان في ذلك الوقت بداخل المنزل فأخذ سكينه وخرج إلى الشارع ثم اتجه نحو المجني عليه وأخذ يسأل عن سبب تواجده في ذلك المكان فأجابه بالسبب، ولكنه لم يقتنع فاعتقد بأنهما لصان جاءا إلى هناك بغرض السرقة وعلى ذلك فقد نشب شجار بين المتهم من جهة والمجني  عليه وزميله من جهة أخرى وبعدها تطور هذا الشجار إلى عراك فأخذ كل منهم أن يقذف الآخر بقطع من الطوب تصادف وجودها في مكان الحادث . وفي هذه الأثناء استغل المتهم ظرف تسلحه بالسكين فهجم على المجني عليه وسدد إليه طعنتين إحداهما في صدره بين الضلعة السادسة والثامنة والأخرى فوق الإلية إلى داخل البطن وقد تسببت هاتين الإصابتين في وفاة المجني عليه بعد حوالي ثلاثة أيام من وقوع الحادث أما المتهم فقد وجد مصاباً بخدوش وتورم بالكتف الأيمن وقد تقرر له ثلاثة أيام علاج بالعيادة الخارجية . هذا وقد تم القبض على المتهم بواسطة سلطات البوليس عقب وقوع الحادث مباشرة .

 

لقد أنكر المتهم التهمة المنسوبة إليه وقال إنه لم يطعن المجني عليه غير أن محكمة الموضوع وجدت في ضوء البينات التي وردت أمامها أن المتهم سدد للمجني عليه هاتين الطعنتين اللتين أدتا إلى وفاته وأنه كان عالماً بأن الوفاة في تلك الظروف تكون نتيجة راجحة لفعله وبالتالي فإن ذلك الفعل يشكل مبدئياً جريمة تحت المادة 251 من قانون العقوبات . ثم ناقشت المحكمة بعد ذلك الاستثناءات الواردة تحت المادة 249 ورأت أن شروط الاستثناء الرابع والخامس بالعراك الفجائي ينطبق  على حالة المتهم ومن ثم قررت إدانته تحت المادة 253 .

 

وعلى ذلك تقدم إلينا السيد ممثل الاتهام ( الأستاذ محمد علي الحاج المحامي بهذا الطلب الذي يلتمس فيه إعادة النظر في قرار الإدانة الآنف الذكر وقد أورد فيه الحجج الآتية :

 

1- إن شروط العراك المفاجئ لم تتوفر في حالة المتهم ذلك أن من أول شروط هذا العراك عدم معرفة الشخص الذي بادر به فالمتهم في هذه القضية هو الذي بادر بالعراك عندما خرج من منزله دون مبرر سوى نباح الكلب ورغم أن الوقت كان مبكراً فبادر المتهم بالمجني عليه ورفيقه بقوله يا حرامية ثم شرع في قذفهم بالحجارة وما كان للمرحوم ورفيقه إلا أن يبادلاه بالقذف .

 

2- إن الظروف لم تدفع المتهم دفعاً لارتكاب هذا الحادث وهذا وحده يؤكد أن استعمال السكين في مثل الظروف التي صاحبت هذا الأمر كان استغلالاً واضحاً لظرف لم يكن متوفراً للمرحوم ثم إن إعمال السكين في صدر المرحوم بالصورة التي وردت في قرار الطبيب والتشريح توضح أن المتهم قد سلك سلوكاً قاسياً خاصة والمرحوم طالب صغير أكمل الثانوي العام في نفس أيام الحادث والمتهم سائق تاكسي أكبر منه سناً وحجماً .

 

3- إن المحكمة أخطأت في الإدانة تحت المادة 253 ورغم ذلك الخطأ فإنها لم تقض بسجن  المتهم للمدة القصوى بل قررت سجنه لمدة اثنتي عشر سنة رغم اقتناعها بالظروف التي تستدعي التشديد .

 

وإنني بعد اطلاعي على إجراءات المحاكمة أرى كما رأت محكمة الموضوع أن البينات التي وردت ضد المتهم تثبت فوق كل شك معقول أنه سدد للمجني عليه هاتين الطعنتين كما أرى أيضاً أن البينة الطبية قد أثبتت رابطة السببية بين تلك الطعنتين ووفاة المجني عليه – أما قصد المتهم والذي يستدل عليه من المظاهر الخارجية لنشاطه الإجرامي كالآلة التي  استعملها في الحادث وموضع الإصابة وجسامتها فإنها تؤكد أن ذلك القصد قد اتجه إلى قتل المجني عليه أو على الأقل علمه بأن الموت في تلك الظروف يكون نتنيجة راجحة لفعله وعلى ذلك فإنني أرى كما قررت محكمة الموضوع أن هذا الفعل يشكل جريمة مبدئية تحت المادة 251 من قانون العقوبات .

 

ننتقل بعد هذا إلى مناقشة الأستثناءات الواردة على المادة 249 والتي تقتضي إذا ما توافرت شروطها تغير من وصف الجريمة .

 

لقد تناولت محكمة الموضوع الاستثناء الأول ( الاستفزاز الشديد المفاجئ ) ثم الاستثناء الثاني ( تجاوز حدود حق الدفاع ) وقررت أن تستبعد هذين الاستثنائين لعدم توافر شروطهما في حالة المتهم . وإنني أجد نفسي في اتفاق تام مع محكمة الموضوع والأسباب التي أشارت إليها في أن المتهم لم يكن واقعاً تحت استفزاز شديد عندما سبب موت المجني عليه ككما أنه لم يكمن يواجه أي اعتداء حال أو على وشك الوقوع مما يبرر له ممارسة حق الدفاع الشرعي، ولهذا  فلا مجال في اعتقادي لاستفادة المتهم من أي من هذين الاستثنائين .

 

يبقى بعد ذلك مناقشة الاستثناء الرابع وهو الخاص بالعراك المفاجئ، لقد قررت محكمة الموضوع كما أسلفت أن شروط هذا الاستثناء تنطبق على المتهم ومن ثم قررت إدانته تحت المادة 253 وقد أوردت محكمة الموضوع في حكمها ما يلي :

 

إن من شروط هذا الاستثناء ألا يكون الجاني قد استغل ظروف أو سلك سلوكاً قاسياً وغير عادي، وظهر من البينة أن المتهم شهر سكينه بعد بداية المشاجرة بينه وبين المرحوم ومن الواضح أنه استعملها بعد أن أصيب بالحجارة لأن المرحوم توقف عن الحركة بعد إصابته القاتلة كما أن عدد الطعنات ومكان تسديدها لا يختلف في شيء عما يحدث في مثل هذه المشاجرات إذا اعتبرنا شهر سكين في وجه شخص يستعمل الحجارة يقع ضمن طرق العراك المفاجئ .

 

هذا وقد أشارت المحكمة إلى السابقة القضائية لسنة 1971م صفحة 43 ( قضية حكومة السودان ضد جمعة أبكر محمود ) باعتبار أن وقائعها تشابه وقائع هذه القضية وإنني أرى أن هذا الاستثناء كما هو واضح يتطلب توافر ثلاثة شروط وهي :

 

1- ن يكون هناك معركة فجائية .

 

2- أن يرتكب المتهم جريمة دون سبق وإصرار .

 

3- ألا يكون الجاني قد استغل الظروف أو سلك سلوكاً قاسياً وغير عادي .

 

أما عن الشرطين الأول والثاني فإنني أتفق مع محكمة الموضوع في أن المعركة كانت فجائية بمعنى أنه لم تعد لها العدة وإنما وقعت دون سابق تدبير وكنتيجة للمشاجرة التي حدثت بين المتهم والمجني عليه وزميله الآخر عندما خرج المتهم من منزله في تلك الساعة المتأخرة من الليل  على إثر نباح الكلب فوجد المجني عليه ورفيقه أمام باب الدكان وكان المجني عليه يقوم بمعالجة حذائه فاعتقد المتهم بأنهما لصان جاءا إلى هنا للسرقة وقد حاول المجني عليه أن ينفي تلك التهمة ولكن المتهم لم يصدقه فوقع بينهما ذلك الشجار الذي تطور فيما بعد إلى عراك ثم استل المتهم سكينه وسدد للمجني عليه هاتين الطعنتين .

 

في رأيي أن الحادث قد وقع دون سبق إصرار أي دون تنظيم سابق أو إنذار أو وعيد وإنما كنتيجة لشجار مفاجئ وفي حدة العاطفة .

 

ويقول السيد ممثل الاتهام أن المتهم هو الذي بادر بالعراك وخرج من منزله دون مبرر ثم شرع في قذف المرحوم ورفيقه بالجارة غير أنني أرى أن هذا القول يعوزه الدليل إذا لم ترد أدنى بينة محايدة يمكن أن يعول عليها لمعرفة كيف بدأ العراك ومن الذي بادر بالاستفزاز أو الاعتداء وعلى ذلك كان لا بد من إلقاء اللوم على طرفي العراك على السواء وذلك تطبيقاً للشرح الوارد على النص والذي يقضي بأنه لا اعتبار في هذه الحالة المذكورة لأي من الطرفين بدأ بالاستفزاز أو سبق بالاعتداء وأشير في هذا الصدد إلى صفحة 1962 من كتاب قور في شرح القانون الهندي "

 

A sudden fight is an offer of violence on both sides. It unplies mutual provocation and blows on each side upon which. the conduct f. .both parties put them. in respect of guilt up an equal footing”. .

 

ينبغي بعد أن نتعرض لمناقشة الشرط الثالث والأخير وهنا يؤسفني أن أختلف تمام الاختلاف مع محكمة الموضوع فيما توصلت إليه حول هذه النقطة وأرى أن وقائع السابقة القضائية التي أشارت إليها تختلف كثيراً عن وقائع هذه القضية من ذلك الظروف التي لابست كل منهما ثم اختلاف أسلوب المعركة في الحالتين وطريقة استعمال السلاح وموضع الإصابة .

 

في رأيي أن المعركة في قضيتنا هذه كانت متكافئة إلى الوقت الذي استمر فيه التراشق بالطوب حيث كان كل من طرفي المعركة يقف بعيداً ويقذف الآخر بالطوب الذي تصادف وجوده في مكان الحادث ولكننا نجد أن المتهم بعد ذلك قلب المعركة إلى معركة غير متكافئة وذلك حينما استغل تلك الفرصة واستل سكينه ربما لإصابته بطوبة على كتفه فسدد للمجني عليه الذي كان أعزلاً تلك الطعنتين التي أودت بحياته .

 

فالعراك المفجائي والذي يقع من غير سبق إصرار لا يعفي من مسئولية القتل العمد إذا لم يكن يتناسب مع الجريمة التي وقعت وأود أن أشير في هذا الصدد إلى الصفحة 743 من كتاب راتلاند ( الطبعة التاسعة عشرة ) :

 

Even if the fight is unpremediated and sudden fight yet if the instrument or manner of relation be greatly unadequate to the offence given and cruel and dangerous in its nature, the accused cannot be protected under this exception.

 

If a party enters a dangerously  armed, and fight under an unfair  advantage, though natural blows pass, it is not manslaughter but murder.

 

وفي صفحة 744 من نفس المرجع السابق ورد ما يأتي :

 

If two men unarmed while the other uses a deadly weapon the one who uses such a weapon must be held to have taken an undue advantage and not entitled to the benefit of this exception .

 

هذا وقد قررت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد أحمد أسلي المنشورة بصفحة 211 من المجلة القضائية لسنة 1972 ما يلي :

 

( من المتفق عليه فقهاً وقانوناً ضرورة تناسب أسلحة الخصوم ومن ثم فإن تجرد أحد الخصمين من السلاح يجعل ذلك التناسب منعدماً من باب أولى ) .

 

وعلى ذلك فقد رأت المحكمة العليا في تلك القضية أنه لا مجال للمتهم للاستفادة من هذا الاستثناء ومن ثم قررت  إدانته تحت المادة 251 عقوبات .

 

وإنني إلى جانب ذلك أرى أن المتهم قد سلك سلوكاً عير عادي وذلك خلافاً لما جاء في قرار محكمة الموضوع التي قالت ( إن عدد الطعنات ومكان تسديدها لا يختلف في شيء عما يحدث في مثل هذه المشاجرات إذا اعتبرنا شهر السكين في وجه شخص يستعمل الحجارة تقع ضمن طرق العراك المفاجئ ) .

 

ولكن ألم يكن المتهم يستعمل نفس الحجارة التي استعملها المجني عليه؟ إذن فلماذا لجأ المتهم إلى استعمال السكين في مثل هذه الظروف؟ ولماذا سدد هاتين الطعنتين في هذين المكانين الحساسين؟

 

إن الإجابة على هذا التساؤل تجدها في حكم حديث للمحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد آدم إسماعيل المنشورة بصفحة 87 من مجلة الأحكام الشهرية ( شهر مايو ) حيث قررت المحكة ما يلي :

 

( إن واقع الحال يتطلب أن تقتنع بأن صداماً قد حدث إثر تلك المجادلة بين الطرفين وكان المتهم أسرع من المجني عليه فاختطف سكينه وعاجله بطعنتين بها في مكانين خطرين من جسمه ) .

 

وهذا التصرف ينطوي على قسوة وشراسة تتنافى مع متطلبات المعركة الفجائية مما يحول دون استفادة المتهم منه وبناء عليه فإن جريمته تظل على مستوى القتل العمد ونحن نؤيد إدانته تحت المادة 251 من قانون العقوبات .

 

ولهذه الأسباب فإنني لا أرى هناك مجالاً للاستفادة من أي من الاستثناءات الواردة في المادة 249 وبالتالي فإنه يكون قد ارتكب جريمة القتل العمد المعاقب عليها تحت المادة 251 من قانون العقوبات .

 

وعليه أرى إذا وافق زميلاي المحترمان أن نرفض تأييد الإدانة تحت المادة 253 وأن نأمر بإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع بغرض إعادة النظر في موضوع الإدانة وفقاً لما جاء في هذه المذكرة .

 

13/12/1977

 

القاضي عبد الله العوض :

 

أوافق .

 

13/12/1977

 

القاضي عبد المنعم الزين النحاس :

 

أوافق .

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / الأمين محمد الأمين تاتاي   قاضي محكمة الاستئناف    رئيساً

 

سيادة السيد / محمود محمد سعيد           قاضي محكمة الاستئناف        عضواَ

 

سيادة السيد / الصادق سليمان               قاضي محكمة الاستئناف    عضواً

 

حكومة السودان ضد مصطفى محمد إبراهيم

 

م أ/م ك/248/1977

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – من أغراض العقوبة – الردع الخاص .

 

قانون جنائي – من أغراض العقوبة – الردع العام .

 

1-الردع الخاص مطلوب ليعيد للمتهم شخصياً القدرة على إعادة النظر في سلوكه السابق وللتفكير عما ارتكبه في حق نفسه من ذنوب قبل التفكير عما ارتكبه في حق الجماعة .

 

2- الغرض من الردع العام هو منع السلبيات التي تحدثها العقوبات الخفيفة في نفوس الأفراد المعرضين للإغراءات في نفس ظروف المتهم والذين شجعهم ما وقع على المتهم من عقاب على المضي في تنفيذ جرائمهم مؤملين أن العقاب سكيون إسمياً .

 

 

 

الحكـــم

 

7/11/1977م :

 

القاضي الصادق سليمان :

 

في 21/8/1977 أدانت المحكمة الكبرى المنعقدة بجانيات الخرطوم وسط المتهم مصطفى محمد إبراهيم تحت المواد 351و408 من قانون العقوبات لسنة 1974 وقضت بحبسه يوماً واحداً ينتهي بانهاء الجلسة والغرامة 50 جنيهاً وبعدم السداد السجن لمدة شهرين . ضد العقوبة يتقدم السيد وكيل نيابة مديرية الخرطوم بطلبه هذا ملتمساً أن تمارس المحكمة سلطلتها لفحص القرار لأسباب عددها في طلبه .

 

اعتراف المتهم والبينات الواردة أمام المحكمة يمكن تلخيصها في الآتي :

 

كان المتهم موظفاً بالخطوط الجوية السودانية ويتولى رئاسة قسم الإيرادات والعلاقات الخارجية ويدخل ضمن اختصاص القسم القيام بسداد قيمة التذاكر وبواليص الشحن غير المستعملة والمرتجعة نيابة عن شركات الطيران الأخرى والداخلة في نطاق اتفاقية النقل الجوية الدولية، يتم الدفع بموجب إشعار الإضافة الذي تقوم بإرساله شركة الطيران المعنية والذي يحوي بيانا بنمرة التذكرة أو بوليصة الشحن والقيمة بالعملة الأجنبية واسم الشخص المستفيد وعند استخراج الشيك من الخطوط الجوية السودانية يسلم لصاحبه أو يورد في حسابه أو يرسل إليه بعنوانه .

 

عندما يتسلم القسم الذي يشرف عليه المتهم الإشعارات المذكورة يعد أورنيك طلب الشيك من واقع البينات المدونة بالإشعار والأورنيك المذكور يحوي خانات ثلاثة للتوقيعات الأولى لمن يعد البيانات والثانية لمن يراجعها والثالثة خاصة بإمضاء من يصدق على الطلب .

 

بطريقة ما حصل المتهم على عدد من الدفاتر الخاصة بشركة الطيران البريطانية ( إشعار  الإضافة ) وأخذ يملؤها بمعلومات وهمية يستعملها في تحرير البيانات المطلوبة بأرانيك طلبات الشيكات من خزينة الخطوط الجوية البريطانية وكان يحصل على توقيعات الموظفين أحياناً وفي أغلب الأحيان يكتفي بتوقيعه شخصياً على الخانات الثلاثة . عقب صدور الشيك يقوم المتهم باستلامه من الخزينة ويظهره بما يفيد أن الشخص المستفيد قد حوله له ومن ثم يوقع على الشيك ويدخله في حسابه في البنك . استمرت هذه العملية وبشكل منتظم من 13/4/1967 وحتى 12/12/1976 ليحصل المتهم عن طريقها على مبلغ 77.704.069 مليمجـ ولم يتوقف إلا عندما فطن شاهد الاتهام أحمد جاد الرب الذي يتبع لقسم الخزينة في نوفمبر سنة 1976م والذي يسند إليه التوقيع الثاني على الشيكات إلى أن طلبات الدفع المتعلقة بالتذاكر المستردة لا تصحبها المستندات وأن بعضها يعود لسنوات ماضية مما جعله يدقق في الأمر ويذهب إلى البنك للحصول على المعلومات ليفاجأ بالحقيقة وهي أن قيمة الشيكات تدخل في حساب المتهم الخاص .

 

قام المتهم عقب القبض عليه بإعطاء اعتراف كامل ومفصل وسدد جملة المبلغ موضوع الاتهام قبل مثوله أمام المحكمة .

 

عند تقدير العقوبة المطعون فيها اعتمدت المحكمة على ما يمكن تلخيصه في :

 

1- ليس للمتهم سوابق .

 

2- المتهم يعول أسرة كبيرة .

 

3- قام المتهم ببيع منزله ليسدد المبلغ موضوع الاتهام .

 

4- اعترافه سهل على الاتهام مهمته وسلوكه داخل المحكمة كان حميداً .

 

5- فقد المتهم وظيفته وتأثرت سمعته .

 

يطلب وكيل النيابة تدخلنا لأن العقوبة التي أنزلتها المحكمة الكبرى ليست من العقوبات التي تصدرها المحاكم السودانية في مثل جريمة المتهم وبالتالي تتعارض مع منشور السيد رئيس القضاء نمرة 59 .

 

العقوبة الصادرة من المحكمة الكبرى تسلط الضوء على أمر السياسة العقابية الواجبة الاتباع في محاكمنا والتي سبق أن تعرض لها مؤتمر القضاة الأول سنة 1974م بالورقتين المقدمتين من الزميلين محمد محمود أبو قصيصة والفاضل نايل وما أعقبهما من نقاش اشترك فيه عدد من الزملاء الأفاضل والذي خرجت منه وقتها بأن الغموض والتضارب يكتنفان هذا الجانب الهام من العمل القضائي لدرجة تجعل أحكام القضاة متضاربة فكثيراُ ما رأينا متهمين تشابهت ظروف الحادثتين المنسوبتين إليهما وتساوت ظروفهما الخاصة يخرجان بعقوبتين غير متجانستين لا لسبب إلا أنهما حوكما أمام قاضيين مختلفين وفي نفس مبنى المحكمة بل وفي نفس اليوم ولا أظنني أبالغ إذا ذهبت للقول بأن القاضي الواحد قد أصدر عقوبات متباينة في جلستين متلاحقتين على متهمين ارتكبا جريمة واحدة ومرد كل ذلك في نظري أننا تجاهلنا هذه المنطقة من العمل وتركنا للقضاة منفردين مهمة الاجتهاد في تحديد معالمها والمبادئ التي تحكمها الشيء الذي طبعها بالطابع الشخصي لكل قاضي فكثيراً ما ألصقت صبغة القسوة والحزم ببعضنا واللين والعطف بآخرين لا لشيء إلا لأن مشاربهم قد اختلفت وبالتالي نظرتهم للسياسة العقابية .

 

العقوبة موضوع هذا الطلب تدفعني للاسهام بجهد المقل في تسليط بعض الضوء على ما يسمى بالسياسة العقابية آمل أن يكون فيها ما يعين على تمديد فكرنا أو يقود إلى نقاش الموضوع بشكل يظهر ما خفي من جوانبه علنا في النهاية نصل إلى معايير ثابتة تسير على هديها المحاكم .

 

اختلف المشتغلين بالمسائل الجنائية وعلم العقاب على وجه الخصوص في أساس حق الدولة في توقيع الجزاء على الأفراد عما يقترفونه من أفعال ضارة وخرجوا بنظريات اتفقت في أمر واحد وهو ضرورة أن يؤدي تطبيق العقوبة إلى خفض نسبة الجريمة ولا يتأتى الوصول إلى هذا الغرض إلا إذا غرسنا في نفوس العامة من المواطنين غريزة احترام القانون الجنائي، الغرضين المشار إليهما – خفض الجريمة وازدياد الاحترام للقانون الجنائي – يظلان بشكل أوآخر في أغلب النظريات المستحدثة عن العقاب والتي يمكن التعرض لها في إيجاز على النحو الآتي :

 

أول هذه النظريات تعتبر تقليدية لحد ما ولكنها تعتمد في الأصل على ما بقي في نفوس البشر من رواسب انتقلت معهم رغم التطور الهائل في العلوم والثقافة والعلاقات الاجتماعية وبقيت لتلوين تفكيرهم وتقودهم تصرفاتهم عندما يواجهون بما قد يعرض سلامتهم للخطر، النظرية التقليدية المعنية هي ( إشباع الرغبة في الانتقام ) يحاول القانون بعرضه للعقاب الاستجابة لرغبة الشخص المضار من الفعل الجنائي في أن ينزل  على الجاني من الألم والمرارة ما يساوي فعله المجرم وبالتالي تقتل في المجني عليه الرغبة في أخذ حقه بيده، تحاول النظرية أيضاً إرضاء مشاعر أهل وأقرباء المجني عليه وإقناع من وسلت الجريمة إلى علمه أن العدالة قد وجدت طريقها واقتصت من الجاني .

 

للتدليل على أهمية هذه النظرية يشير السير Robert Cross في كتابه ( English Sentencing System  ) إلى قضية (  Gr.L.R.P.58 Williams ) ( 1961) وما جاء فيها على لسان القاضي :

 

I fully appreciate that it is going to be a matter of coment about you for years to come, and I think that the kindest thing I can do is to visit upon, you the outrage which I think anybody with decent feelings would feel about it so that nobody can say in your village, that you have’nt paid for its.

 

أصدر القاضي عقوبة الحبس عاما عى المتهمين لارتكابهما ما نسميه القسوة بالحيوان وإشباعهما الشهوة الجنسية بالاتصال بنعجة .

 

وفي قضية ( Liewellyn Jones 1968 Q.B ) مسجل المحكمة الذي استولى على بعض الأموال الموضوعة تحت عهدته أصدرت المحكمة عليه عقوبة الحبس أربعة سنوات وفي الاستئناف ورد أن الردع غير مطلوب في مثل حالة المتهم الذي أبعد من المناصب ذات الصلة بالأمانة ولأن بقية مسجلي المحاكم لا يحتاجون للإنذار العنيف لمنعهم من التصرف في الأموال الموضوعة تحت تصرفهم جاء رد محكمة الاستئناف :

 

This Court is quite satithed that this is not-’ determined sentence. It is a sentence which is fully merited in the opinion of this court as expression the revulsion of  the public to the whole circumstances of the case .

 

يتصل بالنظرية العقابية الأولى جانب آخر يسمى ( fairness) أو تغذية الشعور بضرورة العدل . ويقول مروجو هذه النظرية أن مرتكب الفعل المجرم ينحصر دوماً على منفعة غير متاحة للمواطن الملتزم بالحدود القانونية في كل مرة يتسنى له فيها تحدي القانون. رغم أن المواطن الذي يحترم القانون يحصل على فوائد غير محددة من مجرد عدم التفكير في الجريمة العقيمة هنا تجد تبريرها في ضرورة أن يرى المواطن الصالح ويحس المواطن المنحرف أن التهديدات المضمنة في القانون الجنائي قد وجدت طريقها للتنفيذ ومن ثم يدعم الجانب الخير في المواطن الصالح ويجبر  المواطن الصالح على تغيير سلوكه الذي يعرضه للعقاب المؤكد في كل مرة يتعدى فيها حدود القانون .

 

هناك أيضاً مجموعة من النظريات أغراضها مشتركة وهي النظريات النفعية ( Utilitarian theories ) والتي ترى أن وظيفة العقاب ترتكز على الرقابة الفردية أو المنع الخارجي ( prevention ) ووسيلتها إلى ذلك هي شل المتهم ومنعه من مواصلة ارتكاب الجرائم الأمر الذي يتوفر بتغليب عنصر الردع في العقاب والردع هنا مفرد وعام . فكرة الردع المفرد تتطلب أن يواجه المتهم وقتاً عصيباً للدرجة التي تدخل الخوف في نفسه وتجعله يقلع عن الجريمة كيلا يواجه مثل تلك الظروف مرة أخرى، العقاب هنا محكوم بضوابط أهمها أن تتناسب العقوبة والجرم المعاقب عليه لأن القسوة غير المسببة تجعل المتهم موضع عطف العامة وقد تخلق منه بطلاً شعبياً على النحو الذي انتهى إليه المتهمون في سرقة القطار المشهورة في انجلترا .

 

الردع العام يتأتى من تثبيط همة من يفكر في ارتكاب الجريمة وذلك بالتلويح بالعقوبة المتمثلة فيما ينزل على المتهم الماثل أمام المحكمة وجعله مثالاُ حياً وتأكيد أنها لا محالة لاصقة بكل من ينتهك حرمة القانون تظهر هذه القضية في شكلها الكامل في قضية الطالب اللبناني ( Daher 1969 , 53 Crim . App Rep .990 ) الذي أيدت محكمة الاستئناف الإنجليزية عقوبة السجن ثلاثة سنوات الصادرة ضده لارتكابه جريمة إدخال الحشيش لبريطانيا بطريق غير مشروع وقد ورد في الحكم :

 

If a young man such as appellant is given a six month’s suspended sentence, back he goes from where he come and the news spread like wild fire amongst students. Well this is not a bad way of trying to get money because if it comes off you have made a nice profit and had a good holiday, and it does not come off you will just be sent home again. On The other hand, if it is known among patential offenders in the Lebanon and elsewhere that if they are cought attempting to smuggle drugs into this country, they will be severely dealt with, there may be remarkable back of enthusiasn for errterprises of this kind and great difficulties put in the way of people who run this fiethy trade.

 

الردع طويل المدى : الفكرة هنا أن المبرر للعقاب هو ما ينتج عنه من حفاظ على قيم المجتمع، حقيقة أن الناس يعاقبون إن ارتكبوا الجرائم . تولد على مرور الأيام امتعاضاًََ لها ( الجريمة ) وتقلل من عدد الذين يفكرون في ارتكابها – الوجه الآخر من هذه الفكرة يقول أن الفشل في إنزال العقاب يقلل من هيبة القانون ويمحي اثر الردع ويشجع على ارتكاب الجريمة.

 

ولا يفوتني الإشارة إلى جهد المدرسة الوضعية الإيطالية والتي تقول إن المجرم رجل مريض يحتاج للعلاج وبالتالي فلا مناص من أن تستبدل وسائل العقاب بالطرق العلاجية – ترى هذه المدرسة أن العقوبة لا تمثل أداة الردع والزجر والإرهاب والتكفير وإنما هي أداة للدفاع الاجتماعي ضد الجريمة، تأثرت أغلب القوانين بهذه النظرية وأفردت مكاناً لما يسمى تفريد العقاب أي تقديره بالنظر إلى شخص المجرم وظروفه بدلاً من التركيز على الفعل وجسامته.

 

بين النظرية التقليدية والمدرسة الإيطالية نشأت النظرية التوفيقية والتي تقول بموجب أن تهدف العقوبة إلى الردع والزجر والتعويض  وإصلاح الخطأ عند تقديرها وفي تطبيقها يجب ان يراعى تفريدها وجعلها متمشية مع ظروف المجرم الشخصية والاجتماعية .

 

 هذه لمحات عن بعض النظريات أوردها كمدخل للحديث عن القضية موضوع هذه المذكرة والتي قدرت فيها المحكمة الكبرى العقوبة ليوم سجن ينتهي بانتهاء الجلسة و50 جنيهاً غرامة وبعدم دفعها شهرين سجن، لا أشك في أن الغرض من العقوبة في مثل هذه الجريمة التي ارتكبها المتهم هو الردع الخاص والعام، والردع الخاص يتطلبه سلوك المتهم الممتد عبر سنوات عشر دأب المتهم خلالها على تزوير الأوراق الخاصة بشركة الطيران البريطانية واستعمال المعلومات المتضمنة في تلك الأوراق على البيانات المطلوبة بواسطة قسم الخزينة في المؤسسة التي يعمل بها وبهذه الطريقة يتحصل على مبالغ ويدخلها حسابه الخاص بالبنك حتى بلغت جملة المبلغ المختلس 77 الف جنيه و يزيد، خلال هذه الفترة تسبب المتهم في تلويث عدد من الموظفين الأبرياء لم تثبت إدانتهم جنائياً ولكن جميع الدلائل تشير إلى وجودهم وإلى حقيقة علمهم بخطأ سلوك المتهم ولسبب أو آخر ساعدوه في إعداد الأرانيك التي مكنته من الاستيلاء على المال العام . الأعذار التي ساقها المتهم كمبرر لتخفيف الحكم كانت أسوأ من الجريمة إذ أنه وبلا خجل اعترف بصرفه المبالغ موضوع الاتهام على بناء منزله الخاص الذي تكلف أكثر من 70 ألف جنيه وذكر أنه كان يقضي حاجة من يتصل به من موظفي هيئة الخطوط الجوية السودانية والذي يدعو للضحك أكثر أن المتهم في محاولة لإثبات حسن النية ذكر أنه كان ينوي رد المبالغ موضوع الاتهام متى ما طلب منه ذكك ولهذا كان حريصاً على إيداعها بالبنك حتى يتمكن من مراجعتها، مثل هذا السلوك دليل على أصالة التفكير الإجرامي المخطط له عن عمد والذي نفذه المتهم بدقة وبحسابات مدروسة طويلة لم يخطر على باله خلالها مراجعة موقفه أو التفكير في الكف عن السلوك المؤذي لنفسه وللآخرين . الردع الخاص مطلوب ليعيد للمتهم شخصياً القدرة على إعادة النظر في حساباته السابقة وللتفكير عما ارتكبه في حق نفسه من ذنوب قبل التفكير عما ارتكبه في حق الجماعة وهذا هو المنطق الذي اهتدت به محكمة الاستئناف في قضية (  Liewellyer) التي اقتبست بعض فقراتها من قبل .

 

الردع العام مبدأ هام أغفلته المحكمة الكبرى عندما غضت الطرف عما تحدثه مثل هذه العقوبات الخفيفة من آثار سلبية في نفوس الأفراد المعرضين للإغراءات في نفس ظروف المتهم والذين يشجعهم ما وقع على المتهم من عقاب على المضي في تنفيذ جرائمهم مؤملين ألا نكشف أمرهم ومتيقنين أن العقاب سيكون إسمياً إن عبس لهم الحظ وافتضح أمرهم . أعتقد أن هذا الجانب من أسباب العقوبة على المتلاعبين بالأموال العامة والذي رفعت بموجبه العقوبة القصوى في حالة الإدانة تحت المادة 351 عقوبات إلى السجن أربعة عشر عاماً وذلك بعد أن سبقه النص على نظر الجرائم تحت المادة 351 أمام المحاكم الكبرى .

 

السيد رئيس  الجمهورية ينتهز كل مشروعية لإعلان احتقاره لفئة المتلاعبين بالمال العام ويدوعو دوماً لتشديد العقاب عليهم علنا نقلم أظافرهم ونعلم الموظف العام الأمانة أو نجبره على التزامها . ولعبت السلطة الاستئنافية دورها في تنفيذ الساسية المطلوبة وما المنشورات الصادرة من السيد رئيس المحكمة العليا وإلحاحه على تشديد العقوبة في جرائم المال العام إلا دليلاً على خطورة السلوك المراد معاقبة مرتكبه – لا يستقيم عقلاً أن خرج المتهم من فعلته النكراء بغرامة لا تتجاوز الخمسين جنيهاً علماً بأنه تحصل على فائدة مادية لا تقدر لمجرد احتفاظه بالمبالغ المختلسة فترة امتدت حتى قاربت العشر سنوات وحتى إن عاملناه على اعتبار أنه اقترض تلك المبالغ لطالبناه بسداد الأرباح التي تفوق نصف المبلغ موضوع الاتهام.

 

إن اقتنعنا بضرورة الردع فما هو المقياس الذي نتبعه في تقدير العقوبة؟ يقول ( Robert Cross ) في كتابه المشار إليه أن المجرم يستحق  عقاباُ بمقدار الجرم الذي ارتكبه ليس أزيد ولا أقل ولكن هذا المعيار ليس طابعاً يلصق بكل جريمة ولكنه معيار متنقل يرتفع إلى أعلى في الحالات التي تتطلب التشديد لحماية المجتمع من المجرم المعين أو للحد من الجريمة المعينة . وينزل في الحالات التي تتطلب الإصلاح وتبرز وضع المتهم تحت الاختبار القضائي مثلاُ . القاعدة العامة ورغم ما ذكرناه تتطلب التناسب الذي يتحقق بتقييمنا لعوامل عديدة ومتداخلة جرى العرف على تسميتها ( فداحة الجريمة ) (  grovity of the offence) والتي يمكن استخلاصها من التعريف الخاص بالجريمة والظروف التي ارتكبت فيها وما أحدثه المتهم من ضرر بفعله موضوع المحاكمة . وما إذا كان فعله ذلك متعمداً أم ناتجاً عن إهمال . وفي أحيان كثيرة يقصد بالفداحة الجوانب الاجتماعية المترتبة على الفعل وما يثيره من هلع وشعور بالامتعاض عند العامة من المواطنين ولا يعنى بالجانب الأخلاقي .

 

المعضلة التي تواجهها المحاكم تنحصر في مدى إمكانية الموازنة بين الضرر الذي يتسبب فيه المتهم والعقاب الذي يستحقه وكانت المهمة سهلة نوعاً ما في الماضي إذ أن كل المطلوب لتقدير العقوبة كان ينحصر في وقائع الاتهام وصحيفة سوابق المتهم مع إعطاء الأسباب المخففة للعقوبة بعض العناية . ولكن الدعوة الحديثة لتفريد العقاب زادت الأمر تعقيداً إذ أنها تتطلب توفير الكثير من المعلومات عن المتهم ( حالته الصحية والعقلية، حالته الاجتماعية، ظروف عمله، مشاكله النفسية، ... الخ ) هذه العقوبة جعلت المحاكم تلجأ إلى ما يسمى بنظام التعريفة (   The Tariff System) والذي يعني بتحديد ( مدى للعقوبة ) في الجرائم ذات الصيغة المشتركة ولا يهتم بتخصيص عقوبة لكل جريمة .

 

المدى أو ( Range) الذي نتحدث عنه منحصر في العقوبات العادية التي تصدرها المحاكم في الجريمة المعنية ويمكن استخلاصه من متوسط تلك العقوبات بحيث تستطيع معه القول بأن أي عقوبة أشد أو أقل منه لا تصدر إلا نادراً، والمتوسط المشار إليه لا يرتبط بالإحصائيات الجنائية بقدر ما هو عملية انطباعية تتولد في ذهن القاضي المعين كحصيلة لاطلاعه على السوابق القضائية وتعليق السلطة الاستئنافية على ما يعرض أمامها من أحكام أصدرها وما يعلق بذهنة نتيجة لمناقشات زملائه القضاة لأحكامهم والعقوبات التي يصدرونها في القضايا المختلفة، والمتوسط كما أسلفت يشير إلى مدى العقوبة لا العقوبة المعنية مثل العقوبة في جرائم الاغتصاب تتراوح بين السنتين والست سنوات وإن تسنى للقاضي تحديد هذا المتوسط فإن مهمته في تحديد عقوبة للجريمة المعروضة أمامه تصبح سهلة نوعاً ما، يضع القاضي المؤشر على منتصف الفترة المذكورة أي أربع سنوات ويجري بعدها تقييماً لظروف الحادث ليرفع المؤشر إلا أعلى إن اقتنع بضرورة الردع ويرده إلى أسفل إن رأى ضرورة الإصلاح ولكن في الحالتين يجب ألا يتعدى المتوسط وإن فعل ينتقل العبء للسطلة الاستنافية لترد المؤشر لوضعه الطبيعي والمعقول خدمة لهدف اتحاد العقوبات ( uniformity of sentences ) . أشرت لخطورة الجرائم المتعلقة بالمال العام ورجعت لما عرض أمام محكمة الاستئناف منها في السنوات 73 – 1977 ملتمساً التعرف على موضوع ا لمؤشر من ( مدى ) العقوبة وخرجت بنتيجة يمكن إجمالها في الآتي : ( المحاكم الكبرى تحت المادة 351 عقوبات المعروضة أمام محكمة الاستئناف في الفترة المعنية جملتها 112 قضية صدرت أحكامها بالسجن في 110 منها والغرامة في الاثنتين الآخرتين وترواحت فترة السجن بين اليوم الواحد والسنوت التسعة والتفاصيل كالآتي :

 

 

            

                        

                                    

                                    فترة السجن

                                    

                                    

                                    عدد القضايا

                                    

                        

                        

                                    

                                    شهر سجن

                                    

                                    

                                    3

                                    

                        

                        

                                    

                                    شهرين

                                    

                                    

                                    5

                                    

                        

                        

                                    

                                    3 شهور

                                    

                                    

                                    7

                                    

                        

                        

                                    

                                    4 شهور

                                    

                                    

                                    2

                                    

                        

                        

                                    

                                    5 شهور

                                    

                                    

                                    1

                                    

                        

                        

                                    

                                    6 شهور

                                    

                                    

                                    14

                                    

                        

                        

                                    

                                    9 شهور

                                    

                                    

                                    6

                                    

                        

                        

                                    

                                    سنة سجن

                                    

                                    

                                    20

                                    

                        

                        

                                    

                                    سنة ونصف سجن

                                    

                                    

                                    2

                                    

                        

                        

                                    

                                    سنتين سجن

                                    

                                    

                                    21

                                    

                        

                        

                                    

                                    3 سنوات سجن

                                    

                                    

                                    15

                                    

                        

                        

                                    

                                    4 سنوات

                                    

                                    

                                    9

                                    

                        

                        

                                    

                                    5 سنوات

                                    

                                    

                                    1

                                    

                        

                        

                                    

                                    7 سنوات 

                                    

                                    

                                    1

                                    

                        

                        

                                    

                                    يوم واحد

                                    

                                    

                                    3

                                    

                        

                        

                                    

                                    الغرامة فقط 

                                    

                                    

                                    2

                                    

                        

            

 

 

 

 

من هذا الجدول يتبين وجود ثلاثة مجموعات بارزة من العقوبات الأولى لتلك التي تقل  عن سنة والثانية ما بين السمة والأربع سنوات والثالثة 2 وتصبح الثانية هي المدى للعقوبة في جرائم المادة 350 عقوبات وهي من سنة إلى أربع سنوات بمتوسط سنتين للجريمة العادية .

 

إن عدنا للعقوبة موضوع هذه المذكرة لقلنا إن ظرف الجريمة وملابساتها التي تحدثت عنها من قبل أن تدفع المؤشر للصعود إلى أعلى من المتوسط إذ أن الأسباب التي ساقتها محكمة الموضوع للتخفيف لم تقنعني ويجب ألا تؤثر في الميزان إذ أن اعتراف المتهم بجرمه لم يكن دليل ندم من جانبه بل تسليم بالوقائع وبما كان في مقدور الاتهام الوصول إليه دون مساعدة من المتهم . حقيقة أن المتهم باع منزله لسداد المبلغ موضوع الاتهام لا تعمينا عن الأسلوب الذي اتبعه المتهم طيلة السنوات العشر في امتصاص أموال المؤسسة التي يعمل فيها واستخدم المتهم ذلك المالك في بناء منزله المباع والذي كان مصيره البيع إن رضي المتهم أم غضب وقد وفر المتهم على نفسه عناء مشاهدة المنزل هو يباع بواسطة المحكمة لو افترضنا أن المتهم اقترض المبالغ موضوع الاتهام من المؤسسة التي يعمل فيها أو من أحد البنوك لكان مطالباً على الأقل بسداد المبلغ زائداً الأرباح المستحقة وهي قطعاً ليست ال 50 جنيهاً غرامة التي أصدرتها عليه المحكمة .

 

العار الذي لحق بأسرة المتهم لا تمحوه الفترة الإسمية للعقوبة التي أنزلتها عليه المحكمة لو صح أن عاراً قد لحق الأسرة فعلاً فإنه ( العار ) الذي كان نتيجة طبيعية لفعل المتهم لا يعفيه من دفع ثمن الجريمة .

 

كيلا يكون المال العام نهباً لأطماع ضعاف النفوس لا بد من الأحكام الرادعة التي لا تمت بصلة للعقوبة موضوع هذا الطلب والتي أرى أنها خرجت عن المدى المعقول المطبق في محاكمنا للدرجة التي تجبرنا على التدخل بتقويمها إن وافق الزميلان أرى أن نؤيد الإدانة ونعيد العقوبة للمحكمة الأدنى لإعادة النظر فيها على ضوء هذه المذكرة .

 

18/11/1977م :

 

القاضي محمود محمد سعيد أبكم :

 

بذل الأخ الصادق جهداً مقدراً في البحث عن النظريات العقابية وما ترمي إليه فلسفة العقاب  عرض النظريات المختلفة عرضاَ جيداً وخلص إلى القول أنه لا يرى أن الغرض من العقوبة الردع الخاص، وأوافقه الرأي أن على المحكمة عند إعادة النظر في العقوبة أن تضع المعايير في اعتبارها لتوقيع عقوبة على المتهم تتناسب أولاً وفعلته بعد تقييمه في أبعاده الضارة بالمصلحة العامة في المقام الأول وبمصالح المؤسسة التي ائتمنته بحكم وظيفته على أموالها .

 

18/11/1977م :

 

القاضي الأمين محمد تاتاي :

 

أوافق الأخ الصادق فيما توصل إليه في مذكرته الضافية بخصوص السياسة العقابية وأرى أن العقوبة الصادرة ضد المتهم لا تتناسب مع الجرم الذي ارتكبه وعليه تعاد الإجراءات لنفس المحكمة الكبرى لإعادة النظر في أمر العقوبة وفق المذكرة أعلاه وأضيف إلى ذلك مسئولية هيئة الخطوط الجوية السودانية لفشلها طوال مدة العشر سنوات لاكتشاف عملية الاختلاس التي كان يمارسها المتهم مما يدل على عدم انتظام العمل الحسابي ومراجعته في تلك المدة .

 

 

 

 

 

 

 

محكمة استئناف غرب السودان

 

القضاة :

 

سيادة السيد / الطيب العباس                قاضي محكمة الاستئناف        رئيساً

 

سيادة السيد / بابكر زين العابدين           قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

سيادة السيد / محمد حمزة الصديق         قاضي محكمة الاستناف         عضواً

 

 

 

حكومة السودان ضد عبد الشكور محمد آدم وآخرين

 

م أع س/أ س ج/12/1977

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – حدود مدة السجن لعدم دفع الغرامة عن جواز الحكم بالسجن والغرامة – المادة 70 عقوبات .

 

قانون جنائي – العلم بأن المال المسروق ركن من أركان جريمة استلام ا لمال المسروق – المادة 353 من قانون العقوبات .

 

إجراءات جنائية – تدخل المحاكم الأعلى درجة في أحكام المحاكم الأدنى درجة دون ذكر الأسباب يعتبر تدخل غير سليم .

 

1- عدم التقييد بالحدود الواردة في المادة 70 من قانون العقوبات عند الأمر بعقوبة سجن بديل للغرامة لا يعيب العقوبة في حالة حصول المتهم على منفعة مادية يلزم ردها .

 

2- حيازة المال المسروق دون علم أو سبب للاعتقاد بأنه مال مسروق لا تشكل جريمة استلام المال المسروق .

 

3- ينبغي على المحاكم الأعلى درجة عندما تتدخل في أحكام المحاكم الأدنى درجة أن تذكر الأسباب التي حملتها  على التدخل وإلا أصبح تدخلها تدخلاً غير سليم .

 

 

 

 

 

الحكـــــم

 

القاضي بابكر زين العابدين :

 

10/12/1977م :

 

هذا طلب فحص مقدم بتاريخ 15/11/1977 من المدعو عبد الرحمن محمد آدم شقيق المتهم الثاني عبد الشكور محمد آدم .

 

قدم المتهم الثاني عبد الشكور محمد آدم مع اثنين آخرين بتاريخ 2/11/77 للمحاكمة أمام مجلس قضاء ضواحي نيالا اتهم الأول بجريمة سرقة ست أبقار واتهم الثاني والثالث بالتصرف في جزء من هذه الأبقار .

 

وجد مجلس قضاة ضواحي نيالا الأول مداناً بجريمة سرقة الأبقار، ووجد الثاني والثالث مدانين بجريمة استلام المال المسروق . حكم مجلس ضواحي نيالا على الأول بالسجن عامين من 2/11/1977 والغرامة 350 جنيها وبالعدم السجن عامين آخرين، على أن تدفع الغرامة في حالة دفعها للشاكي تعويضاً له عن أبقاره، كما حكم على الثاني والثالث بالسجن ستة اشهر من 2/11/1977 والغرامة خمسين جنيهاً وبالعدم السجن ستة أشهر أخرى .

 

أيد السيد قاضي مديرية جنوب دارفور – نيالا – بناء على الطلبات المقدمة من أخ الأول وأخ الثاني إدانة جميع المتهمين تحت المادة 353ع وعدل حكم الأول للسجن والغرامة 100 جنيه وبالعدم السجن ستة أشهر أخرى وعدل حكم الثاني والثالث للسجن ستة أشهر والغرامة خمسة وعشرين جنيهاً وبالعدم السجن ثلاثة أشهر أخرى، كما أمر بدفع 100 جنيه من الغرامة إذا دفعت للشاكي .

 

أخطأ السيد قاضي مديرية جنوب دارفور – نيالا عندما أيد إدانة المتهم الأول تحت المادة 353ع . لم توجه تهمة للمتهم الأول تحت المادة 353ع . كما لم يدان بجريمة تحت المادة 353ع . التهمة التي وجهت للمتهم الأول وأدين تحتها هي تهمة السرقة . أخطأت أيضاً المحكمة الابتدائية عندما أدانت المتهم الأول تحت المادة 322ع . المادة 322ع تختص بالسرقة في أو من أي مكان مستعمل للسكن أو حفظ الأموال أو نقل الركاب أو البضائع . لم ترد بينة بأن الأبقار سرقت من مكان مستعمل للسكن أو حفظ الأموال أو نقل البضائع . إذن التهمة صحيحة تقع تحت المادة 321ع . عدل السيد قاضي مديرية جنوب دارفور أحكام المحكمة الابتدائية ولكن لم يوضح الأسباب التي دعته للتدخل بتعديل الأحكام . عن سلطة المحاكم الابتدائية الجوازية المحاكم الأعلى درجة لا تتدخل في ممارسة المحاكم الابتدائية لسلطاتها الجوازية فيما يختص بالعقوبة. إلا إذا كانت أكثر مما نص عليه القانون أو أكثر من سلطة المحكمة أو كانت كثيرة جداً أو قليلة جداً  . الحكمة من عدم التدخل هي أن المشرع منح المحاكم الابتدائية سلطات جوازية والتدخل المستمر من قبل المحاكم الأعلى درجة في مماسة المحاكم الابتدائية لسلطاتها الجوازية ممارسة صحيحة يسلب المحاكم الابتدائية سلطاتها الجوازية التي منحها لها المشرع ويقوض أحكام المحاكم الابتدائية .

 

ذكر الأسباب من الجانب الآخر التي دعت للتدخل في تعديل الأحكام يعطي المحاكم الأعلى درجة فحص تلك الأسباب والتأكد من صحتها من عدمه وبالتالي يمكنها من إحكام الرقابة على قرارات المحاكم الأدنى درجة . كما يوضح أن المحاكم الأدنى درجة مارست- سلطاتها ممارسة قضائية ، لا ممارسة تحكمية . وعليه ينبغي على المحاكم الأعلى درجة، عندما تتدخل في أحكام المحاكم الأدنى درجة منها أن تذكر الأسباب التي حملتها على التدخل وإلا أصبح تدخلها تدخلاً غير سليم . عدل السيد قاضي مديرية جنوب دارفور بنيالا حكم المتهم الأول للسجن سنة من 2/11/77 والغرامة 100 جنيه وبالعدم السجن ستة أشهر أخرى ، إلا أنه وقع على أمر سجن يقضي بحبس المتهم الأول لستة أشهر والغرامة 100 جنيه وبالعدم السجن ستة أشهر أخرى . ويبدو أن السيد قاضي المديرية عندما وقع أمر السجن عند تعديل الحكم – كان يثق ثقة مطلقة في موظفه الذي أعد الأمر وبالتالي لم يقرأ الأمر قبل التوقيع عليه . التوقيع على الأوامر القضائية دون مراجعة اعتماداً على الثقة المطلقة في الآخرين _ كما حدث هنا في صوره المذكورة وأمر السجن _ سلوك خطير جداً . فقد تترتب عليه زيادة أو نقصان في الحكم دون أن يقصد القاضي إحداث الزيادة أو النقصان . ولذا أنصح بعدم التوقيع على الأوراق القضائية إلا بعد المراجعة الدقيقة والتأكد من مطابقتها لما أصدره القاضي .

 

البينة الوحيدة ضد المتهم الثاني هي ما جاء في إفادة شاهد الإثبات الثالث . وتتلخص هذه البينة في أن المتهم الثالث طلب من شاهد الاثبات الثالث يد العون في إخراج ثور أبيض أذناه زرقاوان من الأدبخانة . اعترف المتهم الثاني بأنه اشترى عجلا أبيض من المدعو محمد آدم وهذا العجل سقط في أدبخانة وتعاون معه الشاهد الثالث للإثبات مع آخر في إخراجه من الأدبخانة .صحيح أن أوصاف الثور الذي سقط في الأدبخانة تطابق أوصاف واحد من ثيران الشاكي المسروقة . ولكن : هل نفس ثور الشاكي الذي سرق منه ؟ وإن كان كذلك فهل المتهم الثاني يعلم أو لديه سبب للعلم –عندما استلمه – بأنه مال مسروق ؟ الشاهد الثاني الذي شاهد الثور طرف المتهم الثاني لا يعرف ثور الشاكي . ولذلك لا يستطيع أن يقطع بأن الثور الذي كان مع المتهم الثاني وسقط في الأدبخانة هونفس ثور الشاكي المسروق . ثور الشاكي المسروق لا يحمل ميزات معينة تميزه على سائر الثيران . كل ما به هو بياض من اللون وزرقة في الأذنين . بياض اللون وزرقة الأذنين لا تقف على ثور الشاكي المسروق دون سواه . فكثير من الأبقار لونه أبيض وآذانها زرقاء .  كما أن الشبه في الإنسان والحيوان وسائر المخلوقات كثير جداً ولا يمكن الاعتداد به في تجريم الفرد . أضف إلى ذلك وعلى افتراض أن الثور الذي حاز عليه المتهم الثاني هو  نفس ثور الشاكي المسروق فلم ترد بينة واحدة بأن للمتهم الثاني علماً أو سببا؟ً للاعتقاد بأنه مال مسروق ؟ حيازة المال المسروق دون علم أو سبب للاعتقاد بأنه مال مسروق لا تشكل جريمة استلام المال المسروق. العلم أو لسبب للاعتقاد بأن المال المسروق ركن من أركان جريمة المال المسروق . وعليه لعدم كفاية الوصف أو الشبه أو تطابق الأوصاف في تحديد أن ما تطابقت أوصافه أو شبه مع الموصوف أو الشبه عليه ولعدم إثبات العلم أو السبب للاعتقاد لدى المتهم الثاني في أن ما حاز عليه مال مسروق ، أرى إلغاء إدانة وعقوبة المتهم الثاني عبد الشكور محمد آدم والأمر باطلاق سراحه فوراً .

 

فيما يختص بالمتهم الثالث محمد عبدالله إبراهيم فالبينة الوحيدة التي وردت ضده هي إفادة الشاهد السابع للإثبات هارون أبكر محمد تتلخص هذه الإفادة في أن الشاهد وجد المتهم الثالث محمد عبد الله إبراهيم يذبح بقرة غبشاء . السؤال هو : هل البقرة الغبشاء التي ذبحها هذا المتهم هي نفس بقرة الشاكي المسروقة ؟ فإن تكن كذلك فهل المتهم الثالث يعلم أو لديه سبب للإعتقاد بأنها مال مسروق ؟  إجابتي على هذه الأسئلة بالنفي وذلك لما قيل عن المتهم الثاني . الغبشة كثيرة جداً في البقر ولا تقف على بقرة الشاكي . بقرة الشاكي لا تحمل ميزة معينة غيرمتوفرة في بقية الأبقار تميزها عنها غير الغبشة . لم تجزم البينة بأن الغبشة تقف عند بقرة الشاكي دون سواها انطباق الوصف أو الشبه كثير جداً في الإنسان والحيوان، ولا يمكن الركون إليه وحده في تأسيس الإدانة . بالإضافة إلى ذلك فلم ترد بينة على علم المتهم الثالث أو وجود سبب للعلم لديه بأن البقرة مال مسروق عندما استلمها وذبحها . العلم أو السبب للعلم ركن من أركان جريمة استلام المال المسروق . عدم توفر العلم أو السبب للاعتقاد يؤدي إلى سقوط تهمة استلام المال المسروق . القانون لا يعاقب على مجرد استلام أو حيازة المال المسروق بل يشترط بالإضافة إلى الحيازة أو الاستلام العلم أو وجود السبب للاعتقاد بأن المال مال مسروق ويحتفظ به الحائز خيانة بنية تحقيق كسباً غير مشروع أو خسارة غير مشروعة . عليه أرى أيضاً إلغاء إدانة وعقوبة المتهم الثالث محمد عبد الله إبراهيم والأمر بإطلاق سراحه في الحال .

 

تتلخص البينة التي وردت ضد المتهم الأول محمد عمر أحمد في الآتي :

 

1- أفاد شاهد الإثبات الأول تيراب محمد عبد الله أنه لا يعرف أبقار الشاكي ووجد المتهم الأول محمد عمر أحمد وآخر يقودان بعضاً من هذه الأبقار بنفس الوصف والعدد المفقود وأقر له بأنهما أحضرا الأبقار من الشاكي وفي طريقهما إلى الجبل .

 

2- ذكر شاهد الإثبات الثاني إدريس موسى مشاهدته لبعض الأبقار بنفس الوصف والعدد المفقود من الشاكي مع المدعو عبد الله بخيت الذي اعترف له بسرقتها مع المتهم الأول الذي لم يكن موجوداً في ذلك الوقت ويضيف الشاهد أن بقرة من الأبقار التي شاهدها مع المدعو عبد الله بخيت واعترف له بسرقتها مع المتهم الأول جاءت مرتين لأبقاره وجاء المتهم الأول وأخذها.

 

3- أفاد شاهد الإثبات الثالث إبراهيم الرفيعي محمد أن المتهم الأول – بناء على طلب المتهم الثاني عبد الشكور – ربط الذي كان ساقطاً في الأدبخانة وتعاون معهم في إخراجه، إلا أنه اعتذر قبل إخراجه أن له بهائم أخرى يود الذهاب إليها .

 

4- أفاد شاهد الإثبات السادس عمر حامد أحمد مشاهدته للمتهم الأول بعزل بقرة ينطبق عليها أوصاف واحدة من أبقار الشاكي المفقودة ويسرقها .

 

هذا هو ملخص مختصر لما ورد ضد المتهم الأول وبربطه بالجريمة . يهمني في هذا الملخص ما ورد على لسان شاهدي الإثبات الأول والثاني فقط، لأن ما ورد على لسان الآخرين لا يشكل غير قرائن تقبل أكثر من تأويل واحد، فتعاون المتهم الأول مع المتهم الثاني في إخراج ثور من الأدبخانة لا يعني بالضرورة أنه واحد من الثيران المسروقة وباعه للمتهم الثاني، واعتذاره من مواصلة التعاون مع المتهم الثاني بحجة أنه ذاهب لبهائم أخرى لا يعني بالضرورة أن البهائم الأخرى جزء من الأبقار المسروقة وقد تكون بهائم غير البهائم المسروقة . وقد قال بذلك ولم تقطع بينات الاتهام بعدم وجود بهائم خاصة به . أما فيما يختص بعزله وقيادته لبقرة بأوصاف واحدة من الأبقار المسروقة فلا يقطع بعد الشك المعقول – كما أوضحت سابقاُ – بأنها واحدة من الأبقار المسروقة وذلك لكثرة الشبه . أما بينة الأول والثاني فقد وضعت النقاط فوق الحروف وحددت تحديداً قاطعاً لا يتطرق إليه أدنى شك أن الأبقار التي شوهدت طرف المتهم الأول والمدعو عبد الله بخيت هي نفس أبقار الشاكي المسروقة منه . فقد دعمت بينة الثاني بينة الأول والتي أصلاً لا تحتاج إلى تأييد، كما دعمت بينة الأول بينة الثاني وجعلت بينة الثاني لا تقبل أي تأويل غير أن الأبقار التي شوهدت طرف المتهم الأول والمدعو عبد الله بخيت والتي اعترف عبد الله بخيت في قيام الأول بسرقتها. وعليه أرى كفاية الأدلة ضد المتهم الأول في أنه سرق أبقار الشاكي، وبما أنه لم ترد بينة على أن الأبقار سرقت من مكان مستعمل أو حفظ الأموال أو لنقل الركاب والبضائع، فأرى أن تكون الإدانة تحت المادة 321ع، وليس تحت المادة 322ع، كما فعلت محكمة أول درجة أو تحت المادة 353ع، كما قال السيد قاضي المديرية، لأن المتهم الأول قال كذباً أنه أحضرهما من الشاكي ولأن زميله اعترف بالسرقة .

 

فيما يختص بالعقوبة أرى أن الجريمة خطيرة حيث أنها تتعلق بسرقة أبقار من الريف وسرقة الحيوان من الريف محتملة أن تقود إلى الصدام الدموي بين السارق وصحاب الحيوان وأهله، من الجانب الآخر أوضح استجواب المتهم أنه من محترفي سرقة الحيوانات . ثم إن كمية المال المسروق وقيمته كثيرة جداً وصاحبه فقده للأبد . ثم أن السيد قاضي المديرية العالم عدل العقوبة دون أن يوضح الأسباب التي حددت به للتدخل في العقوبة بالتعديل، وعدم ذكره للأسباب الداعية للتدخل يعيب ممارسته لسلطاته الجوازية، كما أن المنشور الجنائي نهى عن التدخل في العقوبة إلا بناء على أسباب واشترط ذكر الأسباب. فقد يقال إن العقوبة البديلة التي صدرت في حالة عدم دفع الغرامة تزيد عن ربع مدة السجن المنصوص عليها في المادة 321ع . مدة السجن الأقصى تحت المادة 321ع خمس سنوات، ربع تلك المدة سنة وثلاثة أشهر السجن البديل عامان، العامان أكثر من ربع الحد الاقصى للمادة 321ع . الزيادة عن ربع الحد الأقصى لا يعيب العقوبة في هذه القضية إذا أخذنا في الاعتبار الاستثناء الذي أضافه المشرع حديثاً للمادة 70 من قانون العقوبات  . فقد أجاز المشرع في ذلك الاستثناء عدم التقيد بربع الحد الأقصى في حالة حصول المتهم على منفعة مادية يلزم بردها ( راجع الفقرة 12 من المقدمة  والمادة 70 من قانون العقوبات) تحصل المتهم الأول في هذه الإجراءات على منفعة مادية قيمها الشاكي على اليمين بـ 350 جنيهاً وحكمت محكمة الموضوع على المتهم الأول بالغرامة 350 جنيهاً، وأمرت في حالة دفعها بدفعها للشاكي، وعليه يجوز لها عدم التقيد بربع الحد الأقصى  لعقوبة السجن المنصوص عليها في المادة 321ع .

 

ومن ثم أرى أن العقوبة التي اصدرتها محكمة الموضوع عقوبة مناسبة مع خطورة الجريمة وقيمة المال المسروق وسوابق المتهم وفي اختصاص محكمة أول درجة وصحيحة قانوناً، وأن السيد قاضي المديرية ليس له مبرر للتدخل فيها بالتعديل، وعليه يتعين نقض قرره وإبقاء حكم محكمة أول درجة .

 

لذا أرى إلغاء إدانة وعقوبة المتهمين الثاني والثالث والأمر بإطلاق سراحهما في الحال، وأرى تعديل إدانة المتهم الأول للمادة 321ع، وإبقاء حكم محكمة أول درجة القاضي بسجنه عامين من 2/11/1977 والغرامة 350 جنيهاً وبالعدم السجن عامين آخرين على أن تدفع الغرامة في حالة دفعها تعويضاً للشاكي .

 

القاضي محمد حمزة صديق :

 

6/2/1978م :

 

في رأيي أن البينة المقدمة من الاتهام على لسان الشاهدين تيراب محمد عبد الله وإدريس موسى تكفي لإدانة المتهم الأول محمد عمر أحمد بجريمة سرقة أبقار الشاكي فالأول يعرف أبقار الشاكي وقد وجد المتهم محمد عمر وآخر يقتادانها وقد أورد أوصافاً مطابقة لأوصاف صاحبها لها، والشاهد الثاني أكد أن المتهم محمد عمر كان يقف مع بعض هذه الأبقار وأن إحداها جاءت واختلطت ببقره فحضر المتهم وعزلها وذهب بها . عليه أرى أن إدانته بموجب المادة 321ع تدعمها البينة .

 

بالنسبة للعقوبة فقد كان العدد الذي قام بسرقته كبيراً وهو ثروة يعتمد عليها صاحبها في حياته وحرمانه منها حرمان له ولأسرته من العيش الكريم كما أن المتهم وباعترافه أن له سابقتين على الأقل إحداهما سرقة تسعة وعشرين بقرة والأخرى بسرقة حصان المحافظ .أقواله أمام المتحري وأمام المحكمة . لذلك أوافق زميلي بابكر في إلغاء حكم السيد قاضي المديرية واستعادة حكم محكمة أول درجة .

 

بالنسبة للمتهمين الآخرين فإنني أوافق على أن البينة لم تكن كافية لإثبات أنهما استلما بعض هذه الأبقار المسروقة أو أنهما كانا يعلمان إذا ما استلماها أنها أبقار مسروقة أو كان لديهما ما يحملهما على اعتقاد ذلك ولذلك أؤيد القرار بإطلاق سراحهما فوراً  .

 

 

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / عبد المنعم الزين النحاس    قاضي محكمة الاستئناف    رئيساً

 

سيادة السيد / محمد ميرغني مبروك       قاضي محكمة الاستئناف    عضواً

 

سيادة السيد / عبد الله العوض              قاضي محكمة الاستئناف   عضواً

 

 حكومة السودان ضد (1) حليمة أبكر إبراهيم (2) محمد جبريل معلم (3) فاطمة النور .

 

م أ/أ ن ج/502/1977

 

 

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – جريمة خيانة الأمانة لا تقع إلا على الأموال المنقولة – المادة 348 من قانون العقوبات لسنة 1974م .

 

1- إن جريمة خيانة الأمانة لا تقع إلى على الأموال المنقولة وذلك لعدم إمكانية التصرف في العقار بسوء قصد .المحامون :

 

مصطفى عبد القادر .

 

الحكـــم

 

القاضي محمد ميرغني مبروك :

 

10/1/1978م:

 

الشاكية في هذا البلاغ من رعايا تشاد وكانت سافرت إلى الأراضي الحجازية قبل حوالي سنتين ونصف وتركت منزلها بعشش فلاتة تحت إشراف المتهمة حليمة أبكر وعندما عادت إلى هناك في حوالي شهر يونيو سنة 1977 وجدت أن المنزل المذكور قد بيع إلى المتهمة الثالثة ( فاطمة النور ) بواسطة المتهم الثاني ( محمد أحمد جبريل ) .

 

فتح البلاغ في بادئ الأمر ضد المتهمين تحت المادة 348 ثم عدلت بعد ذلك إلى المادة 300 من قانون العقوبات .

 

هذا وقد قدم المتهمون الثلاثة للمحاكمة أمام محكمة جنايات الامتداد الجنوبي وقد قضت المحكمة بشطب التهمة ضد المتهمة الثالثة وفقاً للمادة 148 من قانون الإجراءات الجنائية ولكنها قررت إدانة المتهة الأولى والمتهم الثاني تحت المادة 78/362 من قانون العقوبات وحكمت على كل منهما بالسجن ليوم واحد والغرامة 300 جنيه وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة سنتين كما أصدرت أمراً بأن يدفع للشاكية من الغرامة مبلغ 50 جنيهاً على سبيل التعويض .

 

تقدمت المتهمة الأولى والمتهم الثاني بطلبين للسيد قاضي المديرية يلتمسان فيهما تخفيف العقوبة .

 

قام السيد قاضي المديربة بفحص الإجراءات ومن ثم قرر تأييد الإدانة بالنسبة للمتهمين تحت المادة 362 ولكنه نقض الأمر الصادر بدفع 550 جنيهاً للشاكية كتعويض، وقرر أن يدفع من مبلغ الغرامة 410 جنيهاً للمشترية فاطمة النور بدلاً عن الشاكية وهو عبارة عن المبلغ الذي دفعته كقيمة للمنزل وإن أرادت تعويضاً أكثر فيمكنها اللجوء إلى المحكمة المدنية على أن تعود ملكية المنزل للشاكية ( زينب عيسى ) . وقد أشار السيد قاضي المديرية في حكمه إلى أن المتهمة الأولى كانت مؤتمنة على منزل الشاكية وقد قامت بمساعدة المتهم الثاني ببيع المنزل موضوع الأمانة بدون علم الشاكية أو رضائها مما يوقعهما تحت طائلة المادة 348 وذلك أن هذا النص لا يفرق بين العقار والمنقول ولكنه يرى أن إعادة الأوراق للمحكمة لتوجيه تهمة جديدة ضد المتهمين فيه تأخير وأن العقوبة التي وقعتها المحكمة كافية لردع المتهمين ولذلك فإنه يرى الاكتفاء بتلك العقوبة .

 

والآن تقدم إلينا الأستاذ مصطفى عبد القادر المحامي نيابة عن المشترية ( المتهمة الثالثة ) بهذا الطلب الذي يلتمس فيه إعادة النظر في قرار السيد قاضي المديرية الخاص بموضوع التعويض وقد جاء فيه أن المستأنفة تعتبر مشترية حسنة النية وأن تعاقدها من الناحية الشكلية كان سليماً وعلى ذلك يرى أن محكمة الموضوع قد أصابت حينما أمرت بتنفيذ العقد لصالح المستأنفة فجاء حكمها متمشياً مع القانون ومحققاً للعدالة على عكس قاضي المديرية الذي لم يسوق مبرراً أو يبدي سبباً لإلغاء قرار محكمة الموضوع .

 

وإنني بعد مراجعتي لإجراءات المحاكمة أرى أن قرار المحكمتين الأدنى غير سليم فالثابت أن موضوع الشكوى أو البلاغ يدور حول اتهام الشاكية زينب عيسى للمتهمة حليمة أبكر في أن الأخيرة تصرفت في منزلها دون موافقتها وقد رأت محكمة الموضوع أن هذا الفعل يشكل جريمة تحت الماد 362 من قانون العقوبات وعلى ذلك فقد وجهت التهمة للمتهمين على النحو التالي :

 

في أو قبل 22/6/1977 وبمنطقة عشش فلاتة بالخرطوم جنوب تمكنتما وبسوء قصد من بيع منزل الشاكية بعد أن ادعيتما بأنها أوكلتكما بذلك وحولتما ثمنه وهو 410 جنيه لمنفعتكما الخاصة مما يخالف نص المادة 78/362 من قانون العقوبات . ثم قضت المحكمة بعد ذلك بإدانة المتهمين تحت المادة المشار إليها وبعدها ناقشت المحكمة في حكمها عناصر جريمة الاحتيال وقالت : ( إن المدخل لجريمة الاحتيال هي الصفة التي يتعامل بها المتهمان مع الشاكية فقد أدخل المتهمان في روع المشترية ... إلخ ) .

 

ومن هذا يتضح أن الأمر قد اختلط على محكمة الموضوع بدليل أنها لم تستطع أن تحدد ما إذا كان الاحتيال المدعى به قد وقع على الشاكية أم على المشترية .

 

لا يوجد في البينات التي عرضت أمام محكمة الموضوع ما يدل على أن المتهمين قد قاما بخداع الشاكية وبالتالي حملاها على تسليم مال فالثابت أن الشاكية بطوعها واختيارها سلمت المنزل للمتهمة الأولى ليكون تحت إشرافها أثناء غيابها بالأراضي الحجازية وعلى ذلك فإن جريمة الاحتيال إذا صح وقوعها على عقار – تكون قد فقدت أهم عنصر من عناصرها وهو الخداع – فإذا كانت هناك جريمة احتيال فربما تكون قد وقعت على المشترية ( المتهمة الثالثة ) وليس الشاكية ولهذا أرى أن الفعل المنسوب للمتهمين في هذا البلاغ لا يشكل جريمة تحت المادة 362 ولكن هل يشكل ذلك الفعل مخالفة للمادة 348 كما أشار السيد قاضي المديرية في مذكرته .

 

يقول السيد قاضي المديرية إن تصرف المتهمين يقع تحت طائلة المادة 348 لاعتقاده بأن ذلك النص لا يفرق بين العقار والمنقول – غير أنني أرى – على الرغم من إطلاق النص إن جريمة خيانة الأمانة لا تقع إلا على الأموال المنقولة وذلك لعدم إمكانية التصرف في العقار بسوء قصد ولقد كانت هذه المسألة مثار جدل وخلاف عند شرح القانون الهندي ولكن يبدو أن الرأي الراجح هو أن المال لا يشمل العقار وأود أن أشير في هذا الصدد إلى صفحة 1008 من كتاب قانون الجرائم لرتلاند ( الطبعة التاسعة عشر ) .

 

 “Property referred to in this section must be movable property. Criminal breach of trust cannot be committed in respect of immovable property”.

 

 وقد أشار المؤلف في نفس الصفحة إلى القضية التالية :

 

 “Accused borrowed an agricultural engine from his relation, who was looking after it for the real owner. He had also a lease of the engine from his relation. He sold the engine to his aunt. He was convicted of criminally misappropriating the engine, the breach of trust being alleged to consist in the sale of engin in violation of the trust. The engine was not moved from the place where it was put, and there was no evidence of an itention to move it either. It was held that the accused was not guilty of any criminal offence”.

 

ولهذا أرى إن خيانة الأمانة لا تكون متوفرة أيضاًُ لإنهيار أحد أركان الجريمة وفي رأيي أن هذا النزاع لا يدخل في نطاق قانون العقوبات وإنما هو نزاع مدني تختص به المحاكم المدنية وعلى ذلك يمكن للشاكية أن تتقدم بدعوى مدنية أمام المحكمة المختصة لاسترداد حيازة منزلها كما أن المشترية ( المتهمة الثالثة ) تستطيع من جهة أخرى أن ترفع دعوى مماثلة أو أن تفتح بلاغاً ضد المتهمة الأولى والثانية إذا رأت أن تصرفهما يشكل جريمة تستوجب المساءلة الجنائية تحت المادة 362 أو غيرها .

 

وعليه أرى أن تلغي الإدانة والعقوبة والأمر الصادر بالتعويض وأن ترد الغرامة للمتهمين .

 

القاضي : عبد المنعم الزين النحاس :

 

29/1/1978م :

 

أوافق .

 

القاضي عبد الله العوض :

 

29/1/1978م :

 

أوافق .

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

السيد / الأمين محمد الأمين تاتاي   قاضي محكمة الاستئناف               رئيساً

 

السيد / عمر محمد الطاهر                  قاضي محكمة الاستئناف          عضواً

 

السيد / الصادق سليمان                      قاضي محكمة الاستئناف     عضواً

 

 

 

حكومة السودان ضد محمد آدم بحر

 

م أ/م ك/347/1977

 

المبادئ:

 

إثبات – أقوال المتهم قي يومية التحري – لا تعتبر تعضديداًً لأية أقوال أخرى .

 

إثبات – أقوال المتهم المأخوذة على اليمين بعد تبرئته – تقييمها .

 

1- أقوال المتهم المدونة في يومية التحري لا يمكن أن تساند أو تؤيد أقوال المتهم الذي برئ لأن الأقوال المدونة بيومية التحري ليست قائمة بذاتها فيما عدا الحالات التي نص عليها في المادة 116 إجراءات جنائية .

 

2- أقوال المتهم بعد تبرئته وأخذها على اليمين ما زالت تعتبر أقوال شريك في الجريمة ولا يجوز الاعتماد عليها إلا بعد أن يتضح أن هناك بينة أخرى مستقلة تساندها وتؤيدها وتزيل عنها الشك.

 

 

 

الحكـــــم

 

القاضي عمر محمد الطاهر :

 

24/1/1978م :

 

قدم المتهمان محمد آدم بحر ومحمد يحي توتو للمحاكمة أمام محكمة كبرى بأمدرمان بتهمة اشتراكهما في نهب ساعة من المجني عليه محمد الطيب عوض الكريم تحت المادة 334،78 عقوبات .

 

لم تجد المحكمة في البينة ما يدين المتهم الثاني ولذلك أمرت بإطلاق سراحه وبرأته من التهمة ثم استمعت له بعد ذلك كشاهد اتهام ضد المتهم الأول .

 

بعد ذلك أدانت المحكمة المتهم الأول واستندت في هذه الإدانة على أقواله في يومية التحري لأن المتهم أنكر ارتكاب الجريمة أمام المحكمة وفي التحقيق القضائي . كما استندت المحكمة على أقوال المتهم الثاني بعد أخذ أقواله على اليمين كشاهد اتهام .

 

إنني لا أستطيع أن أتفق مع المحكمة في كفاية هذه البينة لإدانة المتهم الأول. ( إن أقوال المتهم الثاني حتى بعد تبرئته وأخذ أقواله على اليمين ما زالت تعتبر أقوال شريك في الجريمة ولا يجوز الاعتماد عليها إلا بعد أن يتضح أن هناك بينة أخرى مستقلة تساندها وتؤيدها وتزيل عنها الشك، ولا أعتقد أن أقوال المتهم نفسه أي المتهم الأول التي دونت في يومية التحري يمكن أن تساند أو تؤيد أقوال المتهم الثاني لأن الأقوال في يومية التحري ليست قائمة بذاتها فيما عدا الحالات التي تنص عليها المادة 116 من قانون الإجراءات الجنائية .

 

ثم إننا لو استعرضنا أقوال المتهم الثاني الذي اعتمدت عليها المحكمة في إثبات الإدانة ضد المتهم الأول نجد أن هذه الأقوال لا تخلو هي نفسها من تناقض فقد ذكر هذا الشاهد في أقواله أنه شاهد المتهم الأول يقف مع الشاكي بل قال إن المتهم الأول كان يمسك بخناق الشاكي وأن الشاكي قال أنه لو رأى المتهم بعد ذلك يمكن أن يتعرف عليه. هذا بينما يقول شاهد الاتهام مختار شكر الله من الشرطة ( المتحري ) أنه أثناء أخذ أقوال الشاكي أحضر المتهم الأول لنقطة البوليس متهماً في موضوع آخر فتعرف الشاكي على ساعته التي كانت في معصم المتهم الأول ولم يقل المتحري أن الشاكي تعرف على المتهم نفسه .

 

ويقول المتحري أن أوصاف الساعة التي أدلى بها الشاكي له تنطبق على الساعة التي وجدت مع المتهم الأول، ولكن في غياب الشاكي نفسه الذي لم يعثر عليه ولم تؤخذ أقواله في أي مرحلة من مراحل المحاكمة، وفي غياب الساعة نفسها التي لم تعرض أمام المحكمة لا أعتقد أن بينة كهذه يمكن الاستدلال بها على شيء .

 

لهذه الأسباب أرى أن البينة قاصرة عن إدانة المتهم الأول ولذلك لا أرى ما يوجب محاكمته تحت المادة 334 عقوبات .

 

وعليه أرى أن نأمر بإطلاق سراحه فوراً .

 

القاضي الصادق سلمان :

 

28/1/1978م :

 

أوافـــق .

 

 

القاضي أمين محمد الأمين تاتاي

 

30/1/1978م

 

أوافـــق .

 

 

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

القضاة:

 

سعادة السيد هنري رياض سكلا            قاضي المحكمة العليا            رئيساً

 

سعادة السيد صالح وهبي محمد             قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد التجاني الزبير                 قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

مريم عبد الخير                                                      الطاعن

 

//  ضد  //

 

الزاكي عبد الخير                                       المطعون ضده

 

(م ع/ ط م /144/1977)

 

 

المبادئ:

 

قانون التقادم لسنة 1928- الحيازة العارضة لا  تكون ملكية بوضع اليد-المادة 4 (3).

 

1- إن الحيازة العارضة غير العدائية أو على سبيل التسامح أو النيابة لا تكسب الملكية بوضع اليد مهما طالت المدة.

 

 

 

المحامون:-

 

الطيب محمد ناصر              محمود تندل

 

الحكـــــم

 

3/11/1977:-

 

القاضي هنري رياض سكلا:

 

            أنه في 2/4/1977 تقدمت الطاعنة بعريضة طعن بالنقض في الحكم الصادر من محكمة مديرية أمدرمان في الاستئناف رقم 59/75 بتاريخ 22/2/1977 والذي أعلن للطاعنة في 28/3/1977.

 

            وتتحصل وقائع الطعن في إيجاز في أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم 1338/1971  لدى المحكمة الجزئية بامدرمان ضد الطاعنة مطالباً إياها بالإخلاء للمنزل رقم 50 مربع 1 أبو سعد على أساس أنه بوصفه مالكاً  مسجلاً للمنزل قد رخص للطاعنة بوصفها شقيقته البقاء بالمنزل، واستعماله فترة طويلة من الزمن بعد زواجها وأنه أنذرها بالإخلاء منذ ديسمبر 1971 لم تستجب له. ولذلك فهو يطالب أيضاً باسترداد تعويض عن حرمانه من عقاره منذ ذلك التاريخ حتى تعديل الدعوى وتبلغ جملة ذلك 70 جنيهاً.

 

   وتقدمت الطاعنة بدفاع مؤداه أنها هي المالكة والحائزة على العقار المذكور، كما تقدمت بدعوى فرعية تطالب فيها بتغيير سجل الأرض من اسم المطعون ضده إلى اسمها بإدعاء أن التسجيل تم عن طريق الخطأ والغش. كما طالبت بصفة احتياطية بتملك العقار بطريق التقادم لأنها حائزة له حيازة هادئة مستمرة منذ 1946.

 

            ورد محامي المطعون ضده على ذلك بأن المطعون ضده لم يرخص للطاعنة بإلاقامة بالمنزل إلا على سبيل التسامح لأنها شقيقته وأن الطاعنة بوصفها مرخصاً لها بالانتفاع بالمنزل من جانب المطعون ضده يتعذر عليها اكتساب الملكية بوضع اليد.

 

   وفي 19/5/1975 قضت المحكمة الجزئية بإخلاء الطاعنة وإلزامها بدفع تعويض قدره 70 جنيهاً فضلاً عن إلزامها بالمصروفات استناداً إلى أن الأدلة المقدمة في الإثبات قاطعة الدلالة على أن شغل الطاعنة للمنزل محل النزاع كان بترخيص من جانب المطعون ضده باعتبارها شقيقة له وأقرب الناس إليه، وذلك بعد أن استقر رأي العائلة والأقارب والجيران على توفير منزل للطاعنة بمناسبة زواجها، وأن الطاعنة ظلت تشغل المنزل على ذلك الأساس وحده وأنه لم ينشأ نزاع بين الطرفين حول ذلك إلا عندما طالب المطعون ضده الطاعنة بالإخلاء ولم ترض بذلك.

 

            و أطرحت المحكمة إدعاء الطاعنة بأن المنزل مملوك لها وأنه سجل عن طريق الخطأ والغش نظراً لتضارب وتناقض أقوالها ولادعائها أيضاً بأن المنزل مملوك للمطعون ضده ووالدته مما يجعلها غير صاحبة مصلحة في تغيير السجـل. أما بالنسبة للحيازة فإن من الثابت إن المطعون ضده قد سجل العقار محل النزاع قبل بضع سنوات في 1965 ثم عدل السجل في 1973 وإن حيازة الطاعنة بعـد التسجيل أقل من المدة القانونية اللازمة لاكتساب الملكية بالتقادم.

 

            ولم ترض الطاعنة بذلك فتقدمت باستئناف لدى محكمة المديرية فقضت برفضه وأيدت الحكم المستأنف فيما ذهب إليه من أن الطاعنة كانت حائزة بترخيص من المطعون ضده ومن رفض تغيير السجل بسبب الخطأ أو الغش لنفس السبب ارتأته محكمة أول درجة كما أيدتها فيما يتعلق بأن تسجيل الأرض عن طريق التسوية يعتبر انقطاعاً للحيازة ومن ثم تحتسب مدة الحيازة المكسبة للملكية بالتقادم من جديد أي من بدء التسوية، وذلك رغم أن القضاء قد جرى في بعض أحكامه على خلاف ذلك.

 

            ولم تقبل الطاعنة بذلك فتقدمت بهذا الطعن بطريق النقض وحاصل الطعـن الوحيد أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه لما قضى بعدم ثبوت الحيازة المكسبة للملكية للطاعنة. رغم أن من الثابت في الأدلة أن الطاعنة أقامت بالمنزل منذ عام 1945 حتى 1971 إقامة هادئة دون نزاع أو معارضة، وأنها أقامت منشآت وملحقات بالمنزل مما يدل على نية التملك وإن المطعون ضده لم يقم بالمنزل ولو للحظة واحدة ومن ثم توافرت الشرائط اللازمة لـوضع اليد. وإن السوابق القضائية الحديثة ومن بينها ما أشار إليه الحكم المطعون فيه.

 

            (عوض الكريم الشافعي (ضد) محمد أحمد طلحة- المجلـة القـضائية لسنة 63 صفحة 112) لا تحول دون واضع اليد من احتساب الحيازة القديمة السابقة من التسجيل ولا تمنع الحائز من الإدعاء بالملكية على نحو ما قضت به المحكمة.

 

   وهذا النعي مردود عليه بما أورده كل من الحكم الاستئنافي والحكم القضائي في أنه من الثابت من جماع الأدلة المقدمة في الإثبات إن الطاعنة كانت مرخصاً لها بشغل المنزل محل النزاع من جانب المطعون ضده بصفته شقيقاً لها، مما يدل وفق الاتفاق والعرف السائد والمعتاد بين الناس على أن الباعث لذلك هو التعاون والتعاطف والمؤازرة في السراء والضراء ولذلك فإن السيطرة المادية للطاعنة لشغل المنزل لم تكن في الاعتبار الأول حيازة في معنى المادة 3 من قانون التقـادم لسنة 1928 –بل كانت حيازة مرخصاً بها أو حيازة بسبب علاقة الأخوة بين الطرفين في معنى الفقرة (3) من المادة 4 وبعبارة أخرى كانت حيازة عرضية أو عارضة أو على سبيل التسامح أو النيابة كما تنص الفقرة المذكورة على أنه (إذا تبين  من العـلاقة بين الطرفين أو من أي سبب آخر خاص أن الحائز للأرض يحوزهـا أو كان يحوزها نيابة عن آخر تعتبر حيازته تلك نيابة عن ذلك الشخص الآخر) ومما مؤداه أن الحيازة بسبب القرابة تكون قرينة على التسامح أو النيابة عن مالك الأرض وإن لم تكن قرينة قاطعة إذ يجوز للحائز دحضها والحق إن الحيازة من الطاعنة لم تكن بالنيابة عن المطعون ضده أو لصالحه وفقاً للقرينة التى تقررها الفقرة 3من المادة 4 المذكوره فحسب بل وفقاً ايضاً للثابت فى الاوراق وفق ترجيح البيانات  من أن المطعون ضده أقام بالمنزل محل النزاع ثم تركه وأغلقه وسلم مفتاح المنزل بعد وساطة من الأم والجيران لكي تسكن الطاعنة فيه بمناسبة زواجها ولذلك ظلت الطاعنة مقيمة بهذه الصفة. ومن ثم لم تتحول حيازتها العارضة إلى حيازة أصلية ولم يصدر منها تصرف على تغييرها لتلك الصفة على اعتبار أن حيازتها  كانت عدائية أو أنها أضحت حائزة لحساب أخيها وإقامة بعض المنشآت بالمنزل يمكن أن  يؤخذ على أنه تم على سبيل التسامح أيضاً من جانب المطعون ضده.

 

   ولذلك فإن قول الطاعنة بأن حيازتها كانت هادئة وظاهرة ومستمرة وبنية التملك بجانب القرينة القانونية والثابت في الأوراق يخالف بوجه أخص ما يثبت بوجه قاطع من أن النزاع أو الإدعاء بالملكية من جانب الطاعنة لم يثر إلا في عام 1971 عندما طالب المطعون ضده بالإخلاء. ولذلك فإنه إن كان من الجائز إن تكسب الطاعنة دعوى بوضع اليد وتدحض القرينة المقررة في الفقرة  3 من المادة 4 فإن ذلك لا يمكن احتسابه إلا منذ هذا التاريخ الأخير عندما نشب النزاع على الملكية وثبوت الحيازة العدائية واضحة. أما فيما قبل ذلك فإن مدة التقادم لا تسري لعـدم توافر أركان الحيازة المادية  والمعنوية للطاعنة ما سبق شرحه. ولذلك  فإن ما تقرره السوابق الحديثة المشار إليها في هذا الخصوص غير منتج ولا انطباق له على ظروف هذه الدعوى. ذلك لأن الحيازة العارضة غير العدائية لا تكسب الملكية بوضع اليد مهما طالت المدة ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه لا يكون قد خالف القانون لما قضى بعدم توافر أركان وضع اليد للطاعنة لأن حيازتها كانت مرخصاً بها إذ ان ذلك يكفى لحمل الحكم ويعتبر رداً ضمنياً على عدم جدوى البحث عن شرط المده . ومن ثم فان النعى عليه فيما يتعلق بعدم الاخذ او الاستناد الى السوابق الحديثه غير منتج اذا لم تكن بالحكم حاجة إلى تقرير ذلك في الواقع من الأمر بعد أن انتفى عن الحيازة ركن جوهري من أركانها على ما سلف البيان.

 

   لذلك يتعين شطب الطعن إيجازياً عملاً بأحكام المادة 186 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 والزام الطاعنة بالرسوم.

 

لذلك نأمر بما يلي:

 

1- يشطب الطعن.                                       2- إلزام الطاعنة بالرسوم

 

3/11/1977                                                3/11/1977

 

القاضي صالح وهبي:                                   القاضي التجاني الزبير مساعد:

 

أوافق.                                                                                        أوافق.

 

 

 

 

 

 

 

                                   (المحكمة العليا)

 

القضاة :

 

سعادة السيد/ دفع الله الرضي                  قاضي المحكمة العليا         رئيساً

 

سعادة السيد/ فاروق أحمد إبراهيم          قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد /عبد الله الأمين                   قاضي المحكمة العليا          عضواً

 

 

 

فاطمة سالم                                               الطاعنة

 

//   ضد //

 

فتحية بابكر                                              المطعون ضدها

 

(م ع/ط م/51/1977)

 

المبادئ:

 

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974-سلطة المحكمة في الامتناع عن إجراء قسمة الإفراز-في حالة ثبوت الغش والتواطؤ من جانب المالك على الشيوع البائع-المادة 303 (2) .

 

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 قسمة الإفراز-بيع جزء من العقار المملوك على الشيوع دون تسجيله لا يمنع رفع دعوى قسمة الإفراز.

 

2- من حق المحكمة إعمالاً لصلاحياتها تحت المواد 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية أن تمتنع عن إجراء قسمة الإفراز إذا ثبت لها أن هناك غشاً وتواطؤاًًً من ذلك المالك على الشيوع لحرمان مالك آخر على الشيوع من ممارسة حقه في الشفعة.

 

1- إذا باع أحد الملاك على الشيوع نصيبه لشخص آخر دون أن يتم تحويل الملكية للمشتري، فهذا لا يمنع ذلك المالك على الشيوع من ممارسة حقه في طلب قسمة الإفراز.

 

 

 

 

 

المحامون:-

 

محمود تندل                                              على حسنين وسعد ياجي

 

 

 

الحكــــم

 

10/12/1977

 

القاضي عبد الله الأمين:-

 

            أقامت المطعون عليها الدعوى رقم 191/76 أمام محكمة أمدرمان الجزئية تطلب نصيبها في العقار رقم 788/1/3 مدينة أمدرمان المملوك على الشيوع بينها وبين الطاعنة( المدعى عليها الاولى ) واخرى (المدعى عليها الثانية). تمـلك المطعون عليها 245 م.م في العقار المذكور وتملك الطاعنة والمدعى عليها الثانية 45 م.م  و 25 م.م على التوالي. أقرت المدعى عليها الثانية بالدعوى ووافقت على ضم نصيبها للمطعون عليها. أما الطاعنة فقد أنكرت أن تكون المطعون عليها مالكة في العقار محل النزاع بعد أن باعت نصيبها لشخص آخر كما أنكرت أن تكون المدعى عليها الثانية مالكة بعد أن قامت هي (أي الطاعنة) بشراء نصيبها في العقار المذكور وأخيراً ناهضت  الدعوى على أساس أن المطعون عليها لم تستكمل إجـراءات تسجيل نصيبها باسم الشخص الذي باعت له بهدف حرمان الطاعنة من ممارسة حقها في الشفعة وإن هذا هو الغرض الحقيقي من إقامة هذه الدعوى. فـي كل الأحوال طالبت الطاعنة بضم نصيب المطعون عليها بموجب المادة 137 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 كما طالبت بتسجيل البيع بين المـطعون عليها والشخص الآخر حتى تتمكن من ممارسة حقها في الشفعة.

 

حددت محكمة الموضوع جلسة 11/8/1976 لصياغة نقاط النزاع والسماع ولكنها في التاريخ المذكور أصدرت حكمها بشطب الدعوى استناداً إلى الآتي:-

 

1-أن ما ادعته الطاعنة من شراء لنصيب المدعى عليها الثانية ومن بيع المطعون عليها نصيبها لآخر يتعارض مع ما هو ثابت في شهادة البحث.

 

2-   أن ما ادعته الطاعنة من بيع المطعون عليها لنصيبها غير منتج في قضايا الشفعة لأن البيع لا يتم إلا بتمام التسجيل.

 

3-بما أن المطعون عليها هي صاحبة النصيب الأكبر وبما أن هذا النصيب مما يمكن فرزه وتسجيله بينما لا يمكن ذلك بالنسبة لنصيب الطاعنة فإن التطبيق السليم انص الماده 137 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 يقضي بضم نصيب الطاعنة للمطعون عليها.

 

أيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم بأسبابه ومن ثم تقدم  إلينا محامي الطـاعنة بهذا الطلب مؤسساً إياه على الآتي:-

 

1-   إن الطاعنة قد حرمت من حقها في بسط قضيتها.

 

2-مع التسليم بما ذهبت إليه محكمة الاستئناف متعلقاً بحق المطعون عليها في طلب قسمة الإفراز إلا أنه ليس من حقها أن تتعسف في استعمال ذلك الحق إضراراً بالآخرين.

 

3-أخطأت محكمة الاستئناف فيما ذهبت إليه من أنه لا مجال لتطبيق قواعد العدالة مع موجود النص وما دام لم يتضح أن هناك دوافع معينة دفعت المطعون عليها لحرمان الطاعنة من حيازة العقار.

 

4-أخطأت محكمة الاستئناف فيما ذهبت إليه من أنه لا سبيل لنفي ملكية المطعون عليها ما دامت ثابتة بشهادة البحث وفي رأي محامي الطاعنة إن شهادة البحث قرينة على الملكية ولكنها قرينة تقبل إثبات العكس.

 

من الناحية الأخرى رد محامي المطعون عليها بما يلي:-

 

(1)إن الطاعنة ليست طرفاً في عقد البيع الذي تدعي قيامه بين المطعون عليها والمدعوة سميرة عثمان ولا يحق لها لهذا أن تتمسك به ولا سند لما تطلبه من تنفيذه عينياً.

 

(2)إدعاء الطاعنة بقيام البيع المذكور-بغرض صحته-غير منتج في الدعوى لأن حقها في الشفعة لا ينشأ إلا بالتسجيل ولأنه ليس هنالك ما يمنع الأطراف من الاتفاق على فسخه.

 

   لا جدال في صحة ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف من إن إدعاء الطاعنة القائل بأن المطعون عليها باعت نصيبها لا يكفي في حد ذاته وبفرض صحته لحرمان المطعون عليها من ممارسة حقها في طلب قسمة الإفراز ما دام العقار مسجلاً باسمها ذلك أن الملكية في العقار لا تنتقل بمجرد الاتفاق على البيع وإنما يلزم لذلك تمام التسجيل والمادة 54 من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها صريحة وواضحة في ذلك. كل هذا صحيح  ولكن الطاعنة لم تدفع فقط بأن المطعون عليها قد باعت نصيبها لآخر ولكنها أضافت بأن هذا البيع قد أخفى عمداً وغشاً للإضرار بها وحرمانها من ممارسة حق كفله لها القانون وهو حق الشفعة.

 

   اعتقد أن محكمة الاستئناف ومن قبلها محكمة الموضوع قد أخطأتا في تجاهل هذا الجزء من دفع الطاعنة وفي رأيي أنه إذا استطاعت الطاعنة أن تثبت ما ادعته من غش وتواطؤ يهدف إلى حرمانها من  حق الشفعة فعلى المحكمة أن  تمتنع عـن إجراء قسمة الإفراز لأن المحاكم لم تنشأ ليستخدمها الناس أداة لتكريس الغش والوصول به إلى غاياته. إذا صحت ادعاءات الطاعنة فإن الدعوى تكون في حقيقتها استغلالاً سيئاً لإجراءات التقاضي من حق المحكمة أن تتصدى له وتمنعه أعمالاً لسلطاتها بموجب المادة 303 (2) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974.

 

  لهذه الأسباب أرى إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة الموضوع لصياغة نقاط النزاع وسماع الدعوى على أن تتضمن نقاط النزاع النقطتين التاليتين:-

 

1-         هل باعت المطعون عليها نصيبها في العقار محل النزاع لشخص آخر؟ (الطاعنة).

 

2-  إذا كانت الإجابة على النقطة أعلاه بالإيجاب هل امتنعت المطعون عليها من إتمام التسجيل غشاً وتواطؤاً مع المشتري ولحرمان الطاعنة من ممارسة حقها في الشفعة. (الطاعنة).

 

   ويهمني أن أوضح أنه لا يكفي لكي تنجح الطاعنة في دعواها أن تثبت قيام البيع وإخلال المطعون عليها بواجبها  في إتمام التسجيل وإنما يلزم أن تثبت توافر الغش والتواطؤ لحرمانها من حق الشفعة.

 

 يقع عبء الإثبات على الطاعنة وهو عبء جد ثقيل ولكن من حقها علينا أن نتيح لها الفرصة لمواجهته.

 

     غني عن القول أنه لا سبيل للأمر بالتنفيذ العيني للعقد الذي تدعي الطاعنة قيامه بين المطعون عليها وشخص آخر لأن الطاعنة ليست طرفاً في العقد المذكور وليست منتفعة به في معنى المادة 55 (2) من قانون  العقود لسنة 1974 وقبل كل هذا فإن موضوع العقد نفسه ليس جزءً من النزاع في هذه الدعوى.

 

 يلغي الحكم المطعون فيه وتعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى وفقاً لما جاء بهذه المذكرة ولا آخر بشأن الرسوم.

 

13/12/1977:                                                       13/12/1977:

 

القاضي فاروق أحمد إبراهيم:                                      القاضي دفع الله الرضي:

 

 أوافق.                                                               أوافق.

 

 

 

 

                                    (المحكمة العليا)

 

القضاة :

 

سعادة السيد/ هنري رياض سكلا           قاضي المحكمة العليا            رئيساً 

 

سعادة السيد/ صالح وهبي                   قاضي المحكمة العليا              عضواً

 

سعادة السيد/ التجاني الزبير                قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

            على يوسف شدو                                        الطاعن

 

                                            //    ضد //

 

            خالد خضر إدريس                                      المطعون ضده

 

                        (م ع/ط م/328/1977)

 

المبادئ:

 

إثبات –الإقرار في إجراءات سابقة أمام المحكمة-يؤخذ به.

 

يؤخذ بالإقرار إذا كان مضمناً في المرافعات في فترة سابقة أمام المحكمة أو في أقوال خارج المحكمة مالم يثبت المقر أن إقراره كان خاطئاً أو غير صحيح.

 

 

 

الحكــــم

 

17/12/1977

 

القاضي التجاني الزبير:-

 

            هذا طعن مؤرخ 11/8/1977 ضد قرار محكمة استئناف الجزيرة والنيلين رقم 57/1976 الذي صدر في 23/7/1977 والمؤيد لقرار محكمة واد مدني الجزئية في قضيتها رقم 1/1976.

 

            تتلخص وقائع الطعن في أن المطعون ضده رفع دعوى ضد الطاعن وآخر فحواها أن الطاعن كان ضامناً لشخص آخر في تعاقد على بيع 500 جوال ذرة بسعر 780 جنيه وأن يكون تسليم البشاعة في أو قبل 20/1/1975 وأن يتحمل البائع فرق السعر في حالة فشله في التسليم على أن يقدر ذلك بواسطة لجنة. وأن البائع فشل في التسليم وأن فرق السعر قر بمبلغ 350 جنيه.

 

            في رده  على الدعوى اعترف الطاعن بواقعة الشراء وأضاف بأن مكان التسليم هو الدمازين وأن المطعون ضده لم يحضر للاستلام في الدمازين ويعترف بالفقرة في الدعوى التي تتعلق بضمانة الطاعن للبائع ويضيف بأن المطعون ضده لم يحضر للاستلام في الدمازين كما هو مشترط في العقد وينفي مسئوليته عن الضمانة المذكورة حسب العقد كما يدعي أن  فرق السعر يحسب على سعر الدمازيـن وليس واد مدني.

 

            وقبل تحديد نقاط النزاع قدم المطعون ضده تعقيباً على مذكرة الدفاع جاء فيه أن  الطاعن سبق أن رفع دعوى 101/75 ضد البائع وثبت أن الطاعن كان ضامناً للبائع وأن البائع فشل في التسليم رغم المطالبة وأن لجنة قد كونـت لتقدير فرق السعر وأقره الطاعن ولذلك فإن سجل الدعوى 101/75 يمنع الطاعن من إنكار دعوى المطعون ضده وطلب إصدار حكم.

 

            رد الطاعن بأن المطعون ضده لا يستطيع قانوناً أن يحتج بدعوى أخرى ليس هو طرفاً فيها كما أنه لا يستطيع الدفع بالنفع بالحجية ESTOPPEL لنفس السبب.

 

            اطلعت محكمة الموضوع على الدعوى 101/75 ووجدت أن الطاعن كان مدعياً في تلك الدعوى ضد البائع لنفس الذرة موضوع هذه الدعوى وأنه رفع الدعوى باعتباره ضامناً للبائع وملزماً  بالوفاء في حالة فشل البائع وذكر أن البائع فشل في الوفاء وأنه أصبح ملزماً ويطلب الحكم له ضد  البائع حتى يسلم المبلغ للمشتري-المطعون ضده-واتضح أن المطعون ضده قدم طلباً للانضمام لدعوى 101/1975 ورفض طلبه لتقديمه متأخراً وقضت مـحكمة الموضوع بأن المدعي عليه الأول-الطاعن-يمنع من إنكار حق المدعي-المطعون ضده في هذه الدعوى تطبيقاً لقاعدة:-ESTOPPEL BY RECORD  وحكمت عليه بمبلغ الدعوى والرسوم. محكمة استئناف الجزيرة والنيلين قررت أن الحكم في ق م/101/75 له حجية الأمر المقضي فيه وأن للمدعي عليه (الطاعن)صلة عقد واضحة تلزمه بأن يدفع للمطعون ضده الثمن والخسارة إذا أخل المضمون بالعقد. وأن المستأنف (الطاعن) لا يحق له أن  يرجع عما ذكره للمحكمة على اليمين في ق م/101/75 والذي حكم له بمقتضاه بنفس المبلغ الذي يطلبه منه المطعون ضده في هذه الدعوى وأشارت لفقرة من كتاب هلبري قوانين إنجلترا مجلد 15 ص 199  طبعة2.

 

            الطاعن طلب شطب القرار بسبب أن القضية لم تسمع وأخذت البينات من القضية 101/75 التي قام هو برفعها ضد المدعو عبد الله إسماعيل البائع باعتباره كان ضامناً للبائع لمصلحة المطعون ضده- من الواضح أن الطاعن لم يتعـرض لمناقشة ما اعتمدت عليه محكمة الموضوع والاستئناف لتبيان وجه الخطأ المدعى به.

 

            محكمة الموضوع اعتمدت على تطبيق قاعدة المنع عن طريق سجل الحكم وهي جزء من القاعدة العامة والتي بموجبها يمنع الشخص من إثبات الواقعة إذا كان في ذلك الإثبات ما يخالف موقفه أو سلوكه السابق أو مخالفاً قرار قضائياً سابقاً  ESTOPPEL ولكي يخلق سجل الحكم مانعاً من إثارة نفس الموضوع مرة أخرى فمن الضروري أن ينطبق عليه قاعدة الشيء المقضي فيه وذلك بأن يكون النزاع  في نفس الموضوع وصدر الحكم من محكمة مختصة وكان الحكم قطعياً-ومثل هذا الحكم يلزم الأطراف وخلفهم والخلف قد يكون عن طريق علاقة الدم أو القانون أو الملكية.

 

BY –BLOOD-LAW. ESTATE

 

              وبالنسبة لأطراف الدعوى فمن السهل معرفتهم في الدعاوى المدنية إذ تظهر أسماؤهم في سجل الدعوى وبالنسبة للخلف فلا بد أن يثبت أنه استمد حقه من طرف الدعوى ويسري عليه المنع لأن من ينال المنفعة عليه أن يتحمل العبء. أما الغرباء عن الدعوى فعادة لا تسري عليهم قاعدة المنع عن طريق سجل الحكم.

 

            (أنظر قانون الإثبات الهندي راتنلال وقانون الإثبات الإنجليزي كروس عن نفس الموضوع).

 

   في هذه القضية فالمطعون ضده لم يكن طرفاً في الدعوى التي رفعها الطاعن ضد البائع ومن الصعب أن يقال أن المطعون ضده كان خلفاً PRIVY بالنسبة للطاعن أو للبائع لعدم توافر أي من الأسباب الثلاثة أعلاه التي تجعل الشخص خلفاً لطرف الدعوى ولعل هذا ما حدا بمحكمة الاستئناف لتتحدث عن علاقة شبه العقد التي ورد ذكرها في كتاب هلبري- وتقول تلك الفقرة تحت عنوان شبه الخلف QUASI PRIVITY في حالات معينة مع أنه وعلى وجه الدقة لا توجد علاقة خلف بين الطرف في الدعوى والشخص المدعي بتلك العلاقة إلا أن صلة الأطراف قد لا تسمح للأخير بالنزاع في تلك العلاقة. فمثلاً لا توجد علاقة خلف بين أطراف عقد الضمان أو بين الضامن والمدين الأصلي أو بين الطرف وأمين التفليسة.

 

            ولكن الشخص الذي تعهد بتعويض آخر فيما يتعلق بالمسئوليات وما يترتب عليها فإنه يمنع من منازعة الحكم في قضية ضد الطرف المعوض عندما يكـون الدفاع قد تم بعلم وموافقة الشخص المتعهد- وذلك ليس لأن المتعهد يعتبر خلفاً ولكن لأن ذلك هو المعني الحقيقي للعقد. في القضية موضوع النظر إذا كان الطاعن هو الذي تعهد بتعويض آخر –المطعون ضده- فيما يتعلق بمسئوليات بائع الذرة نجد أن ما أورده هلبري يمكن أن ينطبق إذا رفعت قضية ضد المطعون ضده-الشخص المعوض-بموافقة وعلم الطاعن-المتعهد  فإن الطاعن يكون ملزماً بما جاء في ذلك الحكم ليس بتطبيق قاعدة المنع التي تسري على الخلف ولكن لأن ذلك هو المعنى الحقيقي لعقد الضمان-وبما أن القضية 101/75 رفعها الطاعن-المتعهد-ضد البائع-وليس هناك دفاع قد تم بعلم وموافقة الطاعن وذلك لأن الطاعن هو الذي كان مدعياً والدفاع كما هو معروف يكون من المدعي عليه-وعبارة الدفاع بعلم وموافقة الشخص المتعهد يفهم منها أن ذلك الشخص كان من الممكن أن يكون مدعياً عليه وليس مـدعياً وهذا قد يحدث إذا رفع البائع الدعوى ضد المطعون ضده وتم دفاع المطعون ضده بعلم وموافقة الطاعن-الشخص المتعهد-لذلك فرأينا أن ما ورد في كـتاب هلبري وارتكزت عليه محكمة الاستئناف لا ينطبق في حالة هذه الدعوى.

 

      تعرضت محكمة الموضوع لإقرار الطاعن في الدعوى 101/75 بأنه ضامن للبائع-ولا خلاف في أن الطاعن أكد في الدعوى 101/75 بأنه ضـامن للبائع وأنه شكا البائع ليحصل منه على ما يجعله يفي بالتزامه نحو المطعـون ضده. والإقرار يؤخذ به إذا كان مضمناً في المرافعات في فترة سابقة سواء في إجراءات سابقة أمام المحكمة أو في أقوال خارج المحكمة والقاعدة أن ما يقر الشخص بأنه صحيح تفترض صحته وإذا ثبت الإقرار وإذا كان الشخص الذي أثبت ضده الإقرار لم يقنع المحكمة بأن إقراره كان خاطئاً أو غير صحيح فليس هناك  ما يمنع المحكمة من القضاء في الدعوى بموجب ذلك الإقرار.

 

            "الطاعن لم ينكر أنه كان ضامناً للبائع وحتى في طعنه جاء قوله: "إني كنت  الضامن له فقط ضد الدائن".

 

   ولذلك إذا كان الحكم المطعون فيه قد قضى بمسئولية الطاعن باعتباره ضامناً وقد اتضح إن الطاعن قد أقر بتلك الضمانة حتى في عريضة طعنه فرأينا أن الحكم إذا قضى بمسئولية الطاعن لا يكون قد خالف القانون.

 

-ونرى أن يشطب هذا الطعن إيجازياً.

 

  يتحمل الطاعن رسومه.

 

17/12/1977:                                           17/12/1977:

 

القاضي صالح وهبي:-                                  القاضي هنري رياض سكلا:-

 

أوافق.                                                                أوافق.

 

 

 

 

 

 

 

                                    (المحكمة العليا)

 

القضاة :

 

سعادة السيد/ دفع الله الرضي               قاضي المحكمة العليا            رئيساً 

 

سعادة السيد/ فاروق أحمد إبراهيم          قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد/ عبد الله الأمين                 قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

حسين محمد نور                                        الطاعنة

 

                                   // ضد //

 

عبد الرحمن يوسف                                     المطعون ضده

 

(م ع/ط م/104/1977)

 

 

 

المبادئ:

 

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 ا-تعليق الحكم الغيابي على شرط التوريد-في معنى الأمر المنهي للخصومة-يجوز الطعن فيه-المادة 176.

 

 

            الحكم القاضي بفتح الدعوى شريطة إيداع مبلغ من المال يكتسب قانوناً صفة الأمر المنهي للخصومة بمعنى المادة 176 من قانون الإجراءات المدنية لأنه إذا تخلف الشرط يصبح الحكم نهائياً وعليه يجوز الطعن فيه على استقلال.

 

 

                        ملحوظة المحرر:-

 

            وافقت المحكمة العليا حكم المحكمة العليا بتاريخ  21/12/1975 في الطعن 278/75  وخالفت بذلك حكم المحكمة العليا في الطعن 113/76 بتاريخ 26/11/75م.

 

المحامون:-

 

عبد الرحمن يوسف

 

                                    (الحكم)

 

21/12/1977:

 

القاضي عبد الله الأمين

 

  هذا طعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في استئنافها رقم 73/1976.

 

  يتحصل الطعن في أن المطعون عليه تقدم إلى محكمة الخرطوم الجزئية يطلب الحكم له بمبلغ 750 جنيه باقي أتعاب محاميه يقول إنها مستحقة له في ذمة الطاعن مقابل أعمال قانونية أداها له.

 

   في 22/11/1975 أصدرت المحكمة الجزئية حكماً وصفته بأنه غيابي يقضي بدفع الأتعاب المدعي بها. وفي 20/1/1976  أمرت باستبعاد ذلك الحكم شريطة أن يقوم الطاعن بإيداع نصف المبلغ المحكوم به في خزينة المحكمة.

 

  أستأنف الطاعن هذا الحكم الأخير لدى محكمة الاستئناف التي قضت بشطب الاستئناف إيجازياً على أساس أن الحكم المطعون فيه أمامها لا ينهي الخصومة ولا يجوز الطعن فيه على استقلال وفقاً لأحكام المادة 176 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974. لم يرض الطاعن بحكم محكمة الاستئناف وتقدم إلينا بهذا الطعن مؤسساًإياه على الآتي:-

 

1-   أن الحكم الغيابي نفسه معيب من حيث أن المطعون عليه لم يقم الدليل على عدالة ومعقولية الأتعاب التي يطالب بها.

 

2-   إن الحكم القاضي بفتح الدعوى شريطة إيداع نصف المبلغ المحكوم به ينطوي على تعجيز له.

 

3-   إن سلوكه كان يتسم بالجدية ولم يكن هناك ما يبرر إلزامه بدفع نصف المبلغ المحكوم به كشرط لفتح الدعوى.

 

  رد المطعون عليه على هذه الأسباب مؤكداً إن الحكم المطعون فيه مما لا يجوز الطعن فيه على استقلال وفقاً لأحكام المادة 176 من قانون الإجراءات المـدنية لسنة 1974. يعتمد المطعون عليه في هذا على حكم المحكمة في الطعن رقم م ع/ط م/113/75 وعلى حكم محكمة الاستئناف في الاستئناف رقم م أ/ا س م/515/1974م.

 

  السؤال الأساسي في هذا الطعن يتعلق بما إذا كان الحكم القاضي بفتح الدعوى شريطة إيداع نصف المبلغ مما يجوز الطعن فيه وفقاً لأحكام المادة 176من قانون الإجراءات المدنية. في رأيي إن الإجابة على هذا السؤال نفياٌ أو إيجاباً تغنياً عن مناقشة أسباب الطعن الموضوعية التي ساقها الطاعن. أجابت محكمة الاستئناف  على هذا السؤال بالنفي معتمدة على حكم هذه المحكمة في الطعن 113/1976.

 

   بإطلاعي على الطعن المذكور وجدت أن هذه المحكمة قد قضت فعلاً فى 26/11/1975 بأن مثل هذا الحكم لا ينهي الخصومة ولا يجوز الطعن فيه على استقلال ولكن المحكمة العليا نفسها قضت في 21/12/1975 في الطعن 278/75 بأن الحكم الذي يقضي بفتح الدعوى شريطة إيداع المبلغ المحكوم به يعتبر حكماً منهياً للخصومة ويجوز الطعن فيه، وقد جاء في حكم المحكمة العليا المذكور ما يلي:-

 

  "إن عبارة هذا النص (المادة 176) تؤدي بنا وفق المجرى العادي للأمور إلى القول بأن الأمر الذي يصدر أثناء سير الدعوى كي يوصف أثناء سير الدعوى بأنه غير منهٍ للخصومة يتعين أن يرد وفق عبارته ومنطوقه في حد ذاته غير منه  للخصومة دون أن يكون معلقاً على شرط من أي نوع يمكن أن يترتب على تخلفه لأي سبب أن  يصبح الأمر منهياً للخصومة كلها وبصرف النظر عن صيرورته غير منه للخصومة إذا تحقق الشرط المعلق عليه. وعلى هذه الأسس المساقة في هذا الحكم فإن ذلك القرار الابتدائي بتعليقه إلغاء الحكم الغيابي على شرط التوريد إنما يكتسب قانوناً صفة الأمر المنهي للخصومة ويجوز الطعن فيه على استقلال.

 

   النتيجة إذاً أننا إزاء حكمين متعارضين صادرين في هذه المحكمة و إنني أميل إلى الأخذ بما جاء في هذا الحكم عدا الحكم الأخير وللأسباب الواردة فيه.

 

لهذا اقرر إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق لمحكمة الاستئناف للفصل في الاستئناف المقدم إليها وفقاً لما جاء بهذه المذكرة ولا أمر بشأن الرسوم.

 

22/12/1977:

 

القاضي فاروق أحمد إبراهيم:

 

أوافق.

 

29/12/1977:

 

القاضي دفع الله الرضي:-

 

   أوافق لأنه إذا لم ينصاع الطاعن للشرط لأصبح الحكم نهائياً ومن ثم فهو منه للخصومة بهذا المعنى ولا سيما والطعن منصب على الشرط.

 

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

القضاة :

 

سيادة السيد / عبد المنعم الزين النحاس    قاضي محكمة الاستئناف   رئيساً

 

سيادة السيد / محمد ميرغني مبروك        قاضي محكمة الاستئناف       عضواً

 

سيادة السيد / فؤاد الأمين                   قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

 

حكومة السودان   ضد محمد عبد الحليم الأحمدي

 

م أ/أ ن ج/366/1977م

 

 

 

المبادئ:

 

إجراءات جنائية – جواز تسليم المتهم المريض عقلياً أو عصبياً لمن يتولى رعايته – التعهد بالضمان – جواز الإحالة إلى المحافظ . المادة 284 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م .

 

 

            يجوز للمحكمة أن تصدر أمراً بأن يتولى حفظ المتهم الذي يعاني من المرض العقلي أو العصبي أحد أقاربه أو أصدقائه بشرط أن يتعهد من يتولى الرعاية بتقديم الضمان اللازم كما يجوز إحالة مثل ذلك الشخص إلى محافظ المديرية إذا اتضح من الظروف أن حفظه أو عنايته لا يتيسران بأي سبيل آخر .

 

 

ملحوظة المحرر :

 

هذه إجراءات محاكمة القضية المشهورة بقضية ( زينب برقو ) والتي نظرت أمام محكمة كبرى بأمدرمان حيث قررت إدانة عدد من المتهمين ما عدا المتهم الأول محمد عبد الحليم الأحمدي تحت المواد 78/362 و 361و154 من قانون العقوبات وحكمت عليهم بعقوبات مختلفة .

 

أما المتهم محمد عبد الحليم  الأحمدي فقد كان يعاني من مرض عصبي وعلى ذلك فقد قرر السيد قاضي الإحالة فصل قضيته وتأجيلها إلى حين أن يتم شفاؤه وذلك استناداً على قرار السيد رئيس القضاء السابق الذي وجه فيه بتأجيل محاكمة المتهم إذا ما اقتنع السيد قاضي الإحالة بمرضه وعدم قدرته على الحضور أمام المحكمة .

 

المحامون : عبد المتعال بدري ومحمد أحمد عرابي .

 

الحكـــــم

 

2/10/1977 :

 

القاضي محمد ميرغني مبروك :

 

هذا وبعد أن انتهت محاكمة المتهمين المشار إليهم تقدم الأستاذان عبد المتعال بدري ومحمد أحمد عرابي بطلبين للسيد قاضي المديرية لاعتقادهما بأن السيد قاضي الإحالة قد أصدر أمراً بالقبض على موكلهما ( المتهم ) تمهيداً لمحاكمته أو تسليمه للمحافظ وفقاً للمادة 284 من قانون الإجراءات الجنائية ولهذا فإنهما يلتمسان إعادة النظر في ذلك القرار بغرض إلغائه كما يطالبان بحفظ البلاغ استناداً على قرار السيد رئيس القضاء السابق الذي وجه فيه بحفظ الإجراءات في مواجهة المتهم الأول .

 

هذا وقد قرر السيد قاضي المديرية شطب الطلب استناداً على الأسباب الآتية :

 

1- إن السيد قاضي الجنايات لم يصدر أي أمر بالقبض على المتهم المذكور .

 

2- إن إجراءات الكفالة التي أفرج بموجبها عن المتهم معيبة ولا بد من مثول المتهم أمام المحكمة لعمل كفالة جديدة وفقاً لنصوص القانون .

 

3- إن السيد رئيس القضاء السابق لم يصدر قراراً بحفظ البلاغ وإنما وجه بأن تؤجل قضية المتهم إذا ما اقتنعت المحكمة بمرضه وعدم قدرته على المثول أمامها .

 

وعلى ذلك فقد قرر قاضي المديرية السير في إجراءات الدعوى وفقاً لما ورد في توجيهاته المشار إليها آنفاً .

 

ثم تقدم إلينا المحامي محمد أحمد عرابي بهذا الطلب الذي يلتمس فيه الآتي :

 

1- إلغاء قرار السيد قاضي المديرية .

 

2- إبقاء الحالة على ما هي عليه بإلغاء الضمانة الموجودة وإبقاء المتهم مع أهله .

 

3- حفظ البلاغ في مواجهة المتهم الذي لا زال يعاني من مرضه وإن مجرد مثوله أمام المحكمة ربما أودى بحياته أو سبب له عاهة عقلية أو جسدية لا سيما وأن شروط المادة 50 من قانون العقوبات تكون منطبقة وقد ورد الإثبات عليها .

 

وإنني بعد مراجعتي لأوراق القضية أجدني متفقاً مع السيد قاضي المديرية في أن السيد رئيس القضاء السابق لم يصدر أي أمر بحفظ البلاغ ضد المتهم الأحمدي وإنما وجه فقط بإيقاف إجراءات الدعوى في مواجهته إذا ما اقتنعت المحكمة بأنه لا زال مريضاً وغير قادر على الحضور أمامها .

 

وبناء على ذلك فقد قرر السيد قاضي الإحالة في 28/3/72 إرجاء نظر الدعوى على أن يحال المتهم لمستشفى الأمراض العصبية للكشف عليه والإفادة بحالته  أولاً بأول ثم أشارت إجراءات المحاكمة في مواجهة بقية المتهمين إلى أن صدر الحكم ضدهم في 14/7/1976م .

 

ويبدو أنه بعد انتهاء المحاكمة رأت محكمة الموضوع أن تقرر في أمر المتهم الأحمدي إذا كانت حالته الصحية قد تحسنت. وأصبح في وضع يمكنه من الدفاع عن نفسه ولكن قبل أن تتخذ أي إجراء في هذا الشأن بادر المحاميان بتقديم طلبيهما المشار إليهما للسيد قاضي المديرية بحجة أن السيد قاضي الجنايات قد أصدر أمراً بالقبض على موكلهما ( المتهم ) في حين أن شيئاً من ذلك لم يحدث كما أشار السيد قاضي المديرية في مذكرته، ولهذا فإنني لا أرى حاجة لمناقشة هذه النقطة .

 

لقد تعرض السيد قاضي المديرية في مذكرته المشار إليها إلى موضوع الكفالة وناقش بإسهاب النصوص القانونية التي تتحدث عنها كما أشار إلى بعض السوابق القضائية التي صدرت في هذا الشأن . غير أنني أرى أن كل هذا لا علاقة له بقضية المتهم طالما أن المحكمة قد اقتنعت باختلال عقله وعدم قدرته على الدفاع عن نفسه ولهذا فإن الإجراء السليم والذي كان يجب على السيد قاضي الإحالة أن يتبعه هو ما ورد تحت الباب الثامن والعشرين من قانون الإجراءات الجنائية المادة 284 .

 

غير أنه يلاحظ أن السيد قاضي الإحالة قد اكتفى بإحالة المتهم لطبيب الأمراض العصبية ثم أفرج عنه بالكفالة ولكنه لم يتخذ أي إجراء فيما يتعلق بموضوع حفظه وفقاً لنص الفقرة 3 أو 4 من  المادة المشار إليهما حيث ورد فيهما ما يلي :

 

" إذا رأت المحكمة أو القاضي الذي يشرف على التحقيق أن الظروف تسمح بذلك يجوز أن يتولى الحفظ أي شخص يرغب في ذلك من أقاربه أو  أصدقائه وفي هذه الحالة يجوز للمحكمة أو القاضي حسبما يراه ملائماً أن يأخذ على حفظه ضماناً بأن المعتوه يجب أن يعنى به جيداً كما يجب أن يمنع من الإضرار بنفسه أو بأي شخص آخر وإحضاره في الزمان والمكان اللذين تحددهما المحكمة من وقت لآخر ( المادة 384/3 )  . كما يجوز للمحكمة أو القاضي الذي يشرف على التحقيق أن يأمر بإحالة المعتوه لمحافظ المديرية إذا اتضح من الظروف أن حفظه أو عنايته لا يتيسران بأي سبيل آخر ( المادة 384/4) " .

 

وحيث أن السيد قاضي الإحالة لم يصدر أي قرار بشأن حفظ المتهم الأحمدي فإنني أرى ضرورة إعادة أوراق المحاكمة لمحكمة الموضوع لاتخاذ ما تراه مناسباً لاستكمال الإجراءات المنصوص عليها تحت المادة 384 .

 

لقد أشار السيد المحامي إلى تطبيق المادة 50 من قانون العقوبات بحجة أن المتهم لم يكن لديه في وقت ارتكاب الجريمة القدرة على تقدير طبيعة أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون أو العاهة العقلية – وفي اعتقادي أن هذا الدفع سابق لأوانه ولا يجوز إثارته في هذه المرحلة أي قبل تقديم المتهم للمحاكمة إذ أنه لا بد لمحكمة الموضوع من سماع بينات هذا الشأن حتى تستطيع أن تقرر ما إذا كان فعل المتهم لا يشكل جريمة وفقاً لنص المادة المشار إليها .

 

وعليه أرى إذا وافق زميلي المحترمين أن تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الاتهام وفقاً لما جاء في هذه المذكرة .

 

القاضي  عبد المنعم الزين النحاس :

 

3/10/1977م :

 

أوافق .

 

القاضي فؤاد الأمين :

 

4/10/1977م :

 

أوافق .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

محكمة عموم السودان الشرعية

 

القضاة:

 

صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد الطاهر          نائب قاضي القضاة              رئيساً

 

صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الله أحمد يوسف مفتش المحاكم الشرعية  عضواً

 

صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد صالح سوار الذهب قاضي الخرطـوم  عضواً

 

قضية نفقة زوجية متجمدة

 

قرار التمييز 153/1974م

 

الصادر في يوم الخميس 30 رجب 1366هـ

 

الموافق 19/6/1947م

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين- النفقة –متجمد نفقة الزوجية – سقوطها-بالموت- اقترانها بالإذن بالاستدانة .

 

-نفقة الزوجية من باب الصلات التي تسقط المطالبة بمتجمد ها بالموت ما لم تقترن بحكم الإذن بالاستدانة .

 

الوقـــائع

 

بتاريخ 10/11/1946م أصدرت محكمة شندي الشرعية الإعلام 75/1946بانحصار إرث المتوفى في زوجته الباقية بعصمته إلى وفاته وبناته منها الخمسة البالغات وابنته السادسة البالغة من مطلقة له وأخيه الشقيق دون سواهم قسمت التركة التي هي عقارات موضحة بالإعلام عليهم للزوجة الثمن فرضاً وللبنات الثلثان كذلك بالتساوي بينهن ولأخيه الشقيق الباقي تعصيباً وادعت الزوجة المذكورة على المتوفى نفقة متجمدة بموجب الحكم 12/ 1934 ومقار هذا المتجمد لغاية آخر يونيو سنة 1941م وهو 27658 مليمجـ والمستحق شهرياً من أول يونيو 1941هو 356 مليماً وقد طلبت محكمة شندي الشرعية من المحكمة الجزئية بشندي تنفيذ هذا الحكم فلم تنفذه وأعادته للمحكمة في 14/12/ 1942م- وهنا طلبت الزوجة من محكمة شندي استبعاد هذا المتجمد – من التركة فاطلعت المحكمة على صورة الحكم المذكور فتبين لها أن المحكم لها لم تؤذن بالاستدانة لذلك سقط المتجمد بموت المحكوم عليه وفهمت الزوجة بذلك.

 

وبتاريخ 13/12/1947م طعنت الزوجة في هذا الإعلام فاطلعت محكمة التمييز على الأوراق وقررت الآتي :-

 

الأســـباب

 

قدم الطعن بالتمييز في موعده القانوني فهو مقبول شكلاً وبما أن الطاعنة بنت طعنها في الإعلام على أن نفقتها المتجمدة واجبة الأداء في التركة وبما أن النفقات من باب الصلات التي تسقط بالموت ما لم يقترن الحكم بها بالإذن بالاستدانة وحكم النفقة لم يقرن بذلك فالحكم الابتدائي مبني على سبب صحيح .

 

لهــــذا

 

قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع تأييد الإعلام المطعون فيه ورفض الطعن .

 

 

 

 

 

 

 

(محكمة الاستئناف الشرعية العليا)

 

 

 

صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عبد الماجد علي أبو قصيصة    قاضي القضاة                   رئيساً

 

صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ عوض محمد أحمد               عضو محكمة الاستئناف        عضواً

 

صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ أحمد عمر محمد                 عضو محكمة الاستئناف        عضواً

 

قضية إبطال هبة عقارية

 

قرار التمييز 96/1968

 

الصادر بتاريخ 15/2/1968.

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين- إبطال الهبة- دعوى خرف الواهب- رجحان تقديم بينة الصحة .

 

تقديم بينة المرض على بينة الصحة جاء في غير موضعه إذ الواجب تقديم بينة الصحة أولاً لأنها الحجة الراجحة شرعاً

 

 

 

 

 

الوقـــائع

 

تضمنت دعوى المميزين على المميز دهما في القضية الابتدائية بأن مورثهم المتوفى قد سبق أن وهب للمميز ضدهما بالاشهاد 70/ مرور/ 1960 محكمة الخرطوم بحري الشرعية حبلاً 7/1  2 زراعاً بالحصة 3 بالساقية 6 حلفاية الملوك و 15/24 من الحبل بالحصة 4 و 8/24 من الحبل بالحصة 1 من الساقية المذكورة مناصفة بينهما كما وهب لهما بالاشهاد 24/مرور/ 1961 محكمة الخرطوم بحري الشرعية حبال سداسية بالساقية 11 الدولتان مناصفة بينهما بدون عوض مع أنه كان في حالة خرف لكبر سنه وطلبوا الحكم لهم عليهما بطلب الهبتين المذكورتين واعتبار الأطيان الموهوبة تركة لمورثهم تورث عنه .

 

المدعى عليهما صادقتا على حصول الهبتين المذكورتين بالاشهادين وادعتا بأن الواهب كان سليم العقل وبالحالة المعتبرة شرعاً في صحة الإقرارات طلبتا رفض الدعوى. وكلفت المحكمة المدعين بإثبات دعواهم أن الواهب كان خرفاً ولا يعي شيئاً لكبر سنه فجاءوا بشهود شهدوا أن الواهب كبر في السن حتى خرف وقد أبدى وكيلا المدعى عليهما ملاحظاتهما على شهادتهم وأخيراً استشارت المحكمة صاحب الفضيلة قاضي القضاة في الموضوع فجاءت إفادة نمرة 2/استشارة/1966م رقم 4/7/1966 دالة على أن الاشهادات حجة رسمية في جميع ما اشتملت عليه ولا تقبل الطعن إلا بالتزوير كالمادة(120) لائحة ترتيب ونظام المحاكم الشرعية.

 

وبتاريخ 28/7/1966 قررت المحكمة حضورياً رفض الدعوى . وبتاريخ 11/8/1966 تقدم المحكوم ضدهم بواسطة محاميهم بعريضة طعنهم في الحكم المذكور لفضيلة قاضي محكمة الخرطوم العليا الشرعية وطلبوا إعادة النظر لهم فيه بطريق الاستئناف وبعد أن أعيد لهم النظر فيه استمعت المحكمة لأقوال الطرفين وقطعت في القضية شوطاً طويلاً وقرت بتاريخ 15/5/1967 شطب القضية لغيبة المستأنفين وبناءً على طلب محامي المستأنف ضدهما .

 

وبتاريخ 21/9/1967 تقدم المحكوم ضدهم بواسطة محاميهم بعريضة طعنهم في الحكم المذكور لمحكمة الاستئناف العليا الشرعية وطلبوا إعادة النظر لهم فيه بطريقة التمييز وبعد أن اطلعت هيئة التميز على الأوراق أصدرت قرارها الآتي:_

 

الأســـباب

 

أن الحكم الابتدائي قد بني على إجراءات غير صحيحة فهو بالتالي غير صحيح وذلك لأن المحكمة الابتدائية قد كلفت المدعيين إثبات دعواهم أن الواهب كان وقت الهبة خرفاً لا يعي شيئاً لكبر سنه ولم تكلف المدعى عليهما بإثبات دعواهما أن الواهب كان وقت الهبة صحيح العقل وبحالة معتبرة شرعاً في صحة الإقرارات وحيث أن بينة العقل مقدمة شرعاً على بينة الجنون فينبغي والحالة هذه قبول الطعن بإلغاء الحكم المطعون فيه لعدم صحة أسبابه .

 

(لــــذا)

 

قررنا قبول الطعن شكلاً وموضوعاً إلغاء الحكم المطعون فيه لعدم صحة أسبابه وإعادة القضية لمحكمتها للسير فيها من جديد تحت ضوء الأسباب المذكورة .

 

 

 

 

محكمة الاستئناف

 

دائرة الأحوال الشخصية

 

 

 

القضاة:

 

صاحب الفضيلة الشيخ  صديق أحمد عبد الحي                               أعضاء المحكمة                  رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ محمد السنوسي إبراهيم                     أعضاء المحكمة                عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ محمد زين العابدين                                    أعضاء المحكمة                  عضواً

 

قضية نفقة زوجية وبنوة

 

قرار التمييز 526/1972م

 

الصادر بتاريخ 23/7/1972

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين- نفقة زوجية وبنوة- مرض أحد الوالدين –حق الزوجة في تعهدهم.

 

إذا خرجت الزوجة لكي تتعهد أحد أبويها بسبب مرضه واحتياجه إليها وليس له غيرها فليس للزوج أن يمنعها من تعهده .

 

 

 

(الموضوع)

 

ادعت المميزة على المميز ضده بـأنه زوجها ورزقت منه ببنت عمره 14 شهراً وقطع عنها النفقة من 11/8/1971- وموسر بدخله وطلبت نفقتها وابنتها وأجرة مسكن وخادم .صادق على الزوجية وبنوة الينت ودفع طلب النفقة الزوجية بالنشوز وادعى أنها خرجت من منزله في 11/8/1971 وقطع عنها النفقة لنشوزها مع أنه طلب منها العودة إلى منزل الزوجية فأبت وأنه قطع النفقة من ابنته كذلك . صادقت على انها خرجت من منزله وقالت أن ذلك بإذنه وقد أرسلها لزيارة والدتها التي وضعت جنيناً ميتاً واقتضت الظروف أن تكون بجوار والدتها المريضة واتصلت به تليفونياً ورجته أن يتركها بعض الوقت . ورفض ثم طلبت منه أن يحضر لأخذها لبعد المسافة وأنها لا تملك أجرة المواصلات فرفض وقال إن هذا ليس من شأنه .صادق على أنه أذن لها بزيارة والدتها على أن تحضر في نفس اليوم ، ولم تحضر ولم تطلب منه أجرة ولا حضر هو لأخذها وقدر نفقة البنت ما لم ترض به وطلبت بينة على أنه طلب منها العودة فأحضرها واستمعت المحكمة إلى رأي الخبراء وحكمت بنفقة البنت ونفقة الزوجة .

 

في يوم 20/4/1972 طلب الاستئناف أمام قاضي الدرجة الأولى وصدر الاستئناف بإلغاء الحكم الابتدائي بالنفقة الزوجية وتأييد نفقة البنت دون تحقيق في دعوى المدعية أنها طلبت من المدعى عليه الحضور لأخذها وإرسال مصاريف لعودتها وفي 24/4/1972 طلبت التمييز .

 

(الأسباب)

 

الطعن قدم في ميعاده القانوني فهو مقبول شكلاً حيث أن المتداعيين إتفقا على أن المميزة خرجت بإذن زوجها وحيث أنها صادقت على أنه اتصل بها تليفونياً وطلب منها العودة فوراً ولم تعد لمرض والدتها وحيث كان الواجب البحث عن مرض والدتها هل تحتاج إليها للقيام بشأنها وليس لها غيرها لأن حق الولد هنا مقدم على حق الزوج وحيث أن المميزة ادعت أنها قبلت العودة إلى منزل الزوجية وطلبت من زوجها الحضور لتنتقل معه أو إرسال مصاريف لعودتها فلم يفعل ، وحيث كان الواجب التحقيق في دعواها لأن مصاريف الانتقال واجبة على الزوج وحيث أن ذلك لم يتم من محكمة الاستئناف التي قررت إلغاء حكم النفقة الزوجية .

 

(لــــذا)

 

قررنا قبول الطعن شكلا وفي الموضوع إلغاء حكم الاستئناف في النفقة الزوجية وتأييده فيما عدا ذلك وعلى المحكمة الكلية السير في دعوىالإستئناف بالنفقة الزوجية من جديد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

صاحب الفضيلة الشيخ    شيخ محمد الجزولى  قاضى القضــــاة       رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ   عبد الرحيم حسين الصائغ   قاضى المحكمة العليا عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي   ضى المحكمة العليا     عضواً

 

قضية طلب إسقاط حضانة

 

قرار النقض الرقم 15/ 1976

 

الصادر بتاريخ 2/2/1976م الموافق الثاني من صفر 1396هـ

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين –الإجراءات- حجية الأحكام الابتدائية- الأسباب المؤقتة – مناقشتها بواسطة محكمة الاستئناف – إصدار حكم جديد .

 

الحكم الابتدائي المؤسس على أ سباب مؤقتة ترتبط حجيته بقاء تلك الأسباب فإن الطعن فيها بالاستئناف يتعين على محكمة الاستئناف مناقشتها ولو بغير طلب من الخصمين ومتى ثبت انقضاؤها أو زوالها فيتعين عليها حينئذ إصدار حكم جديد مؤسس على ما ثبت لديها في الموضوع .

 

(الوقــائع)

 

ادعى المدعي أمام محكمة أمد رمان الجزئية على المدعى عليها بأنها كانت زوجته وطلقها بعد أن رزق منها بأولاده الأربعة القاصرين وأعمارهم على التوالي 13 و 12 و 11 و 10 سنوات وبيدها تزوجت برجل أجنبي عنهم وطلب إسقاط حضانتها وضم أولاده إليه .

 

صادقت المدعى عليها بلسان محاميها على الدعوى وتجاوز أولاده سن الحضانة ما عدا واحدة فقالت أن عمرها سبع سنوات وأنها تزوجت برجل أجنبي عن المحضونين ولكنه طلقها بموجب الوثيقة 32 من الدفتر 4594 بتاريخ 7/6/1975 وأن الطلاق كان سابقاً لتاريخ استخراج الوثيقة طلقة ثانية رجعية وقد اطلعت المحكمة على وثيقة الطلاق من الزوج فوجدتها صحيحة – دفع المدعي بأن تاريخ الطلاق كان قبل سماع الدعوى بيوم واحد والمقصود منه إبطال حقه في المطالبة بأولاده ومع ذلك فإن أولاده تجاوزوا سن الحانة ويطلب أيضاً حقه في حضانتهم لأجل ذلك– وبعد مناقشة من محامي المدعى عليها من حقه في طلب الحضانة لسبب جديد بعد أن شرح دعواه سابقاً رأت المحكمة أن له الحق في ذلك- ثم ادعت المدعى عليها أنها أصلح لحضانة أولادها الذين تجاوزوا سن الحضانة لأنها متفرغة لخدمتهم وأن أحد أولادها كسيح ولا يستطيع الوقوف على قدميه ولا يتحرك إلا بمعاونة أمه وأنها حريصة على تعليمهم وأدخلتهم المدرسة في الميعاد القانوني ومضت تقول أن والدهم موظف حكومي مشغول بعمله ولا يستطيع الإشراف عليهم خاصة الولد المقعد .

 

أجا ب المدعى بأن المدعى عليها غير متفرغة ومشغولة بعملها كداية ولا تصلح للحضانة وأنه سوف يحضر شهادة ميلاد البنت الصغيرة  ثم قال أن الطلاق الذي وقع على المدعى عليها رجعي ولا تزاول في العدة أجابت أن الطلاق سابق لاستخراج الوثيقة وقد انقضت عدتها منه غير أن الوثيقة استخرجها مطلقها لاحقاً .

 

في 22\6\1975 أصدرت المحكمة حكمها بإسقاط حضانة الأم وضم الأولاد لوالدهم وقالت الوثيقة حجة في الطلاق وهو رجعي لا تزال المدعى عليها في العدة وتعتبر زوجة ولا حق لها في الحضانة . في ذات التاريخ طلبت المحكوم عليها الاستئناف أمام قاضى المديرية وقالت أصلح لحضانة أولادها الذين تجاوزوا سن الحضانة وأهل لمن هي في سن الحضانة  وغير ذات زوج ومع ذلك حكمت المحكمة الابتدائية بضم الأولاد لوالدهم وطلبت إلغاء الحكم.أجاب المستأنف ضده بأن طلاقها من زوجها الأجنبي كان رجعياً ولا تزال في عدة الطلاق وتعتبر زوجة حكما فهي ليست أهلاً للحضانة وطلب تأييد الحكم الابتدائي _ دفعن بأن الطلاق كان قبل استخراج الوثيقة فهمت المحكمة المستأنفة بأن في إمكانها رفع دعوى جديدة وأصدرت حكمها بتاريخ 15/11/1975م بتأييد الحكم الابتدائي وجاء في الأسباب أن الزوجة حين صدور الحكم الابتدائي كانت في العدة . والحكم بني على أسباب صحيحة وينبغي تأييده.

 

في 20/11/1975 قدمت عريضة الطعن بالنقض وجاء فيها أن الطاعنة أصلح لحضانة أولادها وخاصة فإن أحد أبنائها مشلول وفي حاجة إلى عنايتها وأن المطعون ضده لا توجد له امرأة ترعى الأطفال أثناء غيابه في العمل غير زوجته في كسلا ووالدته في دنقلا وأنها غير متزوجة وأن زوجها قد طلقها أولادها في حاجة إلى رعايتها وطلبت إلغاء الحكمين .

 

أجاب المطعون ضده بأن ولده المدعى بأنه مشلول لم يكن مشلولاً وإنما عنده تحول بسيط في رجليه وتعالج والآن في المدرسة وأن الطاعنة غير مستقيمة وتعمل داية وتغيب يوما أو يومين ومع ذلك مزواجة تزوجت برجلين بعده وأنها لعوبة ينتقدها المجتمع ولا تعمل حساب لأهلها ولا لأطفالها .

 

(الأسباب)

 

الطعن مقبول شكلاً وفي الموضوع فقد ثبت أن المحكمة الجزئية قد بنت حكمها بإسقاط الحضانة على أن الطاعنة لا تزال في عدة الطلاق الرجعي وهي زوجة حكماً لأجنبي عن المحضونين .

 

تقدمت الطاعنة باستئناف الحكم المذكور وأسست طعنها على أنها ليست زوجة بعد ... وقد انقضت عتها من طلاقها المشار إليه وطلبت إلغاء الحكم الابتدائي .

 

صدر قرار الاستئناف في 15/1/1975 بتأييد الحكم الابتدائي لأنه بني على سبب سليم ولم تناقش محكمة الاستئناف الادعاء بانقضاء العدة رغم أن الطاعنة طلقت بإشهاد رسمي في 7/6/1975 وأن دعوى الاستئناف سمعت في 19/8/ 75 وقد مضى حين ذاك مدة تحتم انقضاء العدة وقد صدر قرارا الاستئناف في15/11/1975 أي بعد أكثر من خمسة أشهر من تاريخ الطلاق بما يؤكد صحة الادعاء .

 

إن محكمة الاستئناف محكمة الموضوع يدخل في اختصاصها تمحيص وقائع النزاع وتطبيق القانون على تلك الوقائع وقد أغفلت المحكمة التحقيق في واقعة انقضاء العدة التي بني عليها الاستئناف والتي يقتضي ثبوتها بطلان الطاعنة القانونية التي بني عليها الحكم الابتدائي وهي بقاء زوجية الطاعنة حكماً بأجنبي لعدم انقضاء عدتها .

 

إن الحكم الابتدائي قد اتسم بالتعجل والتمسك بالشكليات التي تتعارض واستقرار الأحكام وما تتطلبه مصلحة المحضونين . فقد كان على المحكمة الجزئية أن تؤجل الفصل في الدعوى حتى تنقضي عدة الطاعنة ثم تسير في الدعوى على الأسس الثابتة المقرة لإسقاط الحضانة وذلك تفادياً لصدور أحكام متعارضة ينتقل الأطفال بسببها من حاضن إلى آخر خاصة وأن السبب الذي بني عليها الحكم الابتدائي سبب مؤقت يزول ويتغير بفعل الزمن وقد كان قرار الاستئناف خاطئاً أيضاً لأن صحة الحكم الابتدائي لا تمنع من إلغائه إذا كانت وقائع النزاع قد تغيرت بغير تدخل من المستأنفة ، في مرحلة الاستئناف أو كان الحكم الابتدائي قد بني على سبب مؤقت وهذا أمر نادر الحدوث في غير مسائل الأحوال الشخصية ولكنه إن حدث فإنه يمنع الأخذ بحجية الحكم الابتدائي في حسم النزاع _ وقد أخطأت المحكمة الاستئنافية في عدم مناقشتها للادعاء بانقضاء العدة وإصدار قرارها وفقاً لما ثبت أمامها من واقع (إما بإعادة القضية مرة أخرى إلى محكمتها بمقتضى الفقرة (ج)من المادة نمرة (205) أو بإصدار حكم جديد وحيث ثبت أن قرار الاستئناف غير صحيح فيتعين إلغاؤه وإعادة القضية للسير فيها من جديد أمام المحكمة الجزئية على أساس ما جاء في هذه الأسباب .

 

(لهــــذا)

 

قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء حكم المحكمة الاستئنافية في القضية نمرة 78/س/1975 وإعادة القضية للسير فيها من جديد أمام المحكمة الابتدائية .

 

 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولى           قاضى القضاة          رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ    قاضى المحكمة العليا   عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي     قاضى المحكمة العليا   عضواً

 

قضية نفقة

 

قرار النقض 63/1976م

 

الصادر بتاريخ 22/4/1976م الموافق 22 ربيع الثاني 1396هـ

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين – قضية نفقة زوجية – إعمال المادة (70) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974- مد فترة التقاضي – رعاية الأسباب الكافية للمد .

 

- إذا توفرت الأسباب الكافية لإعمال المادة (70) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974- الخاصة بسلطة المحكمة في مد فترة التقاضي ، يتعين أن تكون تلك الأسباب أولى بالرعاية وذلك تحقيقاً للعدالة الناجزة والبت بالسرعة المعقولة في منازعات الخصوم .

 

(الوقـــائع)

 

لقد صدر حكم الاستئناف في 29/7/1975 بحضور محامي الطاعن وقدم الطاعن طعنه بالنقض في 9/11/1975م وطلب قبول طعنه رغم فوات المدة القانونية لأنه كان مريضاً بالمستشفى التي حمل إليها في 27/7/1975 وخرج منها في 3/9/1975م وطل يتردد على الطبيب حتى حجز عليه تنفيذاً للحكم في 18/11/75 عند ذلك اتصل بمحاميه الذي أخطره بصدور حكم الاستئناف مؤيداً للحكم الابتدائي وتقدم بطعنه في 9/11/1975م.

 

فهل فيما ذكره الشاكي ما يبرر إعمال المادة(70) من قانون الإجراءات لمد فترة الطعن بالنقض حتى 9/11/1975م .

 

(الأسباب)

 

إن ما ساقه الطاعن من أسباب لا يبرر على الإطلاق قبول طعنه بعد مضي المدة القانونية للأسباب الآتية .

 

إن حضور المحامي جلسة 29/7/1975 التي صدر فيها قرار الاستئناف نيابة عن الطاعن يجعل الحكم حضورياً في حق الشاكي بنص القانون دون حاجة إلى إعلانه .

 

إن الشاكي قد عاد إلى السودان بإقراره في 27/7/1975 قبل صدور قر ار الاستئناف وأن وجوده بالمستشفى لا يمنع أو يحول دون اتصاله بمحاميه خاصة وأنه قد خرج من المستشفى في 3/9/1975م . بإقراره ولم يتقدم بطعنه إلا بعد شهرين من هذا التاريخ .

 

إن مدة الطعن في الأحكام الحضورية تبتدئ من تاريخ النطق بالحكم وليس من تاريخ الإعلان بالحجز أو التنفيذ للحكم .

 

إن الغرض من تحديد مواعيد لاتخاذ إجراءات معينة خلالها هو تحقيق العدالة الناجزة والبت بالسرعة المعقولة في منازعات الخصوم ومن ثم فإن الأسباب الكافية التي تنص عليها المادة نمرة 70 إجراءات لسنة 1974لمد هذه المواعيد استناداً إلى الغرض المذكور يتعين أن تكون تلك الأسباب أولى بالرعاية في تحقيق العدالة الناجزة والبت بالسرعة المعقولة في منازعات الخصوم وليس فيما ساقه الشاكي من أسباب ما يبرر مد ميعاد الطعن وفقاً لأحكام المادة 70 إجراءات .

 

(لهــــذا)

 

قررنا رفض الطعن شكلاً. 

 

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد الجزولى                       قاضى القضاة       رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ    قاضى المحكمة العليا            عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ الصديق محمد السنوسي إبراهيم  قاضى المحكمة العليا       عضواً

 

قضية هبة

 

قرار النقض 1/1977م

 

الصادر في يوم الاثنين 5 صفر 1397هـ الموافق 24 يناير 1977م

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين _ قضية هبة _ الخطأ الإجرائي _ قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974_ الأخذ بالخطأ الإجرائي يضر بالعدالة _استلام الواهب للأجرة ينافي قبض الهبة _ توجيه اليمين لوكيل النيابة أو الموظف العام .

 

 

            إذا رأت محكمة الاستئناف أن قرارها الذي أصدرته برفض الاستئناف شكلاً لفوات المدة القانونية خطأ يجب عليها أن ترسل القضية للمحكمة العليا طبقاً لأحكام المادة 182/2 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974م .

            2-  الأخذ بالخطأ الإجرائي الذي لم يؤثر على سلامة الحكم أو صحة الاختصاص فإن إلغاء الحكم بموجبه وإعادة القضية لمحكمتها للسير فيها من جديد يضر بالعدالة ويضاعف العمل أمام المحكمة .

            3-  استلام المتوفاة لأجرة المنزل المتنازع عليه بنفسها حتى توفيت يدل على أن سكن الموهوب له بالمنزل لم يكن سكن حيازة وقبض .

 

 

4-  توجيه اليمين إلى وكبل النيابة أو الموظف العام في حالة إنكار الدعوى الممثلين فيها تطلب لنفي العلم .

 

(الوقـــائع)

 

الطعن قد استوفى إجراءاته القانونية . وقد ادعى الطاعن أمام المحكمة الجزئية بمحكمة المديرية بالأبيض في القضية نمرة 489/1975م بأن المرحومة قد توفيت وأنه لا وارث لها وكانت قد وهبت له في حال حياتها سنة 1970 القطعة 19 مربع E.S.N) بالأبيض وقد توفيت في 6/10/1974 وأن الهبة كانت ناجزة بغير عوض في حال نفاذ تصرفاتها وأنه قد قبل الهبة وحازها بالفعل وسكن فيها ولكنه لم يتم التسجيل وقد طلب حصر تركتها في أثناء السير في التركة وجه برفع دعوى إثبات الهبة وطلب إثباتها .

 

وقد أجاب وكيل نيابة كردفان عن النائب العام بأنه يصادق على وفاة المتوفاة وأنه لا وارث لها ولكنه لا يصادق على حصول الهبة وطلب رفض الدعوى _ طلبت المحكمة من الطاعن الإثبات _ وقد أتى بشاهدين وبعد أن حلف أحدهما اليمين شهد بأن المتوفاة في سنة 1970 وفي حال نفاذ تصرفاتها وهبت للطاعن القطعة 19/ ن/ س/أ مدينة الأبيض وقد قبل الطاعن الهبة وحازها وكان يقيم في القطعة ويدفع العوائد وقد ناقش وكيل النيابة الشاهد فسأله عن سبب الوفاة وقد أجاب على سؤاله كما سأله عن المكان الذي كانت تقيم فيه فأجاب الشاهد بأنها كانت تقيم في نفس القطعة ثم حضر شاهد آخر واتضح أنه ابن الطاعن . ثم حضر شاهد آخر ولم يشهد بشئ وقال الطاعن أنه لا بينة له غير من أحضرهم _ ثم حلفت المحكمة وكيل النيابة بالأبيض اليمين على نفي العلم بالهبة .وفي 8/9/1976 أصدرت المحكم حكمها برفض الدعوى وجاء في الأسباب أن الطاعن عجز عن الإثبات وحلف ممثل الحكومة اليمين على نفي العلم بالهبة واستدل على ذلك بما جاء في كتاب المرافعات لمعوض ص 1،3 .

 

وفي 28/9/1975 تقدم محاميه بطلب الاستئناف أمام محكمة المديرية بالأبيض وقال فيه أنه قد صدر قرار المحكمة الجزئية بشطب قضية الهبة المقدمة من موكله وقد أحضر موكله شهوداً استمعت المحكمة إلى شهادة ثلاثة منهم ورفضت شهادة الآخرين .

 

وفي 3/11/1975 سارت المحكمة في الاستئناف وقررت حضورياً رفض الاستئناف شكلاً لفوات المدة القانونية . ثم في 26/12/1975 قرر قاضي المديرية بأنه قد تأكد للمحكمة وجود خطأ في تاريخ العريضة المصرح عليها بالاستئناف ولهذا قرر إلغاء قرار الرفض واعتباره كأن لم يكن على أن يعلن المستأنف لدفع باقي الرسم .

 

وعند سماع الاستئناف ادعى محاميه أن المتوفاة وهبت لموكله القطعة 19 مربع(E.S.N)      في حال حياتها وقبلها وحازها وقبضها في حال حياتها وكان يقوم بدفع العوائد وقد كانت الهبة أمام شاهدين هما شقيق المستأنف وابنه وقد رفضت المحكمة شهادة الثاني لقرابته بالمستأنف وحاول موكله تدعيم الشهادة بشاهد آخر سمع أن المتوفاة قد ذكرت له بأنه ليس لها وارث سوى الطاعن وأن أموالها جميعها له وبما أنه ليس الوارث الشرعي لها المفهوم ضمناً أنها وهبت له هذه الحقوق أو تنازلت عنها له .وحلفت المحكمة وكيل النيابة اليمين من البديهي أنه كموظف عام ليس له صلة بالمتوفاة الواهبة أو المستأنف فمن باب أولى أن لا يكون له علم ويمكن لأي شخص أن يؤدي مثل هذه اليمين ووكيل النيابة لم يقطع يقيناً بعدم الهبة ونفى علمه فقط فيمكن أن ترد اليمين على المستأنف ليكون الأمر يقيناً للمحكمة وطلب إلغاء الحكم .

 

وقد أجاب ممثل الحكومة على الدعوى بأنه صادق على وفاة المتوفاة ولكنه لا يصادق على دعوى الهبة للأسباب الآتية :_

 

1-  تنص المادة 13 من المنشور الشرعي 41 على أن الهبة تبطل إذا جن الواهب أو مرض قبل الحيازة أو إذا اتصل المرض بالجنون بموته ولم يفق من أيهما إلى وقت الوفاة وعلى ذلك فإن مرض الواهب قبل حيازة الهبة وقبضها بواسطة الموهوب له بطلب الهبة إلا إذا أفاق الواهب من مرضه وأقرها فترجع الهبة صحيحة .

 

2-  ولقد ثبت أمام المحكمة من أحد الشهود أن المتوفاة أصابتها الحمى والإسهال و أنهما كانا السبب في وفاتها أي أنها لم تشف حتى  وفاتها ظلت تسكن في القطعة موضوع الدعوى ولم تخلها وأن جميع أشيائها ومعلقاتها موجودة بالقطعة المذكورة حتى وفاتها أي أن المستأنف لم يحز القطعة الحيازة الشرعية الكاملة ولم يطالب بها حتى وفاة مالكتها وحائزتها .

 

3-  أما من ناحية الإثبات في الهبات فقد ثبت أمام محكمة أول درجة أن المستأنف لم يسجل الهبة التي يدعيها ولم يستطع إثباتها لأنه لم يأت بغير شاهد واحد في حين أنه لإثبات الهبة لا بد له من شاهدين .

 

4-  أما الشاهد الثاني فإن أقواله التي أدلى بها لا تنصرف بأي حال من الأحوال إلى الهبة لهذه القطعة ، القطعة المعنية فإذا كانت الواهبة تريد أن تهب للمستأنف تلك القطعة المعنية فما الذي كان يمنعها من إخبار الشاهد بذلك بل إن الواضح أن الشاهد كان يقودها بصفته المعالج الذي أحضره المستأنف ولإظهار امتنانها لعمل المستأنف كانت تذكره بخير أمام الشاهد ولكنها أبداً لم تعلن هبتها للقطعة أمامه .

 

5-  لكل ذلك نلتمس شطب الاستئناف بالرسوم وتسجيل القطعة لإدارة العمومية .

 

رد محامي الطاعن بأن موكله كان ينزل في نفس المنزل مع الواهبة وظل بعد وفاتها حائزاً على القطعة وكان يقوم بإصلاح المنزل ويسكن فيه وأولاده ، الذين يدرسون بالمدارس بالأبيض _ كما أن ضيوفه ينزلون بنفس المنزل . وأن المنزل القائم على القطعة مكون من ثلاث غرف تسكن الواهبة في إحدى الغرف الثلاث والغرفتان يستغلهما المستأنف لأولاده ولضيوفه ولم يسكن الطاعن لفترة طويلة فيه بل كان يسكن في منزله المجاور لهذا المنزل ولديه ما يثبت حيازته للمنزل الموهوب أثناء حياة الواهبة .

 

ورد ممثل النائب العام بأنه يلتمس عدم شهادة شهود جدد للآتي:_

 

1-  محامي المستأنف قد أقر بأن المستأنف لا يسكن القطعة بسبب سكن المتوفاة في القطعة وتنعدم الحيازة الاعتيادية لسيطرة المتوفاة طيلة حياتها على القطعة .

 

2-  محامي المستأنف ليس له سبب يبرر تقديم شهود جدد ليشهدوا في نفس النقاط التي كانت معروضة أمام محكمة أول درجة .

 

ثم سألت المحكمة محامي الطاعن بقولها :" لقد التمست أن تسمع المحكمة شهود موكلك وقد سبق أن استفسر ته المحكمة الجزئية عما إذا كان لديه شهود آخرين فأجاب بالنفي .

 

وقد رد محامي الطاعن بأن موكله كان حاصراً ذهنه في شهادة الرجال فقط وما تطرق على ذهنه أن الشهادة بالنسبة للنساء تقبل وأخيراً تذكر بأن هنالك امرأتين يمكن أن تشهدا بالهبة وتقيمان بنفس المنزل – ثم أذنت المحكمة في سماع شهادة الشهود . فأعادت الشهادة فشهد الأول بأن المتوفاة قد وهبت منزلها نمرة 119 المربع الثاني في حال حياتها وصحة إقرارها ونفاذ تصرفاتها وكانت تقيم معه في المنزل ولم ينفرد بالحيازة ولكنه كان يقوم بدفع العوائد ويقوم بكفالتها حتى وفاتها وتوجد قطية داخل الحوش الذي ذكره مؤجر لشخص آخر وكانت تستلم الإيجار حتى وفاتها وبعد وفاتها استلم إيجار القطية _ ثم سأل وكيل النيابة عما إذا كان المرض الذي أصابها قد شفيت منه أم لازمها حتى الموت وهل لها أمتعة بالمنزل فرد الشاهد بأن المرض لازمها حتى الموت و لها أمتعة بالمنزل .

 

ثم قال محامي الطاعن أطلب سؤال الشاهد عن الوقت الذي تمت فيه الهبة أهي في زمن المرض أو قبله – فأجاب الشاهد بأن الهبة قد تمت قبل المرض الذي ماتت فيه .

 

ثم أحضر الشاهد امرأتين وقد شهدتا معاً بأن المتوفاة قد وهبت للمستأنف المنزل الذي كانت تسكنه هبة ناجزة قبل خمس سنوات وظلت تكرر ذلك حتى وفاتها ولم تخل المنزل ليسكن فيه الموهوب له منفرداً بل كان يسكن معها في غرفة .

 

ثم أصدرت محكمة المديرية حكمها في 2/2/1976 بتأييد الحكم المطعون فيه ورفض الطعن . وفي 15/2/1976تقدم محاميه بعريضة طالباً النقض _ وقد اتضح أن محاميه لم يجدد رخصته لعام 1976 أمام المحاكم الشرعية وقد كتب للطاعن نفسه فبعث بالعريضة المؤرخة في 9/7/1976م وقد كرر فيها ما ذكره سابقاً في القضية الابتدائية والاستئناف أمام محكمة المديرية . وقد أعلنت العريضة

 

وقد جاء رد وكيل نيابة مديرية كردفان عليها وقال :_

 

لقد ثبت في البينات المقدمة في محكمة أول درجة أن المتوفاة لم تتسلم الهبة ولم تتخلى عن الاستفادة بالعقار حتى وفاتها .

 

وأن مرض وفاتها اتصل حتى موتها . المادة 13 من المنشور الشرعي 41 ينص على بطلان الهبة إذا جن الواهب أو مرض قبل الحيازة أو اتصل المرض أو الجنون بالموت ولم يفق من أيهما إلى وقت حضور الوفاة _ لقد أثبت الشهود أمام محكمة أول درجة أن المتوفاة أصابتها الحمى والإسهال وكان ذلك سبب وفاتها وأ ذلك المرض اتصل دون انقطاع أو إفاقة حتى وفاتهـا .

 

وأن المتوفاة لم تقم بتسليم العقار للطاعن سواءً صورياً أو فعلياً حتى وفاتهـا إذ استمرت تستمتع بالعقار وبه حاجياتها حتى حضرتها الوفاة .

 

هذا وبالإضافة إلى أن إثبات الهبة يتطلب إحضار شاهدين لذلك وهذا ما فشل فيه الطاعن .

 

عليه تقدم يلتمس تأييد الحكم الصادر في الدعوى وشطب الطعن .

 

الأســـباب

 

إن محكمة المديرية قد أخطأت إجرائياً عندما رجعت عن قرارها الأول القاضي برفض الاستئناف شكلاً لفوات المدة القانونية والسير في إجراءات الاستئناف بعد أن وضح لها أن الاستئناف قدم في ميعاده القانوني ، فقد كان عليها إذا رأت أن قراراها الذي أصدرته خطأ أن ترسل القضية للمحكمة العليا إلا أنها لم تفعل ذلك وسارت في القضية حتى أصدرت قرارها الأخير . لقد أصبح من واجب هذه المحكمة أن تقيم ذلك الخطأ من الناحية القانونية . إن المادة 182 الفقرة (2) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 قد تعرضت للأخطاء الإجرائية وقد وضح فيها أنه لا يلغى الحكم المطعون فيه أو يعدل أو تعاد القضية لإعادة المحاكمة بسبب خطأ في تحديد الخصوم أو أسباب الدعوى أو بسبب خطأ في الإجراءات ما لم يكن مثل هذا الخطأ قد أثر في سلامة الحكم أو صحة الاختصاص . والسؤال هنا حسبما جاء في المادة هل ذلك الخطأ الإجرائي قد أثر في سلامة الحكم أو صحة اختصاص المحكمة ؟ يقيناً أن ذلك لم يؤثر على سلامة الحكم لم يحصل فيه تغيير وبلا شك أن الأخذ بذلك الخطأ وإلغاء الحكم بموجبه وإعادة القضية لمحكمتها للسير فيها من جديد يضر بالعدالة ويضاعف العمل أمام محكمة الاستئناف لأنها ستعود وتسير مرة أخرى وتصدر نفس الحكم وهذا بلا شك كما يقولون تحصيل حاصل .وعلى كل فإننا نأخذ على ذلك الخطأ كما نطلب أن يتحرى الدقة في قضاياه وأحكامه وقراراته .

 

أما في الموضوع فإن الدعوى قامت على أن المتوفاة قد توفيت عن غير وارث وأنها في حياتها قد وهبت منزلها نمرة 19 مربع (E.S.N) الأبيض وقد قبض الموهوب له الهبة وحاز المنزل وسكن فيه وقد أنكر ممثل النائب العام دعوى الهبة كما أنكر القبض . هذا وقد وضح من التحقيق بأن الطاعن قد سكن مع المتوفاة في المنزل الموهوب بعد الهبة إلا أن شهوده لم يقفوا عند هذا الحد بل استرسلوا في شهادتهم وقالوا أن المتوفاة كانت تؤجر جزءاً من المنزل وكانت تأخذ الأجرة لنفسها حتى توفيت ومعنى ذلك أن سكنه في المنزل لم يكن سكن حيازة وقبض تطبيقاً للمنشور 13 والسوابق القضائية .

 

وعليه فإن ما ذهبت إليه محكمة المديرية بأن القبض لم يتم قرار صحيح يتفق مع المنصوص عليه شرعاً بأن الهبة شرط لصحة الهبة .

 

(لـــــذا)

 

قررنا قبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وتأييد الحكم المطعون فيه .

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة :

 

صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ   قاضي المحكمة العليا رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي   قاضي المحكمة العليا  عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ محمد السنوسي إبراهيم  قاضي المحكمة العليا  عضواً

 

قضية رؤية محضون

 

قرار النقض 30/1977

 

الصادر يوم الخميس 14 ربيع الأول سنة 1397هـ  الموافق 27/3/1977م.

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين _ الحضانة _ رؤية المحضون _ حق الرؤية _ عدم إجبار أحد الأبوين على إرسال المحضون للآخر _ السعي للرؤية .

 

1- لا يجبر الأب على إرسال المحضون إلى أمه لتراه بل يجب عليه إخراجه من منزله لتنظر إليه وتتعهده في المكان المناسب المتفق عليه بينهما أو الذي تحدده المحكمة على أن تسعى الأم إليه وكذلك يكون الأمر من جانبها في حالة وجود المحضون بيدها .

 

الوقـــائع

 

(1)رفعت المطعون ضدها القضية الابتدائية 1493/1976 محكمة الخرطوم الشرعية ضد الطاعن وجاء في دعواها التي شرحها محاميها بأن كان زوجها وطلقها بعد أن رزقت منه بولدين أعمارهما (9 سنوات) و 7 سنوات ومنعها من رؤية الولدين وطلبت حقها في زيارتها كل أسبوع والسماح لهما بقضاء عطلة الأسبوع معها .

 

المدعى عليه صادق على أصل الدعوى ولم يمانع من زيارة المدعية لولديها وطلب أن تحدد الزيارة في يوم الجمعة لأنها عطلة ولا تعطل الولدين من دروسهما .

 

أجاب محامي المدعية بأنه يطلب أن يحضر الولدان في كل يوم جمعة في الصباح حتى نهاية اليوم ليعودا لوالدهما في العصر . رفض المدعى عليه أن يحضر الولدان لأمهما وقال أنه لا يمنعها من زيارة ولديها في منزله . علق محاميها بأن الزيارة بمنزل المدعى عليه لا تكفي ولا تمكن موكلته من معرفة حال ولديها وأن وجودهما معها أثناء الزيارة لا يضرهما لأنها امرأة عاقلة _ دفع المدعى عليه بأن سبب إسقاط حضانة المدعية أنها سيئة الخلق ويكثر خروجها . بالرجوع إلى ملف القضية 650/1973 الخرطوم اتضح للمحكمة صحة ما ذكره .

 

أجاب محامي المدعية بأن للمدعى عليه زوجتين وخمسة عشر طفلاً يعيشون معه في منزله ولا تتمكن المدعية معها من رؤية ولديها في المنزل .

 

في 21/11/1976 أصدرت المحكمة حكمها بحق المدعية في زيارة ولديها في منزل والدهما يوم الجمعة من كل أسبوع بمنزل المدعى عليه من الساعة العاشرة صباحاً حتى الثانية عشر ظهراً.

 

(2)في ذات التاريخ 21/11/1976 طلب محامي المطعن ضدها الاستئناف أمام قاضي المديرية . وجاء في دعواها أن المحكمة الابتدائية حكمت لها بزيارة ولديها في منزل المستأنف ضدها وأنها تطلب تعديل الحكم لتكون الزيارة من الساعة التاسعة إلى الرابعة مساءً على أن تأخذهما معها ثم تردهما إليه بعد انتهاء الزيارة _ أجاب المستأنف ضده بأن الولدين بموجب حكم شرعي وذلك بعد أن أثبت سوء سلوك والدتهما ولا يوجد سبب لأخذ الولدين لرؤيتهما ولا مانع عنده من أن تحضر وترى ولديهما في منزله في يوم إجازة الولدين وهو يوم الجمعة .

 

قالت أن المستأنف ضده متزوج من امرأتين وله خمسة عشر طفلاً وأن الزيارة في هذا الجو لا تصلح  _ وافق المستأنف ضده على أنه متزوج بامرأتين وله عدد الأطفال المذكورين ولكنه أصر على أن تكون الزيارة بمنزله .

 

في 15/12/1976 قررت المحكمة تعديل الحكم الابتدائي لتكون الزيارة بأخذ الأم لولديها في كل يوم جمعة من التاسعة إلى الرابعة وتصحبهما إلى منزلها على أن تردهما إلى المكان الذي تم التسليم فيه .

 

وجاء في الأسباب أن الزيارة في منزل المستأنف ضده وهو متزوج بامرأتين وله خمسة عشر طفلاً من امرأة مطلقة لا تفيد وسط هذا الحشد من الضرائر وأبناء الضرات .

 

(3)في 11/1/1976 قدم المحامي عريضة الطعن بالنقض وجاء في العريضة  أن المطعون ضدها أسقطت حضانتها لسوء سلوكها بموجب قرار النقض 177/1975 وأن المطعون ضدها  طلبت زيارة ولديها وقضت المحكمة الابتدائية بأن تكون الزيارة بمنزل موكله الطاعن لمدة ساعتين في يوم الجمعة من كل أسبوع إلا أن محكمة الاستئناف عدلت الحكم لتكون الزيارة من التاسعة صباحاً إلى الرابعة في منزل المطعون ضدها وفي هذا ضرر على المحضونين إذ أن وجودهما مع والدتهما طيلة هذه الفترة مع سوء السلوك أكسبت الولدين أخلاقاً رديئة إذ أنهما يسيئون والدهما كما شم والدهما رائحة الخمر في أفواههما لأن والدتهما تعطيهما ذلك عند زيارتها وطلب إلغاء حكم الاستئناف .

 

رد حامي المطعون ضدها على عريضة الطعن بمذكرة منافية . قال فيها بعد أن بين أن زيارة الأم لولديهما واجب إنساني واستعرض واقع الدعوى الابتدائية ومحكمة الاستئناف قال ما يلي :_

 

1-لا يوجد نص صريح في الفقه على كيفية الرؤية وزمانها ومكانها وترك الأمر لقاضي .

 

2-أن الطاعن ليس متزوجاً بالمطعون ضدها ولا يصح أن تجبر بالذهاب لمنزله كما أن علاقتهما سيئة للغاية وفي ذهابها إلى منزله خطر عليها .

 

3-أن علاقة المطعون ضدها بزوجتي الطاعن سيئة أيضاً وزيارتهما في منزليهما لا تضمن عواقبهما زيادة على أن المنزل محشود بالأولاد والبنات .

 

وأن ما جاء في عريضة الطعن  بأن وجود الولدين فيه خطر عليهما يرده أن الطاعن سمح لهما بالذهاب معها لمنزلهما لمدة 15 يوماً وأن حكم المحكمة الابتدائية يعني أن تزور المطعون ضدها ولديها بحضور المطلق وزوجته وأولاده ال15 وهذا لا يسهل الرؤية .

 

ثم استطرد يقول أن ما ذكر بخصوص إسقاط حضانة الأم في الحضانة لا علاقة لع بهذه الدعوى فتلك دعوى حضانة وهذه دعوى زيارة وأن ما تعلمه الطفلان من ألفاظ بذيئة يرجع إلى عمل والدتهما في تصفيف الشعر للنساء وشرب الخمر وأن الزيارة في الأسبوع مرة لا يمكن أن تؤثر في الأخلاق _ وأخيراً طلب رفض الطعن ..

 

(الأســــباب)

 

مما يتصل بالحضانة  حق الرؤية سواء أكانت رؤية الأب لولده وهو في حضانة أمه أو رؤية الأم لولدها إذا  كان مع أبيه أو العاصب أو غيره .

 

والنصوص الشرعية بينت بوضوح أن رؤية  أحد الأبوين لولده حق شرعي لا يملك الأخر أن يمنعه منه ولكن كيف تتم هذه الرؤية أفي منزل الأب أم منزل الأم أو أي مكان أخر ـ أن الوارد في الفقه الحنفي يوضح أن الرؤية لا تتم في منزل الأب ولا منزل الأم بل الواجب على أي منهما أن يخرج الولد إلى  مكان يتمكن الآخر من رؤية الولد فيه .

 

وفي موضوعنا  هذا نورد النصوص الآتية:

 

حاشية أبن عابدين ج3ص571 "يجب على الأب أن يخرج المحضونين منزله إلى مكان أخر يمكن الأم من النظر إلى ولدها وتعهده كما في جانبها كذالك" ويجب عليها السعي إلى هذا المكان ولا يجبر الأب بإرسال الولد إلى أمه .

 

ورد في كتاب نهاية المحتاجج3ص 276 أن الرؤية يجب أن تتم في غيبة الأخر من الأبوين لان الفرقة بينهما تمنع الاجتماع .

 

هذا ما ورد في النصوص المتعلقة بحق الزيارة وهى تدحض ما جاء في عريضة الطعن بأن تكون الزيارة في منزل الأب لان الواجب على الأب أن يخرج المحضون من منزله لوالدته لتراه _ وبما أن إخراج المحضون واجب على الأب فإن حكم المحكمة الابتدائية أن تكون الزيارة في منزل الأب جانبه الصواب _ وبما أن محكمة المديرية صححت هذا الخطأ إلا أنها قررت أن تكون الزيارة في منزل الأم ولا يوجد نص يؤيد ذلك جاء في كتاب الأحوال الشخصية لعبد العزيز عامر ص 428 أن الأفضل أن تكون الزيارة في بيت أحد الجيران أو الأصدقاء . وبما أن هذه المحمكة ترى أن تكون الزيارة في منزل الأم والأفضل أن تكون في منزل أحد الجيران أو الأصدقاء أو أي مكان آخر يتفق عليه الطرفان أو تراه المحكمة وتحدد وقته وزمانه بما تراه أيضاً لأنه لا يوجد نص بتحديد وقت الزيارة .

 

(لـــــذا)

 

قررنا إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق للسير فيها من جديد على ضوء الأسباب . 

 

 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة :

 

صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض نائب قاضي القضاة              رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ مجذوب كمال الدين   قاضي المحكمة العليا         عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ محمد علي إبراهيم  قاضي المحكمة العليا                       عضواً

 

قضية فسخ نكاح

 

قرار النقض 109/1977م

 

الصادر بتاريخ 5 شعبان سنة 1397هـ الموافق 21/7/1977م 

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين _ فسخ نكاح شهادة الوكيل في العقد _ عدم قبولها _ الخلوة الصحيحة وشروطها .

 

1- شهادة الوكيل في عقد الزواج _ في بينة فسخ هذا العقد غير مقبولة شرعاً إذ أنها مكملة لصحة العقد الذي باشره كوكيل فتصبح من قبيل شهادة المرء على نفسه .

 

 

 

الوقـــائع

 

الطعن استوفى إجراءاته الشكلية : والوقائع تتحصل فيما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق في أن الطاعنة رفعت القضية الابتدائية نمرة 74/1976م محكمة عطبرة الشرعية ضد المطعون ضده بطلب فسخ نكاح _ ففي بيان دعواها قالت أن والدها أبرم عقد زواجها له بدون إذنها واستشارتها وكان ذلك في يوم 8/3/1972 بمنزل المأذون وبما أن ذلك يخالف ما جاء بالمنشور الشرعي نمرة 54 _ وبما أن والدها لم يكن وكيلا ً عنها_ وبما أنها لم تستشر _ وبما أنها لا تزال بكراً ولم يدخل بها المطعون ضده ولم تقم أي مراسيم زواج ولم ينفق عليها من ذلك التاريخ _ وبما أنها لم تقبل به لذلك طلبت الحكم بفسخ نكاحها منه .

 

وصادقها المطعون ضده على عقد الزواج وتاريخه ودفع بأنها قد استشيرت وقت العقد ورضيت بذلك بحضور شخصين سماهما _ كما أن استشارتها ثابتة في وثيقة الزواج وقد تم العقد في منزل المأذون كرغبة والدها وأنه وبعد العقد وفي يوم 27/3/1972م اختلى بها لمدة ساعتين _ كما اختلى بها بعد ذلك مرتين وفي إحدى المرات طلبت منه كتباً معينة _ كما أنها حاكت ولبست الملابس التي حضرها لها بمناسبة الزواج _ هذا وأن مراسم الزواج لم تتم وذلك بسبب وفاة والده ولكل هذا فإنه يرى أنها قد استشيرت وأنها رضيت بالزواج ولذلك يطلب رفض دعواها .وأنكر محاميها استشارتها إنكاراً باتاً وطلب أخذ شهادة شاهدي العقد والمأذون على ذلك _ كما أنكرت استعمالها للملابس التي أحضرها _ كما أنها أنكرت طأنه اختلى بها خلوة شرعية . وتفسيراً للخلوة الصحيحة قال المطعون ضد أنها كانت خلوة شرعية في نظره إذ كان في إمكانه معاشرتها معاشرة الأزواج إذ أنهما كانا يجلسان معاً في سرير واحد في غرفة مغلقة وعندما حضر الضيوف وهما على تلك الحال طلب منها أن تخرج من تلك الغرفة لمقابلة الضيوف وفعلاً خرجت بناءً على طلبه _ وأنكرت الطاعنة دعواه هذه وقالت أنه لم يختل بها خلوة صحيحة ولا غيرها _ وكلف هو إثبات دعواه الخلوة كما وصفها_ كما كلف إثبات دعواه أنها خاطت الملابس التي أحضرها ولبستها .

 

بعد ذلك استمعت المحكمة إلى أقوال المدعى عليه الثاني ووالد البنت وجاء في أقواله أنه قام بمباشرة عقد زواج الطاعنة باعتباره والدها ووكيلاً عنها وأضاف بأنه عندما عرض عليها موضوع الزواج  قالت أنها تريد أن تواصل دراستها وفي نظره أنها كانت غير راضية .

 

جاء المطعون ضده بثلاثة من الشهود لإثبات دعواه الاستشارة والرضا فلم يشهد له سوى واحد منهم _ وجاء في أقوال المأذون الذي باشر العقد أنه اعتمد على أقوال شاهدي العقد وكذا أقوال والدها على استشارتها ورضائها بالزواج .

 

ولإثبات المطعون ضده لدعوى أنها ليست ملابس الزواج _ جاء برجل وامرأتين _لم يشهد الرجل بلبسها الملابس المدرسية التي أحضرها المطعون ضده .

 

ولإثبات المطعون ضده لدعواه أنه اختلى بالطاعنة الخلوة الصحيحة  بعد العقد جاء بثلاثة من الشهداء _ شهد أولهم بأن المطعون ضده حضر من الخرطوم لعطبرة بنية الدخول على الطاعنة وفي نفس الليلة التي وصل فيها وجدهم ( أي الشاهد )مع الطاعنة في نفس الغرفة التي سبق وأشارت إليه والدتها بأنه يمكن استعمالها للدخول ولما شعر  المطعون ضده بوجود هذا الشاهد في المنزل خرج من الغرفة ومكث معها لمدة يومين أو ثلاثة إلى أن سافر إلى الخرطوم . 

 

وشهد الشاهد الثاني بأنه قد زار المطعون ضده في منزل والد الطاعنة _ وكانت في صحبته زوجة أخيه وكان ذلك وقت العصر وكان بحوش المنزل وأفراد الأسرة وأثناء ذلك كان المطعون ضده والطاعنة في حجرة بالمنزل منفردين ولما شعرا بوجودهم في الحوش خرج إليهم ولكنه لا يذكر إن كان بالغرفة باب وإن كان موصداً أم لا  .

 

وشهد الشاهد الثالث بأنه جاء لعطبرة في إجازته في شهر مارس 1972م وبعد وصوله علم بزواج طرفي الخصومة وبعد ثلاثة أيام من تاريخ وصوله ذهب هو وزوجته لمنزل والد الطاعنة لزيارتهم ولما سأل عن الطاعنة قيل له أنها مع زوجها (المطعون ضده) بالداخل وفي الحال تحرك إلى داخل المنزل وفي غرفة وجد الطاعنة والمطعون ضده يجلسان على عنقريب وقاما وسلما عليه وبعد ذلك خرج إلى حيث كان يجلس وبعد ذلك جاءت الطاعنة وسلمت على أولاده وكان لمطعون ضده لا يزال بداخل الغرفة _ ثم رجعت الطاعنة إلى حيث كانت وجلس هو مع باقي أفراد الأسرة إلى أن انصرف _ وأضاف بعد سؤاله أنهما كانا يجلسان على عنقريب واحد منفردين وكان بادياً عليهما الارتياح وكانت الطاعنة ترتدي فستاناً فقط وبما أنها بنت خاله فهو لا يستبعد أن يجلسا سوياً لو لم يكونا متزوجين ولكن على الأقل على عنقريب _ ولكن جلوسهما ذلك الذي رأيته كان جلوس زوج وزوجته وأضاف بأن الطاعنة بعد أن سامت على زوجته ورجعت للغرفة المذكورة لم تعد إليهم مرة أخرى ولم يخرج إليهم المطعون ضده أصلاً وكانت زيارته لهم من قبل صلاة المغرب وإلى قرب صلاة العشاء وكان في تلك الفترة جالساً مع بقية الأسرة في الحوش وطوال تلك المدة لم يخرج لهم المطعون ضده ولا الطاعنة وأنه تأكد من أنهما لم يخرجا من الغرفة لأنه وباقي الأسرة كانوا بالقرب من باب حوش المنزل لأنه لا مدخل سواه .

 

بعد ذلك اتجه التحقيق إلى موضوع الإنفاق ، فقد ادعى المطعون ضده أنه كان ينفق عليها وذلك بإرسال النفقة لها بواسطة والدها وهي تعلم بذلك كما أنه أعطى والدها مبلغ عشرة جنيهات عبارة عن مصاريفها المدرسية وعجز عن إثبات ذلك بعد إنكار الطاعنة له وطلب يمينها على النفي ولما عرضت عليها اليمين قالت أنه أعطى والدها مبلغ عشرة جنيهات بعد الزواج. لمقابلة مصاريفها المدرسية وحلفت على عدم علمها بإرسال نفقتها على والدها واكتفاءً بذلك وبتاريخ 29/7/1976م قررت المحكمة رفض الدعوى .

 

وبتاريخ 4/8/1976م استأنفت الحكم أمام محكمة المديرية _ وبتاريخ 13/2/1977م قررت المحكمة في غيبة الطرفين قبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع تأييد الحكم الابتدائي  _ وجاء في أسباب حكمها أنه ثبت بشهادة اثنين من الشهود أن الخلوة تمت بين المستأنف والمستأنف ضده _ وأن المحكمة ترى ومن الحالة الموصوفة بالشهادة أن المستأنفة قد مكنت المستأنف ضده من الدخول بها ولذلك جاء قرار المحكمة الابتدائية سليم لأن الرضا الضمني حصل فعلاً . 

 

وبتاريخ 23/3/1977 _ ولأن الطاعنة أعلنت بقرار الاستئناف في 190/3/1977 تقدم محاميها طاعناً في الحكم عن طريق النقض  وجاء في طعنه أنه قد وضح من البينات أن الطاعنة لم تستشر عندما عقد قرانها على المطعون ضده ولم تقبل به صراحة ولا ضمناً كما نصت المادة 7 من المنشور الشرعي وملحقه _ أما الخلوة التي أشارت إليها المحكمة الابتدائية وكذا محكمة الاستئناف فلم تكن ثابتة ببينة شرعية قاطعة فأحد الشهود فهو وكيل الزوج  وبالتالي هو أحد أطراف العقد _ والشاهدان الآخران لم تكن شهادتهما جازمة بأن المطعون ضده اختلى بالطاعنة خلوة صحيحة فقد جاء في أقوال الشاهد الثاني أن الطرفين كانا بغرفة صغيرة ولم يلاحظ وضع الباب ومن ذلك يتضح أن الخلوة لم تقم عليها بينة شرعية _ هذا وقد اشترط ملحق المنشور 54 أن يكون هناك دخول حقيقي وهو أن تملك الزوجة نفسها لزوجها والثابت أن الطاعنة لم تملك نفسها للمطعون ضده إذ أنها لا تزال بكراً وهذا يعين أن الرضاء الضمني لم يتحقق ولو كان الشارع يعتبر أن مجرد الخلوة رضاء ضمني لم يحدد الرضاء الضمني بثلاثة شروط أن تملك الزوجة نفسها لزوجها_ واشتراط التمليك يعني بالضرورة أن تصبح البكر ثيباً لأن كل تمليك لا بد أن تسبقه خلوة والشارع لم يشترط مجرد الخلوة وإنما تعداها إلى التمليك بحيث أنه لم يحدث التمليك فإن مجرد إذا ثبت لا يكون تمليكاً ولهذه الأسباب طلب إلغاء الحكم الابتدائي وكذا حكم الاستئناف المؤيد له .

 

ورداً على ذلك قال المطعون ضده أن الطاعنة قد استشيرت في الزواج وتم العقد بعلمها وبناءً على طلبها وأضاف بأن شاهدين آخرين سماهما قد استشارا الطاعنة قبل العقد ولكن لجهلهما بالكتابة فقد وقع على وثيقة الزواج كشاهدين لاثنين غيرهما بحكم وجودهما بمجلس العقد وقد شهد رجل (سماه) باستشارته لها وتوفي الآخر بل رفع القضية .

 

واستطرد قائلاً أنه دخل بها وملكته نفسها تمليكاً كاملاً واستمتع بها بكل ما يستمتع رجل بامرأة وبالعكس قال أنه كان يرسل لها الملابس في كل المناسبات طيلة تلك الفترة وكانت تستلمها برضاء ولم يحصل أن أعيدت إليه كما أنه كان قائماً بالإنفاق عليها كما أنه استجاب لطلبها الكتب المدرسية وأن كل ذلك يدل على الرضا التام ولكل هذا طلب تأيد الحكم المطعون فيه .

 

(الأســباب)

 

حيث أن الحكم الابتدائي أسس قضاءه على ثبوت الخلوة الصحيحة الدالة على الرضا بالبينة _ وحيث أن محكمة الاستئناف قد رأت في حدود سلطتها التقديرية أن في أوراق القضية والمذكرات التي قدمها الطرفان ما يكفي لتكوين رأيها وإصدار قرارها _ وحيث أنه تبين من حكم الاستئناف هذا أنه جعل دعامته الأساسية الشهادة التي قامت في القضية الابتدائية وحيث أن هذه الشهادة ليس من  شأنها أن تؤدي إلى ما رتب عليها من حكم فقد شهد أحد الشهود بأنه كان وكيلاً عن المطعون ضده في عقد الزواج وبما أن شهادته الآن وفي موضوع هذه القضية إنما هي مكملة لصحة العقد الذي باشره كوكيل فتصبح من قبيل شهادة الشاهد على فعل نفسه وهي غير مقبولة شرعاً وحيث أن الشاهد الآخر شهد بأنه عندما علم بوجود طرفي الدعوى في غرفة من غرف المنزل تحرك إليهما في الحال في غرفتهما وسلما عليه وحيث أنه يتضح من هذا أن هذا الشاهد دخل عليهما في الغرفة بدون إذنهما وبالتالي قد انتفى وجودهما في مكان آمنين من اطلاع الغير بلا إذنهما وبذلك فقدت الخلوة الصحيحة ركناً من أركانها وحيث أنه جاء بشهادة هذا الشاهد أنه كان يجلس مع بقية الأسرة بحوش المنزل عندما كان طرفي النزاع داخل الغرفة وما كان في استطاعتهما الخروج منها حيث أنهم ( أي الشاهد وأفراد الأسرة) كانوا يجلسون بالقرب من باب المنزل الذي لا مدخل سواه إذاً فالظاهر يقول أنه لا يمكن أن تكون خلوة صحيحة بين الطرفين والوضع كما وصفه الشاهد . وحيث أن الشاهد الثالث شهد بأنه عندما زار المطعون ضده في منزل والد الطاعنة كان أفراد الأسرة بالحوش بينما كان طرفي الدعوى في غرفة على انفراد وأضاف بأن المطعون ضده عندما شعر بوجوده بحوش المنزل خرج من غرفة صغيرة كان فيها مع الطاعنة وأنه لم يتأكد إن كان بالغرفة باب  وكان موصداً أم لا .

 

وحيث أن مجرد شعور المطعون بدخول شخص لحوش المنزل إنما يدل دلالة واضحة على أن ذلك الشخص  بالتالي يشعر بما يجري داخل الغرفة وبذلك انتفت السرية وانتفى أمن المكان الذي هو شرط من شروط الخلوة الصحيحة .

 

وحيث أنه جاء بأقوال المطعون ضده بالقضية الابتدائية " أن الخلوة كانت صحيحة في نظره إذ كان في إمكانه أن يعاشرها معاشرة الزوج لزوجته المعاشرة الصحيحة " وحيث أن قوله هذا يختلف ويتناقض مع ما جاء في رده على الطعن من أنها ملكته نفسها تمليكاً كاملاً واستمتع بها بكل ما يستمتع به رجل بامرأة واستمتعت هي الأخرى كذلك " _ وحيث أن هذا التناقض يتحتم أخذه في الاعتبار .

 

وحيث أننا نخلص  من كل هذا وأنه إعمالاً للمنشور الشرعي 54 وملحقة نمرة (1) بأن الإستشارة لم تثبت وأن الرضاء لم يتم وأن الخلوة الصحيحة لم تحدث كما حددها الفقهاء وحيث أن النص بالنسبة للأفعال التي وردت سبيل المثال في الملحق نمرة (1) المشار إليه _ يجعلها قرينة قانونية على ثبوت القبول إن ثبتت الأفعال بالشرط المنصوص عليه وهو الرضاء_ وبما أن قرينة من تلك لم تثبت .

 

لذلك فإن هذا الذي قرره الحكم الابتدائي وكذا حكم الاستئناف وأقام عليه قضاءه جاء مشوباً بالقصور فيما اعتمد عليه من قرائن وكذا فيما صرح به من أسباب مما يتعين معه نقضه .

 

(لــذلك)

 

قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين الابتدائي والاستئنافي وحكمنا للطاعنة على المطعون ضده بفسخ زواجهما .

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

القضاة :-

 

صاحب الفضيلة الشيخ سيد أحمد العوض             نائب قاضي القضاة              رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي  قاضي المحكمة العليا     عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ محمد علي إبراهيم   قاضي المحكمة العليا          عضواً

 

قضية حضانة

 

قرار النقض 117/1977م

 

الصادر بتاريخ 11 شعبان 1397هـ الموافق 27/7/1977م

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين _ الحضانة _ انتقال الحضانة لأم الأم _ سكن الحاضنة بمسكن الزوج الأجنبي _ اتحاد المنزل الإطعام من مائدته وجوب وقوع الحكم على الخصم الحقيقي .

 

 

            انتقال الحضانة لأم الأم لزواج الأم بأجنبي وسكنها بالمحضونين معه في مسكن واحد مسقط لحقها في الحضانة إلا إذا كان المنزل منفصلاً ولا تطعم المحضونين من مائدة الزوج الأجنبي .

 

 

2- من العيب الذي يؤخذ على المحكمة أن تصدر حكمها على غير الخصم الحقيقي وكان يتعين على القاضي أن يتروى ويتثبت قبل أن يصدر حكماً يقع باطلاً .

 

 

 

الوقــائع

 

1-         رفع المدعي الدعوى الابتدائية أمام محكمة أمدرمان الشرعية ضد المدعى عليها وادعى عليها بلسان محاميه بأنها كانت زوجه وطلقها  بعد أن رزق منها ببنتين و أعمارهما         7و 5 سنوات على التوالي وبيدها حضانتهما وتزوجت برجل أجنبي عنهما وبذلك سقطت حضانتهما وطلب الحكم بسقوط الحضانة وضم البنتين إليه .

 

أجاب محامي المدعى عليه بالتصادق على الدعوى وذكر أن البنتين ليستا بيدها الآن بعد سقوط حقها بزواجها بالأجنبي فانتقلت الحضانة إلى جدة الصغيرتين لأمهما وهما الآن بيدها وطلب رفض الدعوى لأنها ليست خصماً قررت المحكمة إدخال الجدة في الخصومة وأعلنت ولم تحضر _ وحضر الجلسة الأخيرة محامي المدعى فقط وسألته المحكمة إن كانت البنتان مع جدتهما لأمهما فأجاب بنعم فقررت المحكمة رفض الدعوى وجاء في الأسباب أن الحضانة انتقلت إلى أم الأم والبنتان في سن الحضانة وذلك في 1/2/1977م .

 

2-         في 14/2/1977. طلب محامي المحكوم ضده الطعن بالاستئناف أمام قاضي المديرية وجاء في طعنه أن البنتين وإن كانتا بيد جدتهما لأمهما إلا أنها تسكن مع بنتها المتزوجة برجل أجنبي  عنهما في منزل واحد ومع ذلك فإن المحكمة الابتدائية قررت إدخال الجدة في الخصومة ومع ذلك لم تسمع لأقوالها وأصدرت حكمها برفض الدعوى وطلب إلغاء الحكم .

 

ثم أضاف في الجلسة التالية التي لم تحضرها المستأنف ضدها ولا وكيلها بأن الحكمة في سقوط الحضانة بالزواج بالأجنبي هو بغض الأجنبي وكراهيته لابن زوجته مما يترتب عليه ضرر للطفل وما دامت أم الأم تسكن مع الأجنبي في منزل واحد فإن العلة موجودة .

 

قررت المحكمة إحضار أم الأم وبعد سؤالها أجابت بأن البنتين بيدها وأنها تسكن في جزء مفصول من المنزل الذي تقيم فيه بنتها وزوجها الأجنبي .

 

قررت المحكمة معاينة المنزل وقالت أنه قد اتضح لها أن المنزل غير مفصول من نفس المنزل الذي تسكنه أم المحضونين وزوجها الأجنبي وهذا يعني أن البنتين تعيشان مع أمهما المتزوجة بأجنبي عنهما _ومن الرسم الكروكي الذي رسمته المحكمة اتضح أن لكل من الأم والبنت  منزلاً منفصلاً في حوش واحد ومع ذلك أصدرت المحكمة حكمها بإلغاء الحكم الابتدائي والحكم بإسقاط الحضانة وضم البنتين لوالدهما وذلك في 12/4/1977م .

 

3-         في 25/4/1977. قدم محامي الطاعنة عريضة الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا وجاء في عريضته أنه ثبت في المرحلتين أن المحضونتين بيد جدتهما فلا وجه بعد ذلك للحكم على الطاعنة وإلزامها بما لا يلزم شرعاً _ ثم مضى يقول إن الطفلتين لا صلة لهما بالأم وزوجها لأنهما لا يطعمان من طعامه ولا تشغلان وقت زوجته لأنهما لا تسكنان معهما _ثم أن المحكمة انتقلت ولا يدرى الغرض من الانتقال ودافعه مع أن أم الأم تسكن مع زوجها جد المحضونتين وبنتها في منزلها الذي تملكه وأخيراً ذكر أن حكم محكمة المديرية لم يبن على سبب واحد صحيح من أوجه الإثبات وطلب إلغاء  حكم الاستئناف .

 

4-         أجاب  محامي المطعون ضده بأنه لم يثبت أن البنتين بيد جدتهما وأن ذلك ادعاء وأن الحكم بني على أن الأجنبي في منزل يضم الطفلتين ولا يمكن أن يتصور أن تكون البنتين بعيدتين عن أمهما وطلب رفض الطعن .

 

الأســـباب

 

إن الوقائع تدل على أن أم المحضونتين تزوجت بأجنبي عنها وسقط حقها في الحضانة وانتقلت الحضانة إلى أم الأم وأن الولدين بيدها وقد أقر بذلك محامي المطعون ضده بمحضر الدعوى الابتدائية فتكون هي الخصم الحقيقي والواجب أن تسمع الدعوى في وجهها وأن المحكمة الابتدائية أخطأت حين رفضت دعوى المدعي بمجرد أن اتضح لها أن المحضونتين بيد جدتهما دون أن تحقق في أهليتها للحضانة .

 

وبما أن محكمة المديرية في مرحلة الاستئناف أدخلت الجدة التي بيدها المحضونتين في الخصومة ودفع محامي المطعون ضده بأنها غير أهل للحضانة لإقامتها مع بنتها وزوجها الأجنبي في منزل واحد وبمعاينة المحكمة للمنزل رأت أن الحاضنة تقيم مع بنتها وزوجها الأجنبي في منزل واحد ولا حق لها في الحضانة وبدلاً أن يصدر حكم ضدها أصدرت حكمها على الأم بإلغاء الحكم الابتدائي وإسقاط حضانتها وضم الولدين إلى والدهما وبذلك فإن حكمها صدر في غير محله وعلى غير الخصم الحقيقي _ وبما أنها بنت حكمها على وجود الأم مع بنتها والزوج الأجنبي في مسكن واحد فإننا نرى أن نناقش المسألة على ضوء أقوال الفقهاء ونورد الآتي :

 

1-         جاء في حاشية ابن عابدين ج3 ص 565 ( أن الحاضنة يسقط حقها فسكناها عند المبغضين الصغير كما في "القينة" لو تزوجت الأم بآخر فأمسكته أم الأم في بيت الرأب فللأب أخذه ) وفسر صاحب الحاشية الرأب بأنه زوج الأم .

 

2-         جاء في صفحة 367 من كتاب الأحوال الشخصية لعبد العزيز عامر ( إن القضاء استقر في مصر على سقوط حق الجدة في الحضانة إذا سكنت مع بنتها وزوجها الأجنبي في مسكن واحد لأن حضانة الجدة لابن بنتها الذي فيه أمه وزوجها الأجنبي عنه مسقط لحقها ) .

 

3-         جاء أيضاً في حاشية ابن عابدين  ج3ص565 _ عند قوله ( للأب أخذ الصغير ) إلا إذا لم يكن لأم الأم منزل وطلبت من الأب أن يسكنها في مسكن لأن السكنى في الحضانة عليه .

 

4-         وجاء كذلك في حاشية ابن عابدين نفس الصفحة والجزء ( بأن الأصوب في المسألة التفصيل وهي أن الحاضنة إذا كانت تأكل وحدها وابنها معها فلها حق الحضانة لأن الأجنبي لا سبيل له عليها ولا على ولدها بخلاف ما إذا كانت في عيال ذلك الأجنبي أو كانت زوجة له ) ( وأن سقوط الحضانة بذلك لدفع الضرر عن الصغير فينبغي مراعاة الأصلح له ) .

 

 وبما أن المحكمة الابتدائية أصدرت حكمها دون التحقيق في أهلية الجدة للحضانة فإن حكمها باطل _ وبما أن محكمة الاستئناف  أصدرت حكمها على الأم مع أنه اتضح لها أن البنتين بيد أم الأم والواجب أن تصدر الحكم عليها لأنها الخصم الحقيقي وبذلك صدر حكمها في غير محله وعلى خصم غير حقيقي وبما أن المحكمتين لم تحققا في أهلية الجدة للحضانة وهل لها مسكن لحضانة الصغيرتين وإذا لم يكن لها مسكن هل طلبت من الأب أن يسكنها في مسكن لأن السكنى عليه وهل هي مع بنتها وزوجها الأجنبي تأكل وحدها مع المحضونين أم هي في عيال ذلك الأجنبي لأن الصواب كما يقول ابن عابدين التفصيل في هذه المسألة وتحقيق مصلحة الصغيرين ولذا نرى أن يسير التحقيق في هذه الدعوى على ضوء النصوص التي أوردناها للوصول إلى حكم يحقق المصلحة للصغيرين .

 

(لـــذا)

 

 قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين المطعون فيهما وإعادة الأوراق للسير فيها من جديد على ضوء الأسباب . 

 

 

 

 

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

القضاة :-

 

صاحب الفضيلة الشيخ إبراهيم الجزولي أبو المعالي            قاضي المحكمة العليا رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ مجذوب كمال الدين عباس              قاضي المحكمة العليا   عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ محمد علي إبراهيم                      قاضي المحكمة العليا              عضواً

 

قضية طلب طاعة

 

قرار النقض 164/1977م

 

الصادر يوم السبت 9 ذو القعدة 1397هـ الموافق 22/10/1977م

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين _ الطاعة _ منزل الطاعة _ شرعيته_ جلب المياه من خارجه_

 

عدم المواسير بداخله _ تقديم بينة اليسار .

 

لا يقدح في شرعية منزل الطاعة عدم وجود مواسير مياه بداخله وأن الماء يجلب إليه من خارجه .

 

 

 

(الوقائــع)

 

بعد الاطلاع على محضر القضيتين 337/1976و37/س/1977 . أمدرمان الشرعية اتضح لنا أن نقاط النزاع تتلخص في الآتي :_

 

رفعت الدعوى من المدعي ضد المدعى عليها بطلب طاعة مدعيا قيام الزوجية واستيفاء  المهر وتوفر الأمن ووجود المنزل الشرعي بالحارة (15) المهدية بأمد رمان (وصفه وسمى جيرانه) .

 

المصادقة من محامي المدعى عليها جاءت على كل أركان الدعوى ما عدا شرعية المسكن من حيث فقدانه الماء . إذ لا وجود للماء بالحارة (15) وبإمكان المدعي أن يوفر لها مسكناً أكثر ملاءمة وأكثر راحة إذ اعتادت موكلته أن تسكن مع أهلها بأبي روف في حجرة مضاءة وبها ماء .

 

ودفع المدعي بأن الحارة (15) مأهولة بالسكان وبها الماء اللازم ومعترف بها من الحكومة ولا يستطيع أن يوفر لها مسكناً أرحب منه إذ السكن الحالي مؤلف من حجرة ومطبخ وأدبخانة وراكوبة من الجالوص داخل سور من الجالوص وبه الأمتعة اللازمة وبين جيرة صالحة سماهم .

 

هذا ولما كانت بينة الإعسار مقدمة على بينة فقد كلفتها المحكمة الابتدائية إثبات يساره وإمكانية تأجيره لمسكن آخر أكثر ملاءمة فعجزت فكلفت المحكمة المدعي بدورها البينة على شرعية المسكن فجاء بشهود أحدهم أحد جيران المنزل فشهدوا بشرعيته وملاءمته لسكنى المدعى عليها وكانت شهادتهم على اليمين .

 

بتاريخ 29/1/1977 وفي غيبة المدعى عليها حكمت المحكمة للمدعي بالطاعة وأمرت المدعى عليها بالانتقال إلى المنزل الموصوف بالدعوى والقرار فيه .

 

وبتاريخ 26/2/1977 وبعد إعلان المدعى عليها بالحكم استأنفت بالدعوى 37/س/1977 أمام محكمة المديرية مطالبة بإلغاء الحكم معتمدة على سببين :_

 

1-         عدم لياقة المنزل لقيامه في منطقة غير معترف بها وتفقد مقومات الحياة .

 

2-         عدم اتفاق الشاهدين مع المدعي في أشخاص الجيران وأن أحدهما  نفسه كان الجيران . وأضاف بأنه يريد من نقلها الانتقام منها .

 

رفض المستأنف ضده هذه الدعوى بأن الحارة (15) معترف بها من الحكومة ومخططة بواسطتها ويسكنها نحو ألفين من السكان بعضهم جاء من جهة أبي روف نفسها وبعضهم من بيت المال وإن اكتسابها اسم (زقلونة) حصل في مرحلة ما قبل التخطيط والعمران _ وبها الماء اللازم وكل مقومات الحياة _ ولا يتأتى زعم محامي المستأنفة بأنه يريد الانتقام منها لأنه يسكن بوالدته وإخوانه في هذا المكان منذ زمن فهل يريد الانتقام من والدته أيضاً ؟ هذا ما قاله المستأنف ضده وطالب بإلغاء الاستئناف وتأييد الحكم الابتدائي .

 

بعد هذا سألته أين يقع المنزل فأجاب في الحارة (15) الثورة فسألته ثانياً _ هل الحارة تم تخطيطها وسجلت مبانيها وأعطيت نمراً ؟

 

فأجاب بأن الحارة شملها المسح الاجتماعي وسيعتمد لكل ساكن منزله . ثم سألته وهل عرف كل ساكن منزله ؟ فأجاب سيتم ذلك بعد وضع الميزانية . ثم سألته وهل الماء والنور داخل المنزل ؟ فأجاب يوزع إليها بناقلات من المواسير المعدة بالحارة ولكنه متوفر في كل وقت وأنه يكتفي بذلك .

 

ثم أجلت المحكمة مباشرة بعد إجابة المحامي الموضحة أجلت القضية للمراجعة لجلسة 30/3/1977م وفي هذه الجلسة دخلت المحكمة في جدل بخصوص اختلاف الشهادة مع المدعي في وصفه المنزل الموضوع الذي أثاره محاميها والذي ذكر أنه لم يثره من قبل لأنه كان مريضاً أجريت له عملية .

 

وبعد أن جاء بأسباب قرار الاستئناف .

 

أولاً: أن المنزل في إحدى مناطق المسح الاجتماعي (زقلونة) التي لم يكتمل تخطيطها بعد ولم توفر بها كل المقومات اللازمة . . .الخ .

 

ثانياً: فعلاً كان هناك اختلاف بين المدعي والشهود في تحديد الجيران وأسمائهم وأن بعضهم أي الشهود أو أحد الشاهدين نفسه جار شهد على صلاحية نفسه وهذا أمر لا يصح ولا يجزم معه بصلاحية الجيران وبالتالي أمنهم .

 

وهنا يتضح عدم تدقيق المحكمة الجزئية عند سماعها الشهادة وفي تحقيقها وأنها لم تعط الأمر الاعتبار اللازم حتى تتفادى مثل هذه الأخطاء لذا حكمت المحكمة حضورياً بقبول  الطعن وإلغاء الحكم الابتدائي لعدم صحته .

 

صدر الحكم بجلسة 20/6/1977 أمام محكمة المديرية .

 

 في 18/7/1977 تقدم الطاعن بالنقض 165/1977 بالعريضة التي تحمل نفس التاريخ وقيدت تحت النمرة المذكورة بتاريخ 20/7/1977 وجاء بعريضته أن الأسباب التي جاء بها محامي المستأنف ضدها لا تبرر إلغاء الحكم إذ أن قوله بأن الجهة التي بها المنزل غير معترف بها يدحضه الواقع وهو أن الحارة (15) الثورة (المهدية) منطقة مخططة وموزعة بواسطة الدولة وبها ماء ومأهولة بالسكان . وإن ادعاءه بأنه أراد نقلها انتقاماً منها لا يسنده منطق لأن المنطقة ليست خلوية وليست بعيدة عن المدينة بل هي جزء منها ويسكنها أكثر من ألفي أسرة من فئات مختلفة وتسميتها (بزقلونة) لا يعني شيئاً لأنها من الحارات الجديدة التي جاءت في التخطيط بعد الحارة نمرة (14) وأن والدة موكله وأخوته يسكنون بها_ وجاء في رد محامي المطعون ضدها على الطعن أن المنزل الذي أعده الطاعن للزوجة إنما كان الاعتراض من حيث أنه غير مستوف للشروط الواجب توفرها في المنزل الشرعي فالماء وهو عصب الحياة على حد تعبير محامي المستأنف ضدها غير موجود به _ ويستمر محامي المطعون ضدها في معرض رده على عريضة الطعن بأن الطاعن أقر بأن الماء يجلب إلى المنزل بصورة بدائية لم تألفها مدينة أمدرمان كلها والسبب في ذلك أنه خارج حدود المدينة ويستمر محامي المطعون ضدها في الفقرة التاسعة من عريضته بقوله أن الطاعن ذكر أن الشاهد الأول في أقواله واحداً من جيران المنزل ولا يقبل أن يشهد هذا على نفسه بالصلاح .

 

الأســــباب

 

الطعن قدم في ميعاده القانوني فهو مقبول شكلاً وفي الموضوع بما أن الدعوى متصادق عليها في كل جزيئاتها ما عدا شرعية المسكن .

 

وبما أن الدفع بعدم شرعية المسكن لم يأت على إطلاقه بل تحدد ذلك انحصر في أن الماء هو عصب الحياة كما يقول محامي المطعون ضدها ليس متوفراً بل يجلب إلى المنزل بطرق بدائية .

 

وبما أن محامي المطعون ضدها قد أقر الطاعن على أن الدولة قد خصصت أكشاك للمياه متوفرة بالحارة ويمكن للسكان أخذ ما يكفيهم منه لطبخهم وشربهم وغسيلهم .

 

وبما أن هذه الوسيلة قد اتبعت في كل الأحياء الجديدة  بأمد رمان  وغيرها من امتدادت العاصمة حتى تسنى للدولة أخيراً وبعد اكتمال كل المرافق أن تدخل نظام المواسير في البيوت . وبما أن هذا الإقرار يرفع عدم الشرعية عن المسكن طالما الحال كما شرحنا .

 

وبما أن محكمة المديرية لم توفق فيما توصلت إليه من أن المنزل المطلوب نقل المطعون ضدها إليه من مناطق المسح الاجتماعي التي لم يكتمل تخطيطها بعد ولم توفر بها كل المقومات اللازمة للسكن إذ لا يوجد بالمحضر ما يبرر الوصول إلى هذه النتيجة  .

 

وبما أن ما ينعيه محامي المطعون ضدها من اختلاف الدعوى والشهادة في أسماء  بعض الجيران نعي مردود فقد اتفقت الدعوى والشهادة على جارين منهم وحيث أن الدعوى والشهادة اختلفت فعلا في أسماء بعض الجيران ولكن هذا الاختلاف ليس من شانه أن يغير حقيقة الواقع الثابت من وقوع المنزل بين جارين صالحين .

 

ومن كل هذه يتضح أن حكم الاستئناف المطعون فيه جاء مشوباً بالقصور بل وخالياً من الأسباب مما يبطله .

 

(لــــــذا)

 

قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه وتأييد الحكم الابتدائي.

 

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

القضاة :-

 

صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ  نائب قاضي القضاة     رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي قاضي المحكمة العليا     عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ محمد علي إبراهيم   قاضي المحكمة العليا        عضواً

 

قضية إثبات هبة

 

قرار النقض 166/77

 

الصادر بتاريخ السبت 2 ذو القعدة 1397هـ الموافق 15/10/1977م

 

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين _ الهبة _إثبات الهبة _ تعدد الموهوب لهم ، وعدم تحديد نصيب كل منهم _ثبوت الهبة للبعض وعدم ثبوتها للآخرين .

 

إذا تعدد الموهوب لهم ولم يحددالواهب نصيب كل منهم في الهبة فتعتبر الأنصبة متساوية بينهم في القدر الموهوب بحيث إذا ثبت الهبة لبعض المدعين ولم تثبت لآخرين معهم بنفس الدعوى ، فلا يزيد نصيب من أثبتوا عن المقدار الذي يأخذونه فيما لو ثبتت الهبة لهم جميعاً .

 

 

 

(الوقــــائع)

 

ثبت بموجب الكشف المرفق بأوراق الدعوى أن ورثة المتوفى هم زوجته وأولاده السبعة منهم أربعة بالغون وثلاثة قاصرون وأقيمت والدتهم وصية عليهم .

 

رفع أحد أبناء المتوفى البالغين وزوجة المتوفى عن نفسها ونيابة عن القصر الثلاثة بوصفها وصياً عليهم الدعوى 1010/1976 محكمة كسلا الشرعية ضد باقي الورثة وجاء فيها أن مورثهم وهب لهم جميعاً المنزل 254 غرب القاش والفرن نمرة 224 غرب القاش وقيمتها 192جنيهاً وتمت الهبة واستلمها الموهوب لهم وقد اعترض باقي الورثة المدعى عليهم وطلبوا إثبات الهبة والحكم بها . أجاب أحد البلغ عن نفسه وبوكالته عن أخويه الآخرين ، بأنه ينكر الدعوى ولم تتم الهبة لأنهم يسكنون المنزل بوصفهم ورثة قصر وأن إيجار الفرن ترك لهم كنفقة .

 

قدم المدعون مستنداً عرفياً مؤرخاً 25/1/1963 جاء فيه أن المتوفى وهب بحياته المنزل254 والفرن 224 لأولاده القصر الثلاثة وزوجته والدة القصر ووقع عليه ببصمته بشهادة شيخ الحلة وشاهدين آخرين أجاب المدعى عليهم بأنهم لا يقرون بالمستند وأن والدهم في سنة 1965 وكل أحد أبنائه المدعى عليهم بالإشهاد 175/1965 كسلا في تصريف أعمال الفرن وكان والده يستلم الإيجار _ أجاب المدعون بأن والدهم كان يدير العمل لأنهم قصر ثم أحضر المدعون الثلاثة من شهود المستند شهدوا بصحة الهبة وأنها تمت بحضور زوجة المتوفى والقصر الثلاثة ولم يكن المدعى الأول من ضمنهم في الهبة كما أن المستند كتب في غيبة الزوجة ولم تحضر ولم تقبل الهبة ولم يشهدوا باستلامها للموهوب ولم يطعن المدعى عليهم في الشهادة طعناً يبطلها لذا حكمت المحكمة بصحة الهبة للقصر الثلاثة ورفضت دعوى الزوجة والابن البالغ وذلك في 9/2/1977م .

 

في 14/2/1977 قدم طلب الاستئناف أما قاضي المديرية بكسلا وجاء في الدعوى أن المحكمة الابتدائية حكمت بصحة الدعوى الابتدائية من والده الذي لا يقرأ ولا يكتب  وطلب إلغاء الحكم بها وتقسيم المنزل والفرن على الورثة _ المدعى عليهم أجابوا بأن الهبة ثبتت وطلبوا تأييد الحكم الابتدائي .

 

راجعت المحكمة الحكم الابتدائي واتضح لها أن البينة شهدت بصحة الهبة وأن الموهوب لهم الثلاثة أولاد المرحوم كانوا قصراً عند عقد الهبة ووالدهم ووليهم الواهب وأن الشهود الذين شهدوا هم الذين وقعوا على ورقة الهبة ولم يبق من الشهود إلا واحداً ورأت المحكمة أخذ شهادته فشهد بأنه كان مؤجراً للفرن وكان يدفع الإيجار للزوجة والدة القصر ثم استمعت المحكمة إلى شهود آخرين .

 

في 24/7/1977 أصدرت حكمها برفض الطعن وتأييد الحكم الابتدائي وجاء في الأسباب أن الهبة ثبتت بالبينة وأن الواهب ينوب عن القصر في القبض ولم تثبت الهبة للابن البالغ وأن الزوجة لم تقبل الهبة ولم يثبت قبضها .

 

في 28/7/1977 قدم الطعن بالنقض وجاء في عريضة الطاعن بأنهم لم يعترفوا بالهبة وهي مزورة ولا تقبل شهادة الشهود وأن والده كان يدير العمل في الفرن ووكل أحد أبنائه المدعى عليهم بعد إدعاء الهبة بإرادته .

 

رد المطعون ضدهم على أن الهبة صحيحة وأنها  تمت بالمستند وأمام الشهود .

 

(لـــذا)

 

الطعن قدم في ميعاده القانوني فهو مقبول شكلاً وفي الموضوع فإن الوقائع تدل على أن المتوفى وهب في حياته لزوجته والدة القصر ولأولاده القصر الثلاثة منزله 254 وفرنه 224 غرب القاش بكسلا _وقد أثبت المطعون ضدهم هذه الهبة بالمستند العرفي  والبينة الشرعية وأن الطاعن اعترض على الهبة بأن الواهب كان يدير أعمال المنزل والفرن بنفسه وبواسطة وكيله وهو أحد أبنائه وبذلك لم يتم القبض _ وبما أن الزوجة عجزت عن إثبات القبض وهي عاقل وبالغ ولا يصح القبض إلا منها  أو ممن تقيمه مقامها _ وبما أنها لم تقبض  ولم تقبل بالهبة كما جاء في شهادة الشهود_ وبما أن الهبة في حق الصغير تتم بدون قبضه لأن وليه يقوم مقامه في القبض جاء في صفحة 112 الجزء الثاني حاشية ابن عابدين  ( إن هبة الأب لطفله تتم بقوله وهبت لطفلي فلان كذا ويقوم قوله مقام الإيجاب والقبول ويكفي في قبضها بقاؤها في  يده لأن الأب ولي لطفله فيقوم إيجابه عن نفسه وبقاؤه بيده قبض لطفله ) .

 

وبما أن هبة الأب لأولاده القصر ثبتت فإن قبض الهبة نيابة عن قصره صحيحاً والحكم بصحة هبة القصر الثلاثة جاء صحيحاً وسليماً كذلك إلا أن المحكمة حكمت لهم بكل الموهوب مع أن نصيبهم ثلاثة أرباع فقط لأن الهبة تمت لأربعة أشخاص هم القصر الثلاثة ومعهم الزوجة وأن نصيب كل واحد منهم ربع الموهوب .

 

يقول الإمام أبو حنيفة عند الحديث عن هبة واحد لاثنين ( إن هذا العقد فيه هبة النصف لكل منهما فينصرف قبض كل منهما إلى نصيبه فقط وهذا إذا لم يتبين  نصيب كل منهما ) . ص 246ج2 محمد زيد الأبياني .

 

وبما أن الواهب لم يبين نصيب كل واحد من الموهوب لهم فإن هذا العقد فيه هبة الربع لكل منهم ولا ينصرف قبض الواهب عن القصر إلا إلى نصيبهم وهو الثلاثة أرباع ، أما نصيب الزوجة فلها قبضه بنفسها ولم يتم ذلك فكان الواجب أن تحكم المحكمة بصحة هبة الثلاثة أرباع لا كل الموهوب وأن يكون نصيب الزوجة الذي رفضت المحكمة إثباته  تركة توزع على المستحقين .

 

(لـــــذا )

 

قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكم المطعون فيه فيما يختص بنصيب الزوجة في الهبة وتأييده فيما عدا ذلك .

 

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

دائرة الأحوال الشخصية

 

القضاة :-

 

صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد  الجزولي          نائب قاضي القضاة              رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي  قاضي المحكمة العليا      عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ محمد علي إبراهيم   قاضي المحكمة العليا          عضواً

 

قضية ميراث_ إخراج وارث

 

قرار النقض 191/1977م

 

الصادر يوم الأحد 7محرم 1397هـ الموافق 18/12/1977م

 

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين _ التركات _ الطعن في عدد وصفة الوارثين _ التدخل في الدعوى _ المصلحة الجدية للطاعن _التأثر بنتيجة الدعوى .

 

_ يجوز للمحكمة أن تدخل في الدعوى المطروحة أمامها أي خصم غير حقيقي فيها ولكنه يستند إلى مصلحة جدية له تتأثر بنتيجة تلك الدعوى .

 

 

 

الوقــائع

 

رفعت المدعية بصفتها وصية بنتيها القاصرتين من المتوفى القضية نمرة 252/1971 ضد المدعى عليها وادعت عليها بلسان محاميها أن محكمة أول درجة بامدرمان أصدرت الإعلام نمرة 502/1971 بثبوت وفاة المتوفى وانحصار إرثه في ورثته الذين من ضمنهم المدعى عليها بوصفها زوجة له و إعطائها الثمن فرضاً وان هذا الإعلام لم يبن على أسباب صحيحة لأن المدعى عليها هذه لم تكن زوجة شرعية للمتوفى حتى وفاته لاعترافها بطلاقه إياها بمحضر التركة نمرة 540/1970 الصادر بها الإعلام المذكور وأن دعواها الرجعة دعوى غير صحيحة لأنها تزعم أنه طلقها في سنة 1969 ثم أرجعها في سنة 1970 ولم تحدد تاريخ طلاقها منه في سنة 1969 مع أن هذه السنة تعني سنة 1969 التي تزعم طلاقها فيها على فرض حصوله فإنها قد تزوجت برجل غيره وأقام معها ستة أشهر ثم طلقها في 1/9/1969بقسيمة رسمية وهذا لا يدل على أن طلاق المتوفى لها على فرض حصوله في ذلك التاريخ فإن عدتها منه قد انقضت بزواجها من رجل غيره ثم طلاقه لها بعد ستة أشهر ولا يصح للمتوفى مراجعتها بعد ذلك إلا بعد عقد جديد وهذا لم تدع به وعليه فإن الشهود  الذين شهدوا بأنه راجعها أمامهم غير صادقين في شهاداتهم ولذا طلبت إخراجها من الورثة وإلغاء الإعلام بالنسبة لها .

 

بعد ذلك طلبت منها المحكمة تقديم وثيقتي الزواج والطلاق فقالت أن صحة تاريخ الطلاق هي 1/8/1967وقدمت إشهاد الطلاق 36 رقم 1/8/1967  الدال على أن المتوفى طلق زوجته المذكورة طلاقاً رجعياً وبالرجوع إلى الرجوع إلى الإعلام نمرة 502/1970 اتضح أنه صدر في تركة المتوفى بثبوت وفاته وانحصار إرثه في زوجته المدعى عليها وفي بنتها منه القاصرة وفي ابنتيه القاصرتين من مطلقة له وفي والدته وفي عمه الشقيق دون سواهم وتقسيم تركته عليهم حسب النصيب الشرعي وإقامة زوجته وصية على بنتها القاصرة وإقامة مطلقته وصية على بنتيها القاصرتين ولم يشر إلى حصول أي نزاع في هذا الموضوع أثناء السير في التركة .

 

هذا وقد أجاب محامي المدعى عليها على الدعوى بأنها تصادق على صدور الإعلام المتقدم ذكره في تركة هذا المتوفى وانحصار إرثه في ورثته المذكورين وأنها كانت زوجة له حتى وفاته وتستند في ذلك على أمرين أولهما أن إقرار والدة المتوفى كاف وهي تستحق سدس التركة بزوجية موكلته والثاني إقرار عم المتوفى والعاصب لبنات المرحوم بزوجيتها له إلى وفاته ولم يبق من الورثة سوى بناته الثلاث القاصرات إحداهن بنت لها وعليه فإن دعواها تنحصر في ثلث الثلثين وعلى ذلك فإن الطلب بإخراجها من الإرث طلب في غير محله وينبغي أن ينحصر طلبها في أخذ الباقي بإقرارهما ومن جهة أخرى فإنها زوجته وباقية بعصمته إلى وفاته _ أما دعوى المدعية بأن موكلته المدعى عليها تزوجت برجل آخر فإن موكلته لا تصادق على هذا الزواج وإن صح ذلك فإنها لم تكن طرفاً فيه لأنها لم تستشر وأنه يكون زواجاً باطلاً لأنها باقية بعصمة المتوفى إلى وفاته وطلبت تأييد الإعلام باستمرار زوجيتها للمتوفى وأنها تصادق على طلاقها من المتوفى وتدعي أنه راجعها إلى عصمته بالقول والفعل ثم في جلسة لاحقة أضافت قائلة أن هذه الدعوى غير مقبولة شكلاً لصدورها من بنات المورث اللائى نصيبهن الثلثان فرضاً وهن لا يتأثرن بدخول الزوجة في الإرث أو خروجها منه وإنما الذي يتأثر هو عم المتوفى العاصب وهو و هو مقر لها بالزوجية وطلبت رفض الدعوى لعدم وجود خصومة بين الخصمين وأجابت المدعية بأن للمتوفى معاشاً ومكافأة ولها نصيب فيها في الوقت الذي ليس للعاصب نصيب فيهما وذلك يكفي لاعتبارها خصماً في الدعوى _ ثم سألتها المحكمة عما جاء بإشهاد الطلاق المتقدم ذكره فصادقت عليه وادعت أنه عقد عليها عقداً جديداً وكلفت الإثبات في جلسة قادمة فلم تحضر وأصدرت المحكمة حكمها موصوفاً بأنه حضوري بتاريخ 19/4/1973 بإخراج المدعى عليها من الإرث في الإعلام .

 

استأنفت المحكوم عليها الحكم أمام محكمة المديرية مدعية بأن المستأنف ضدها لا تصلح خصماً لها لأن البنتين لا يتأثر نصيبهما بخروجها أو ببقائها وأن الشخص الوحيد الذي يتأثر بذلك هو عم المتوفى وهو مقر لها بالزوجية وبإقراره وحده _ تدخل في الإرث لأن إرثه ثابت بالبينة ولم يعترض عليه واحد من الورثة وهنا أفهمتها المحكمة بأنها بجلسة 30/9/1972 دفعت بنفس الدفع الأول بأنها لا تصلح خصماً لها ووضح محاميها آنذاك بأن للمتوفى معاشاً فإذا ثبتت الزوجية فإن الضرر يلحق بالقاصرتين وأنها بناءً على ذلك وافقت على قبول الدعوى شكلاًَ إذا صح للموفى معاشاً وقد صح أن له معاشاً كإفادة مدير شئون المالية رقم 6/2/1973 وعليه فإن المحكمة لا تقبل هذا الدفع مرة أخرى .

 

أجاب محامي المستأنف ضدها على الدعوى قائلاً أن المحكمة قد انتهت إلى أن موكلته طرف في الخصومة وطلب بيان تاريخ العقد الجديد فأوضح محاميها بأنه كان في 24/1/1970 فكلف الإثبات فحصر شهود موكلته في تسعة من الرجال ثم استغنى عن سماع شهادة اثنين منهم وطلب سماع الباقي فشهد الأول بأنه في الأسبوع الأخير من شهر1/1970 بالفتيحاب دفع للمتوفى خمسين جنيهاً لكي يرد زوجته وسلمه هذا المبلغ فسلمه بدوره إلى المدعى عليها في اجتماع ورفعوا الفاتحة على  إثبات الرجعة وبعد حصول الرجعة سافر الزوج إلى الجنوب وبعد شهر رجع مضروباً وتوفي وأنه أي الشاهد هو الولي الذي تولى العقد لأنه أقرب الناس "إليها وشهد الثاني مثل شهادة الولي إلا أنه قال إن العقد كان في 14/1/1970 . بالعباسية وشهد الشاهد الثالث  بأنه في يوم لا يذكره ولا الشهر ولا السنة في منزل شخص يعمل بالجيش  جهة شارع الأربعين نهاية بانت وأول بالفتيحاب ذهب إليه وجد معه عدداً من الناس ثلاثة أو أربعة لا يعرفهم رفعوا الفاتحة وسأل هو الزوج المتوفى عما عنده فأجاب بأنه كان بينه وبين المدعى عليها خلاف وأرجعها فقال له خير ثم ودعهم وانصرف .

 

شهد الرابع بأنه في حوالي شهر1/1970حوال 25، 26، 27 أقام مع المدعى عليها بمنزلها وحضر المتوفى المذكور إليها وعرض عليها الرجعة والناس الموجودين قرءوا الفاتحة وهو دفع لها حوالي 40 جنيهاً وبعدها سافر إلى الجنوب وهناك وفي نفس الشهر ضرب وأحضر إلى أمدرمان حيث نوفي بها ثم أجلت القضية لإعلان الشاهد الخامس إلا أنه لم يحضر ولم تؤخذ شادته أما الشاهد السادس والسابع فلم يشهد أحد منهما بشيء .

 

هذا وقد اتضح من كتاب القيادة رقم 6/2/973 أن المتوفى كان في يوم 24/1/1970 بالجنوب بالعمليات الحربية وأصيب هناك وجئ به إلى المستشفى بالعاصمة وبقي إلى وفاته بالتحري ورد كتاب مدير فرع الشئون المالية _ سري للغاية رقم 2/1/1975ومرفقة معه شهادة من مدير فرع شئون الضباط وجاء فيها أن القيادة العامة فرع شئون الضباط تشهد بأنه يوجد بحيازة  هذا الفرع وثيقة تثبت وجود الملازم أول المتوفى هنا . في جوبا في 13/1/1970 وإلى أن أصيب في مسرح الحوادث  كم أشار الخطاب  بأنه ليس  من الضروري استخراج أمر تحرك لكل ضابط إذ في حالة تحرك باسم الشهيد بل توجد مستندات تشير إلى أمره بالتحرك وأن المستندات التي تثبت تحرك الشهيد قبل وفاته مستندات أمر وعمليات حربية لا تسمح القوانين باستخراج نسخ منها _ هذا وقد حضر بالمحكمة ملازم أول من فرع الشئون المالية بالقيادة العامة وقدم ملف مراجعة الضباط وجاء بها النمرة المتسلسلة 89 ملازم قائد الكتيبة الثانية المحطة جوبا تاريخ النقل 1/1/1970 تاريخ الوصول إلى جوبا 13/1/1970 وجاء بالاستمارة من ضمن الأسماء اسم المتوفى و السفرية من الخرطوم إلى جوبا 13/1/1970 وقدم صورة استمارة سفر للخطوط الجوية السودانية نمرة 5677 رقم 25/1/1970 وجاء بالاستمارة من ضمن الأسماء اسم المتوفى والسفرية من الخرطوم إلى جوبا يوم 27/1/1970 وبعرض ذلك على محامي الطرفين قبلا بما ورد فيه ووعدا بالمناقشة ولاحظت المحكمة اضطراب المعلومات الواردة من القيادة في مضمونها وطلبت مراجعة الجهة التي صدرت منها وهنا قال محامي المستأنفة أن نقل المرحوم للقيادة الجنوبية قد تقرر في يوم 13/1/1970 ولكنه لم يتحرك بالفعل إلا في يوم 25/1/1970 وبعد المراجعة أفاد مدير فرع الشئون المالية بكتابة نمرة : سري رقم 8/5/75، وبعد المراجعة أفاد مدير فرع شئون الضباط رقم 26/8/1975 بأن المراجعة تكون عن الضباط الموجودين فعلاً بالمحطة ووجود اسم المذكور بالمراجعة يعني أنه كان في ذلك التاريخ في جوبا ووجود اسمه بالتصريح لا يعني أنه سافر به خاصة ومعه آخرون وربما يكون قد سافر مع سريته بطريقة أخرى بعد هذا قدم محامي المستأنفة كارنيه المتوفى المستخرج من القيادة العامة للقوات المسلحة نمرة 1779 رقم 22/1/1970 وهو مختوم بختمها .

 

بتاريخ 2/1/1977م أصدرت المحكمة حكمها حضورياً برفض الاستئناف وتأييد الحكم المطعون فيه على ألا يمنع ذلك من معاملة العاصب بإقراره فيما ينيبه من نصيبهما وبنت ذلك قائلة أن كون المستأنف ضدها لا تصلح خصماً للمستأنفة أمر حسم بقرار المحكمة الابتدائية الذي اقتنع به محاميها ولأن قاصرتيها لا تتأثران بدخول المستأنفة كوارثة وكون العاصب مقر لها بالإرث فهو يؤخذ  به فيما ينيبها من نصيبه فقط . وأن المستأنفة طلقت سنة 1967 بإشهاد رسمي ولم تقم بإثبات زوجيتها أمام المحكمة الابتدائية مع إعطائها الفرصة الكاملة وأن شهادة الشهود غير متناسقة وغير متفقة وإن مستندات القوات المسلحة تثبت أن المتوفى كان في الوقت الذي تدعي فيه المستأنفة حصول العقد فيه 24/1/1977 في جنوب السودان وإن أحد الشهود يقول أنه كان ولياً لها في العقد مما يفقده صحة شهادته .

 

وقدم الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا بتاريخ 31/1/1977 ، اعتماداً على الأسباب التي ذكرها محامي المطعون ضدها بعريضة الطعن في 1/5/1975 وجاء في رده أنه لا خلاف في تاريخ الوفاة وأن القاصرتين لهما حق الخصومة وأن الشهود اختلفوا في مكان العقد وهذا مبطل لشهاداتهم .

 

الأسباب

 

الطعن استوفى إجراءاته الشكلية وفي الموضوع فإن الوقائع تدل على أن إرث المتوفى ينحصر في زوجته ووالدته وبناته الثلاث القاصرات وعمه الشقيق دون سواهم وأقيمت المدعية وصية على القاصرتين المذكورتين وأنها رفعت دعوى بإخراج الزوجة من الإرث لأنها مطلقة من المتوفى وتزوجت بعده برجل آخر ولم تعد إلى عصمته حتى وفاته . دفعت المدعى عليها الدعوى بأن الوصية على القاصرتين غير خصم حقيقي لأن المدعى عليهما لا يتأثران بنصيبهما في الإرث ولا يتأثر بذلك إلا العاصب وهو العم ولم يرفع الدعوى بل صادق على الزوجية  وأن الزوجية قائمة بينهما وبين المتوفى لأنه رجعها إلى عصمته بعد الطلاق بعقد جديد في 24/1/1970 .

 

وبما أن المحكمة الابتدائية رأت أن للقاصرتين الحق في رفع الدعوى لأن إثبات الزوجية يؤثر على نصيبهما في المعاش من والدهما وأيدت ذلك محكمة الاستئناف فإننا نرى صواب ذلك وأن قبول الدعوى من الوصي عليهما جاء صحيحاً وسليماً ولم يبق إلا الدفع الثاني وهو أن المتوفى عقد على المدعى عليها عقداً بعد الطلاق وبالرجوع إلى الوقائع أيضاً اتضح أنها تشير إلى أن المتوفى طلق الطاعنة في 1/8/1967 طلاقاً رجعياً بالإشهاد 36 من دفتر 3706 محكمة أمدرمان الشرعية وأنها تزوجت بعد ذلك برجل آخر وطلقها المذكور بالإشهاد 36 دفتر 6803 نمرة 3 بتاريخ 1/9/1969 محكمة أمدرمان فهل عادت بعد ذلك إلى زوجها الأول بعقد جديد ؟ هذا ما تدعيه الطاعنة ، وتنكره المطعون ضدها _ كلفت الطاعنة بإثبات دعواها فلم تحضر فصدر الحكم الابتدائي بإخراجها من الإرث _ وفي مرحلة الاستئناف حصرت شهودها في تسعة من الرجال ثم استغنت عن شهادة اثنين منهم فشهد الأول بأن العقد بالزواج الجديد بين المتوفى والطاعنة تم في يناير 1970م وأنه كان الولي عن الزوجة وشهد الثاني بأن الزواج تم بالعباسية أمدرمان وشهد الثالث بأن الزواج تم في نهاية شارع الأربعين نهاية بانت وأول بالفتيحاب في منزل الزوج المتوفى في يوم وشهر وسنة لا يعلمهم وشهد الرابع بأن الزواج تم في منزل الزوجة ولم يشهد الخامس والسادس بشيء ولم يحضر الشاهد السابع هذه البينة التي قدمتها الطاعنة لإثبات عقد زواجها من المتوفى بعد طلاقها من الثاني فهل تثبت هذه الشهادة الزواج المدعى به والجواب على ذلك أنها لا تثبت لأن الرجعة هنا لا تتم إلا بعقد جديد وصداق وشهود في مكان واحد ومجلس واحد والبينة لم تشهد بإجراء  العقد بهذه الكيفية على أن  أقوالها مضطربة في المكان الذي تم فيه العقد هل العباسية أو بانت أو منزل الزوجة أو منزل الزوج ولم يتفق اثنان من الشهود على مكان واحد معين وأن شهادتهم لا يعول عليها كما أن المكاتبات الرسمية من قيادة القوات المسلحة السودانية تؤكد أن المتوفى لم يكن موجوداً في أمدرمان في الوقت الذي ادعت فيه الطاعنة الزواج 24/1/1970 وأنه كان في هذا الوقت بجوبا ولا يعتبر من ذلك أن التصريح الذي منح له تم به سفره في 27/1/1970 لأن مجرد وجود اسمه ضمن المسافرين لا يثبت أنه سافر في نفس التاريخ بعد التأكد من رئاسته أنه كان بالقوة في 13/1/1970  وأن الاحتمال الوحيد لتفسير ذلك أن شخصاً آخر سافر بالتصريح الممنوح له .

 

وبما أن الدعوى بأن المتوفى رجع الطاعنة بعقد جديد في 24/1/1970 لا سند لها لغياب المتوفى في ذلك التاريخ وأن البينة لا يعول عليها لاختلاف أقوالها واضطرابها فإن الحكم بإخراج من الإرث جاء صحيحاً وسليماً .

 

(لــــــذا )

 

قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع رفضه وتأييد الحكم المطعون فيه .

 

 

 

 

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

القضاة :-

 

صاحب الفضيلة الشيخ شيخ محمد  الجزولي                      نائب قاضي القضاة              رئيساً

 

صاحب الفضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ    قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

صاحب الفضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي     قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

قضية تنفيذ نفقة متجمدة

 

قرار النقض نمرة /194/1977م

 

الصادر في يوم الخميس 11محرم 1397هـ الموافق 22/12/1977م

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين - النفقة – تنفيذ النفقة- المدين المعسر- القدرة على التكسب – سقوط المتجمد – المطالبة بما في ذمة المدين –إخطار الطرف الآخر بالطعن – الحق في فرصة الرد – المادة (182) قانون الإجراءات المدنية 1974 .

 

1- من الخطأ أن تعتبر المحكمة إعسار المدين بالنفقة دليلاً على عدم مماطلته في السداد طالما كان قادراً على الكسب إذ المقرر أن القدرة على الكسب ، قدرة على الوفاء ولا يسقط عنه المتجمد لأن المعسر مطالب بما في ذمته .

2- إعمالاً لأحكام المادة (182) من قانون الإجراءات المدنية 1974 – فإنه يجب على المحكمة ألا تقضي بإلغاء أو تعديل الحكم المطعون فيه إلا بعد إخطار الطرف الآخر بالطعن ومنحه فرصة الرد عليها كتابة أو شفاهة .

 

الوقـــائع

 

أصدرت محكمة أمدرمان الحكم 209/1968 ضد المطعون ضده لصالح الطاعنة بنفقة زوجية ونفقة بنوة ,.

 

كما أصدرت الحكم 1819/1973 بزيادة نفقة البنوة للبنتين .

 

طلبت المحكوم لها تنفيذ الحكم وقيد لها التنفيذ 375/1973 وسارت المحكمة في التنفيذ بعد أن حجزت على عقار المدين المنزل 1154/ 4/2والدكان 34مربع (3) سوق الموردة أمدرمان وبجلسة 23/3/1974 دفع المدين كل المبالغ المتجمدة وقدرها 295.555 مليمجـ وأمرت المحكمة في ذات الجلسة بفك الحجز على عقارات المدين .

 

ثم بعد ذلك استمرت المحكمة في التنفيذ للمقرر الشهري ولكن المدين لم يدفع شيئاً بعد ذلك واتضح من أقوال الدائنة بجلسة 1/7/1974 أنه وهب عقاره لأخيه وأصبح لا يملك شيئاً من عقار أو منقول وحين طلبت منه المحكمة دفع ما عليه قال أنه مريض لا يستطيع العمل كما أنه لا يملك شيئاً من عقار أو منقول .

 

أصدرت المحكمة أيضاً الحكم 436/1974 بإسقاط نفقة البنتين اعتباراً من أول يوليو 1975 وثبت طلاق  المدين للدائنة بالحكم 12/1960م _ طلاقاً أول بائناً نظير التنازل عن نفقة العدة .

 

وبناءً على حكم إسقاط نفقة البنتين وطلاق الدائنة بعد تنازلها عن نفقة العدة أصبح المدين غير مطالب بالمتجمد وقدره كما ذكرت المحكمة 168و 261 _ مليمجـ طالبته المحكمة بدفعه فأحضر كفيلاً وحين حضر الكفيل قال أنه يطلب إخراجه من الكفالة فخرج واستمر المدين يقول أنه معسر ولا مال له ولا عقار ولا منقول ولا يستطيع دفع ما عليه .

 

بجلسة  4/5/1977 طلبت الدائنة حبسه فقررت المحكمة سجنه ستة أشهر .

 

طلب المدين الطعن في قرار الحبس أمام محكمة المديرية بتاريخ 5/5/77 وحضر محاميه أمام المحكمة وراجعت المحكمة وقائع الحكم الابتدائي وقالت أن الحكم الابتدائي وقالت أن الحكم بني على المادة (243) الفقرة (ب) من قانون الإجراءات المدنية وإن إجراءات التنفيذ لا تدخل المدين تحت طائلة هذه المادة بل اتضح أنه معسر وأن النفقة انتقلت إلى شقيقته فسجنه غير صحيح .

 

وفي نفس الجلسة 5/5/1977 قررت المحكمة إيجازياً إلغاء قرار الحبس وأمرت بإطلاق سراح المدين _ ولم تعلن المستأنف ضدها ولا أحد من إخوانها لا شفاهة ولا بالمذكرات .

 

في 8/5/1977 تقدمت الدائنة _ الطاعنة _ بعريضة الطعن بالنقض وجاء فيها أن المحكمة الابتدائية قررت سجن المدين بعد أن اتضح لها مماطلته وتهربه من السداد وأنه قام أثناء التنفيذ بتهريب أمواله المحجوز عليها بالمحكمة وهب لأخيه الثري الجراح الكبير القطعة 1354/4/2 أمدرمان والقطعة 23 سوق الموردة في مارس 1975 وغيرهما بمدينة الحصاحيصا وطابت وأراضي زراعية وأملاكاً أخرى بأمد رمان .

 

أعلن المطعون ضده ولم يرد ومضت المدة القانونية .

 

الأســباب

 

ثبت أن محكمة الاستئناف قررت إلغاء قررت إلغاء قرار المحكمة الجزئية بحبس المدين إيجازياً وهذه مخالفة قانونية مكشوفة للفقرة (1) من المادة 182 التي تقرر أن الحكم المطعون فيه لا يلغى أو يعدل إلا بعد إخطار الطرف الآخر بالطعن ومنحه فرصة الرد عليه كتابة وقد كان أولى  بمحكمة الاستئناف أن تطلق سراح المحكوم عليه ريثما يتم الفصل في الاستئناف لا أن تلغى الحكم متجاهلة نصوص القانون ومبادئ وأصول التقاضي التي لا يفترض أن تغيب عن القاضي الذي أصدر القرار .

 

إن الشاكية تقرر في عريضتها أن المدين  قد هرب أملاكه بعد أن رفع عنها الحجز وعاد فادعى الإعسار بعد أن تراكمت  عليه متجمدات للنفقة المقررة عليه وإذا انتفى السبب الذي استندت إليه المحكمة الجزئية في سجنها  للمدين وهي الفقرة (ب) من المادة 243 فهل يسقط المتجمد عن ذمته وهل تسقط مطالبته به قانوناً .

 

أشارت المحكمة الاستئنافية أن المدين ليس مماطلاً بدليل إعساره وهذه مقدمة خاطئة لأن المعسر مطالب بما في ذمته وأنه لا يعتبر مماطلاً عن السداد إذا كان قادراًَ على الكسب ومن المقرر قانوناً أن القدرة على الكسب قدرة على الوفاء وقد كان على المحكمة الاستئنافية أن تبحث ذلك قبل إصدار قرارها بإلغاء الحكم لأن الحكم إذا وقع صحيحاً لسبب غير السبب الذي استندت إليه المحكمة الجزئية فيتعين تأييده وفقاً لأحكام المادة 214 إجراءات مدنية سنة 1974 ولهذا يتعين إلغاء قرار الاستئناف وإعادة التنفيذ إلى محكمة الاستئناف للنظر في ضوء ما ذكر من أسباب على أن يكون سراح المحكوم عليه مطلوقاً ريثما يتم الفصل في الاستئناف .

 

(لهــــذا)

 

قررنا قبول الطعن وفي الموضوع شكلاً إلغاء الحكم المطعون فيه وإعادة الأوراق إلى محكمة الاستئناف للنظر ما ذكر من أسباب .

 

 

 

.

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

فضيلة الشيخ عبد الرحيم حسين الصائغ     قاضي المحكمة العليا                     رئيساً

 

فضيلة الشيخ الصديق أحمد عبد الحي                 قاضي المحكمة العليا              عضواً

 

فضيلة الشيخ محمد السنوسي إبراهيم                  قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

تركة ميراثية

 

قرار النقض نمرة 206/1977

 

الصادر في يوم الخميس 18 محرم 1398 هـ الموافق 29/12/1977م

 

المبادئ:

 

الأحوال الشخصية للمسلمين – التركات – قرار حفظ أوراق التركة بطلب الورثة – شرعية دعاوى الصلح – توافر الثبوت والعلم – الإجراءات الواجبة قبل إقرار الصلح .

 

1- المذكرات المكتوبة لأغراض المادة نمرة 195 إجراءات مدنية 1974م .

2- لا يجوز لمحكمة أن تنظر في دعاوى الصلح أو التخارج أو غيرها في التركات إلا بعد ثبوت الوفاة وانحصار الإرث وبيان المتروكات وقيمتها ومن تكون بيده لأن الصلح لا يجوز شرعاً إلا على ثابت معلوم .

3- يجب على المحكمة أن تلاحظ بكل دقة أن المادة (195) لائحة الإجراءات المدنية لسنة 1974 لا تطبق إلا بناءً على المذكرات المكتوبة المقدمة من أولي الشأن .

 

(الوقـــائع)

 

طلبت بنت المتوفى من محكمة المتوفى من محكمة حلفا الجديدة حصر تركة ورثة والدها ومن التحريات أفاد السيد حكمدار نقطة الجهة أن مال المتوفى قسم بناءً على صلح ولم يترك إلا عدداً من الإبل بيد ابنه .

 

حددت المحكمة جلسة لنظر التركة وفي اليوم المحدد حضرت طالبة الحصر وقالت أنها تصالحت مع الورثة وأخذت نصيبها نقداًَ – بجلسة 8/3/1976 قررت المحكمة حفظ أوراق التركة .

 

بعد ذلك طلبت الزوجة المذكورة الاستئناف أمام قاضي المديرية بكسلا وفي غيبة الطرفين ومن غير إعلان لهما قررت المحكمة رفض الاستئناف وتأييد قرار الحفظ التركة وذكرت أن ذلك بناءً على المادة 195 إجراءات 1974 وذلك في 6/10/76 ولا يوجد ما يدل على إعلان الطاعنة .

 

في 20/6/1977، قدمت عريضة الطعن بالنقض وقالت أنها لم تتنازل عن نصيبها وتطلب حقها _ جاء الرد على العريضة بأن المطعون ضدهم يطلبون الفصل فيها .

 

الأســـباب

 

أن الصلح لا يجوز شرطاً إلا على شئ ثابت ومعلوم والتركة هنا غير معلومة والورثة غير معروفين لأنه لم يثبت إرث أحد منهم . وكان الواجب على المحكمة أن تحصر التركة وتطلب بيان أفرادها وعددها وقيمتها ومن بيده وتحصر كل الورثة وتطلب منهم إثبات إرثهم ثم بعد ذلك تنظر في دعاوى الصلح أو التخارج أو غيرها أما قبل ذلك فلا يصح وخاصة أن المطعون ضدهم في الرد على عريضة الطعن يطالبون بتوزيع التركة وبما أن المحكمة الابتدائية أخطأت وأيدتها محكمة الاستئناف في هذا الخطأ فإن الحكمين غير صحيحين كما يلاحظ على محكمة المديرية أنها أخطأت في تفسير المادة 195 إجراءات لأن هذه المادة لا تطبق إلا إذا هذه المادة لا تطبق إلا إذا كان لدى الأطراف مذكرات أمام المحكمة ولا يوجد هنا مذكرة من المطعون ضده لا كتابة ولا شفاهة والواجب تطبيق المادة 186 إجراءات 1974م وقد كثر التنبيه على هذه المحكمة في هذا الموضوع لأن كثيراً من القضايا التي وردت من قاضي المديرية بكسلا تطبق فيها المادة 195 تطبيقاً غير صحيح .

 

(لهـــــذا)

 

قررنا قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع إلغاء الحكمين المطعون فيهما وإعادة الأوراق للمحكمة الابتدائية للسير في التركة من جديد على ضوء الأسباب .   

 

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

القضاة :

 

سعادة السيد دفع الله الرضي                قاضي المحكمة العليا                        رئيساً 

 

سعادة السيد فاروق أحمد إبراهيم           قاضي المحكمة العليا                        عضواً

 

سعادة السيد عبد الله الأمين                  قاضي المحكمة العليا                        عضواً

 

 

 

التوم محمد الشيخ                                                               الطاعن

 

ضد

 

محمد الحسن عوض الكريم                                                    المطعون ضده

 

(م ع/ط م/237/1977)

 

المبادئ:

 

قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 العقود-الإخلاء بالعقد-الظروف أو المبررات القانونية التي تنفي الإخلال يجب ألا تكون من  صنع أحد الأطراف –المادة 74 من قانون  العقود لسنة 1974م.

 

قانون تقييد الإيجارات لسنة 1953-الإخلال بدفع الأجرة في موعدها –معياره-الفشل في الدفع من الناحية الفنية-لا يعتبر إخلالاً.

 

 

            إن الظروف التي تنفي صفة الإخلال عن فشل أحد الأطراف في تنفيذ التزاماته التعاقدية يجب ألا تكون بطيعة الحال من صنعه هو .

 

 

2- إن الإخلال بواجب المستأجر في دفع الأجرة في موعدها الذي يبرر الحكم بالإخلاء هو الامتناع الواعي عن دفعها أو الفشل في ذلك لعدم قدرته أو تراخيه أو عدم انضباطه. أما مجرد الفشل في الدفع الذي سح أن يطلق عليه هذا الوصف من الناحية الفنية فقط ، فلا يبرر الحكم بالإخلاء.

 

(الحكـــــم)

 

13/3/1978:

 

القاضي عبد الله الأمين:

 

هذا طعن بطريق النقض في الحكم الصادر من محكمة مديرية كسلا في استئنافها رقم 81/76 بتاريخ 11/5/1977 ويتحصل في أن المطعون عليه بوصفه المالك المسجل للدكان رقم 15 مربع 1/ج السوق مدينة كسلا أقام الدعوى رقم 136/76 أمام محكمة كسلا المدنية يطلب الحكم له في مواجهة الطاعن (المستأجر) بإخلاء الدكان المذكور وإلزامه بدفع مبلغ 14 جنيهاً عبارة عن الأجرة المستحقة عن شهري مارس أبريل 1976م.

 

أنكر الطاعن الدعوى ولكن محكمة الموضوع قضت بالإخلاء لاقتناعها بفشله في دفع أجرة مارس في ميعاد استحقاقها. أما أجرة أبريل فقد رأت أن الوفاء بها كان صحيحاً. لم يرض الطاعن بهذا الحكم الأخير وتقدم بهذا الطعن مردداً ما سبق أن قاله من أنه لم يفشل في سداد أجرة مارس سفي ميعادها وإن ما حدث من تأخير يرجع إلى سباب لا دخل له فيها. أتحنا الفرصة للمطعون عليه فلم يخرج رده عن القول بفشل الطاعن في سداد الأجرة في ميعادها وتأكيد حاجته الضرورية للدكان مع أن الحاجة الضرورية ليست من بين الأسباب التي أقيمت عليها الدعوى.

 

أيدت محكمة المديرية الحكم بالإخلاء على أساس فشل الطاعن في فع أجرة مارس في موعدها وحيث أن المطعون عليه لا يطعن أمامنا فيما توصلت إليه تلك المحكمة من سداد لأجرة أبريل في موعدها فسوف ينحصر النقاش في حدود أجرة مارس فقط لنرى إن كان الطاعن قد فشل في سدادها في موعدها على نحو ما يبرر الحكم في مواجهته بالإخلاء يبين من مراجعة البينات إن الاتفاق بين الأطراف يقضي بدفع الأجرة مؤخراً وقد ذكر الطاعن على اليمين أنه اعتاد منذ أن اشترى المطعون عليه الدكان محل النزاع في 1971 أن يحول له الأجرة في الفترة ما بين الخامس والتاسع من كل شهر وفي غياب أي معارضة لهذه البينة أو حتى مجرد إدعاء مغاير لها من جانب المطعون عليه لا أرى ما يمنع من الأخذ بها.

 

كذلك لا خلاف بين الأطراف في أن الطاعن  حول أجرة مارس بالبريد  في 8/4/1976 وإن المطعون عليه أعاد الحوالة لوجود خطأ فيها. يتمثل الخطأ في أن اسم الطاعن نفسه كتب في الجزء المخصص لكتابة اسم المرسل إليه (المطعون عليه).

 

ثابت أيضاً أن الطاعن (بعد أن أعيدت إليه الحوالة في 30/4/1976) قام بتحويل أجرة مارس مع أجرة أبريل في 5/5/1976) والسؤال الآن هو هل يمكن القول في ضوء هذه الوقائع إن الطاعن قد فشل في سداد أجرة مارس في موعدها على نحو يبرر الحكم في مواجهته بالإخلاء؟ الإجابة في رأيي بالنفي وذلك للأسباب الآتية:

 

تعرف المادة 74 من قانون العقود  لسنة 1974 الإخلال بالعقد على النحو التالي:  (الإخلال بالعقد هو رفض الوفاء أو عدم الوفاء بكل أو بأي جزء من الالتزامات التي ينئها العقد دون مبرر قانوني. واضح من التعريف المذكور أن قيام المبرر القانوني ينفي صفة الإخلال عن فشل أحد الأطراف في تنفيذ التزاماته التعاقد كلها أو بعضها ومن المعلوم إن المبررات القانونية التي تنتج هذا الأثر نوعان منها ما يكون وراداً في العقد ذاته ومنها ما يفرضه القانون مباشرة.

 

هذا النوع الأخير من المبررات القانونية هو الذي يعنيني لأغراض هذا النزاع والمثال الواضح له هو حالة الاستحالة (Frustration) ولكن قيام ظروف لا دخل للأطراف فيها وإن لم يجعل العقد مستحيل التنفيذ قد ينفي صفة الإخلال بالعقد عن فشل أحد الأطراف في تنفيذ التزاماته والمثال الواضح لذلك هو مرض العامل وامتناعه نتيجة لذلك عن العمل وقد حكم في قضية مفتش ضد مقهى باريس ليمتد (وردت الإشارة إليها في كتاب The law of Contract G.H Treitel الصفحات 285 وما يليها طبعة 1975.

 

إن الظروف التي تنفي صفة الإخلال عن فشل أحد الأطراف في تنفيذ التزاماته التعاقدية يجب أن لا تكون بطبيعة الحال من صنعه هو. وفي النزاع موضوع هذا الطعن أكد الطاعن على اليمين إن عدم كتابة اسم المطعون عليه في المكان الصحيح من الحوالة كان (من ناس البوستة) على حد تعبيره ولست أرى ما  يمنعها من قبول هذه البينة خصوصاً وإن الطاعن بعد أن قام بالتحويل فعلاً لم تعد له مصلحة في عدم كتابة اسم المطعون عليه مما يحملنا أكثر وأكثر على تصديقه.

 

إن المحك فيما أرى ليس هو ما إذا كان الطاعن قد اشترك مادياً أو كان أداة في خلق الظروف التي أدت إلى عدم الوفاء في موعده ولكن المحك الحقيقي هو ما إذا كان يمكن القول بأنه كان وسيطاً واعياً في خلق تلك الظروف وبعبارة أخرى ما إذا كان سلكه غير مستقيم على نحو ما (Blameworthy) وقد رأينا أن الطاعن لم تكن له مصلحة في الخطأ الوارد في الحوالة .  إن الإخلال بواجب المستأجر في دفع الأجرة في موعدها الذي يبرر الحكم بالإخلاء هو الامتناع الواعي عن دفعها أو الفشل في ذلك لعدم قدرته أو تراخيه وعدم انضباطه. أما مجرد الفشل في الدفع الذي يصح أن يطلق عليه هذا الوصف من الناحية الفنية فقط (Technical- Non-payment) فلا يبرر الحكم بالإخلاء.

 

أجد من الضروري هنا الإشارة إلى إنني لا أريد بهذا العودة إلى مبدأ المعقولية الذي وردت الإشارة إليه في قضية ورثة نور الدائم محمد ضد الحاج محمد صلاح الدين والذي تخلت عنه هذه المحكمة تماماً في السنوات الأخيرة . إن مبدأ المعقولية المشار إليه يفترض أن هناك إخلالاً من جانب المستأجر في دفع الأجرة ولكن المحكمة لا تقضي بالإخلاء إلا إذا ثبت لها أن ذلك معقول في كل الظروف. الأمر مختلف تماماً في النزاع المفروض عليها الآن إذ فشل الطاعن في دفع أجرة مارس في موعدها لا يعتبر في ظروف هذه الدعوى إخلالاً بالتزاماته التعقادية في معنى المادة 74 من قانون الإجراءات العقود لسنة 1974.

 

لهذه الأسباب أرى قبول هذا الطعن وإلغاء الحكم بالإخلاء المطعون فيه ولا أمر بشأن الرسوم.

 

القاضي فاروق أحمد إبراهيم:

 

أوافق: وأضيف أنه حتى ولو كان كتابة اسم المطعون ضده في غير مكانه الصحيح من الحوالة قد تم من جانب الطاعن فقد فشل المطعون ضده في إثبات إن ذلك قد تم بسوء قصد أو بينة لحجب الإيجار.

 

القاضي دفع الله الرضي:

 

أوافق.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(المحكمة العليا)

 

القضاة :

 

سعادة السيد هنري رياض سكلا            قاضي المحكمة العليا            رئيسا

 

سعادة السيد صالح وهبي                    قاضي المحكمة العليا            عضوا

 

سعادة السيد فاروق أحمد إبراهيم           قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

الزبير عباس                                             الطاعن

 

ضد

 

عباس عبد المطلب                                 المطعون ضده

 

(م ع/ط م/36/1977)

 

المبادئ:

 

قانون تقييد الإيجارات – الحاجة الماسة – شراء منزل بغرض السكن فيه دليل في حد ذاته على قيام الحاجة الماسة ولا يلزم المالك بتقديم سواه .

 

قانون تقييد الإيجارات – اختلاف موقع العمل عن موقع السكن لا ينفي الحاجة الماسة .

 

1- الشخص الذي لا يملك منزلا بغرض السكن فيه يكون ذلك في حد ذاته دليلا على قيام الحاجة الماسة ولا يلزم بتقديم سواه ما لم يثبت المستأجر أن المالك لا يريد السكن بشخصه وإنما يهدف مثلاً لاستغلاله استغلالاً تجارياً.

2- اختلاف موقع العمل عن موقع السكن ليس دليلاً على انتفاء الحاجة الماسة فمن الجائز أن يعمل المالك في مدينة ما ويكون محتاجاً لمنزله الكائن في مدينة أخرى لسكن زوجته وأطفاله بل ربما يكون عمله خارج السودان وتضطره ظروف عمله للبقاء في الخارج بينما تستدعي ظروف أسرته كتعليم الأبناء مثلاً بقاء الأسرة في السودان .

 

المحامون :

 

            محمد فتح الرحمن العطا .

 

(الحكـــم)

 

12/5/1977:

 

القاضي صالح وهبي :

 

            في 8/1/1977 تقدم الطاعن بعريضة طعن عن طريق النقض في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف بتاريخ 24/11/76 في الاستئناف رقم 865/76 والقاضي بشطب الاستئناف وتأييد حكم محكمة الموضوع .

 

            تتحصل وقائع الطعن في أن المطعون ضده أقام في 7/7/75 الدعوى المدنية رقم 264/75 بمحكمة عطبرة الجزئية في مواجهة الطاعن يطالب بإخلائه من العقار رقم 7 الحصا غرب عطبرة تأسيساً على الحاجة الماسة والملحة للسكن فيه . قدم الطاعن رداً في 24/7 أقر فيه بالملكية والإجارة والإنذار وناهض الدعوى بحجة انتفاء الحاجة الماسة وحددت المحكمة نقطة نزاع واحدة ثم استمعت لبيانات الخصوم والشهود وخلصت إلي أن المدعى قد اشترى العقار موضوع النزاع لحاجته له لسكناه وأنه أنذر المدعى عليه إنذاراً قانونياً وأقام الدليل على حاجته الملحة لمنزله وأصدرت في 25/10/76 حكماً لصالح المدعى ولم يقبل الطاعن بذلك الحكم فتقدم باستئناف لدى محكمة الاستئناف ناعياً على الحكم مخالفته للقانون ولما استقرت عليه السوابق القضائية في تقدير الحاجة الماسة وأصدرت محكمة الاستئناف حكمها موضوع الطعن مؤيدة حكم أول درجة مؤكدة نجاح المدعى في إثبات حاجته الماسة والملحة لمنزله لاستعماله الشخصي ومن ثم تقدم الطاعن بطلبه لهذه المحكمة عن طريق النقض .

 

            وينعى الطاعن على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون والخطأ في تطبيقه وتأويله حين قضى بتأييد حكم محكمة الموضوع الصادر على عكس الوزن السليم للبينات وعلى خلاف ما استقر عليه العمل قضاء في تقدير الحاجة الماسة ويشير محامي الطاعن إلي السابقة القضائية عز الدين عبد الله ضد حسن محمد أحمد مجلة الأحكام القضائية لسنة 1966 ص 159 ويورد منها الفقرة التالية : يجب على المالك أن يقيم الدليل على حاجته الماسة للعقار للعمل وليس لمجرد الآمال في المستقبل " كما يشير إلي قضية أخرى  لم يوضح الاسم الكامل ولم يورد رقمها ولا المجلة التي نشرت فيها ويقول أنها قررت أن الحاجة الماسة لا تقوم لشخص يعمل في الخرطوم بحري ويسكن في الخرطوم ، ويؤيد بذلك حجته في أن الحاجة الماسة  لا تثبت إلا إذا كان المنزل الذي يطالب باسترداده المالك في نفس الموقع الذي فيه مكان عمله .

 

            وقد رد على ذلك المطعون ضده بقوله أن الموقع المعين الذي أشارت إليه المحكمة العليا في قضية أحمد عثمان ضد حليمة علي (م ع/ط م/28/76) ينبغي أن يفسر لغرض قانون تقييد الإيجارات بقرب مكان سكن المستأجر السابق بالنسبة لمكان العقار الذي اشتراه لسكناه وسهولة الوصول إليه .

 

ويضيف المطعون ضده بأن المسافة بين عطبرة و الدامر 13 كيلومتر فقط وأن هنالك شارع مسفلت يربط بين المدينتين وأن عشرات المواطنين يسكنون عطبرة ويعملون بالدامر ويذهبون لأعمالهم يومياً دون مشقة.

 

            ومسألة الحاجة الماسة مسألة تكييف للوقائع إذ هي استنتاج من الأدلة التي تطرح أمام محكمة الموضوع والوقائع التي تثبت أمام محكمة الموضوع هي أن المطعون ضده يسكن في الدامر ويعمل في الدامر وأن المنزل الذي يسكن فيه بالإيجار منزل ضيق يتكون من غرفتين فقط ولا يتسع لأسرته ولضيوفه وأنه اشترى المنزل موضوع النزاع للسكن فيه وانذر المستأجر لإخلائه بموجب خطاب محاميه المؤرخ 4/11/1974 وثبت أيضاً أن للطاعن منزلا في مدينة عطبرة أجر جزءا منه لآخرين وبالرغم من أن سعة المنزل الذي يطالب باسترداده المطعون ضده غير واضحة ولم تقدم أية أدلة في هذا الشأن فقد استنتجت محكمة الموضوع الحاجة الماسة وحكمت للمالك باسترداد عقاره وأيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم تأسيساً على أن المطعون ضده لا يملك منزلاً آخر في مدينة عطبرة وأنه اشترى المنزل محل النزاع بغرض السكن فيه وهذا في حد ذاته دليل على قيام الحاجة الماسة لا يلزم المالك بتقديم سواه وبوجوب الحكم بالإخلاء ما لم يثبت المستأجر أن المالك لا يريد السكن بشخصه وإنما يهدف مثلاً لاستغلال العين محل النزاع استغلالاً تجارياً .

 

            والطاعن لا يثير موضوع مساحة المنزل في طعنه ولم يعر ذلك اهتماماً في محكمة أول درجة في حين أن المطعون ضده قد ركز على ضيق مسكنه بالدامر واضطراره لشراء المنزل موضوع النزاع ويستدل من ذلك أن المنزل الأخير أوسع وأنسب لسكن المطعون ضده واستنتاج محكمة الموضوع استنتاج سائغ وسليم ذلك أن الإنسان عادة ينشد الراحة والاستقرار ويشتري المنزل للراحة في سكناه والمالك أولى بملكه متى ما أثبت حاجته إليه وقد أثبت المطعون ضده أن المنزل الذي يستأجره يتكون من غرفتين فقط وأن أسرته تتكون من ثلاث بنات أعمارهن 22 سنة 20 سنة و 12 سنة وابن عمره 16 سنة وإذا افترضنا أن البنات الثلاثة يمكن أن يعشن في غرفة واحدة والزوج والزوجة في الغرفة الأخرى فلا مكان للابن الذي أصبح في سن لا تسمح له بمشاركة أخواته الغرفة الواحدة ولا شك أن ضيق المنزل العامل الأساسي في تقدير حاجة المالك لعقاره ويجدر أن نذكر أن العقار في الأصل للاستعمال لا للاستثمار وأن المالك يستطيع أن يضيف بعض المباني في عقاره ويزيد في غرف منزله حسب حاجته في حين أن المستأجر لا يستطيع أن يفعل شيئاً في ملك الغير إلا بموافقته .

 

            ولا يقدح في حاجة المالك لعقاره ما أثاره الطاعن من اختلاف الموقع إذ أنه من الجائز أن يعمل المالك في مدينة ما ويكون محتاجاً لمنزله الكائن في مدينة أخرى لسكن زوجته وأطفاله بل ربما يكون عمل المالك خارج السودان وتضطره ظروف عمله للبقاء في الخارج بينما تستدعى ظروف أسرته كتعليم الأبناء مثلاً بقاء الأسرة في السودان ، فاختلاف موقع العمل عن موقع السكن ليس دليلاً على انتفاء الحاجة فضلاً عن أن مدينة عطبرة لا تبعد كثيراً عن مدينة الدامر ولا توجد صعوبة في الانتقال بينهما إذا أن الطريق ممهد والمواصلات ميسرة . والقضية التي أشار إليها محامي الطاعن وهي قضية عز الدين عبد الله ضد حسن محمد أحمد لا تفيد قضية الطاعن في شيء ذلك أن وقائعها تختلف كثيراً عن وقائع هذه الدعوى وتتعلق بدكان أقام مالكه الدعوى لاسترداده على أساس أنه يرغب في العمل وقضت المحكمة بشطب الدعوى تأسيساً على أن مجرد الرغبة في العمل مستقبلاً لا تكفي لإثبات الحاجة . ولا ندري المحكمة في إيراد الفقرة التي أشرنا إليها فلم يكن الحكم المطعون فيه مبنياً على مجرد آمال المالك في المستقبل وإنما على واقعة وظروف حياته كما أننا لم نجد القضية الثانية التي اعتمد عليها محامي الطاعن وأشار إليها بقضية ورثة عبد الستار دون أن يوضح رقم الدعوى أو رقم الطعن أو المجلة التي نشرت فيها ولذلك لم يتح لنا الفرصة لمناقشتها .

 

            وحيث أن المطعون ضده قد أقام الدليل على حاجته الماسة لمنزله فإن النعي على الحكم المطعون فيه بمخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله نعي غير سديد فأننا نرى شطب الطعن وإلزام الطاعن بالرسوم .

 

12/5/1977:                                12/5/1977:

 

القاضي هنري رياض سكلا :-             القاضي فاروق احمد إبراهيم :-

 

أوافق                                     أوافق

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

صاحب السعادة السيد  خلف الله الرشيد   رئيس القضاء                    رئيساً

 

سعادة السيد صلاح الدين شبيكة            قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد محمد الفضل شوقي            قاضي المحكمة العليا          عضواً

 

 

 

حكومة السودان   ضد عبيد عمر علي وآخرين

 

(م ع/م ك/6/1977)

 

المبادئ:

 

قانون جنائي_ المعركة المفاجئة _ المادة 249(4) من قانون العقوبات سنة 1974م .

 

قانون جنائي _ الفاعل الأصلي_ المادة 78 عقوبات .

 

قانون جنائي_ القصد الجنائي _ سبق الإصرار والترصد .

 

3- يستفيد المتهم من أحكام البند 4 من المادة 249 متى كانت هنالك أدلة على أن المشاجرة كانت نتيجة معركة مفاجئة وإن لم تتبين المحكمة على وجه قاطع أسباب المشاجرة أو من هو البادئ بالعدوان .

 

 

            يعتبر الشخص فاعلاً أصلياً للجريمة مع المتهمين الآخرين متى كان قصدهم مشتركاً لإحداث جريمة معينة .

             القصد الجنائي ركن من أركان جريمة القتل ويمكن أن ينشأ وقت الحادث دون ترتيب سابق وقد يساوي المشرع بين القصد الجنائي للقتل وبين العلم بأن الموت نتيجة راجحة للفعل الذي يؤدي إلى القتل وفقاً للمادة 248 من قانون العقوبات لسنة 1974 .

 

 

(الحكــــم)

 

4/5/1977:

 

مثل أربعة متهمون أمام محكمة كبرى جلست في عطبرة وأصدرت قرارها يوم 17/1/1977 وقد أدانتهم جميعاً بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحكمت عليهم بالإعدام شنقاً حتى الموت وهؤلاء المتهمون هم :_

 

1-عبيد عمر علي .                        3- أحمد محمد أبو شابه.

 

2-علي الحسن الماحي .                      4- محمد علي طه .

 

نود قبل كل شئ أن نسجل على المحكمة تركها للفراغ المعد لتوضيح القرار بالإدانة أو بعدمها في أعلى الصحيفة 60 من المحضر شاغراً بدون أن تذكر به أي شئ وهذا خطأ وخروج عن النظام الصحيح والمتبع لاستيفاء كل متطلبات الأوراق القضائية وأسبابه غير مفهومة ويحتاج لتوضيح .

 

لقد توصلت المحكمة إلى أن الوقائع الجوهرية التي اقتنعت بثبوتها هي أن المتهمين الأربعة وهم من قبيلة المناصير جلسوا في يوم 13/3/1976 يشربون المريسة في إنداية مريم حسن بمنطقة الأنادي في عطبرة كما جلس المجني عليه الأول عبد القادر في جانب آخر مع زملاء آخرين ينتمون لمنطقة العالياب _ وقام المتهم الثالث ليرقص على أنغام الدلوكة وعند انتهائه افتقد ساعته ولم يجدها وأخبر زملاءه المتهمين الثلاثة الآخرين واتفقت آراؤهم الأربعة على أن الذي أخذها هو المجني عليه عبد القادر ولكنه نفى ذلك وأكد عدم رؤيته للساعة وظل المتهمون الأربعة يتابعونه حتى خرج من أنداية ثانية كان قد انتقل إليها وهنالك طالبوه مرة أخرى بإعادة الساعة وتدخل شاهد الاتهام السادس في محاولة لفض النزاع _ وكان هنالك اتجاه لرفع الموضوع للبوليس ليتحرى فيه ولكن المتهمين لجأوا للعنف وأمسك المتهم الثاني بعصا المجني عليه عبد القادر وحدث تماسك وتجاذب وانهال الباقون عليه ضرباً حتى سقط  على الأرض وكان شاهد الاتهام الثامن شاهد عيان على ذلك _ ولما انجلى الموقف اتضح أن المصابين اثنان وليس واحداً وكان الأول هو عبد القادر والثاني يدعى محمد حمد وقد توفي كلاهما في محل الحادث وأسفر تشريح جثة الأول عن وجود جرح قطعي في مؤخرة الرأس وورم شديد حول السلسلة الفقرية للرقبة ونزيف داخلي وكان سبب الوفاة هو الكسر في السلسلة الفقرية لعظام الرقبة والكسر في قاع الجمجمة _ أما تشريح جثة الثاني محمد حمد فلم يكشف عن وجود أي آثار ضرب أو أي دلالة على أسباب الوفاة وقرر الطبيب أن أسباب الموت خفية وقد تعزى لمجرد صدمة عصبية للتسمم الكحولي الناتج من كميات المريسة التي وجد ت داخل المعدة عند فتحها .

 

تقدم محامي المتهمين بطعن عن طريق النقض يثير النقاط الأساسية التالية:_

 

1-أن التهمة لم تحدد الدور الذي لعبه كل واحد من المتمين في الحادث بل جاءت عامة وعائمة وغير واضحة .

 

2-لم تناقش المحكمة بالتفصيل _ مسئولية المتهمين عن وفاة المجني عليه الثاني الذي لم يصب بأي أذى ولم يكن هنالك أساس لتوجيه أي التهمة في شأن وفاته لأي أحد .

 

3-لم تقرر المحكمة من الذي ضرب المجني عليه الأول ومن الذي لم يشترك في ضربه من بين المتهمين .

 

4-لم تحدد المحكمة أيضاً أي الضربات كانت هي القاتلة وتركت رابطة السببية عائمة ومبهمة .

 

5-لم يكن المتهمون يقصدون تسبيب وفاة المجني عليه الأول  _ وبعد ثبوت القصد الجنائي فإن التهمة الصحيحة للمتهمين كان يجدر أن تكون تحت المادة 254 أو على الأكثر تحت المادة 253 من قانون العقوبات  حيث أن الحادث وقع أثناء مشاجرة  مفاجئة .

 

نبدأ بالقول بأن التقرير الطبي عن جثة القتيل الثاني يكفي وحده لشطب التهمة الموجهة للمتهمين في شأن وفاة هذا الشخص إذ أنه دليل كافي  على أن وفاته لم تكن نتيجة لفعل قام به أي أحد سواء من بين المتهمين أو خلافهم _ فإن كانت الخمر التي شربها هي سبب الوفاة فإن وفاته تعتبر غير جنائية _ وأن كان السبب هو صدمة عصبية كما ورد بالتقرير الطبي فإن المسئولية عنه لا يمكن تحميلها لأي أحد ما دام جسم القتيل قد ثبت خلوه من أي آثار  تدل على أنه تعرض لعنف بدني ما دامت البينات قد جاءت خالية تماماً من أي دليل يثبت أن أحداً قد مسه بأذى ملموس وفي هذا المعنى يقول الأستاذ راتنلال في الصفحة 729 من الطبعة الواحدة والعشرين من كتابه في القانون الجنائي( إن القانون الإنجليزي لا يعتبر أن الوفاة جنائية ما لم يكن السبب هو أذى جسماني يأتي من فعل إيجابي أو إغفال سلبي _ وهذه تختلف عن حوادث الموت التي يكون السبب فيها تأثيرات عقلية أو تفاعلات أو انفعالات أعقبت تلك التأثيرات ) .

 

هذا التقرير الطبي عن القتيل الثاني محمد حمد كما  ذكرنا وعدم قطعه بأسباب الوفاة وتأكيده بعدم وجود أي آثار أذى محسوس لهو دليل كاف على أن وفاته لا يسأل عنها أحد _ لربما يكون الذي قتله هو الهلع الذي أصابه أثناء المشاجرة أو رؤيته لزميله المجني عليه الأول ينهار تحت تأثير ضربات المتهمين ولكن هذه مجرد انفعالات وردود فعل عصبية ولا تشكل كما ذكرنا فعلاً إجرامياً يقوم مقام الواقعة المادية المطلوبة ومن أجل اكتمال عنصري الجريمة الجنائية _ وبناءً عليه فإن القضية تحتوي على جريمة واحدة وهي جريمة قتل المجني عليه الأول عبد القادر .

 

هنالك شهود عيان يؤكدون أن المتهمين الأربعة اشتركوا جميعاً في الاعتداء على المجني عليه عبد القادر منهم شاهد الاتهام الخامس وشاهد الاتهام السادس وشاهد الاتهام الثامن وبناءً عليه فإن تطبيق المادة 78 من قانون العقوبات جاء مسنوداً ببينات  كافية وأن التصور السليم للحادث يتطلبه إذ أن أقوال هؤلاء الشهود تثبت أن رابطة كانت تربط بين المتهمين الأربعة طوال مراحل النزاع الذي قام بينهم وبين المجني عليه عبد القادر في يوم الحادث وأن منطقهم كان واحداً وكلمتهم واحدة وبالتالي فإن هدفه لا بد أن يكون واحداً ومشتركاً _ وليس هنالك ما يعيب التهمة إن كانت قد قرنت حتى هذا الظرف بين المتهمين الأربعة ووصلت بينهم وجاءت عباراتهم شاملة لهم جميعاً وتسند لهم في وقت واحد واقعة ضرب المجني عليه بالعصي بدون ذكر التفاصيل والمفردات .

 

ولقد ثبت بأقوال الشهود أيضاً أن المجني عليه انهار وسقط في حينه وقد وجد متوفياً في مكان الحادث وأوضحت الشهادة الطبية أن الموت كان بسبب كسر في السلسلة الفقرية وفي قاع الجمجمة . وهذه البينات كافية تماماً لأغراض هذا العنصر من عناصر الجريمة وهو عنصر السببية فهي لا تدع مجالاً للشك في أن الوفاة قد حدثت كنتيجة مباشرة للضربات التي تلقاها المجني عليه والتي اقتنعت المحكمة كما ذكرنا بأن المتهمين الأربعة اشتركوا فعلياً في توجيهها له .

 

حاول محامي المتهمين عند مناقشته لعنصر القصد الجنائي أن ينفي عن موكليه سبق الإصرار والترصد ركن القصد الجنائي شئ والترصد شئ آخر وليس من الضروري لنشوء الأول أن يتوافر  الثاني فالقصد الجنائي عنصر أساسي من عناصر جريمة القتل ويمكن أن ينشأ في حينه وبدون تدبير سابق وقد ساوى المشرع بينه وبين العلم بأن الموت نتيجة راجحة للفعل الذي ارتكب وذلك لأغراض  جريمة القتل العمد وفقاً للمادة 248 من قانون العقوبات فإنه لمن الوضع الطبيعي للأمور أن يعلم الشخص العادي بأن التفاف أربعة أشخاص مسلحين حل فرد من الأفراد وضربهم إياه بالعصا فوق رأسه وظهره ستكون نتيجته المرجحة هي الوفاة _ والمحكمة تأخذ  بهذا المنطق كأمر مفروغ منه _ أما عن حالة السكر التي تطرق لها السيد المحامي فالمادة 42 من قانون العقوبات _ تجعلها ليست بذات موضوع وباكتمال هذا العنصر تكتمل جريمة القتل العمد في المكان الأول _ نفت المحكمة عن الحادث  قابلية للافتراض  بأي ظرف من الظروف المخففة تحت المادة 249 من قانون العقوبات وهو رأي سليم بالنسبة لظرف الاستفزاز الخطير وأيضاً الدفاع الشرعي إذ أن المتهمين هم الذين سعوا وراء المجني عليه ولاحقوه باتهاماتهم  عن الساعة المفقودة ثم أن المجني عليه لم يكن مسلحاً بغير العصا التي سلبت منه ولم تكن على أية حال تشكل خطراً إزاء المتهمين أو أي فرد آخر أما ظرف المعركة المفاجئة فإن مناقشة المحكمة  له لم تخل من تناقض وتسبيب غير سليم لا يتسق مع البينات _ قالت المحكمة ( لكن المتهمين تربصوا أمام هذه الأنداية وقاموا بالاعتداء عليه (القتيل) عمداً بعد نقاش طويل  عن الساعة وبعد تجريده من عصاته _ لقد كان وقوف المتهمين خارج الأنداية وانتظارهم للمجني عليه ليس اعتداءً على المجني عليه وإنما لاستعادة الساعة منه التي تشير كل الدلائل إلى أنهم كانوا يعتقدون أنه هو الذي أخذها _ كذلك تشير كل الدلائل إلى أن المشاجرة التي نشبت لم تكن مبيتة أو ثمرة سابق تدبير وإنما كانت وليدة الساعة ولقد أقرت المحكمة أن نقاشاً طويلاً قد سبق لجوءهم للعنف ولو كان المتهمون على اتفاق محدد ضرب المجني عليه لأقدموا على ذلك بمجرد خروجه من الأنداية ولما دخلوا معه في جدال ومناقشة ولقد كانت هنالك مساع لتسوية وعرض أحد الحاضرين التبرع بساعته لحسم النزاع مما يؤكد أن الجو كان مكفهراً وكان ينذر بالانفجار _ وأن الانفجار المتوقع كان خطيراً ثم هنالك عرض آخر بالتوجه لنقطة البوليس والإبلاغ عن النزاع وفجأة أفلت زمام الأمور وفقد المتهمون أعصابهم وحكمتهم ووجدوا أنفسهم متورطين في العنف وبادروا بالاستيلاء  على عصا المجني عليه وحدث تماسك وتجاذب و أوسعوه ضرباً كما سبق ذكره عند تلخيص الوقائع وعلى النحو الذي ورد هنالك _ الشيء المهم هو أن مشاجرة قد نشبت وأنها كانت مباغتة ومفاجئة وليست مدبرة وكانت وليدة غضب وانفعالات شديدة وليس في الأهمية في شئ وجاهة الأسباب التي أدت إليها أو مبررات نشوبها أو الطرف الذي بدأها وهل كان محقاً أو غير محق في ذلك .

 

على ضوء هذا نرى أن المتهمين اشتركوا سوياً في ضرب المجني عليه تحقيقاً لقصد واحد وهو استخلاص الساعة التي تخص أحدهم والتي اتهموه بالاستيلاء عليها وقد أقدموا على ذلك أثناء مشاجرة مفاجئة وحامية ولم يثبت ضدهم ما يمكن أن يوصف بالاستغلال في التصرف خارج عن النطاق المتوقع والذي يصل إلى حد الوحشية وبناءً عليه فإنهم يستفيدون من ظرف المعركة المفاجئة تحت البند (4) من المادة 249 من قانون العقوبات  ولذا نعدل إدانتهم لتكون تحت المادة 78/253 من قانون العقوبات  ونحكم على كل منهم بالسجن لمدة أربعة عشر عاماً ابتداءً من 13/3/1976 آخذين في الاعتبار صغر أعمارهم . 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

صاحب السعادة السيد  خلف الله الرشيد   رئيس القضاء            رئيساً

 

سعادة السيد صلاح الدين محد شبيكة       قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد محمد الفضل شوقي            قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

حكومة السودان                  ضد                    النور أحمد محمد

 

(م ع/م ك/4/1977)

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – الدفع بالاستثناءات الواردة في المادة 249 يجب أن تثيره المحكمة من تلقاء نفسها - ولو لم يتمسك به الخصوم .

 

قانون الإثبات – الشهادة- قرابة الشاهد لأحد الأطراف .

 

3- يتعين على المحكمة أن تأخذ في اعتبارها أياً من الاستثناءات الواردة في المادة 249 من قانون العقوبات  وذلك من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك به المتهم على ما جرى القضاء واستقر في هذا الخصوص وذلك متى كان في الأدلة ما يسوغ ذلك .

 

1- قرابة الشاهد للمجني عليه ليست مانعاً من قبول شهادته ولمحكمة الموضوع تقدير الوزن الصحيح لما يدلي به الشاهد إذ يجوز لها تصديق روايته إن اطمأنت إليها أو تطرح شهادته كلها أو بعضها على حسب الأحوال .

2- اختلاف الشهود في بعض التفاصيل الطفيفة لا يؤثر على مؤدى شهادتهم وجوهرها قوتها في الإقناع على الواقعة المراد إثباتها .

 

المحامون :

 

الحاج عبد الرحيم

 

الحكـــم

 

4/5/1977:

 

تمت محاكمة المتهم النور أحمد محمد أمام محكمة كبرى في المناقل برئاسة السيد أحمد إبراهيم محمود وقد أصدرت المحكمة قرارها يوم 27/12/1976 وأدانته تحت المادة 251 من قانون العقوبات  وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت .

 

لخصت المحكمة الوقائع الجوهرية في المكان المعد لذلك بالصحيفة الثانية من المطبوع القضائي رقم 31/ج (1) ولكن تلخيصها جاء متضمناً لتفاصيل غير مهمة ولم ترد بينات قاطعة لإثباتها .

 

ما نراه جوهرياً وتحقق إثباته بالبينات التي توفرت هو أن المرحوم وآخرين اجتمعوا بمنزل شاهدة الاتهام الرابعة حليمة سليمان  يوم 25/4/1976بمكان يدعى الدشينات في منزل منطقة المناقل _ وكانوا يشربون المريسة ونشبت مشاجرة وضرب أحد الحاضرين ويدعى آدم إسحق بكفه شاهد الاتهام السادس عيسى عبد الكريم في وجهه واكفهر الجو وتدخل المجني عليه لفض المشاجرة وكان يعمل مع آخرين في الإمساك بآدم اسحق وإخراجه من المنزل الذي نشبت فيه المشاجرة عندما جاء المتهم مندفعاً لنصرة آدم اسحق الذي هو شقيق زوجته ( آدم اسحق شقيق زوجة المتهم) وبادر بطعن المجني عليه في بطنه ثم تراجع وقفز من فوق السور الخشبي واختفى وحضر الشيخ المسئول عن المنطقة واستدعى المتهم ثم اقتاده مع المجني عليه لبوليس حيث ذكر المجني عليه أن المتهم النور هو الذي طعنه وأدلى المتهم أيضاً باعتراف تم تسجيله قضائياً _ وأحيل المجني عليه للمستشفى واتضح أنه مصاب  بجرحين في الجانب الأيمن من البطن طول الأول بوصة واحدة وطول الثاني بوصتان ونصف وأجريت له عملية جراحية ولكنه توفي كنتيجة للنزيف الداخلي في نفس اليوم _ وقد عدل المتهم أخيراً عن اعترافه وأنكر أنه هو الذي طعن المجني عليه .

 

تقدم محامي المتهم بطعن عن طريق النقض يستند على النقاط التالية :_

 

1-أقوال الشهود الذين اعتمدت عليهم المحكمة لا يعول عليها  وليست بذات وزن حيث أن هناك قرابة تربطهم بالمجني عليه ثم أن هناك وقائع محددة ذكروها وقد ثبت كذبها .

 

2-لم تناقش المحكمة الاستثناءات الواردة تحت المادة 249 من قانون العقوبات  بغرض معرفة إمكانية استفادة من بعضها في حين أن السوابق القضائية أوجبت على المحاكم هذه المناقشة .

 

3-لقد وقع الحادث أثناء مشاجرة عنيفة ومفاجئة والبينات تثبت توفر جميع متطلبات هذا الاستثناء مما يستلزم تطبيقه على المتهم إذا ما ثبت فعلاً أنه هو الذي طعن المجني عليه .

 

وقد طلب السيد المحامي في نهاية مذكرته إلغاء الحكم وإعادة المحاكمة .

 

أول ما يجدر الالتفات إليه هو أن عدول المتهم عن اعترافه القضائي لا يجديه شيئاً ولا يؤثر كثيراً على عناصر الجريمة الأساسية ومدى ثبوتها فقد توفرت بينات أخرى دامغة تثبت واقعة الطعن بشكل يغني عن ذلك الاعتراف _ أما اعتراض  السيد المحامي على الشهود لصلة القرابة بينهم وبين المجني عليه فهو اعتراض مردود عليه بأن قواعد الإثبات الأصولية لا تجعل من صلة القرابة بشكل عام مانعاً دون قبول بينة الشاهد _ وفي هذا الشأن يقول الأستاذ السنهوري في الجزء الثاني من الوسيط بالصفحة 226 ( ولا يجوز رد الشاهد ولو كان قريباً أو صهراً لأحد الخصوم إلا أن يكون غير قادر على التمييز بسبب حداثة سنه أو هرم أو مرض أو لأي سبب آخر ، وهي قاعدة جامعة مانعة تسري على القضايا الجنائية والمدنية على حد سواء .

 

أما مقدار الوزن الذي تستحقه تلك الأقوال فإن القول الفصل في هذا الشأن هو لمحكمة الموضوع وقد ورد بالصحيفة 223من نفس مؤلف الدكتور السنهوري المشار إليه ما يلي :_

 

وقد كان للشهادة في القديم نصاب محدد فزال هذا النصاب لا في المسائل الجنائية فحسب بل أيضاً في المسائل المدنية و التجارية _ وكذلك زالت ضرورة تزكية الشهود فلم يعد الشاهد يزكيه شاهد آخر بل الذي يزكيه هو مبلغ ما يبعثه في نفس القاضي من الاطمئنان والثقة في أمانته .

 

على ضوء هذا ننظر لأقوال شهود العيان الذين أكدوا أن المتهم هو الذي طعن المجني عليه وقد ورد ذلك على لسان شاهدة الاتهام الثالثة حواء إبراهيم وشاهدة الاتهام الرابعة حليمة سليمان  .

 

وقد اطمأنت المحكمة إليهما وورد في الحيثيات ما يفيد تصديقها لما أدليا به من وقائع فإذا أضفنا لذلك أقوال المجني عليه قبل وفاته والتي تعد بينة مقبولة تماماً حسب المنشور الجنائي رقم 14 لم يعد هنالك شك في أن الذي طعن المجني عليه هو هذا المتهم .

 

صحيح أن الشهود يذكرون أن الطعنة التي شاهدوها كانت واحدة فإذا اتضح  أن الطعنات كانت اثنين وليست واحدة فإن هذا لا يدل على شئ سوى الطاعنة أن الطعنة الثانية قد تجاوزت انتباههم ولا بد للزحمة التي كانت سائدة وعنصر المباغتة أثر في حدوثه .

 

لقد توفي المجني عليه في نفس اليوم وعلى أثر العملية الجراحية التي أجريت له محاولة لإنقاذه من الأذى الذي أصابه من سكين المتهم _ ومن هنا نجد أن رابطة السببية مكتملة ووثيقة _ وكذلك القصد الجنائي لا يحتاج إلى بحث كثير فاستخلاصه ميسور من خلال أوصاف الأذى الذي  لحق بالمجني عليه ومكانه من الجسم والأداة التي استعملها المتهم وهي السكين _ فكلها تؤكد أن المتهم كان على الأقل يعلم أنه بتصرفه ذلك سوف يتسبب في وفاة المجني عليه كنتيجة مرجحة .

 

لقد ناقشت المحكمة الاستثناءات الملائمة من بين تلك الواردة تحت المادة 249 من قانون العقوبات وجاء قرارها في شأن ظرف الاستفزاز الخطير مقبولاً ومسنوداً بمنطق سليم _ أما ظرف الدفاع الشرعي فهو غير منطبق ليس لأن المتهم لم يدفع به كما ذكرت المحكمة ولكن لأنه ليس في البينات ما يشير إلى أن المجني عليه كان مسلحاً أو أنه كان يشكل خطراً بالنسبة للمتهم بأي وجه من الوجوه يبقى ظرف المعركة المفاجئة وقد استبعدته المحكمة أيضاً لا لشئ سوى أن المتهم لم يدفع به _ في حين أن البينات تشير بوضوح إلى أن المشاجرة قد نشبت فعلاً وأنها كانت مفاجئة وعنيفة واستعملت فيها الأيدي حينما صفع المدعو آدم اسحق بيده شاهد الاتهام السادس وتدخل المرحوم وأيضاً خاله شاهد الاتهام الخامس ونجد أقوال الشاهدين في شأن تدخلهما هذا غير واضحة بحيث يمكن تفسيره بأنه تدخل لفض المشاجرة كما يمكن النظر إليه كتحيز ضد آدم اسحق الذي هو شقيق زوجة المتهم وهي شاهدة الاتهام الثامنة التي سارعت بالتسليح بعود كبير مما يؤكد تطور المشاجرة ووصولها لدرجة الخطورة وارتفاع حرارة المشاعر فيها إلى درجة الغليان _ ويبدو أن الذي دفع شاهدة الاتهام الثامنة للتسليح بالعود لمناصرة أخيها هو نفسه الذي دفع زوجها المتهم بالتسليح بالسكين  ودخول المعركة في حالة دفاع وهجوم خاطف وتسديد طعنة أو طعنتين للمجني عليه الذي كان في موقع الصدارة من المشاجرة .

 

            لقد ورد في حكم حديث أصدرته هذه المحكمة في قضية حكومة السودان ضد سعد كبير العبيد رقم (م ع/ م ك/ 102/1976) ما يلي : _

 

( وهذا ما يدعونا للقول بأن أي طرف تمسه المشاجرة موضوع البحث وتثيره وتجعل شرط حدة العاطفة والمشاعر الملتهبة منطبقة عليه ينسحب عليه ذلك الظرف إذا ارتكبت الجريمة تحت ظله ويصبح موضوع الاعتبار والنظر في توفر الشروط الأخرى ) .

 

            لقد كانت المشاجرة مفاجئة ولم يسبقها تدبير وهذا هو أهم عناصر هذا الظرف والدلائل كلها تشير إلى تحققه وكذلك لم يكن هنالك استغلال إذ أن طعنة أو طعنتين في مثل تلك الحالة من الانفعال واندلاع المشاعر وفورتها تعتبر في الحد المتوقع _ وبناءً عليه فإن المتهم يكون قد ارتكب جريمته في خلال مشاجرة عنيفة ومفاجئة ومن دون أن يلجأ للاستغلال أو الوحشية وبالتالي تنخفض جريمته لمستوى القتل الجنائي ولذا نعدل إدانته للمادة 253 من قانون العقوبات  ونحكم عليه بالسجن لأربع عشرة سنة ابتداءً من 25/4/1976 . آخذين في الاعتبار سلوكه المعوج اللاحق لارتكاب الجريمة والتجاءه للمراوغة والإنكار مما يعتبر ظرفاً مشدداً بالنسبة للعقوبة .

 

 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

صاحب السعادة السيد  خلف الله الرشيد                رئيس القضاء                    رئيساً

 

سعادة السيد صلاح الدين شبيكة            قاضي المحكمة العليا            عضواً 

 

سعادة السيد محمد الفضل شوقي            قاضي المحكمة العليا          عضواً

 

 

 

حكومة السودان   ضد حياة موسى النور

 

(م ع/ط ج/16/77)

 

المبادئ:

 

إجراءات جنائية – الاجراءات المتبعة بعد تقديم الشكوى – المواد 137، 138 من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1974 .

 

إجراءات جنائية – الاجراءات التي يجب اتباعها عند تقدم شكوى بموجب المادة 136 من قانون الاجراءات الجنائية لسنة 1974 .

 

2- بعد تدوين الشكوى والتوقيع عليها على القاضي أن يباشر نظر القضية بنفسه أو يحولها لقاض آخر أو يأمر بالتحري فيها وهو شئ يستلزم فتح بلاغ واتخاذ الاجراءات الكاملة فيه الواردة في الفصل الثاني عشر من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974 .

 

1- عند تقديم عريضة الشكوى ، على القاضي أن يسير فيها وفقاً للمادة 136 من قانون الاجراءات الجنائية وذلك بان يستجوب الشاكية فوراً بعد تحليفها اليمين وأن يدون الشكوى وملخص الاستجواب كتابة في محضر توقع عليه الشاكية أو تختم عليه .

 

الحكـــــم

 

الحقائق كما تبدو من خلال استقراء أوراق المرفقة هي أن الشاكية والمشكو ضدها أختان ورثتا من أبيهما منزلاً في الخرطوم بحري وقد أفرز لكل منهما الجزء الخاص بها وتصادف أن أصبح عداد الكهرباء من نصيب الجزء الخاص بحياة موسى وقد أهملت في سداد المطالبات الشهرية مما أدى إلى قطع التيار فتظلمت فريدة وسلكت سبلاً عديدة أدت في النهاية إلى صدور قرار تم بموجبه إدخال عداد جديد لمنزلها توطئة لإمدادها بتيار كهربائي منفصل ولكن ذلك لم يتم لأنها لم تدفع مبلغ التأمين المطلوب وهي تصر على أن مبلغ التأمين القديم الذي كان والدها قد دفعه عن العداد الأول لمنزلهم يجب أن يحول إلى عدادها الجديد وذلك لأن هنالك قراراً قضائياً نص على ذلك كما أنها تذكر أن أختها مارست أساليب احتيالية لتمويه تلك الحقيقة أدت إلى استفرادها ذلك التأمين وبقاء منزلها هي بدون تيار .

 

لقد شطب السيد القاضي المقيم الشكوى وأمر بحفظ الأوراق ثم أيد السيد قاضي المديرية قرار الشطب بتاريخ 9/9/1976 بعد مناقشة تفيد بأنه لم يتمكن من معرفة مقاصد الشاكية وأساسها _ وبتاريخ 23/2/77 قررت محكمة الاستئناف رفض الطلب شكلاً لتقديمه بعد المدة وذكرت أيضاً عند مناقشتها للموضوع أنها ترى أن قاضي المحكمة الابتدائية كان صائباً عندما وجد أن الشكوى ذات طبيعة مدنية  .

 

            الاجراءات التي اتخذت في هذه الشكوى التي تقدمت بها الشاكية خاطئة منذ البداية فقد كان لزاماً على السيد القاضي الذي تسلم عريضة الشكوى أن يسير فيها وفقاً للمادة 136 من قانون الاجراءات الجنائية وذلك بأن يستجوب الشاكية فوراً بعد تحليفها اليمين وأن يدون الشكوى وملخص الاستجواب كتابة في محضر توقع عليه الشاكية أو تختم عليه ولكنه بدلاً من ذلك اعتمد على تعبير مقتضب يشير فيه فقط مجرد إشارة إلى محتويات العريضة _ وهذا حسب صيغة المادة المشار إليها لا يكفي ولا يخدم الغرض المطلوب . ثم نجد أن السيد القاضي أصدر بعد ذلك أمراً للبوليس لإجراء تحريات أولية وهو شئ غير معروف في قانون الاجراءات الجنائية .

 

             المفروض بعد الذي ذكرناه أن تطبق نصوص المادة 137 أو المادة 138 من قانون الاجراءات الجنائية وذلك بأن يباشر السيد القاضي نظر القضية بنفسه أو يحولها لقاض آخر أو يأمر بالتحري فيها وهو شئ يستلزم فتح بلاغ واتخاذ الاجراءات الكاملة فيه الواردة في الفصل الثاني عشر من قانون الاجراءات الجنائية .

 

            هذه الأخطاء يتعين معها إعادة الأوراق للمحكمة الابتدائية للسير فيها من جديد على الوجه الصحيح وتقويم اعوجاجها وبما أن محكمة الاستئناف جاء شطبها للطلب مبني على أساس موضوعي زيادة على شطبها شكلاً فإن ذلك يغني عن إعادة القضية عن طريقها ونحن نرجعها مباشرة لمحكمة الموضوع للعمل بموجب هذه التوجيهات .

 

أما ما جاء في مذكرة محكمة الاستئناف عن الشطب الشكلي وقيد المدة فهو غير صحيح إذ أن العمل قد استقر أخيراً على اعتبار الطعون عن طريق النقض أي المبنية على نقاط قانونية غير مقيدة بقيد زمني .

 

 

 

 

              

 

 

            

 

المحكمة العليا

 

الدائرة الجنائية

 

القضاة:

 

صاحب السعادة السيد  خلف الله الرشيد                رئيس القضاء                    رئيساً

 

سعادة السيد عمر بخيت العوض           قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد حسن علي أحمد                قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

حكومة السودان                    ضد                  عثمان محمد أحمد الفكي

 

(م ع/ط ج/34/1977م)

 

المبادئ:

 

قانون جنائي- الدفع بالسبب المعقول لإيقاف الشيك – أثره في مرحلة الإحالة .

 

إجراءات جنائية – مدة الاستئناف ضد قرارات قاضي المديرية .

 

قواعد عامة- واجب قاضي المديرية عندما ترفع إليه أوراق التحقيق القضائي .

 

إجراءات جنائية- فحص قرارات قاضي المديرية عند الأمر بتشكيل المحكمة الكبرى .

 

1- إذا أقر المتهم بتحرير الشيك وأنه أوقف صرفه فإن هذا يكفي لإحالته للمحاكمة أما دفعه بأن إيقاف الصرف للشيك كان لسبب معقول أو أنه حسن النية كل تلك أمور قانونية تترك للمحكمة الكبرى .

 

2- لأن المشرع لم يحدد في المادة 255 من قانون الإجراءات الجنائية أو أية مادة غيرها مدة معينة لتقديم عريضة الاستئناف ضد قرارات قاضي المديرية الابتدائية أو الاستئنافية فإن شطب عريضة الاستئناف إيجازياً لا يحدث .

 

3- لما كانت نصوص القانون لم تحدد شخصاً ما لتقديم عريضة التماس إعادة النظر فإنه يستوي في ذلك أن يرفعها الشاكي أو المتهم أو أي طرف آخر له مصلحة في الدعوى الجنائية .

 

4- قاضي المديرية عندما ترفع إليه أوراق التحقيق القضائي وما هو معها من مستندات يتعين عليه أن يفحص التحقيق القضائي ليتأكد من أن البينات ضمن وقائع تكفي للإحالة كما أنه من واجبه أن يراجع أمراً أصدره قاضي التحقيق سواءً كان أمراً بشطب تهمة ضدهم أو أي أمر آخر .

 

5- قاضي المديرية قبل أن يصدر عملاً قضائياً يمكن وصفه باطمئنان على أنه يمارس سلطة الفحص وأنه لا يمارس مجرد عمل إداري وعمله يخضع للطعن أما بالاستئناف أو عن طريق التماس إعادة النظر .

 

المحامــــون :

 

فوزي التوم .

 

الحكـــــــــم

 

القاضي: خلف الله الرشيد :

 

24/5/1977م :

 

هذا طلب للطعن تقدم به الأستاذ فوزي التوم منصور ضد القرار الذي أصدرته محكمة الاستئناف بالخرطوم والذي بمقتضاه رفضت الطلب المقدم إليها على أساس شكلي حيث قالت أن المستأنف تقدم بطلبه بعد مضي سبعة أيام من تاريخ القرار الذي قالت أنه صدر في يوم 13/11/1976 بينما قدم إليها طلب الاستئناف في 9/1/1977م .

 

ثم أردفت القول بأنه ليس من حق الطاعن أن يتقدم بطعن بأي وجه من الوجوه على قرار شطب التهمة ضد المتهم الأول وأن الذي جاء في عريضة يصلح دفاعاً أمام المحكمة الكبرى لإثبات حسن النية .

 

ثم قضيت أخيراً بأن الوقائع التي برزت في قضية الاتهام تبرز توجيه تهمة تحت المادة  362ج للمتهم الثاني لأنه استمر في التعامل مع الشاكي وسلمه الشيك محل هذه القضية بالرغم من علمه بأن صاحب أو محرر الشيك قد أوقف صرفه .

 

وبالاطلاع على الاجراءات نجد أن قرار شطب التهمة قد صدر في يوم13/11/1976 كما ذكرت محكمة الاستئناف وأنه بلا شك لا يجوز لمحامي المتهم الثاني استئناف هذا القرار لأن القرار الصادر تحت المادة 166/1 قانون الإجراءات لا يجوز استئنافه أساساً لأنه ليس قرار إدانة وبالتالي  فإن الوسيلة المقادة للتعرض له هي التماس كطلب إعادة النظر وهو طلب يرفع لقاضي المديرية وليس لمحكمة الاستئناف وأنه بهذه الصفة يجوز لأي شخص أن يلتمس إعادة النظر فيه وهذا ما فعله المحامي الطاعن حيث قدم طلبه في 18/11/ 1976 للسيد قاضي المديرية الذي سبق له أن أصدر قراراً بتشكيل محكمة كبرى حسب قرار الإحالة المرفوع وكان ذلك بتاريخ 16/11/1976م .

 

            وإزاء ذلك فقد اعتبر السيد قاضي المديرية أن تشكيل المحكمة الكبرى بناءً على أمر  الإحالة فيه إقرار ضمني  بأنه وافق على قرار شطب التهمة الصادر ضد المتهم الأول وبالتالي نصح مقدم الطلب برفع الاستئناف ضد قراره هذا إلى محكمة الاستئناف .

 

  وهنا يثير سؤال هام هل يعتبر قرار تشكيل المحكمة الكبرى الذي أصدره قاضي المديرية مانعاً له من النظر في أي عريضة ترفع إليه بصورة استئنافية أو بصورة إلتماس إعادة النظر ؟ إن الإجابة على هذا السؤال تكون بعد معرفة قاضي المديرية قبل أن يقرر إصدار أمر تشكيل المحكمة الكبرى . والذي نراه هو أن قاضي المديرية عندما نرفع إليه أوراق التحقيق القضائي وما هو معها من مستندات فإنه يتعين على قاضي المديرية أن يفحص التحقيق القضائي ليتأكد من أن البينات تتضمن وقائع تكفي للإحالة على الوجه الذي جرى عليه العمل بمعنى أنه لا يفحص الاجراءات للتثبيت من أن الوقائع تؤدي إلى الإدانة . 

 

كما أنه من واجبه ما دامت الإجراءات الجنائية معروضة أمامه أن يراجع كل أمر أصدره قاضي التحقيق سواءً أكان أمراً بشطب التهمة ضد متهم أو خلاف ذلك فإذا صح  لديه ما ذهب إليه قاضي التحقيق أجازه وإن وجد خطأ في أي أمر مستمد منه الوقائع أو القانون فإنه يتوجب عليه في هذه الحالة ممارسة سلطته تحت المادة 257من قانون الإجراءات الجنائية .

 

ويستدل على عمل قاضي المديرية مما يكتبه في المحضر أو الأوراق التي أرسلت إليه .إلا أن العمل جرى على غير ذلك وهو أن يصدر قاضي المديرية أمراً بتشكيل ولا يوجد شئ مكتوب يوضح الأسباب التي جعلته يوافق على ذلك . ومن هنا فلا غبار عليه إذا قال أن قاضي المديرية قد وافق قاضي التعليق أو الإحالة .

 

وخلاصة الأمر في تقديرنا أن قاضي المديرية قبل أن يصدر قراراً أو أمر تشكيل المحكمة أن يمارس عملاً قضائياً يمكن وصفه باطمئنان على أنه ممارسة لسلطة الفحص .

 

وأنه لا يمارس مجرد عمل إداري وعمله هذا يخضع للطعن إما بالاستئناف إن كان من الأشياء الجائز استئنافها أو عن طريق التماس إعادة النظر .

 

ومن وجه آخر فإن هذا لا يحرم الشاكي من حق الاستئناف إذا كان القانون يجيز الطعن بالاستئناف . والأمر في هذه القضية ليس كذلك لأن قرارات قاضي المديرية التي تصدر بشأن تشكيل المحكمة البرى ليست من القرارات التي يجوز استئنافها بسبب أنها مستندة إلى قرار الإحالة الذي لا يخضع للاستئناف وبالتالي فإنه لا يوجد حق أهدر بواسطة قاضي المديرية وأن المتضرر من قرار الإحالة وتأييد قاضي المديرية له يمكنه أن يطعن عن طريق التماس إعادة النظر تحت المادة 257 .

 

هذا وأن إجراءات التحقيق القضائي قد احتوت على أمر آخر هو شطب التهمة والإفراج عن المتهم الأول والذي لم يتعرض له قاضي المديرية بصورة مباشرة يستدل عليها بما هو مدون في المحضر لأن قرار الإحالة لم يكن مسبباً وبالتالي يفهم ضمناً أن قاضي المديرية قد وافق على ذلك القرار لأنه لم يعدله أو يلغيه وبذلك قد أخذ حكم الفحص كقرار الإحالة ويطعن فيه أيضاً عن طريق إعادة النظر أمام محكمة الاستئناف .

 

ولما كانت نصوص القانون لم تحدد شخصاً ما لتقديم عريضة التماس إعادة النظر فإنه يستوي في ذلك أن يرفعها الشاكي أو المتهم أو أي طرف آخر له مصلحة في الدعوى الجنائية .وذلك على غير الاستئناف الذي قصر على الشخص المدان وبشروط خاصة .

 

وفي ضوء هذا الفهم فإننا نرى أن من حق محامي المتهم الثاني أن يتقدم بعريضة التماس لفحص قرار شطب التهمة ضد المتهم الأول وهذا ما فعله عندما تقدم بعريضته لقاضي المديرية وفهمته محكمة الاستئناف الموقرة على أنه عريضة استئناف وبالتالي رتبت عليه قرارها بعدم جواز استئناف ذلك القرار بواسطة محامي المتهم الثاني .

 

ومن ناحية أخرى فإن محكمة الاستئناف الموقرة قد شطبت الطلب المرفوع  إليها شكلاً على أساس مضي سبعة أيام من تاريخ صدور القرار وقد أشارت إلى تاريخ صدور قرار قاضي الإحالة في حين أنها قصدت قرار قاضي المديرية الذي صدر بعده.

 

 والمهم في الأمر هو عدم صحة تكييف طلب محامي المتهم الثاني  على أنه استئناف لأن الأمر كله يدور ابتداءً حول قرارين أحدهما بالإحالة والذي انتهى بتشكيل محكمة كبرى والثاني يتعلق بشطب التهمة والإفراج عن المتهم الأول وقد تأيد ذلك ضمناً من قرار قاضي المديرية الآمر بتشكيل محكمة كبرى ضد المتهم الثاني .

 

وإن طبيعة هذه الأوامر والقرارات توضح أنها ليست من الأوامر الجائز استئنافها ابتداءً تحت المادة 254 من قانون الإجراءات الجنائية وأن وسيلة الاعتراض عليها هي التماس إعادة النظر وتستمر طبيعتها على هذا الوصف حتى تصل لمحكمة الاستئناف بصورتها تلك التي تجعلها غير قابلة للاستئناف لعدم لنص عليها بشأنه.

 

وما دام الحال كذلك فإنه ومنذ تاريخ صدور قرار قاضي المديرية في 16/11/76 وتاريخ تقديم طلب التماس إعادة النظر إلى محكمة الاستئناف في 9/1/1977 لم تمض مدة ثلاثة شهور وبالتالي يجوز التعرض لطلب التماس إعادة النظر ولا ينبغي شطبه شكلاً .

 

وكذلك لو صح افتراضنا أن العريضة المقدمة لمحكمة الاستئناف كانت طلباً بالاستئناف فإنه أيضاً لا يجوز شطبها إيجازياً بسبب انقضاء مدة الطعن بالاستئناف لأن المشرع لم يحدد في المادة 255 من قانون الإجراءات أو أي مادة غيرها مدة معينة لتقديم عريضة استئناف ضد قرارات قاضي المديرية الابتدائية أو الاستئنافية .

 

ومن هذا يتضح خطأ محكمة الاستئناف في تطبيق القانون بشأن مواعيد الطعن الأمر الذي يتعين معه إلغاء قرارها بشطب عريضة الطاعن شكلاً .

 

بعد ذلك تصدت محكمة الاستئناف موضوعياً لقرار إحالة المتهم للمحاكمة أمام محكمة كبرى وقد أيدت القرارات الصادرة من المحاكم الأدنى منها ونحن أيضاً نرى صحة قرارها لأن الوقائع التي كشفت عنها البينات في التحقيق القضائي تشير بوضوح إلى وجود مبررات للإحالة وهي أن المتهم قد ظهر شيكاً لآخر وهو يعلم أنه موقوف مما يؤدي إلى إدانة تحت المادة 362ج – من قانون العقوبات ولكنها على النقيض من ذلك قررت عدم جواز الطعن في الاستئناف بواسطة محامي المتهم الثاني ضد قرار شطب التهمة عن المتهم الأول وهو قرار صحيح إذا كيف قرار شطب التهمة بأنه من الأوامر التي يجوز استئنافها ولكنه كما أوضحنا آنفاً أنه من الأوامر التي لا يجوز استئنافها وبالتالي فإنه يمكن التعرض به عن طريق التماس إعادة النظر وهو سبيل غير مقيد ولكل إنسان له مصلحة أن يسلكه ومحامي المتهم الثاني من صالحه اتهام المتهم الأول معه .

 

وبما أن محكمة الاستئناف الموقرة لم توضح موضوعياً ضرورة إحالة المتهم الأول للمحاكمة أمام محكمة كبرى باعتبار أنه حرر الشيك وأوقفه وأن عليه إثبات أنه أوقف صرفه لسبب معقول وأن هذا الدفع ينسحب على الشاكي الذي ربما كان حاملا حسن النية فإن هذه كلها أمور تخضع للفصل القضائي الذي لا يدخل في اختصاص قاضي الإحالة الذي يقتصر دوره على مجرد وجود احتمال يبرر الإحالة في ذاتها ولا يزيد في ذلك.

 

والمتهم الأول يقر بتحرير الشيك ويقر أيضا بأنه قد أوقف صرفه وهذا يكفي لإحالته للمحاكمة أما دفاعه بأن إيقاف صرف الشيك كان بسبب معقول مثل عدم مطابقة البضاعة للوصف   ومدى ما إذا كان هذا يشكل سقوطاً كاملاً للمقابل أو سقوطاً جزئياً ومدى ما إذا كان سقوط المقابل الكامل أو الجزئي يعتبر دفاعاً مقبولاً باعتباره سبباً لإيقاف الشيك ومدى ما إذا كان مثل هذا الدفع يقبل ضد حامل  الشيك حسن النية . كل تلك أمور قانونية تترك للمحكمة الكبرى ومن هنا نرى خطأ قاضي الإحالة بإصداره قرار شطب التهمة ونرى الآن إلغاءه ونقرر إحالة المتهم الأول للمحاكمة تحت المادة 362/ب من قانون العقوبات باعتباره متهماً أولاً مع المتهم الثاني .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحكمةالعليا

 

القضاة:

 

صاحب السعادة السيد  خلف الله الرشيد   رئيس القضاء                     رئيساً

 

سعادة السيد عمر بخيت العوض         قاضي المحكمة العليا               عضواً

 

سعادة السيد حسن علي أحمد                قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

 

 

حكومة السودان   ضد    عثمان موسى سعيد

 

(م ع/م ك/50/1977م)

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – المسئولية الناقصة-التي تعدل من وصف الجريمة من القتل العمد إلى القتل الجنائي – المادة 249(6) ع .

 

المرض العقلي الذي يعتد به لتعديل وصف الجريمة من القتل العمد إلى القتل الجنائي والمنصوص عنه في المادة 249(6) هو المرض الذي يؤثر تأثيراً حقيقياً على القدرة على التحكم في الأفعال أو السيطرة عليها قبل وأثناء وبعد ارتكاب الجريمة .

 

المحامـــون :

 

طلحة حسن طلحة

 

(الحكــــــم  )

 

23/6/1977:

 

هذه إجراءات محكمة كبرى عقدت بنيالا برئاسة القاضي عبد الله التوم حسن قاضي مديرية جنوب دار فور لمحاكمة المتهم عثمان موسى سعيد لاتهامه بقتل المجني عليه بشير آدم طاهر . وقد وجدته تلك المحكمة مذنباً تحت تلك مذنباً 251 ن قانون العقوبات وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت .

 

لخصت المحكمة الكبرى وقائع الإدانة في أنه في يوم 12/7/1972 كان المتهم يعمل راعياً مع شاهد الاتهام الثالث . وفي الليل طلب من ذلك الشاهد أن يسلمه أحجبته . ولما سأله عن السبب رد المتهم بأنه يريد أن يضعها على جسمه فسلمها له .

 

نهض المتهم ليلاً وذهب إلى مكان المرحوم في الفريق قاصداً سرقة أبقاره ووجده نائماً فضربه بعكاز مرتين على رأسه . ثم جذبه من رجله حتى أوصله إلى الرهد الممتلئ بالماء وتركه هناك, وبعدها حاول اقتياد الأبقار ليلاً ولم يتمكن ورقد في الخلاء .

 

وعند الفجر أخذها ومعها بعض أمتعة المرحوم والتي تركها مع أحد المواطنين ويدعى موسى . أخذ اثنين من الأبقار ليبيعها في نيالا وقبض عليه البوليس وقد وجدت الأبقار الباقية وبعض أمتعة المرحوم مع المدعو موسى .

 

بعد استعراض وقائع هذه القضية وضح لنا أن أحداً لم يشهد الواقعة كما حدثت وإنما استندت المحكمة في قرارها على اعتراف المتهم القضائي الذي عدل عنه أمام المحكمة الكبرى وقد تلمست المحكمة الكبرى الدلائل المؤيدة لذلك الاعتراف في الإصابة التي لحقت برأس المجني عليه وفي قيامه بجر جثة المجني عليه حتى ألقاها بجوار الرهد ثم في قوله بأنه سلم البقر للمدعو موسى ووجدت بحيازته فعلاً وإن كان موسى هذا لم يعثر عليه  ولم يدل بأقواله أمام المحكمة الكبرى .

 

            في رأينا أن المحكمة الكبرى قد توصلت إلى القرار السليم بشأن الاعتراف القضائي وفيما تلمسته من بينات أخرى لتأييد الاعتراف الذي عدل عنه وما صاحبه وقد طبقت في هذا الخصوص القواعد المعمول بها في هذا الصدد .

 

لكن عند مناقشتها لأسباب تعديل وصف الجريمة من القتل العمد إلى القتل الجنائي لم تكن موفقة عند إغفالها لنص الفقرة السادسة من المادة 249 من قانون العقوبات  وكان حرياً بها أن تفعل ذلك بعد أن ناقشت في وضوح أحد أسباب الإباحة عندما ناقشت الحالة العقلية للمتهم ومدى إدراكه لأفعاله أو السيطرة عليها . وقد تبين لها من ذلك النقاش عم توافر شروط تطبيق المادة 50 من قانون العقوبات  .

 

لقد ثبت أمام المحكمة الكبرى من أقوال شهود الدفاع وأولهم شقيق المتهم الذي ذكر بأنه (أي المتهم) قد أصيب بمرض الصرع منذ أن كان عمره سنتين وقد اختفى قبل الحادث بسنة وظلوا يبحثون عنه حتى علموا أنه بالسجن . هذه الأقوال تشير إلى إصابة المتهم بمرض عقلي معروف وهو الصرع وأنه قد أثر في تصرفات المتهم للدرجة التي جعلته يهرب من البيئة التي كان يعيش فيها . وقد حاولوا علاجه عند أحد الفقراء ولم يجد ذلك حيث كانت تصدر منه عبارات غير مفهومة ويقذف بالطعام الذي يقدم إليه بعيداً عنه .

 

تلك تصرفاته قبل وقوع الجريمة وبعد وقوعها فقد شهد ضابط السجن بأن المتهم كان يميل للعزلة معتقداً أن المنتظرين الآخرين سيضربونه لو جلس معهم وأنه في بعض الأحيان يهيج وتصدر منه عبارات غير مفهومة .

 

ومن هاتين الشهادتين يتضح أن المتهم كان مصاباً بمرض اصرع وأن هذه الإصابة قد أدت إلى إحداث اضطراب في تصرفاته وسلوكه بحيث تصدر منه أفعال وتصرفات وأقوال غير مفهومة أثناء إصابته بذلك المرض . وقد لازمه هذا الحال بعد إلقاء القبض عليه ووضعه بالسجن كما شهد ضابط السجن . 

 

إن مثل هذا الشخص وإن كان يدرك ماهية أفعاله وإنه يمكنه السيطرة عليها إلا أن إصابته بالمرض قد أثرت في عقله وأن هذا التأثير وإن كان لم يصل إلى درجته القصوى بفقدانه المقدرة على التحكم في تصرفاته إلا أن ذلك المرض قد أثر تأثيراً حقيقياً في التحكم في أفعاله أو السيطرة منذ أن خرج هائماً من أهله حتى ارتكب الحادث وحتى قبض عليه وبذلك تتوفر شروط المسئولية الناقصة والتي تعدل من وصف الجريمة إلى القتل الجنائي وفقاً للمادة 249/6 عقوبات

 

وعليه أرى تعديل إدانة المتهم لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات .

 

العقوبة :

 

لقد وضح لنا أن المتهم عندما ارتكب عمله الإجرامي كان يعاني من اضطراب ناشئ عن إصابته بالصرع وأنه يمثل هذه الحالة وبالرغم من بشاعة الجريمة إلا أنه ليس على قدم متساوي في العقوبة مع الجناة الآخرين الذين يدانون تحت المادة 153 من قانون العقوبات لوضوح العامل المرضي الذي يستدعي العلاج أكثر من القصاص .

 

هذا بجانب أن المتهم ظل بين أسوار السجن منذ 22/7/1972 في انتظار هذه المحاكمة وقد قضى مدة طويلة نرجو أن لا تكون قد زادت من تأثير المرض العقلي على تصرفاته .

 

كذلك أرى أن العقوبة لمدة ثماني سنوات تؤدي إلى تحقيق العدالة بتناسبها مع الجريمة وحالة المتهم على أن تسري من 22/7/1972م .

 

 

 

 

 

 

 

                                    (المحكمة العليا)

 

القضاة:

 

سعادة السيد دفع الله الرضي                نائب رئيس القضاء              رئيساً

 

سعادة السيد فاروق أحمد إبراهيم           قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد عبد الله الأمين               قاضي المحكمة العليا               عضواً

 

 

 

            صلاح على احمد                                          الطاعن

 

                                            // ضد  //

 

بنك أمدرمان الوطني                                                المطعون ضده

 

                                    (م ع/ط م/139/1977)

 

المبادئ:

 

إجراءات مدنية-طلب المراجعة-وجوب إعلان الطرف الآخر به.

 

إن الفصل في طلب المراجعة، في حالة عدم شطبه إيجازياً دون إعلان الطرف الآخر وتمكنه من الرد عليه كتابة أو شفاهة إجراء يتعارض تعارضاً أساسياً مع المادتين 220 و 182 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 كما يشكل خروجاً على أصول العمل القضائي السليم وإنكار لقواعد العدالة الطبيعية مما يستوجب إلغاء القرار فيه.

 

المحامون:

 

عمر عبد العاطي

 

(الحكـــم)

 

30/10/1977:

 

القاضي عبد الله  الأمين:-

 

            أقام المطعون عليه بنك أمدرمان الوطني الدعوى رقم 17/71 أمام محكمة المديرية  الخرطوم يطلب بيع القطعة رقم 217 مربع 3 الامتداد الجنوبي حلفـاية الملوك (أو غلق الرهن) استيفاء لمبلغ 10.690.024 مليمجنيه اقترضه الطاعن. القطعة المذكورة خاضعة لأكثر من رهن ضماناً للقرض المشار إليه.

 

              سمعت المحكمة قضية الإدعاء كلها ثم أجلت القضية لجلسة 11/6/75 لسماع قضية الدفاع. تخلف الطاعن عن الحضور في جلسة 11/6/75 المذكورة فأصدرت المحكمة أمراً بقفل قضية الدفاع وحددت جلسة 30/6/75 لإصدار الحكم وفي هذا التاريخ الأخير أصدرت المحكمة حكماً لصالح المطعون عليه بمبلغ الدعوى. عدل هذا الحكم فيما بعد ليكون حكماً ابتدائياً بالمبلغ وفي حالة عدم الدفع يباع العقار.

 

            وصفت المحكمة حكمها بأنه حكماً غيابي. في 28/8/1976 أصدرت المحكمة حكماً باستبعاد الحكم الغيابي المذكور وحددت جلسة 14/9/1976 للسير فى الدعـوى قبل حلول موعد جلسة 14/9/76 وعلى وجه التحديد في 29/8/1976 قدم المطعون عليه طلب مراجعة طالب فيها بإلغاء الحكم القاضي بفتح الدعوى على أساس أن الحكم الصادر فيها كان حكماً حضورياً لا يجوز استبعاده. عند إطلاع المحكمة على طلب المراجعة هذا قررت أول الأمر إعلان الطاعن لمناقشته ولكنها عادت في نفس الجلسة وقررت مناقشته في جلسة 14/9/1976 المحددة سلفاً بغرض تحديد موعد للسماع.

 

            تخلف الطاعن عن حضور جلسة 14/9/1976 هذه فما كان من المحكمة إلا أن  حددت جلسة 11/10/1976 للفصل في طلب المراجعة وفي هذه الجلسة الأخيرة أصدرت حكمها المطعون فيه والقاضي بالغاء أمرها السابق باستبعاد الحكم الغيابي وأعادت للحكم الابتدائي قوته كحكم حضوري. أيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم ومن ثم تقدم إلينا الطاعن بهذا الطلب مؤسساً على الآتي:-

 

1-   إن محكمة الموضوع وقد أصدرت حكماً باستبعاد الحكم الغيابي لا يحق لها قانوناً أن تلغي بنفسها ذلك الحكم.

 

2-إن الحكم الابتدائي الصادر لمصلحة المطعون عليه كان حكماً غيابياً وفقاً لأحكام المادة 66 يجوز لمحكمة الموضوع إلغاءه إذا توافرت الأسباب الكافية لذلك.

 

            من الناحية الأخرى أكد محامي المطعون عليه أن الحكم الابتدائي كان في حقيقته حكماً حضورياً وإذا كانت محكمة الموضوع قد أخطأت في وصفه بأنه حكم غيابي فإن من حقها متى طلب منها الخصم صاحب المصلحة ذلك أن تراجع حكمها وقد فعلت ذلك وفقاً للقانون. لقد كان الطريق الصحيح أمام الطاعن هو أن يطعـن في الحكم الابتدائي بطريق الاستئناف لا أن يتقدم بطلب فتح.

 

            بصرف النظر عن الحجج التي ساقها الطرفان ودون إبداء أي رأي فيما إذا كان الحكم الابتدائي حضورياً أم لا أو فيما إذا كان من حق محكمة الموضوع مراجعة نفسها بشأنه أرى أن يلغي الحكم المطعون فيه لسبب لم يتعرض له أي منهما وهو في رأيي سبب يتعلق بالنظام العام من حق هذه المحكمة أن تتمسك به من تلقاء ذاتها إعمالاً لنص المادة 212 (2) من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 . هذا السبب هو أن محكمة الموضوع فصلت في طلب المراجعة وقضت بإلغاء  الحكم المطلوب مراجعته دون أن تعلن الطاعن بطلب المراجعة أو تمكنه من الرد عليه كتابة أو شفاهة مما يتعارض تعارضاً أساسياً مع المادتين  220 و 182 من قانون الإجراءات المدنية لسنة 1974 كما يشكل خروجاً على أصول العمل القضائي السليم وإنكاراً لقواعد العدالة الطبيعية.

 

المادة 220 تحدد إجراءات نظر طلب المراجعة التي يمكن تلخيصها فيما يلي:-

 

   رفض الطلب إيجازياً أو الفصل في موضوعه بناء على المرافعات المكتوبة أو بعد السماع أي أنه  لابد للمحكمة (ما دامت لم تشطب الطلب إيجازياً) من تمكين الطرف الآخر من إبداء ما قد يكون  لديه من دفوع.

 

   الذي حدث في النزاع المعروض علينا هو ان المحكمة لم تشطب طلب المراجعة إيجازياً وبدلاً من أن تصدر أمراً بالفصل فيه بناء على المرافعات المكتوبة أو تحد د جلسة للسماع حددت جلسة 11/10/76 (وكان ذلك في غياب الطاعن ومحاميه) وفـي تلك الجلسة أصدرت قرارها المطعون فيه.

 

   إن الفصل في طلب المراجعة بهذه الصورة يتعارض أيضاً مع المادة 182(1)التي تمنع المحكمة المرفوع إليها الطعن  (طلب المراجعة في هذه الحالة ) صراحة من إلغاء أو تعديل الحكم المطعون فيه إلا بعد إخطار الطرف الآخر وإعطائه فـرصة الرد كتابة أو شفاهة.

 

وحيث أن الحكم الابتدائي قد صدر على شكل مخالف للقانون فإننا نأمر بما يلي:-

 

   يلغى الحكم المطعون فيه وحكم محكمة أول درجة وتعاد الأوراق لمحكمة الموضوع للفصل في طلب المراجعة المقدم إليها من المطعون عليه بتاريخ 29/8/1976 وفقاً للقانون في المواد 182-217 و 220 لا أمر بشأن الرسوم.

 

6/11/1977:-                                            6/11/1977:-

 

القاضي دفع الله الرضي                                 القاضي فاروق أحمد إبراهيم:-

 

أوافق.                                                    أوافق.

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة :

 

سعادة السيد / صلاح الدين شبيكة          نائب رئيس القضاء              رئيساً

 

سعادة السيد / محمد الفضل شوقي          قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد / أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا               عضواً

 

حكومة السودان     ضد        حامد عبد الله حمدو

 

م ع/م ك/3/1977

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – القصد المحول .

 

قانون جنائي – عصيان الزوجة لزوجها – في معنى الاستفزاز الشديد المفاجئ – المادة 249(1) .

 

1- محاولة ضرب المتهم لشخص ثم إصابته خطأ لشخص آخر غير مقصود يعتبر قصداً أو علماً جنائياً محولاً مما يجرم المتهم .

 

2- إن تحدي الزوجة لأوامر زوجها يرقى إلى درجة الاستفزاز الشديد المفاجئ إذا قيم هذا السلوك في ضوء الظروف المحلية أي في حدود مسئولية الزوجة الشرعية تجاه زوجها .

 

الحكــــم

 

القاضي صلاح الدين شبيكة :

 

1/10/1977 :

 

عقدت محكمة كبرى بالنهود بتاريخ 23/11/1976م برئاسة القاضي السيد حمزة محمد نور الزبير وأدانت المتهم حامد عبد الله حمدو بمقتضى المادة 251 من قانون العقوبات وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت . تقدم المتهم بطعن يقول فيه أنه منع زوجته من الذهاب إلى المكان الذي كانت تتوجه إليه ولكن والدتها القتيلة أمرتها بالذهاب وانصاعت لها فهم بضرب زوجته فأصاب المرحومة والدة زوجته في رأسها وتوفيت وكان واقعاً تحت تأثير استفزاز شديد .

 

تتلخص وقائع هذه القضية الجوهرية فيما يلي :

 

تزوج المتهم ابنة المتوفاة وسكن معها في حلة التربة في ضواحي النهود وضعت شقيقتها طفلاً بحلة أولاد ركاب فطلبت القتيلة من المتهم السماح لزوجته بالذهاب إلى حلة أولاد ركاب لتساعد شقيقتها ولكنه رفض فذهبت المرحومة لوحدها . ثم عادت المتوفاة بعد ثلاثة أيام وأمرت ابنتها بالذهاب لأولاد ركاب على أن المتهم اعترض على ذلك فما كان من المتوفاة إلا وأن أمرت زوجة المتهم مرة أخرى بالذهاب على حمار والدها ورافقتها، وفي الطريق قابل المتهم زوجته ووالدتها القتيلة واعترض على ذهاب زوجته دون رضاه فتحدته المتوفاة وثار نقاش بينهما فضرب المتهم الحمار الذي تمتطيه زوجته ثم ضربها بعود الفأس وتدخلت المتوفاة فأصابتها الفأس على رأسها مما أدى  إلى موتها ( مستند اتهام رقم 2) وكانت الإصابة من الناحية اليسرى من أمام الوجه وأدى إلى كسر العظم وحطم جزءاً من المخ وأدى ذلك  إلى نزيف داخلي نتجت عنه الوفاة .

 

يتبين لنا من الوقائع التي استخلصتها المحكمة والتي لا ينكرها المتهم ( أقواله في صفحة 17 و18 من محضر المحاكمة وصفحة 9 و10 من محضر التحري ) أن ركني إزهاق المتهم لروح القتيلة والقصد الجنائي متوفران فضلاً عن ذلك فإن المتهم على الرغم من أنه كان يقصد ضرب زوجته إلا أنه أصاب القتيلة في رأسها خطأً إلا أن هذا يعتبر قصداً أو علماً جنائياً محولاً مما يجرم المتهم .

 

عرضت المحكمة في إيجاز للاستثناءين الأول والرابع الواردين في المادة 149 من قانون العقوبات وقررت أن أياً منهما لا ينطبق على وقائع ملابسات القضية فهي لا ترى في تصرف الزوجة أو القتيلة استفزازاً شديداً مفاجئاً للمتهم . لا بد هنا أن نقف وقفة لنقرر إن كان تصرف زوجته يعتبر استفزازاً شديداً للمتهم . لقد ثبت من أقوال شاهدة الاتهام الثانية وأقوال المتهم أنه منعها من الذهاب إلى حلة عيال ركاب لتمكث أربعين يوماً مع شقيقتها التي وضعت ولم تستجوبه المحكمة عن سبب منعه وقد أخطأت في هذا الشأن إلا أنه ذكر للمحكمة أن ذهابها ( يخرب بيته ) أي أن غيابها الطويل كان سيؤثر على حياته فضلاً عن أنه يعتبر في الشرع تحدياً لأوامره المعقولة .

 

إننا نعتبر أن سلوكها بانصياعها لأوامر والدتها وتحديها لأوامره يرقى إلى الاستفزاز الشديد إذا قيم هذا السلوك في ضوء الظروف المحلية أي في حدود مسئولية الزوجة الشرعية تجاه زوجها، لقد فوجئ المتهم حينما كان يقوم بعمله في ضرب الهشاب بأن زوجته ذاهبة إلى شقيقتها حسب طلب والدتها القتيلة على الرغم من أنه منعها ومنع قبل ذلك والدتها من أن تأمرها بالذهاب وحلف ( بالحرام ) لا تذهب والشرح الوارد في صلب الاستثناء الأول يوضح أن هذا  الأمر مسألة وقائع، وعليه فإن للمتهم الحق في أن يفيد من الاستثناء الأول بأنه سبب موت المجني عليها عن طريق الخطأ بسبب استفزاز زوجته له، وبهذا لا يعتبر فعله قتلاً عمداً وعليه تعدل الإدانة تحت المادة 251 لتصبح إدانته تحت المادة 253 من قانون العقوبات ونأمر بسجنه سجناً مؤبداً ابتداءً من 4/2/1976م .

 

1/10/1977م

 

القاضي محمد الفضل شوقي :

 

أوافق . 

 

2/10/1977م

 

القاضي أحمد التجاني عبد الهادي :

 

أوافق .

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة :

 

سعادة السيد / مهدي الفحل                  نائب رئيس القضاء              رئيساً

 

سعادة السيد / عمر بخيت العوض قاضي المحكمة العليا         عضواً

 

سعادة السيد / حسن علي أحمد قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

حكومة السودان ضد حسب الرسول أحمد

 

م ع/ط ج/82/77

 

المبادئ:

 

إجراءات جنائية – تقديم القائمة بشهود الدفاع – المادة 164/1 إجراءات جنائية – تقديم القائمة فوراً .

 

إجراءات جنائية – شاهد الدفاع الذي لم يقدم اسمه في القائمة – على المتهم إحضاره بنفسه – المادة 164/إجراءات جنائية .

 

1-  المادة 164/1 من قانون الإجراءات الجنائية توجب الطلب من المتهم أن يقدم قائمة بشهود دفاعه فوراً وعامل الفور هذا هو أهم شيء يجب إدراكه أي أن القائمة لا يجب تأخير تقديمها بأي حال من الأحوال .

 

2- إن كانت هناك جدوى أو ضرورة لسماع أي شاهد دفاع لم يقدم اسمه في القائمة الأولى المقدمة بموجب الفقرة الأولى من وقت لاحق وفي لائحة مكملة بناءً على الفقرة (2) من المادة المشار إليها ويرى المتهم ضرورة سماعه فإن عليه أن يحضر هذا الشاهد بوسائله الخاصة .

 

 

 

المحامون :

 

   كامل عبد الرازق .

 

الحكــــم

 

4/10/1977م :

 

القاضي عمر بخيت العوض :

 

هذا الطلب للطعن بالنقض تقدم به المحامي كامل عبد الرازق ضد القرار الذي أصدرته محكمة الاستئناف والذي بموجبه أيدت القرار الصادر من المحكمة الكبرى المنعقدة بمحكمة جنايات أمدرمان شمال برفض سماع أقوال شاهد دفاع للمتهم وأمرت بقفل قضية الدفاع .

 

وفي مذكرة الطعن يدعي محامي الطاعن بأن المحكمة الكبرى قد خالفت المبادئ الثابتة قانوناً بإتاحة الفرصة للمتهم لتقديم كافة دفوعه الموضوعية والقانونية إذ أن قول المحكمة بتمكينها للمتهم بإعلان شاهده بنفسه لا يعني في رأينا المتواضع أن ذلك يمكن له بصورة قانونية لأن المحكمة لديها سلطة وجهاز لإعلان ذلك الشاهد أو القبض عليه كما ينعى على المحكمة قصر المدة التي منحت للمتهم لإحضار الشاهد وأن المحكمة كان عليها أن تأمر فيما بعد بقبض الشاهد بعد أن علمت بأن المتهم قد أعلنه .

 

والآن نقول إن الإجراءات محل الطعن الآن هي قضية منظورة  أمام محكمة كبرى وأن قواعد استدعاء شهود الدفاع للمثول أمام المحكمة الكبرى قد حددتها المادة 164/1 من قانون الإجراءات الجنائية والتي توجب الطلب من المتهم أن يقدم قائمة بشهود دفاعه فوراً وعامل الفورية هذا هو أهم شيء يجب إدراكه أي أن القائمة يجب ألا يتأخر تقديمها بأي حال من الأحوال . ويخطئ المتقاضين وبعض المحاكم حينما يدعو أو يسمحون لأنفسهم بتقديم قائمة شهود الدفاع في وقت لاحق وذلك فهم خاطئ لنص المادة 164/1 من قانون الإجراءات التي تجيز للقاضي - أي قاضي التحقيق الجنائي – أن يسمح بتقديم قائمة تكميلية بأسماء الشهود في وقت لاحق .

 

لقد فهم بعض المتقاضين هذا النص على أنه يسمح بتقديم قائمة بأسماء الشهود في وقت لاحق مع الاستغناء عن القائمة المطلوبة بموجب الفقرة (1) من نفس المادة، والصحيح أن القائمة الأساسية يجب تقديمها فعلاً وأن يصحبها إذن في نفس الوقت بقائمة تكميلية أي تضيف جديداً أو تكمل القائمة الأولى ولكن ليست بدلاًَ عنها .

 

وفي هذه القضية لم يتقدم المتهم بقائمته الأصلية فور الانتهاء من استجوابه أمام قاضي التحقيق وكان المفروض تطبيقاً لقواعد القانون ألا يسمح له بسماع أي شاهد للدفاع عن طريق إعلانه بواسطة المحكمة .

 

وإن كانت هناك جدوى وضرورة لسماع أي شاهد دفاع لم يقدم اسمه في القائمة الأولى المقدمة بموجب الفقرة الأولى من المادة 164 إجراءات أو سمح بتقديمها في وقت لاحق وفي قائمة مكملة بناء على الفقرة (2) من المادة المشار إليها ويرى المتهم ضرورة سماعه فإن عليه أن يحضر هذا الشاهد بوسائله الخاصة لأن قواعد المادة 180 من الإجراءات الجنائية أجازت للمحكمة سماع هذا الشاهد إذا كان حاضراً وإن نفس هذه المادة قد أوضحت أنه ليس للمتهم أي حق للمطالبة بتكليف أي شاهد بالحضور غير الشهود الواردة أسماؤهم في تلك القائمة التي قدمت للقاضي الذي أحاله للمحاكمة .

 

وهنا يبدو لنا سقم ادعاء المحامي الطاعن بشأن وسائل المحكمة لإجبار شاهده للحضور وأن المحكمة ما كان لها أن تطلب من المتهم إحضار شاهده وذلك لأن المحكمة عندما فعلت ذلك كانت ترمي إلى مساعدة المتهم في دفاعه حتى يستظل بأحكام المادة 180 من قانون الإجراءات لأنه متى ما أحضر المتهم شاهده أمام المحكمة بوسائله الخاصة جاز للمحكمة الكبرى سماعه دون مخالفة لنص القانون وكان عليه أن يشيد بهذا النهج لا أن يصفه بمجافاة قواعد القانون .

 

وبعد أن مدت المحكمة حبال الصبر فإن المتهم قد عجز عن إحضار شاهده وبالتالي لا يجوز للمحكمة أن تتراخى في إنهاء الإجراءات تحقيقاً للعدالة الناجزة وعليها كما فعلت أن تصدر قرارها في القضية وفقاً لما هو أمامها من بينات طالما تيقنت أن هذا هو قصد وهدف المتهم والذي يرمي إلى تعطيل الفصل في القضية .

 

هذا ومن ناحية أخرى ربما يزعم الأستاذ الطاعن أن شاهد الدفاع المطلوب إنما هو شاهد محكمة ويجب استدعاؤه تحت المادة 219 من قانون الإجراءات . وهذا الدفع وإن لم يثره الطاعن إلا أننا نرد عليه بأن المحكمة قد وضعت شهادة هذه الشاهد كما أخطرت بما هو مطلوب أن يشهد به وقد وصفتها بعدم الجوهرية وبهذا ينهار هذا الشرط الأساسي لحق المحكمة في استدعاء أي شاهد تحت المادة 219 من قانون الإجراءات .

 

لذلك فإننا نرى أن المتهم لا يملك حق استدعاء شاهد دفاع إلا إذا تقدم باسمه في قائمة أساسية بموجب المادة 164/1 إجراءات جنائية أو في قائمة تكميلية سمح بها بموجب المادة 164 (2) من قانون الإجراءات الجنائية كما أنه لم يقنع المحكمة بجوهرية أقوال ذلك الشاهد لتمارس سلطتها تحت المادة 219 من قانون الإجراءات الجنائية ثم فشله في إحضار الشاهد بوسائله الخاصة أمام المحكمة لتستجوبه بناء على المادة 180 التي تشترط للسماح لاستجواب الشاهد حضوره أمام المحكمة .

 

وعليه نرى شطب الطعن ونلفت النظر لضرورة الإسراع بالمحاكمة خصوصاَ بعد أن وضح أن الضامن قد أهمل في ضمانته ولم يستطع إحضار المتهم في الموعد اللاحق والذي طلب منه أن يحضر مضمونه ومدعياً أنه سافر للسعودية مما يشير إلى دعم وجهة نظر المحكمة الكبرى بأن المتهم يهدف إلى تسويف إصدار القرار والحكم في هذه القضية .

 

11/10/1977 :

 

القاضي حسن على  أحمد :

 

أوافق .

 

26/10/1977

 

القاضي مهدي الفحل :

 

أوافق . 

 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة :

 

صاحب السعادة السيد / خلف الله الرشيد   رئيس القضاء        رئيساً .

 

سعادة السيد / محمد الفضل شوقي         قاضي المحكمة العليا  عضواً .

 

سعادة السيد / أحمد التجاني عبد الهادي    قاضي المحكمة العليا  عضواً .

 

حكومة السودان ضد الجاك مون قمر

 

م ع/ م ك/16/1977

 

المبادئ:

 

 قانون جنائي – مجرد تواجد الشخص مع زوجة المتهم أو خليلته – ليس استفزازاً خطيراً مفاجئاً المادة 249(1) .

 

 

            تواتر السوابق القضائية على عدم اعتبار مجرد تواجد شخص مع زوجة المتهم أو خليلته لا يصل درجة الخطورة المطلوبة ما لم تجدهما في حالة تلبس بالعملية الجنسية .

 

 

الحكـــم

 

23/10/1977 :

 

بدأت جلسات المحكمة الكبرى في واد مدني برئاسة السيد محمد يوسف أحمد البشير عندما أدانت المتهم يوم 15/12/76 بجريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت .

 

يطعن المتهم في قرار المحكمة ويعتذر بأنه كان في حالة استفزاز خطير عند ارتكابه الجريمة مما يخرج جريمته عن نطاق القتل العمد .

 

الوقائع الجوهرية كما لخصتها المحكمة في خاتمة الإجراءات يمكن اختصارها في أن المتهم التقى بالمجني عليه داخل منزل خليلة المتهم بقرية مايو من قرى مارنجان بالجزيرة بتاريخ 19/ 7/1975 وطلب المتهم من المجني عليه مغادرة المنزل ولما رفض أمسك به وقاده لخارج المنزل وهناك ضربه بالعكاز في عنقه وأرداه قتيلاً واتضح عند الكشف الطبي أن سبب الوفاة كان كسراً بالسلسلة الفقرية نتيجة الضربة بآلة صلبه وقد سجل المتهم اعترافاً قضائياً بما فعل .

 

ناقشت المحكمة عناصر جريمة القتل العمد وتوصلت إلى واقعة الضرب مثبتة بموجب الاعتراف القضائي وأيضاً القرائن التي وردت أمامها – وقد توسعت وأصابت في شرح نظرية عدم تجزئة الاعتراف القضائي – كذلك ارتأت في صواب أن موت المجني  عليه كان بسبب فعل المتهم بدون أن يكون هناك أي شك في ذلك، وأيضاًَ عنصر القصد الجنائي – كان متوفراً – وقد قالت فيه المحكمة أن نية المتهم إن لم تنصرف لقتل المجني عليه فهي على الأقل قد انصرفت إلى تسبيب أذى كان هو يعلم أنه من المرجح أن يؤدي إلى إزهاق روح المصاب .

 

بعد ذلك ناقشت المحكمة الاستثناءات التي قد تفيد في تخفيف درجة الجريمة فلم تجد أساساً للأخذ بما تذرع به المتهم من أنه كان تحت وطأة استفزاز خطير وهذا صحيح – إذ أن السوابق قد تواترت على عدم اعتبار مجرد تواجد شخص مع زوجة أو خليلة المتهم استفزازاً خطيراً ومفاجئاً للأخير – وإن الاستفزاز لا يصل إلى درجة الخطورة المطلوبة ما لم يجدهما في حالة تلبس بالعملية الجنسية . كذلك لم تكن هناك معركة خطيرة، وحتى إذا فرضنا أن مشاجرة قد نشبت بين الاثنين بدليل الآثار التي أشار إليها المتحري فإنها قطعاً لم تصل درجة الخطورة وفد وقد استغل فيها المتهم على أية حال ظروف ضعف  المجني عليه الذي كان أعزلاً من كل سلاح ونفس هذا السبب يحول دون تطبيق ظرف الدفاع الشرعي عن النفس .

 

خلصت المحكمة إلى أن جريمة المتهم جريمة قتل عمد ونحن نؤيد إدانته تحت المادة 251 من قانون العقوبات كما نؤيد عقوبة الإعدام الصادرة ضده .

 

 

 

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة :

 

صاحب السعادة السيد / خلف الله الرشي               رئيس القضاء        رئيساً .

 

سعادة السيد / محمد الفضل شوقي         قاضي المحكمة العليا            عضواً .

 

سعادة السيد / أحمد التجاني عبد الهادي    قاضي المحكمة العليا            عضواً .

 

 

 

حكومة السودان ضد آدم عمر يحي

 

م ع/ م ك/157/1977

 

المبادئ:

 

قانون جنائي – تجاوز حق الدفاع الشرعي عن النفس .

 

قانون جنائي – حق الدفاع الشرعي عن المال المسروق – ضوابطه .

 

إجراءات جنائية– مطاردة السارق والقبض عليه دون حاجة لأمر قبض – المادة 27(د) .

 

3- إن حق الدفاع عن النفس ينتهي بمجرد زوال حالة الخطر الجاثم . وعليه فإن تسديد أي ضربات أخرى لا يعتبر تجاوز فقط لحق الدفاع بل فقداناً لهذا الحق تماماً .

 

2- يستمر حق الدفاع الشرعي لاسترداد الشيء المسروق أو حتى وصول السلطات العامة أو عندما يفلت السارق من الملاحقة ففي أي من هذه الحالات الثلاث ينتهي الحق .

 

1-  يجوز لصاحب المال المسروق ( أو غيره ) مطاردة السارق بغرض القبض عليه لأنه ارتكب جريمة السرقة التي يجوز القبض فيها بدون أمر قض طبقاً للمادة 27(د) من قانون الإجراءات الجنائية .

 

 

 

ملحوظة المحرر :

 

وافقت المحكمة العليا في هذه القضية حكم محكمة الاستئناف في قضية حكومة السودان ضد قرشي فضل المولى – المجلة القضائية سنة 1972 ص 1961 – حيث أوضحت محكمة الاستئناف أن الإفراط في استعمال القوة من شأنه أن يفقد حق الدفاع عن النفس فعاليته .

 

الحكــــم

 

23/10/1977م :

 

المتهم آدم عمر يحي أدين أمام محكمة كبرى عقدت بالجنينة برئاسة القاضي محمود بشير محمود تحت المادة 251 عقوبات وبتاريخ 10/7/1977 صدر الحكم بإعدامه شنقاً حتى الموت وذلك لإزهاقه روح المرحوم هارون سيرو .

 

رفعت لنا هذه الإجراءات بموجب المادة 260 من قانون الإجراءات الجنائية لاتخاذ القرار المناسب .

 

تتحصل الوقائع في الآتي :

 

بتاريخ 7/6/1977م كان المتهم بمزرعته في حلة مريو في ضواحي الجنينة عندما ترك جمله بالقرب من المزرعة يرعى بعد أن قيده بالحبل، عندما عاد المتهم لم يجد الجمل وتبع أثره وشاهد المرحوم وهو يقود الجمل وكان مع المتهم شاهد الاتهام أبكر عبد الرجال أحمد وآدم يحي علي، وعندما رآهم المرحوم ولى هارباً الأدبار تاركاً الجمل وراءه، وطارده المتهم والشاهدان حتى وصل واحتمى براكوبة، وصل المتهم والشاهدان إلى الراكوبة وكان المتهم يحمل فأساً وحراباً وطلب من المرحوم الخروج بعد أن بادره بقوله أمرق يا حرامي – خرج المرحوم شاهراً سكينه وحاول أن يطعن بها المتهم إلا أن الأخير عاجله بضربتين بالفأس أسقطت السكين من يدي المرحوم وعندما سقط المرحوم طعنه المتهم بالحراب وتوفي المرحوم في الحال متأثراً من إصابة بالرئة .

 

مما لا شك فيه أن المتهم طعن المرحوم بالحراب على صدره كما ضربه بالفأس وقد أقر المتهم في كل مراحل القضية بذلك . كما يثبت من قرار الطبيب وأقواله أن هناك جرحين بالكتف والثدي وهما غير غائرين ولم يسببا نزيفاً، كما ثبت من التقرير الطبي أن بالمرحوم جرحاً بالصدر وبموضع الضلع الخامس نفذت إلى تجويف الصدر أدت إلى نزيف وانكماش في الرئة  عطلت التنفس وأدت بالتالي إلى الوفاة .

 

واضح أن المتهم طعن المرحوم بحراب على صدره، لقد استعمل المتهم سلاحاً قاتلاً في موضع حساس من الجسم وهو الصدر وعليه فإن المتهم كان يعلم أن الموت هو النتيجة الراجحة لفعله، وأتفق مع المحكمة العليا فيما توصلت إليه .

 

والآن ننتقل إلى الاستثناءات الواردة تحت المادة 249 من قانون العقوبات لنرى إلى أي مدى يمكن أن تنطبق على فعل المتهم .

 

أتفق مع المحكمة في أن المتهم لم يسبب موت المرحوم في مشاجرة مفاجئة وأنه لم يكن عرضة لاستفزاز شديد من ناحية المرحوم، ولكن السؤال الذي يجب الإجابة عليه هو هل كان المتهم يمارس حق الدفاع الشرعي عن النفس أو المال؟

 

مما لا شك فيه أن المتهم طارد المرحوم الذي سرق جمله كما أثبت شهود الاتهام، وعليه فإن المتهم كان يطارد المرحوم أو السارق بعد أن تخلى عن الجمل المسروق بغرض القبض عليه، ما لاشك فيه أن المادة 62(د) تعطي المتهم حق الدفاع الشرعي عن المال لدرجة تسبيب الموت إذا كان الفعل المراد دفعه السرقة أو الإتلاف أو التعدي على الأمكنة في ظروف تسبب تخوفاً معقولاً من موت أو أذىً جسيم قد يحدث نتيجة لعدم استعمال حق الدفاع الشرعي .

 

هذا الحق تقيده المادة 58 و 59 من قانون العقوبات وبمعنىً آخر إن حق الدفاع الشرعي عن المال ينتهي في إحدى الحالتين أولاً : لا يمتد حق الدفاع الشرعي في أي حالة بإلحاق الأذى بما يجاوز القدر اللازم لغرض الدفاع . ثانياً : لا وجود لحق الدفاع الشرعي متى وجد متسع من الوقت للجوء لحماية السلطات العامة .

 

المادة 105 من قانون العقوبات الهندي نصت على استمرار حق الدفاع الشرعي ضد السرقة وامتداده إلى نهايات ثلاثة :

 

1-  حتى ينسحب المعتدي بالمال  المسروق تماماً أي يفلت من ملاحقته .

 

2-  حتى تصل السلطات العامة .

 

3-  حتى يسترد المجني عليه الشيء المسروق .

 

أتفق مع المحكمة بأن المتهم استرد المال المسروق وهو الجمل بدليل أن المرحوم هرب وترك الجمل، إلا أن المتهم طارد المرحوم بغرض القبض عليه لأنه ارتكب جريمة يجوز  القبض فيها بدون أمر قبض وهو السرقة كما جاء في المادة 27(د) من قانون الإجراءات الجنائية .

 

إن المتهم عندما طارد المرحوم للقبض عليه إنما مارس حقاً يكفله القانون، لقد احتمى المرحوم براكوبة بالحلة كما جاء في البينات وطلب منه المتهم الخروج وعندما خرج المرحوم أشهر سكينه نحو المتهم، هنا بلا شك نشأ للمتهم حق الدفاع عن النفس ضد اعتداء المرحوم الوشيك، وعليه عندما ضرب المتهم المرحوم بالفأس كان يستعمل حقه في الدفاع عن النفس ضد اعتداء المرحوم ولكن هل وقف المتهم عند حد حق العدوان الذي بدأ من ناحية المرحوم؟

 

لقد ضرب المتهم المرحوم بالفأس ثلاث مرات حتى سقط على الأرض، لقد عطل المتهم تحرك المرحوم بعد الثلاث ضربات، ولكن المتهم طعن المرحوم بمجموعة من الحراب مرة أخرى وهو ساقط على الأرض وهذا بلا شك تجاوز لاستعمال حق الدفاع وأحدث أذىً أكثر من اللازم، لأن الضربات الثلاث بالفأس عطلت أو شلت حركة المرحوم وبالتالي انتهى الخوف من الاعتداء، أما تسديد الطعنات بعد سقوط المرحوم فإنه يفقد المتهم حق الدفاع المشروع عن النفس ولا يعتبر تجاوزاً فقط لحق الدفاع المشروع عن النفس بل فقداناً لهذا الحق تماماً .

 

في قضية حكومة السودان ضد قرشي فضل المولى – المجلة القضائية سنة 1972م ص 161 : ( أوضحت محكمة الاستئناف أن ألإفراط في استعمال القوة من شأنه أن يفقد حق الدفاع عن النفس فعاليته )، وعليه حتى إذا سلمنا جدلاً بأن الضربات الثلاث التي سددها المتهم للمرحوم بالفأس حتى أسقطه على الأرض كانت كافية لأغراض الدفاع عن النفس، فإننا نجد أن الطعنات بالحراب بعد سقوط المرحوم وشل حركته غير ضرورية لأغراض الدفاع عن النفس لأن المرحوم كان عاجزاً عن تشكيل أي خطورة على حياة المتهم .

 

إن حالة الدفاع عن النفس تنتهي بمجرد زوال حالة الخطر الجاثم .

 

وعليه نتفق مع المحكمة أن المتهم لم يكن في حالة دفاع عن النفس أو الموت، كما أن الاستثناءات الأخرى الواردة تحت المادة 249 عقوبات لا تنطبق على فعل المتهم .

 

ولذا نؤيد الإدانة وعقوبة الإعدام ضد المتهم .

 

 

 

 

المحكمة العليا

 

القضاة:

 

صاحب السعادة السيد  مهدي الفحل       نائب رئيس القضاء              رئيساً

 

سعادة السيد عمر بخيت العوض            قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

سعادة السيد حسن علي أحمد                قاضي المحكمة العليا            عضواً

 

حكومة السودان   ضد    محمد عبد الله آدم

 

(م ع/م ك/42/1977م)

 

 

المبادئ:

 

قانون جنائي- الضرب بالسوط- الموت نتيجة محتملة .

 

1- الضرب بالسوط إن وقع على جزء حساس مثل الرأس طالما لم يكن قوياً بالصورة التي تجرح من الظاهر أو تسبب كسرا فإنه لا يعتبر سبباً لموت راجح . . وإذا حدث الموت فإنه يصير نتيجة محتملة .

 

 

 

(الحكــــم)

 

3/7/1977

 

القاضي: عمر بخيت العوض :

 

هذه إجراءات محكمة كبرى عقدت في المناقل برئاسة القاضي أحمد إبراهيم محمود لمحاكمة المتهم محمد عبد الله آدم لاتهامه بقتل المجني عليها حليمة هارون ضرباً بالسوط وقد وجدته تلك المحكمة مذنباً تحت المادة 251 من قانون العقوبات  وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت . قدمت إلينا أوراق المحاكمة للنظر في تأييد الإدانة والعقوبة مصحوبة  بطلب من المتهم عن طريق سلطات السجن يدعي فيه عدم ارتكابه لجريمة القتل ويزعم أن  الشخص الذي ضرب المجني عليها يدعى آدم موسى وقد فر هارباً وأن البوليس بدلاًً من تعقبه والقبض عليه اعتقل المتهم في هذه القضية وقدمه للمحاكمة على أساس أنه القاتل .

 

وتتلخص الوقائع في أن ابن المتهم الأول مرض وظن أنه يعاني من السحر فجمع أهل القرية وطلب منهم المرور على الصبي المريض لعله يتعرف على من سحره .

 

تتابعت أقدامهم الواحد تلو الآخر حتى جاء دور المجني عليها وعند مرورها بالصبي تشبث بها فما كان من المتهم إلا أن قفل الحجرة وطلب من الحاضرين الانصراف لأنه عثر على ضالته .

 

لم يشاهد أحد من الشهود المتهم وهو يضرب المجني عليها وكلهم أجمعوا على أنه كان يحمل سوطاً وسيفاً وأضاف بعضهم سوطاً ولم يشذ عن هذا الإجماع سوى زوجته التي زعمت بأن المتهم الهارب هو الذي ضرب المجني عليها .

 

لقد اتخذت المحكمة من هذه الوقائع قرائن على أن المتهم هو الذي ضرب المجني عليها بداخل منزله ثم اعتمدت  من وجه آخر على أقوال المتهم التي أدلى بها للمتحري والتي دونت في يومية التحري والتي تليت عليه أمام المحكمة الكبرى وقد أقر بصحتها وفيها جاء أنه ضرب المجني عليها بالسوط ثلاث ضربات وفيها أيضا أشار إلى آخر ين اشتركوا معه في ضرب المجني عليها ولكن المحكمة لم تصدقه في هذا الجزء على أساس أن بقية الشهود الاتهام نفوا أن يكون قد دخل معه في البيت أحد .

 

إننا نوافق المحكمة الكبرى في النتيجة التي توصلت إليها من أن المتهم هو الذي ضرب المجني عليها وذلك لاختلائه بها منفرداً وأنها وجدت في نفس الغرفة التي أوصد بابها وأنه ضربها بالسوط حسب أقواله التي أدلى بها للمتحري وتليت عليه في المحكمة الكبرى .

 

ويؤكد التقرير الطبي أن جثة المجني عليها لم يكن بها سوى احمراراً دموياً وتورماً بالجهة اليمنى من الرأس ولم يشر إلى وجود كسر بالرأس وفي هذا دلالة على أن الأداة التي استخدمت ليست من الأدوات الصلبة التي تكسر الجمجمة وإذا كانت كذلك على الافتراض الآخر فإنها لم تستخدم بقوة شديدة . . وبالرغم من وجود النزيف الداخلي بالمخ فإن هذا لا يشير على وجه قاطع على قوة الضربة بمفردها لأننا أوضحنا أن الضربة الشديدة بالآلة الكبيرة تحدث في الغالب الأعم كسراً بالرأس سواء بالجمجمة من الخارج أو قاعها .

 

ومن هذه الوقائع فإننا نرى أن المتهم عندما ضرب المجني عليها بالسوط لم يكن ينوي قتلها لأنه لم يفصح عن هذه النية كما أنه لم يترجح لدينا أنه كان يعلم بأن الموت هو النتيجة الراجحة وذلك لأن السوط ليس من أدوات القتل على وجه عام مثل العكاز أو العود الغليظ أو السكين أو بقية الأدوات الأخرى التي من طبيعتها إحداث وتسبيب الموت كما أن الضربة لم تكن شديدة بحيث لم تكسر الجمجمة وذلك مرده لطبيعة الآلة لأن السوط يجرح ولا يكسر من الظاهر ولا يغور في أعماق جسد الإنسان وأن الضرب به لم يكن من الشدة بدرجة أنه لم يجرح حتى الجهة اليمنى من رأس المجني عليها بل ترك احمراراً عادياً . وعليه فإن الضرب بالسوط وإن وقع على جزء حساس مثل الرأس وأنه لم يكن قوياً بالصورة التي تجرح من الظاهر ولم يسبب كسراً فإنه لا يعتبر سبباً لموت راجح . وإنما إذا حدث الموت في مثل هذه الظروف  بسبب الصدمة التي تؤدي إلى نزيف فإنه يعتبر نتيجة محتملة .

 

لذلك فإننا نرى تعديل الإدانة لتكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات  .

 

العقـــوبة:

 

لقد ضرب المتهم المجني عليها وهو تحت اعتقاد بأن المجني عليها سحرت ابنه وقد يكون الناس بين مصدق للسحر وجوداً كذلك الذين يفرقون به بين المرء وزوجه وبين مكذب لأثره ولكنا على كل حال لا يمكننا أن نلغي من فكرنا إيمان أمة من الناس بوجود السحر والعين ولكن هذا الإيمان لا ينبغي أن يحملهم على العدوان بحسبانه سبيلاً للعلاج لأن في ذلك إزهاق لأرواح بشرية دون أن يقوم الدليل عند من يؤمنون بالسحر  على أن الشخص المعين هو الساحر ونتيجة لذلك فإننا يجب أن نشدد العقوبة حتى لا يتمادى الناس في مثل هذا الذي ذهب إليه المتهم . وعليه أرى أن تكون عقوبة المتهم أربعة عشر عاماً سجناً ابتداءً من 1/8/1975م .

 

3/7/1977                                   3/8/1977

 

القاضي حسن علي أحمد :                              القاضي مهدي الفحل :

 

أوافق                                                      أوافق .


 📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات

 بالضغط هنا ⚖️ أو للمتابعة عبر تطبيق "خدمات قانونية" قم بتحميله بالضغط هنا

♻️ شارك المنشور تكرما ♻️
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -