سوابق و أحكام قضائية منشورة في مجلة الاحكام القضائية العام ١٩٧٠م
للمزيد من الاحكام القضائية تابع مجلة الاحكام القضائية السودانية بالضغط هنا
محكمة الإستئناف العليا
حكومة السودان ضد محمد نور مصطفى
م أ/ م ك /544/1969
المبادئ:
قانون العقوبات- تسبيب الموت عندما يكون القصد تسبيب الأذى- المادة 254 من قانون العقوبات- تطبيق هذه المادة في الحالات التي يحصل فيهاالاذى في أطراف الجسم وتحصل الوفاة نتيجة لمضاعفات صحية ناتجة من ذلك الأذى.
المادة 254 من قانون العقوبات يمكن تطبيقها في الحالات التي يحصل فيها الأذى في أطراف الجسم كالرجل مثلاً وتحصل الوفاة نتيجة لمضاعفات ناتجة من ذلك الأذى وليس في الأجزاء الحساسة من الجسم.
الحكم:
المحامي: شمس الدين اللدر...............عن المتهم
عثمان الطيب (رئيس القضاء)- أكتوبر 20/1969- أنعقدت المحكمة الكبرى في محكمة الخرطوم جنوب ما بين 19 و 26/7/1969 لمحاكمة المتهم المذكور أعلاه متهماً بأنه في يوم 19/7/1968 بعشش الخرطوم ضرب المتوفي شرف الدين طه وسبب وفاته. وبذلك يكون ارتكب جريمة القتل الذي يحاكم عليها تحت المادة 251 من قانون العقوبات إدانة المحكمة الكبرى المتهم تحت هذه المادة وحكمت عليه بالإعدام.
إني لأعجب كيف يحصل هذا التأخير في محاكمة القضية حتى في مدينة الخرطوم ذاتها بما فيها من العدد الكبير من القضاة مع تيسير كل الظروف. إنها مدة سنة كاملة منذ وقوع الجريمة إلي وقت المحاكمة. كيف يمكن أن نتفادى هذا الجواب يوجد في إهتمام القضاة بالقيام بواجباتهم.
وقائع القضية كما وجدتها المحكمة وأيدتها البينات هي كالأتي:
المتهم والمتوفى ومعهما موسى إسماعيل نصر (شاهد الإتهام الثاني) يسكنون في منزل واحد بالعشش. في عصر يوم الحادث كان ثلاثتهم مع الآخرين في الإنداية يشربون المريسة إنسحب شاهد الإتهام الثاني أولاً وذهب إلي المنزل. وأنسحب في أول الليل المتوفي وذهب حيث جلث مع شاهد الاتهام الثالث الأخيرة يتجاذبون أطراف الحديث وفي حوالي الساعة التاسعة مساء خرج المتهم من الإنداية وفي طريقه إلي المنزل وجد الثلاثة الآخرين. وأقراهم السلام، وبما إنهم كانوا مشغولين في أحاديثهم لم يرد أحمد منهم عليه وكرر السلام ومعه ألفاظ بذيئة، وعندما أبدو إستغرابهم من ذلك كرر تلك الألفاظ البذيئة. وهنا قام إليه المتوفي وحاول نصحه بأن يعرض عن تلك الألفاظ، وأراد أن يقوده لكي يوصله إلي المنزل، لأن المتهم كان ثملاً. وتقدما بعض خطوات، وأعاد المتهم عبارته البذيئة شاتماً بها شاهد الإتهام الثالث، وأقبل على المتوفي وشتمه بنفس تلك الألفاظ. ومن ثم أنتزع من المتوفي عصاته (بسطونة) وضربه بها ضربتين. وجاءه شاهد الإتهام الثالث لكي يمنعه فضربه ضربة، وبعدها تماسكا حتى حضر بعض المارة وفكوهما من بعضهما. وفي أثناء ذلك كان المتوفي قد وقع على الأرض جثة هامدة. يبدو إن المتهم تحسسه لكي يقوم، ولما لم يقم ذهب إلي المنزل وكانت ملابسه ممزقة من الشكلة التي حدثت بينه وبين شاهد الإتهام الثالث. وجد المتهم شاهد الإتهام الثاني في المنزل وأخبره بوجود المتوفي ملقي في الشارع وذهبا سوياً و رأوا شاهد الإتهام الثاني مع آخرين حمل المتوفي إلي منزلهم، و أعترضهم المتهم بألا يحملوه لمنزلهم، ولكن شاهد الإتهام الثاني لم يعبأ بذلك وحمل المتوفي إلي المنزل و وضعه في عنقريب وبدأ لشاهد الإتهام الثاني إن المتوفي كان قد فارق الحياة ولذلك ذهب للشيخ وبلغا الحادث للبوليس.
القرار الطبي إن سبب الوفاة كان كالأتي: يوجد تمزق بالعضلات وكسر بالضلعة العاشرة في الجانب الأيسر من الجسم، كما يوجد تمزق أدى إلي إنفجار الطوحال مما تسبب في نزيف داخلي مقداره إثنين لترات هذا كان نتيجة ضرب بآلة صلبة و أضيف إليه إنه لم تكن هناك جروح خارجية.
سألت المحكمة نفسها السؤال القانوني: إن كان المتهم قصد القتل أو إنه كان يعرف إن الوفاة ستكون النتيجة الراجحة وليس فقط النتيجة المحتملة. وأستندت في ذلك على إن الموت سيكون النتيجة الراحجة وليس فقط النتيجة المحتملة. وأستندت في ذلك على أن المتهم هو شاب قوي البنية والمتوفي كان رجلاً مسناً وضعيف البنية، وإن الضربتين اللتين أوقعهما المتهم على المتوفي كانتا في مكان حساس من جسمه،وكان أثرهما كبيراً إذ حدث عنهما تمزق في العضل وكسر في الضلوع وإنفجار في الطوحال، ونتج عن ذلك الموت مباشرة.
قدم المحامي شمس الدين اللدر إستنئافاً بالنيابة عن المتهم، وهو يتناول نقطتين الأولى للتشكك في أقوال الشهود لإثبات واقعة كون المتهم ضرب المتوفي، وهذه لا تحتاج إلي نقاش إذ أن الشاهد الثالث والشاهدة السابعة قد أدليا ببينة واضحة، وكان شاهدي عيان. و أرى إن المحكمة كان لها الحق في تصديق شهادتهما. و النقطة الثانية هي إن المتهم لم يكن يعلم بأن الموت سيكون النتيجة الراجحة ولا حتى المحتملة، ويرى إن الإدانة يجب أن تكون تحت المادة 254 من قانون العقوبات التي تنص على تسبيب الوفاة، وعندما يكون الجاني قاصداً إحداث أذى بسيط وجسيم. ويستند في ذلك على إن الضرب وقع من آلة خفيفة (بسطونة)، وأنها لم تسبب أثراً خارجياً في الجسم، كما إن التقرير الطبي لم يكن مبسطاً للدلالة على حالة المتوفي.
المادة 254 من قانون العقوبات لا مثيل لها في قانون العقوبات الهندي. وهي من المواد الشاذة التي يندر أن تطبق. لأنها تخالف القاعدة العامة للمسئولية الجنائية التي هي إن الشخص لا يكون مسئولاً جنائياً إلا عن النتيجة المتوقعة أو المحتملة لفعله. إن الشخص يكون مسئولاً عن فعله وعن النتائج التي تترتب على ذلك الفعل إذ قصد إحداث تلك النتائج أو كان يعلم إن تلك النتائج- على حسب مجريات الحياة العادية وطبيعة الأشياء- قد تقع مع التفاوت في الدرجة والعلم بوقوعها الذي تنتج من الوقائع. فالشخص الذي يسبب لآخر الأذى البسيط قصداً، ولم يكن يقصد تسبيب الموت، ولم يكن يعلم إن الموت ربما يكون النتيجة المحتملة، فكيف يكون مسئولاً عن الموت إذا حدث على أي حال هذا ما قصده المشرع في هذه المادة من القانون ويبدو لي إن هذه المادة يمكن تطبيقها في الحالات التي يحصل فيها الأذى في أطراف الجسم كالرجل مثلاً، وتحصل الوفاة نتيجة لمضاعفات صحية ناتجة من ذلك الأذى.
أما في هذه القضية فإن الأذى في الأجزاء الحساسة من الجسم في الجزء الأوسط من الجزء الأوسط منه و سببت كسر في الضلوع وإنفجار في الطوحال و كان الموت نتيجة مباشرة لها وحالاً وقد كان القرار الطبي واضحاً وضوحاً كافياً في إثبات هذا وفي هذه الظروف يلزم الإستنتاج بأن المتهم كان يعلم بان الموت سيكون النتيجة الراجحة أو المحتملة إنه مع حساسية الجزء من الجسم الذي وقع فيه الضرب، عادة يؤخذ في الإعتبار الآلة التي أستعملت ثبت في هذه القضية إن الآلة كانت بسطونة. ولكنها لم تحضر أمام المحكمة ولم توصف الوصف الكامل، لمعرفة عما إذا كانت آلة مميتة أم لا. وللتفرقة عما إذا كانت درجة العلم ترقى إلي رجحان الموت أم أنه كان نيتجة محتملة فقط. وأرى إن حدوث الموت في نفس الوقت الذي حصل فيه الضرب يؤدي إلي الإعتقاد بأن البسطونة كانت آلة صلبة ومميتة عندما تستعمل بقوة، ومنها تصل إلي إستنتاج إن المتهم كان يعلم إن الموت سيكون النتيجة الراجحة وليس فقط المحتملة.
لهذه الأسباب فإني أؤيد إدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات والحكم عليه بالإعدام الذي أصدرته المحكمة الكبرى.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد ذا النون الطيب وآخر
م أ / أ ن ج / 299/1968/ أ ن ج
المبادئ:
قانون العقوبات- الإحتيال بسوء قصد على تسليم مال- المادة 362 من قانون العقوبات كلمة مال تعني المال المنقول ولا تشمل العقار.
المادة 362 من قانون العقوبات لا تجرم الشخص الذي يحصل على عقار عن طريق الإحتيال هذا لان كلمة مال الواردة في هذه المادة تنصرف إلي المال المنقول ولا تشمل العقار.
الحكم:
المحامي/ عبدالله الحسن وعبدالوهاب أبوشكيمة- المحاميان............عن المتهم
حسن علي أحمد (قاضي المحكمة العليا بالإنابة) – أكتوبر22/1969- فيما يتلعق بالمادة 362 من قانون العقوبات فإن منطوق هذه المادة لا يجرم الشخص الذي يحصل على عقار عن طريق الإحتيال لأن كلمة مال الواردة في هذه المادة تنصرف إلي المال المنقول ولا تشمل العقار.
العلامة راتنلال في تعليقه على المادة 420 من قانون العقوبات الهندي والتي تقابل المادة 362 من قانون العقوبات الطبعة الثانية عشر الصفحة 1077 قال الأتي:
"كلمة مال الواردة في هذه المادة تشير إلي المال المنقول"
وعليه فإن المادة 362 من قانون العقوبات لا تنطبق عندما يكون الشئ موضوع الإحتيال عقاراً.
فيما يتعلق بالمادة 387 من قانون العقوبات فالثابت إن الشاكي قد أوكل المتهمين على تأجير منزله وإنهما قد أجرا المنزل بناء على تلك الوكالة وعليه فإن دخول الشخص الذي أجر له المنزل لا يعتبر تعدياً جنائياً قصد منه إرتكاب جريمة أو إرهاباً أو إهانة أو مضايقة للشخص الذي يضع يده على ذلك المنزل.
لم يثبت الشاكي بخلاف ما جاء في إفادته هو إنه قد وضع للمتهمين شروطاً محدودة لتأجير ذلك المنزل أما ما جاء في إفادة شقيقة ميرغني أحمد حسن فإنه شهادة سماعية لا تعضد شهادته.
وحتى لو سلمنا جدلاً بأنه قد وضع لهما تلك الشروط الذي ذكرها فإن عدم مراعاتهما لتلك الشروط يكون الفيصل فيها القضاء المدني.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد جرجس أستاورو وآخر
م أ / أ ن ج / 178/1967
المبادئ:
قانون الصيدلة والسموم- دخول الأماكن في حالة الإشتباه في إرتكاب مخالفة قانونية تتصل بالعقاقير- المادة 19 (أ) من قانون الصيدلة والسموم 1963- البحث عن مال مسروق لا يقع تحت الأغراض التي تنص عليها المادة أعلاه.
تفتيش إجزخانة بحثاً عن مال مسورق لا يقع تحت الأغراض التي نصت عليها المادة 39 (أ) من قانون الصيدلة والسموم 1963 وعليه مثل هذا التفتيش الذي صدر من وجهة غير مختصة يعتبر باطلاً ولا يترتب عليه أي أثر.
الحكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم:
ممثل الإتهام......الأستاذ/ شيخ الدين محمد المهدي .....وكيل نيابة.....مديرية الخرطوم.....عن النائب العام
حسن على أحمد (قاضي المحكمة العليا بالإنابة) أكتوبر 29/1969- لا أرى سبباً للتدخل.
المادة 39 (أ) من قانون الصيدلة والسموم تبيح لأي شخص يفوضه حكيمباشي صحة المديرية كتابه الدخول في جميع الأوقات المناسبة أي محل يقوم بالعمل فيه صيدلي مسجل أو بائع عقاقير مرخص له أو أي محل تخزن فيه العقاقير أو تعبأ أو تجهز أو تعد للتصنيع إلي آخره متى ما توفرت لديه أسباب كافية للإشتباه في ارتكاب مخالفة قانونية تتصل بالعقاقير.
هذه المادة تبيح لذلك الشخص الدخول فقط في حالة وجود أسباب كافية للإشتباه في ارتكاب مخالفة قانونية تتصل بالعقاقير مثلاً كالتأكد كما جاء على لسان شاهد الإثبات الثاني الذي قام بأجراء ذلك التفتيش من تطبيق قانون الصيدلة والسموم والتأكد من أن الأدوية صالة للإستعمال وليس بغرض التفتيش على أموال مسروقة كما جاء في إفادة شاهد الإثبات الثاني الذي أكد إن سبب دخوله الإجزخانة وتفتيشها كان بغرض البحث عن أدوية مسروقة.
من ذلك يتضح إن شاهد الإثبات الثاني لم يدخل الإجزخانة لواحد من الأغراض التي تنص عليها المادة 39 (أ) من قانون الصيدلة والسموم وإنما فعل ذلك بحثاً عن مال مسروق وبدل أن يتبع شاهد الإثبات الثاني الطرق القانونية والسليمة أخذ القانون في يده و ذهب لتفتيش الإجزخانة بحثاً عن المال المسورق وعليه وبما إن التفتيش قد تم دون بلاغ ودون أن يصدر أمر التفتيش من جهة مختصة فإنه يصير باطلاً ولا يترتب عليه أي أثر.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد سليمان بشرى محمد
م أ / م ك / 135/1967
المبادئ:
قانون العقوبات- الإستفزاز الشديد المفاجئ- المادة 249 (1) من قانون العقوبات- حمل الزوجة قبل دخول زوجها بها من المجني عليه لا يعتبر إستفزازاً تحت المادة أعلاه إذا لم يتوفر عنصر المفاجئة.
علم الزوج المتهم بأن زوجته حامل قبل دخوله بها من المجني عليه يعتبر إستفزازاً شديداً ومفاجئاً ولكن طعن المتهم المجني عليه وتسبيب وفاته بعد حوالي يوم كامل من سماعه الحادث يفقد الإستفزاز عنصر المفائجة وعليه لا يعتبر إستفزاز تحت المادة 249 (1) من قانون العقوبات.
الحكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم:
المحامي: التجاني محمد علي.........عن المتهم
عثمان الطيب( رئيس القضاء)-ديسمبر 23/1969-بتاريخ 29/1/1967 أنعقدت في رجل الفولة محكمة كبرى لمحاكمة المتهم المذكور أعلاه، متهماً بأنه في يوم 1/4/1965 طعن المتوفي حارن محمد الرضي بسكين وسبب وفاته، ولذلك يكون ارتكب جريمة القتل العمد تحت المادة 251 قانون العقوبات. أدانت المحكمة المتهم تحت هذه المادة حكمت عليه بالإعدام.
وعندما أتت الأوراق هنا للتأييد أو خلافه، قررت محكمة الإستئناف المدنية السابقة بتاريخ 30/9/1967 رفض التأييد وأمرت بإعادة التحقيق القضائي وإعادة المحاكمة من جديد وذلك لأخطاء في الإجراءات.
بعد إعادة التحقيق القضائي قدم المتهم لمحكمة كبرى جديدة أنعقدت في رجل الفولة بتاريخ 3/11/1969، متهماً بنفس الجريمة السابقة، أدانته هذه المحكمة تحت نفس الجريمة وحكمت عليه بالإعدام.
تتلخص وقائع القضية التي توصلت إليها المحكمة وأيدتها البينات في الأتي:
قبل حوالي ستة أشهر من تاريخ الحادث كان المتهم قد تزوج الرضية الرحيم. وفي اليوم السابق ليوم الحادث هم أن يدخل بها، وعند ذلك وجد إنها حبلى لثلاثة أو أربعة أشهر. وسألها عن الشخص الذي واقعها وحملت منه، فأخبرته إن المتوفي كان الشخص الذى واقعها فاثر ذلك فى نفسه وحقد على التوفى وكان المتوفي يسكن في فريق يبعد حوالي 18 ميلاً من فريق المتهم. وقام المتهم وهو يحمل حربته وسكينه ومشى إلي أن وصل إلي فريق المتوفي في مساء يوم الحادث ويعتقد إنه متربص من قرب منزل المتوفي لكي يجد الفرصة للفتك به. وجاءت الفرصة بخروج المتوفي من منزله، وهو يقود حصانه إلي الرقعة المجاورة للمنزل لكي يتركها ترعى هناك. ولم يكن يحمل معه أي نوع من السلاح وفي أثناء ذلك قابله المتهم وطعنه بسكينه طعنة واحدة على صدر الجانب الأيمن وهرب وحاول المتوفي الرجوع إلي منزله و وقع على بعد خمس خطوات منه.
كانت الطعنة قوية وعنفية إذ أنها أخترقت الجسم إلي الكبد والإمعاء وقطعتها وتسبب عنها نزيفاً حاداً توفى المجني عليه في الحال. في هذه الظروف يجوز الإعتقاد بأن المتهم كان قد قصد قتل المتوفي، ولم يكن كافياً الإعتقاد بأن المتهم كان يعلم بان الموت سيكون النتيجة الراجحة لفعله.
ذكر المتهم إنه طعن المتوفي دفاعاً عنه نفسه، قائلاً إن المتوفي كان يحمل حربة، وإنه عندما قابله كان يريد أن يستفسر منه عن مواقعته لزوجته، ولكن المتوفي شتمه وحاول أن يعتدي عليه. ولم تصدق المحكمة قول المتهم هذا. لأنه ثبت بما لا يدع مجالاً للشك إن المتوفي لم يكن يحمل معه أي سلاح في ذلك الحين.
قصة حمل الزوجة قبل دخول المتهم بها لا شك فيها. وكون المتوفي هو الذي واقعها ثبت بشهادة الزوجة نفسها. وهو حادث يجلب الإستفزاز للشخص العادي في مثل بيئة المتهم. و لكن عنصر المفاجئة لم يتوفر. لأن تكون في نفس وقت علمه بما أحدثه المتوفي. و لو كان المتوفي موجوداً بالقرب منه في ذلك الحين وطعنه، لكان قد طعنه وهو متأثر وفاقد للمقدرة على التحكم في أصابه. إن المتهم قد طعن المتوفي بعد حوالي يوم كامل من سماعه للحادث، وبعد كل هذه المدة الطويلة يلزم أن تكون أعصابه قد هدأت، ولا يمكن إعتبار إستمرار الإستفزاز مع وجود المقدرة على التحكم في الأعصاب.
إني أوافق المحكمة على ما توصلت إليه، و أؤيد الإدانة والحكم.
محكمة الإستئناف المدنية
صابر سيدهم ضد ورثة الأمين عبدالرحمن
م أ / أ ن / 314/1969
المبادئ:
قانون تقييد الإيجارات- ورثة المستأجر التعاقدي يرثون الحقوق الناشئة عن عقد الإيجارة والحماية تحت قانون تقييد الإيجارات في حالة محلاً سكنياً، ويجوز تطبيق المبدأ على المحال التجارية إذا كانت هناك ظروف تتطلب ذلك.
ورثة المستأجر التعاقدي يرثون الحقوق الناشئة عن عقد الإيجارة وأيضاً الحماية تحت قانون تقييد الإيجارات في حالة العقار موضوع النزاع سكنياً.
رأي زائد:
يجوز تطبيق المبدأ على المحال التجارية إذا وجدت ظروف تتماشى مع الغرض الذي بسببه سن المشرع الإنجليزي المبدأ.
المحامين:
هنري رياض................عن المستأنف
فؤاد أمين...................عن المستأنف ضدهم
الحكم:
توفيق عبدالمجيد- (قاضي المحكمة العليا) –أبريل 22م1970-رفع المستأنف ضده فؤاد الأمين عبدالرحمن القضية المدنية رقم 726/1967 ضد المستأنف صابر شاكر سيدهم يطلب منه فيها إخلاء العقار الدكان رقم 17مربع15 بالسوق الكبير بأمدرمان لأن المستأجر هو إيليا شاكر سيدهم قد توفى.
وقد كان رد المدعى عليه و المستأنف إن الدكان كان مستأجراً لشاكر سيدهم والد إيليا والمدعى عليه نفسه. و إنه عند وفاة شاكر عين المدعى عليه وإيليا مديرين للتركة. وإن إيليا شاكر ظل يحوز الدكان بوصفه مدير للتركة حتى توفى وإن المدعى عليه الآن يحوز على الدكان بوصفه مدير لتركة شاكر سيدهم وإيليا عندئذ حددت المحكمة نقاط النزاع كما يلي:
(1) هل كان الدكان موضوع النزاع مؤجراً لإيليا شاكر (المدعى) ؟
(2) هل يحوز المدعى عليه الدكان بوصفه وكيلاً ومديراً لتركة شاكر وإيليا (المدعى عليه)؟
(3) و إن كان كذلك فهل أنتقلت الإيجارة له ؟ أم تعدى على حيازة الدكان (المدعى عليه) ؟
بعد ذلك أستمعت المحكمة لقضية المدعى وقضية المدعى عليه- المستأنف ضده والمستأنف على التوالي. وبعد ذلك أصدرت المحكمة حكمها بشطب دعوى المدعى المستأنف ضده. وقد بنى الحكم أعلاه على الأتي:
(1) إن المدعى عليه المستأنف يحوز الدكان محل النزاع بوصفه أحد مديري تركة شاكر سيدهم و أحد ورثائه (مستند دفاع "1" أمر الإدارة).
(2) اتفق الورثاء (ورثاء شاكر سيدهم) وفق مستند الدفاع2 أن يقوم المدعى المستأنف إيليا بإدارة الدكان بعد وفاة مورثهم.
(3) إن إيليا نفسه كان يحوز ذلك الدكان محل النزاع بوصفه أحد ورثة شاكر سيدهم المستأجر المتوفي وبوصفه أحد مديري تركته ولم يكن مستأجراً مستقلاً.
(4) إن الأجرة تنتقل من المستأجر المتوفي إلي ورثته وفق السابقة ورثة إمام إبراهيم ضد الأمين عبدالرحمن م أ / أ ن / 53 /63 وليس هنالك ما يدعو إلي التفرقة بين الدكان وعقار مستأجر للسكن.
لكل ذلك فإن المدعى عليه المستأنف يبقى بالدكان بوصفه مدير للتركة خاصة شاكر سيدهم لأن معدات صياغة الأخير لا زالت بنفس الدكان. تقدم المدعى المستأنف ضده بطلب إعادة نظر في 31/3/1969 للسيد قاضي المديرية دائرة أمدرمان (إعادة نظر 75/69) وقد قرر السيد قاضي المديرية إلغاء حكم القاضي الجزئي الصادر في 24/3/1969 وأمر بأن يخلي المدعى عليه (المستأنف) الدكان موضوع الدعوى في مدة ثلاثة أشهر من تاريخه.
و من هذا القرار يتقدم المستأنف بطلب إعادة النظر لهذه المحكمة، لتنقض قرار السيد قاضي المديرية لدائرة أمدرمان (الأستاذ/ صالح وهبي) ويسوق المستأنفون الحجج الأتية:
أولاً: إن طلب إعادة النظر جاء متأخراً لأنهم أخطروا بقرار السيد قاضي المديرية أعلاه في وقت متأخر بعد صدور القرار ولذلك فإنهم يطلبون مد فترة إعادة النظر وفق المادة 214 من قانون القضاء المدني.
ثانياً: إن القضية المدنية 726/67 موضوع إعادة النظر هذه تطابق القضية المدنية السابقة 1067/61 شكلاً و موضوعاً ولذلك يتعين أن تشطب الدعوى الأولى لأن الدعوى الأخيرة قد شطبت لأن أحد الملاك على الشيوع لا يستطيع إقامة دعوى طلب إسترداد الحيازة بمفرده من ورثة المستأجر الاصيل.
وأخيراً يرى المستأنفون إن قرار قاضي المديرية لدائرة أمدرمان بأن الإيجارة لا تنتقل إلي ورثة المستأجر عندما يكون العقار موضوع النزاع دكاناً هو قرار لا سند له من القانون أو من مبادئ العدالة.
و ترى هذه المحكمة إن قبول طلب إعادة النظر في حد ذاته هو تجاوز من قبل المحكمة للتأخير الذي نشأ من قبل المستأنفين في تقديم الطلب في ميعاده المحدد لأن هذا التأخير يعزى لفشل المحكمة في إخطارهم بقرار السيد قاضي المديرية لدائرة أمدرمان في إعادة النظر 75/69 في الوقت المناسب.
ولكن هذه المحكمة لا توافق على إن القضية المدنية رقم 726/67 هي نفس القضية السابقة رقم 1067/61 لأن القضية الأخيرة كانت بين المدعى في القضية السابقة وصابر شاكر سيدهم في حين إن القضية في عام 1961 كانت ضد إيليا شاكر، وإن هنالك إختلافاً جوهرياً في نقاط النزاع المطروحة في القضتييتين ولان الدعوى في عام 1961 لم تشطب- على حد أقوال السيد محامي المستأنفين- " على إنه لا يجوز لأحد الملاك على الشيوع إسترداد العين من المدعى عليهم ورثة شاكر سيدهم ولأن الورثة أضحوا هم المستأجرين القانونيين" لقد شطبت الدعوى 1067/61 " لأنه قد ثبت إن المدعى عليه هو الممثل الشخص للمرحوم ويصبح من حقه أن يخلفه في إستئجار الدكان" صفحة94 من محضر ق م / 1067/61.
ومع إني لا أوافق السيد قاضي المديرية لدائرة أمدرمان في أن هنالك خلافاً بين أن يكون العقار موضوع الدعوى منزلاً أو دكاناً، فإني أوافقه في شطب حكم السيد القاضي الجزئي الصادر في 24/3/69 وأمر إخلاء المستأنفين من الدكان موضوع الدعوى لأسباب أخرى ألخصها فيما يلي:
أولاً: إن المستأجر الأصيل للدكان موضوع الدعوى هو مورث المدعى عليهم والمستأنفين شاكر سيدهم والذي كان يعمل صائغاً في ذلك الدكان وقد صدر الحكم في القضية المدنية 1067/61 ضد المدعين المستأنف ضدهم وفي صالح إيليا شاكر لأن الأخير هو الممثل لوالده ولم يصدر الحكم لأي سبب آخر- ويبدو من حقائق القضية الثانية إن المستأنف ضدهم في إعادة النظر هذه قد دخلوا في عقد إيجار مع إيليا شاكر.
ثانياً: واضح من البينات التي أدلت في القضية رقم 726/1967 من الشاهدة لندة شاكر أخت المستأنف إن تركة والدهم من الذهب قد وزعت على الورثة- وذكرت إن إيليا بمفرده كان يعمل مع والدهم في صناعة الذهب. "ص25 من محضر القضية أعلاه" وهذه البينة أكدها صابر شاكر سيدهم نفسه في شهادته في ص35 من المحضر وأكد إن التركة كلها وزعت ما عدا معدات الصناعة الموجودة بالدكان لأن الورثة قد أتفقوا على عدم بيع هذه العدة ليعمل بها الورثة. ومعنى ذلك إن معدات الصياغة الموجودة بالدكان هي بمثابة جبة عثمان أو مسمسار جحا تخول لكل ورثة شاكر سيدهم و ورثة أبنائه من بعده وأحفاده حق الإحتفاظ بهذا الدكان إلي مدى الدهر.
ثالثاً: صابر شاكر سيدهم المستأنف هو موظف مسئول في وزارة التربية والتعليم وإن العمل كصائغ يتعارض و مسئوليته هذه ودليل على إن صناعة الصياغة ليس المهنة التي يتكسب منها هو.
و أخيراً إن هذه المحكمة ترى إن الحقائق والملابسات التي أكتنفت صدور الحكم في صالح إيليا في القضية المدنية 1067/61 ليست قائمة الآن وقد قامت الأدلة من الورثة أنفسهم إن التركة وزعت وإن إيليا بمفرده كان يعمل بالصياغة مع والده المرحوم إبان حياته. وليس هنالك منطق من العدالة في أن يصدر حكم لصالح صابر لأن مورثهم لا زال يحتفظ بمعدات الصياغة في دكان المستأنف ضدهم بسبب بسيط ألا وهو إن الورثة لا يرغبون في بيع هذه المعدات.
إن ظروف هذه القضية تنفي وتلغي الحكمة من نقل الإيجار إلي ورثة المستأجر. لكل هذه الأسباب مجتمعة فإن هذه المحكمة تقرر الإستبقاء على حكم قاضي المديرية لدائرة أمدرمان وتأمر بشطب طلب إعادة النظرهذه مع الرسوم.
مهدي محمد أحمد (قاضي المحكمة العليا)- أبريل 24/1970- أوافق. النقطة الجوهرية المطروحة للفصل فيها هي مدى إمكانية تطبيق المبدأ القانوني الذي أنطوت عليه قضية ورثة إمام إبراهيم ضد الأمين عبدالرحمن (1962) المجلة القانونية صفحة 228. وقبل الخوض في موضوع النزاع يتعين علينا أن نتعرف على وقائع السابقة سالفة الذكر وعلى طبيعة المبدأ المقرر والمصادر التي أسترشدت بها المحكمة الموقرة من أجل إقرار المبدأ القانوني.
وفي مستهل هذا الحكم يتعين علينا أن نشير إلي أن المبدأ القانوني المقرر في القضية المذكورة مستمد من القانون الإنجليزي وبعبارة أدق من التشريع الإنجليزي وليس من بمادئ القانون الإنجليزي العام- فطبقاً لمبادئ القانون العام الإيجارة القانونية عقد شخصي ينتهي بوفاة المستأجر ولا يؤول بالميراث.وقد فطن الشارع الإنجليزي إلي الصعوبات التي تكتنف تطبيق قواعد القانون العام في وقت تهدف فيه الدولة على إضفاء الحماية على المستأجرين ولذلك فقد نص الشارع صراحة في المادة 12 (1) (ص) من قانون تقييد الإيجارات لعام 1920- على إن كلمة مستأجر الواردة في القانون تشمل أرملة المرحوم وأفراد عائلته الذين كانوا يقيمون معه ساعة وفاته. وقد أستهدف الشارع من وراء هذا النص حماية عائلة المستأجر من التشريد وفقدان المأوى في حالة وفاته. وهذا المعنى الواسع لكلمة مستأجر هو المبدأ الذي أستقته المحكمة في السابقة القضائية المشار إليها ولأسباب ودوافع مطابقة للأسباب والدوافع التي حملت الشارع الإنجليزي على تطبيق هذا المعنى الواسع.
فهل ظروف و وقائع الدعوى الراهنة مشابهة لظروف و وقائع السابقة القضائية المذكورة بحيث تبرر تطبيق نفس القاعدة القانونية. أولاً العقار موضوع الدعوى الراهنة محلاً تجارياً وليس عقاراً سكنياً. والنص الإنجليزي و السابقة القانونية التي قررتها محكمة الإستئناف كلاهما متعلق بعقار سكني ولم يتعرض أي منهما للمحال التجارية. والضرر الذي حاول الشارع الإنجليزي ومحكمة الإستئناف علاجه هو حماية أسرة المستأجر من فقدان المأوى. إذن فهناك إختلاف جوهري بين وقائع الدعوى الحالية و قضية ورثة إبراهيم ولكن قد تستجد ظروف تستوجب توسيع نطاق تلك القاعدة القانونية لتشمل المحال التجارية. فهل تتوافر مثل هذه الظروف في الدعوى الحالية.
الثابت من الأدلة الواردة بمحضر الدعوى إن تركة إيليا شاكر قد صفيت وأستلم كل وريث نصيبه من التركة. والثابت أيضاً إن المستأنف في الدعوى الحالية لم يكن شريكاً للمتوفي ولم يكن يشغل الدكان إبان حياة المستأجر في واقع الأمر إن المستأنف موظف بوزارة التربية والتعليم وليس صائغاً. ولذلك لا أرى في ظروف هذه الدعوى ما يستوجب تطبيق القاعدة القانونية المقررة في قضية ورثة إمام إبراهيم ضد الأمين عبدالرحمن ولذلك أوافق على شطب طلب إعادة النظر.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد عبدالله مرعي محمد
م أ / م ك / 817/1969
المبادئ:
قانون العقوبات- عقوبة الإعدام- المادة 251 من قانون العقوبات- يجب على المحكمة توقيع عقوبة الإعدام في حالة الإدانة تحت المادة أعلاه- السلطة المؤيدة الحق في إستبدال عقوبة الإعدام إلي السجن المؤبد أو خلافه.
يجب على المحكمة عند إدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات توقيع عقوبة الإعدام وليس لها الخيار في إصدار الحكوم بالتأيد أو خلافه. ولكن يجوز لها أن توصي للسلطة المؤيدة بتبديل عقوبة الإعدام إلي الحبس المؤبد وليس لها أن تصدر عقوبة الحبس المؤبد إلا في الحالات التي جاء بها المشور الجنائي رقم26.
الحكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم:
مهدي الفحل (قاضي المحكمة العليا بالإنابة)- أبريل29/1970- هذه جريمة قتل بشعة إذ أغتال أب إبنته وهي نائمة وسدد لها دونما مبرر عدة طعنات قاتلة أودت بحياتها.
فقد وضح إن المتهم كان يريد إبنته فاطمة أن تتزوج إبن أخت له يدعى كمال الدين المقبول وذلك بحلة هبود التي يقيمون بها شرق النيل الأبيض وبالقرب من أبوجبيرة عبر النيل من مدينة الدويم ولكن البنت و والدتها لم تكونا ترغبان في ذلك الشخص كزوج كفء فأثار ذلك حفيظة المتهم الذي لم يكن راضياً من تصرف إبنته وزوجته برفض هذا الخطيب وخطيبين سبقاه وهدد وتوعد وبالفعل في منتصف الليل يوم 20/5/1969 سدد المتهم لإبنته ثلاثة طعنات قاتلة في الصدر من اليمين وقد أودت تلك الطعنات القاتلة بحياتها بعد أن أسعفت في اليوم التالي لمستشفى الدويم.
وقد أدين المتهم في يوم 12/10/1969 أمام محكمة كبرى برئاسة القاضي بابكر زين العابدين بالدويم تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحوكم بالسجن المؤبد إعتباراً من تاريخ وضعه في الحراسة في 21/5/1969.
إن إدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات صحيحة ولا تحتاج لجدل طويل فالمتهم معترف بفعله كما إن شهود العيان قد أثبتو ذلك وقد وضح إن المتهم سليم العقل وليس هنالك شك في قواه العقلية كما لا يوجد سبب مخفف كالإثارة أو خلافهما مما يخفض جريمة القتل العمد ولذا فإنني أؤيد الإدانة تحت المادة 251 من قانون العقوبات.
بدلاً من توقيع عقوبة الإعدام على المتهم فقد وقعت المحكمة عليه عقوبة السجن المؤبد وكما طالب بها محامي المتهم الأستاذ عبدالقادر حسين سليم مستنداً على نصوص الشريعة الإسلامية وقد أورد رئيس المحكمة حديث الرسول الكريم (لا يقاد الوالد بولده) وإنه أعدل البشر وهو في درجة علمية وفقهية وتشريعية لا يصل إليها أحد من البشر وهو أعلم من جميع البشر بأصول العدل و مورق فيه لا يظلم. وهو أعلم بعلل الأحكام فعندما ساق هذا الحديث كان يعلم بعدله وحاشاه أن يظلم الإبن لوالده وأن تجاهل هذا الحديث الشريف الموثوق به والمجمع عليه يمس الأمة في أقدس مقدساتها وفي أعظم شخص من شخصياتها وإن الأصل الأب هو السبب في وجود الإبن أو البنت.
إن هذا صحيح ولكن هل كان لرئيس المحكمة أن يطبق ما هو صحيح ديناً في مثل هذه القضية مع إعتبار إن سلطة تغيير الحكم من الإعدام إلي الحبس المؤبد ليس من إختصاصه؟
صحيح إن المادة 251 من قانون العقوبات تنص على إن عقوبة القتل العمد هي الإعدام أو السجن مدى الحياة ولكن الخيار ليس متروكاً للمحكمة كالحبل على القارب بل هو مقيد فقد ذكر راتنلال ( الطبعة الحادية والعشرين ص783) " إن العقوبة التي تتبع الحكم بالقتل العمد هي الإعدام وأنه إذا ما كانت هنالك أية أسباب للرحمة فإن هذه الأسباب ينظر فيها بواسطة الحكومة أو السلطة التنفيذية وإن كل الذي يجب أن تفعله المحكمة هو أن تتقدم بتوصيتها بعد إصدار الحكم وفقاً للقانون".
وقد قيد المنشور الجنائي رقم (26) المحكمة في مثل هذه الحالات بأن تصدر عقوبة الإعدام فيما عدا الحالات التي نص عليها المنشور ثم تتقدم للسلطة المؤيدة بما تراه من توصية فإذا ما أيدت السلطة المؤيدة (السيد رئيس القضاء أو من يفوضه من قضاة المحاكم العليا) عقوبة الإعدام فإنها ترفع التوصية للسيد رئيس الدولة الذي يملك حق العفو.
لقد خطر لي أن أؤيد هذا الحكم لعلمي إن الحكم بالإعدام على فرض صدوره قد لا ينفذ في مثل هذه الحالة ولكنني أترك تقدير ذلك للسلطة المؤيدة بعد أن يصلها الحكم بعد إعادة النظر في القرار بطريقة صحيحة.
لذا فإنني أؤيد الإدانة بتهمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات أرفض تأييد عقوبة المتهم بالسجن المؤبد و آمر بأعادة النظر في العقوبة وفقاً لما ورد في مذكرتي بإصدار الحكم بإعدام المتهم وللمحكمة الخيار في أن توصي للسلطة المؤيدة بإستبدال حكم الإعدام بالحبس المؤبد إعتباراً من إلقاء القبض على المتهم في 21/5/1969.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد تاج الدين عيسى زكي
م أ / م ك /140/1970
المبادئ:
قانون العقوبات- إمتداد حق الدفاع الشرعي عن الجسم إلي تسبيب الموت- المادة 61 من قانون العقوبات- خشية وقوع العدوان في المستقبل أو المجازاة لإعتداء سابق لا تعطي المتهم الحق في ممارسة حق الدفاع الشرعي تحت المادة أعلاه.
خشية وقوع العدوان في المستقبل أو المجازاة لإعتداء سابق لا يعطي المتهم الحق في ممارسة حق الدفاع الشرعي تحت المادة 61 من قانون العقوبات. يجب أن يكون العدوان المراد رده حالاً أو على وشك الوقوع وليس هناك الوقت الكافي للجؤ إلي السلطات العامة.
الحكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم:
صالح محمد علي عتيق (قاضي المحكمة العليا)- يوليو 25/1970- بعد الإطلاع على إجراءات هذه المحاكمة وبإستقراء البينات الواردة فإنني أوافق المحكمة الكبرى في قرارها بأن المتهم كان يمارس حقه الشرعي في الدفاع عن النفس عندما قام بطعن المجني عليه ولكنني لا أوافقها في قرارها الثاني بأنه تجاوز القيد المنصوص عنه تحت المادة 59 من قانون العقوبات.
تنص المادة 61 (ب) من قانون العقوبات إن حق الدفاع الشرعي عن النفس يمتد إلي تسبيب الموت العمد إن كان الفعل المراد دفعه إغتصاباً أو تهجماً بقصد إشباع شهوة غير طبيعية بشرط الا يكون هناك متسع من الوقت للجؤ إلي السلطات العامة أو إلحاق اذى أكثر القدر اللازم لغرض الدفاع.
لقد ثبت إن المرحوم تهجم على المتهم بالقطية التي كان ينام فيها منفرداً بقصد إشباع شهوة غير طبيعية وعندما تمكن من الخلاص وفر هارباً إلي القطية الأخرى التي كان ينام فيها الشاهد الثالث للإتهام تابعه إلي هناك في إصرار ودخل معه في صراع عنيف لنفس الغرض وركب من وفوقه. عندئذ تمكن المتهم من تسديد طعنة واحدة إليه من مديته فأحدثت الجروح التي أدت إلي وفاته.
فوجود شاهد الإتهام الثالث بالقطية ساعة ارتكاب الحادث لا يفقد المتهم حقه الشرعي في الدفاع عن النفس لأنه ليس بسلطة عامة يمكن اللجؤ إليه. علاوة على ذلك فإنه كان نائماً وبالتالي لم يكن في إستطاعته إفلات المتهم من قبضة المتوفي. وثانياً إن الفعل المشكو منه فعل يخجل الرجل العادي أن يوصف به.
وجود الوقت الكافي للجؤ إلي السلطات العامة يسلب المتهم إستعمال حقه الشرعي في دفع العدوان. إذ يجب أن يكون العدوان المراد رده حالاً أو على وشك الوقوع. فخشية وقوع العدوان في المستقبل أو المجازاة لإعتداء سابق لا يعطي المتهم حقاً في ممارسة حق الدفاع الشرعي. وفي هاتين الحالتين يمكن الرجوع إلي السلطات العامة لأن من إختصاصها منع وقوع العدوان أو التحري في عدوان مضى. ولهذا فإنه لا يجوز الدفاع إلا في الوقت الذي لا يمكن فيه طلب الغوث أو النجدة من السلطات العامة.
ومن هنا يتضح إن المقصود بالسلطات العامة هي السلطات المنوطة بحفظ الأمن والنظام و المخول لها منع وقوع الجرائم والتحري فيها. ولذا فإن السلطات العامة لا تشمل المواطن العادي الذي لا يملك الصلاحية للقيام بما ذكر.
ولهذا فإنني أقرر إن المتهم كان يمارس حقه الشرعي في الدفاع عن النفس عندما طعن المجني عليه ولم يتجاوز القيود المنصوصة تحت المادتين 58 و 59 من قانون عقوبات السودان.
وعليه فإنني أستبدل قرار الإدانة تحت المادة 253 من قانون العقوبات بالبراءة و أمر بإطلاق سراح المتهم في الحال.
محكمة الإستئناف المدنية
معلا حسن معلا ضد قاسم علي بخيت
م أ / أ ن /905/1969
المبادئ:
قانون تقييد الإيجارات- الفرق بين فشل دفع الأجرة المستحقة ودفع العوائد المستحقة المادة 11 (أ) من قانون تقييد الإيجارات- فشل دفع العوائد لا يلزم أن يعامل بنفس الجزم الذي يعامل به فشل دفع الأجرة في موضوع الإخلاء- يجوز للمحكمة أن تأخذ في الإعتبار كل الظروف المحيطة بالمستأجر في حالة فشل دفع العوائد في موضوع الإخلاء.
الفرق بين الفشل في دفع العوائد المستحقة ودفع الأجرة المستحقة هو إنه في حالة فشل دفع العوائد لا يلزم أن يعامل بنفس الحزم الذي تعامل به المحكمة الفشل في دفع الأجرة موضوع الإخلاء وعليه يجوز للمحكمة أن تأخذ في الإعتبار كل الظروف المحيطة بالمستأجر في حالة فشل دفع العوائد المستحقة قبل أن يصدر أمراً بالإخلاء تحت المادة 11 (أ) من قانون تقييد الإيجارات.
المحامين
الأستاذ بابكر بدوي الكردي...........عن المستأنف
الأستاذ قاسم ذو النون...............عن المستأنف ضده
الحكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم:
عثمان الطيب (رئيس القضاء) –أغسطس9/1970- رفع المدعى قضيته في 31/12/1968 بصفته المالك للدكان نمرة 161مربع18 سوق أمدرمان ضد المدعى عليه المستأجر مطالباً بالإخلاء لسببين أولهما الإستعمال الشخصي وثانيهما إن المدعي عليه فشل في دفع عوائد البلدية عن المدة من 1962 إلي تاريخ رفع الدعوى ومقدارها 69.323.
أنكر المدعى عليه حاجة المدعى الماسة للإستعمال الخاص وأنكر إلزامه بدفع عوائد دفعها وأصدرت ضده أمراً بالإخلاء مع دفع متجمدات العوائد ورفضت دعوى الحاجة للإستعمال الشخصي، كما رفضت الدعوى الفرعية. تقدم المدعى عليه بطلب إعادة نظر إلي السيد قاضي المديرية الذي رفضه إيجازياً.
إعادة النظر التي قدمت لهذه المحكمة تشتمل على النقاط الأتية:
(1) لم يكن هناك أي إتفاق من أي نوع بين المدعى والمدعى عليه على إلزام المدعى عليه بدفع العوائد.
(2) و إن كانت، فإن المدعى لم يقم بدفعها لإعتقاده إنه لم يكن ملزم بهذا في حين إنه يسكن في هذا الدكان منذ أربعين سنة وكان يدفع الأجرة بإنتظام ولذلك لا يجوز أن يترتب على الفشل في دفعها الأمر بالإخلاء.
(3) إن المحكمة الإبتدائية رفضت الدعوى الفرعية بدون ذكر أسباب.
ثبت من البينات إن المدعى أصبح المالك للدكان في 1962، وثبت أيضاً إن المدعى عليه كان المستأجر لذلك الدكان من قبل ذلك التاريخ وأستمر مستأجراً بعد تغيير الملكية على نفس الشروط السابقة. وكان من بين الشروط السابقة إلزام المدعى عليه بدفع العوائد- قال المدعى عليه في شهادته إنه كان يدفع العوائد في الماضي، وإنه توقف من دفعها بعد أن أتفق مع المدعى عليه على زيادة الأجرة الشهرية التي كانت 3.500جنيهاً وأصبحت 5000جنيهاً. ولم يذكر أو يدعي إنه عند الإتفاق على زيادة الأجرة قد حصل إتفاق أو نقاش بخصوص العوائد، ولكنه أعتقد إن ذلك الإتفاق بزيادة الأجرة قد شمل عدم إلزامه بالعوائد. ولذلك توقف عن دفعها. وفي نفس الوقت لم يكن المدعى يدفع العوائد، ولم يكن يطالب بها من محصلي المجلس البلدي، الذين كانوا يذهبون للمطالبة بالدفع من المدعى عليه. وقد شهد شاهدهم في مرة من المرات بعد أن صار المدعى هو المالك بأن المدعى عليه دفع له العوائد. ما ذكر من أن المدعى دفع متأخرات عند إتمام البيع والتسجيل، كان متوجهاً عليه بحكم الضرورة، ولم يكن إعترافاً منه بأن دفع العوائد على المدعى عليه وهو ملزم به، بموجب الإتفاق الذي كان مبرماً مع المالك السابق والإتفاق الذي حصل بينه وبين المدعى على الإستمرار في إستئجار الدكان على نفس الشروط السابقة إلا فيما عدا الأجرة التي زيدت.
إن فشل المدعى عليه في دفع العوائد في هذه الظروف يعتبر إخلالاً بشرط من شروط العقد الملزمة، مما يقع في معنى المادة 11 (أ) من قانون تقييد الإيجارات. ويعطي المالك الحق في طلب الإخلاء. ولكني أرى إنه يوجد فرق بين الفشل في دفع الأجرة ، وفي العوائد. لقد أستقرت السوابق القضائية على إن الفشل في دفع الأجرة المستحقه قانوناً ملزم لللاخلاء والاجره المستحقه قانوناً هى التي ليس فيها شك اى الاجره الاساسيه التي ليس للمستأجر فيها نزاع جاد أمين. لقد رفضنا أن نأخذ بالمبدأ الذي يقول على المحكمه ان ننظر الى كل الظروف المحيطه بالمستاجر قبل اصدار الحكم بالاخلاء فى حاله الفشل في دفع الأجرة عندما تكون واضحة ولا شك فيها. والظروف المحيطة هي كونه مستأجر قديم، ومنتظم في القيام بإلتزاماته.
إن الفرق الذي أردت تبيانه بين الفشل في دفع العوائد ودفع الأجرة، إن الأولى لا يلزم إن تعامل بنفس الحزم الذي تعامل به الثانية في موضوع الأمر بالإخلاء. إن أي شرط ملزم من شروط العقد لا يمكن أن يرقى إلي شرط دفع الأجرة إذ أن الأخير هو أساس عقد الإجارة، والإخلال بل يصل إلي درجة إلغاء العقد. ولذلك أرى إنه لا يلزم بسبب الفشل في دفع العوائد أن يترتب عليه الإخلاء، وهنا يجوز للمحكمة أن تأخذ في الإعتبار كل الظروف المحيطة بالمستأجر. وكما ذكر هو إنه مستأجر قديم للمدة الزمنية وإن حياته ومعايشه قد إرتبطت بهذا الدكان. ومن الناحية الأخرى يمكن أن يؤخذ في الإعتبار إعتقاده الذي ربما بحسن نية، إنه بعد زيادة الأجرة قد أصبح غير ملزم بدفع العوائد.
بهذه الأسباب فإني أرى إن الأمر بالإخلاء يجب أن يلغى، مع بقاء الأمر بدفع العوائد.
والنقطة الأخيرة هي إن الدعوى الفرعية لم تناقش وهذا صحيح. لقد جاءت أسباب الحكم خالية عنها بتاتاً، ولم يأت ذكر له إلا النهائي بأنه مرفوض. وهذا بينما جاء عنه الكثير في البينات تبعاً لشموله في نقط النزاع وإزاء هذا أعتقد ليس في إستطاعتنا أن نفصل فيه.
وأرى أن تعاد الإجراءات بشأنه للسير فيها والفصل فيه.
الأوامر:
(1) يلغى الأمر بالإخلاء.
(2) يؤيد الأمر بدفع العوائد ورسومها.
(3) يلغى الأمر برفض الدعوى الفرعية، وتعاد الإجراءات للمحكمة الإبتدائية للفصل فيها.
مهدي محمد أحمد (قاضي المحكمة العليا)- أغسطس-11/1970- أوافق. لقد أستقر قضاء المحاكم على عدم الحكم بالإخلاء إذا كان هناك نزاع جاد حول الأجرة الأساسية وعلى وجه الخصوص إذا كان ينحصر في عدم الإلتزام لدفع العوائد. على السيد الكوباني ضد ورثة أحمد المهدي- المجلة القانونية لعام 1960 ص255.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد حسن ملاح محمد الفقير
م أ / م ك / 243/1970
المبادئ:
قانون العقوبات – الإستفزاز الشديد المفاجئ- المادة 249 (1) من قانون العقوبات يجب إتحاد العنصرين (1) شدة الفعل الإستفزازي و (2) عنصر المفاجأة- السلوك السي من جانب الزوجة نوع من فساد الحياة الزوجية يؤدي إلي الإنفصال أو الطلاق ولا يعتبر سلوكاً إستفزازياً إذا أنعدم إتحاد عنصر الشدة والمفاجأة.
الإستفزاز الشديد هو الحالة النفسية أو العصبية التي يصاب بها المتهم متأثراً بأي فعل أو سلوك يصدر من المجني عليه بحيث يكون المتهم فاقد الشعور والإحساس بطريقة فجائية ومؤقتة وفي نفس الوقت يجب أن يكون الفعل الإستفزازي شديداً وعنيفاً في وقته وعليه سلوك الزوجة المشين أو المريب يعتبر فعلاً أو سلوكاً إستفزازياً شديداً وعنيفاً في وقته 249 (1) من قانون العقوبات إذا أنعدم إتحاد عنصري الشدة والمفاجأة وفي هذه الحالة يعتبر نوعاً من فساد الحياة الزوجية يؤدي إلي الإنفصال أو الطلاق.
المحامي:
الحاج الطاهر أحمد............عن المتهم
الحكم:
عثمان الطيب(رئيس القضاء)- أغسطس 19/1970.
أنعقدت المحكمة الكبرى في الأبيض برئاسة القاضي الجزئي زكريا أحمد ؟؟؟؟بين يومي 12/4/ و 9/5/1970 لمحاكمة المتهم المذكور أعلاه متهماً بأنه في يوم 2/8/1969 بالأبيض طعن زوجته نجمة بشير محمد الفقير بسكين في صدرها و سبب وفاتها وبذلك يكون مرتكباً جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات. أدانته المحكمة تحت هذه المادة وحكمت عليه بالإعدام.
طعن المتهم المتوفاة طعنة واحدة في الجانب الأيسر من صدرها، وتوفيت في نفس الوقت. ونقلت جثتها إلي مستشفى الأبيض وظهر من الكشف الطبي عن سبب الوفاة إن السكين وصلت إلي غشاء البلورة وفتحته، وأدى ذلك إلي دخول الهواء في الصدر وإنكماش الرئيتين، و تعطلت عملية التنفس، ونتجت الوفاة، أول ما أستجوب المتهم في يومية التحري بعد القبض عليه أعترف بأنه طعنها قاصداً ذلك وعندما أخذت أقواله أمام قاضي قال إنه كان يريد أن يضربها في وجهها ولكن أصابتها السكين في مكان آخر من جسمها لا يعرفه. وفي أقواله أمام قاضي التحقيق القضائي قال إنه أخذ السكين وطعنها ولكن لا يعرف في أي جزء من جسمها. وفي أقواله أمام المحكمة الكبرى قال إنه كان يريد أن يضربها بالسكين في وجهها وهي راقدة و أصابتها السكين في جنبها.
من خلاصة هذه الأقوال يتضح-كما وجدت المحكمة الكبرى- إن المتهم قد قصد طعن المتوفاة، وطعنها طعنة قوية بسكين حادة يستنتج منها أنه قد قصد قتلها.
ركز السيد محامي المتهم دفاعه على الفقرة الأولى من المادة 249 من قانون العقوبات. أي إن المتهم عند طعن المتوفاة كان واقعاً تحت إستفزاز شديد ومفاجئ أفقده السيطرة على نفسه، وبذلك تلزم أن تكون إدانته بالقتل الجنائي تحت المادة 253 من قانون العقوبات.
ولكيما تقرر صحة هذا الدفاع أو عدمه يتوجب تتبع الوقائع عن العلاقة بين المتهم والمتوفاة وسلوكهما حتى لحظة الحادث.
ينتمي المتهم والمتوفاة إلي قبيلة المسيرية ولك واحد منهما إبن عم الآخر. و والد المتهم هو ملاح محمد الفقير رئيس محكمة أبوكوع الأهلية ومن أعيان المسيرية. ويظره إن أبناء العائلة وبناتها نالوا حظاً من التعليم. يعمل المتهم محاسباً في مجلس ريفي المسيرية. تزوج المتهم بإبنة عمه المتوفاة من قبل حوالي عشر سنوات، وظلوا يعيشون بين المجلد والفولة ولقاوة ويقومون بزيارات للأبيض. تزوج المتهم بزوجة ثانية، وتزوج بثالثة في حوالي 1968. وبطبيعة الحال ضاقت المتوفاة ذرعاً بهذه الزيجات المتعددة ولم ترض عن زوجها وصارت تشعر بتعاسة معه. ونشأت بينهما الخلافات التي أدت في مرة من المرات إلي الطلاق الذي أعادها بعده إلي عصمته. ويبدو أنها أصبحت تفكر جدياً في الإبتعاد عنه.
يظهر إنها في إحدى سفراتها إلي الأبيض أو في غيرها تعرفت على شاب يدعى يوسف عباس (شاهد الإتهام الخامس)، و أنسجمت معه في علاقة حب. وأصبحا يتبادلان خطابات الحب. ولإستكمال القصة أرى أن نرجع إلي بعض تلك الخطابات.
أول رسالة عثرت ليوسف إلي المتوفاة نجمة مرسلة من الأبيض ومؤرخة 29/6/1968، ويسمى نفسه فيها (أختك المشتاقة سلمى) وبعد التحية والأشواق يقول لها فيها تسلمت منذ يومين رسالتك التي أنتظرتها، والحق يقال لقد أعادت الطمأنينة إلي قلبي كما أعاد قميص يوسف البصر إلي عيني والده. ويذكر لها إن الأيام القصيرة التي قضياها معاً كان لها أطيب الأثر في نفسيهما وينهي الخطاب بأبيات الشعر الأتية:
لك في خيالي روضة فينانة غنى على أغصانها شاديها
يحمي مغارسها ويرعى نبتها راع يجنبها البلي وبقيها
فإذا النوى طالت على وشفني جرحى وعاد لمهجتي يدميها
نسق الخيال زهورها و ورودها فقطفتها وشممت عطرك فيها
ورسالة أخرى من الأبيض مؤرخة 19/11/1968 مذيلة بعبارة (المخلص إلي الأبد أنا) يقول في هذه الرسالة: أريد أن أكتب شيئاً منمغاً كعبارات القصص ولكني لا أجد أبلغ من الكلمة السهلة (أحبك) عندما تنبع من أعماق القلب ويردد كلمة أحبك. ويمضي فيتغزل في سحر عينيها الغامض وإبتسامتها ورقتها الحالمة. ويذكر أيام اللقاء التي مرت سريعاً ويتشوق إلي لقائها وإنه في إنتظار الموعد الذي حددته والذي يراه بعيداً ويستعجلها الحضور. ويذكر لها إنه عرف بقصة طلاقها، ويعلق عليه بأن المولى أنقذها من حسن، وإنه سعيد لهذه النهاية. وبعد حديث عن بعض الأخوات وذهابه للخرطوم وعودته يقول لها (ما زلت عند وعدي وطبعاً الظروف تغيرت) ونضيف إلي ذلك إنه كان ينوي أن يحضر لها في المجلد، ولكن عليها أن تحضر بأسرع فرصة لأن الشوق فاض. ويمضي في حديث حب وهيام عنيف ويضيف إليه أبياتاً من الشعر اللطيف ويختم الرسالة هكذا.
إلي حين حضورك
سأظل بعدك للسجون وللعصابات الآخر
أقتات بالذكرى الحبيبة إذ تعاودني الذكر
إن أتجهت أو إلتفت أرى خيالك في الأثر
والرسالة الثانية من يوسف من الأبيض مؤرخة 18/12/1968 إلي منية النفس نجمة- كما بداها. بعد الشوق واللهفة الشديد إلي اللقيا، خبرها إنه في ذلك اليوم استلم رسالتها الغالية، وأعتذر عن عدم الرد على رسالتها السابقة. ودخل معها في حوار بهذه العبارة (لاحظت تساؤلاً في خطابك عما أقصد بكلمة الظروف عندما علقت على قولك (أما زلت عند وعدك. بالطبع أوعدتك بأنني سأظل أحبك ما دمت حيا، وإن ما من حب إلا وله نهاية سعيدة هذا هو مفهوم الحب. وعندما حصل ما زلت أريد حيا، وإن ما صدراً حنوناً ويقول لها إن الظروف هي ظروف رجوعها إلي زوجها ما زالت قائمة. ويمضي فيجد لها العذر بأنها كتبت تلك في إندفاعاتها عندما ذكرت أنها لا تريد أن تغمس نفسها مع الزوجة الثالثة و إن حسن خلق لها مشاكل كثيرة. ويذهب في القول هكذا.
(نجمة) أنت شابة يتمناها الجميع ولو القدر كان يجمعنا قبل زواجك من حسن لكنت فتاة أحلامي وزوجتي. هل تذكرين في أول لقاء لنا إنني قلت لك لماذ لم أعرفك قبل اليوم. وبعد معرفتي لك أكثر و أكثر وحبي لك يا ترى ماذا كنت تتوقعين غير ان احمد الله على خلاصك وبانك صرت حره وكلانا متعلق بالآخر ماذا ياترى ان نفعل غير العيش مع بعض .
ثم يتساءل إن كانت تحب حسن أو أنها تحب طفلها بشير ويؤكد لها إنه لا زال عند وعده ويردد ما زال عند وعده وإنه مستعد أن يضحي تضحية كبرى في سبيل حبها.
وظهرت في إجراءات القضية رسالة من نجمة إلي يوسف، وهي ليس (مؤرخة) ولكن يبدو أنها كانت قبل رسالة يوسف المؤرخة 8/12/1968 إذ أنها ذكرت فيها إقتران حسن بزوجة ثالثة. والطلاق الذي تدعى وقوعه وحسن ينكره وإصرارها عليه ومحاولتها الإبتعاد عنه ودخول الوساطات لحملها على تغيير رأيها. وهي تبدأ هذه الرسالة بأبيات من الشعر أولها:
أستخبر الشمس كلما طلعت و أسال البرق عنكم كلما لمعا
و آخر تلك الأبيات:
لا تحسبو إنني بالغير مشتغل إن الفؤاد بحب الغير ما وسعا
وتزف إليه الأشواق مع النسمات الرقيقة عبر المسافات البعيدة، وتعبر له عما في قلبها من شوق لرؤياه. وتعتذر عن التأخير في الكتابة إليه لما هي فيه من مشاكل، وتعتذر أيضاً لعدم تمكنها من كتابة كل شئ عن قصتها مع الثعلب الماكر الذي أضاف إلي العدد ثالثة- تعني الزوجة الثالثة. و تختم الرسالة بأبيات من الشعر.
وتكتب له رسالة أخرى مؤرخة 15/1/1969، تقول فيها (حبيبي لقد أتاني خطابك الذي أحاطني بعبارته العميقة العالية، وأعاد إلي طمأنينتي التي فقدتها منذ زمن، حبيبي إني لا اشك في حبك وغايتك أبداً.. والله ومدى قداسته أبداً... إنما الذي أرجوه هو الغاية وكل حب يدوم.. إلا وله نهاية سعيدة.. وتمضي فتتحدث عن الطلاق وتدخل الناس والرياء الإجتماعي وسوء العادات والتقاليد، التي وقفت سداً منيعاً دون بلوغتها غايتها، وتشكو حزنها وألمها وإنكسار قلبها في منزل حسن حيث لا يوجد عزاء ولا توجد رحمة وتحدثت عن منعها من الذهاب للأبيض ولكنها ستسعى لتجد الطريق إليها لكي تقابله.
ورسالة أخرى مؤرخة 15/3/1969 ترسلها نجمة لعزيزها تبدأ بالقبلات الحارة وتردد كلمة حبيبي وتقول ما أبلغ هذه الكلمة التي تنبع من سويداء قلب مفعم بالشوق الأكيد... وتمضي قائلة، طبعاً أعلم علم اليقين بما تكنه لي من إخلاص وحب فياض وتضحية، وقد تسئ فهمي بأنني قد خنت حبك ولكن والله هذا لم ولن يحصل. وتطمئنه بأنها لم تكن لها حيلة في الرجوع لحسن بسبب الوساطات، وإن التأخير سيكون على حسابها، وأنها رأت الإستسلام لكي تجد فرصة أخرى، وترى إن هذا من اللباقة، إلي أن تنال إستقلالها كاملاً في القريب إنشاء الله. وحتى يتمكنان من بناء عشهما الحبيب وتؤكد له إن الذي أرجعها لحسن ليس حباً، و تتألم من الظلام الذي أطفأ نور عينيها وهصر قلبها وأنها فقدت شخصيتها وصارت له بلا إحساس. وتتساءل إن كان حسن يستطيع أن يستمر مع آلة بلا إحساس أو شعور. وترد بالنفي. ثم تسأل حبيبها (هل رجوعي بجسدي تراه خطأ في حق حبك؟ وروحي معك عقلي معك.. لا أظن ذلك) وتتألم لما هي فيه من عذاب نفسي، وتؤكد له إنها ستأخذ إستقلالها كاملاً شاملاً في القريب.
وأنقضت فترة زمنية حوالي الثلاثة أشهر لا تعرف ما حصل فيها من شأن يوسف. وبعدها شاءت المقادير أن تجمع العشيقين قدر الله أن توفيت عمة لحسن ونجمة في الأبيض، وحضر الأثنان للعزاء، وكان ذلك يوم 24/6/1969. وبعد نهاية أيام العزاء كان على حسن أن يرجع إلي مقر عمله في المجلد، و أما نجمة فأظهرت رغبتها لتبقى في الأبيض للعلاج. وتركها حسن هناك ورجع إلي المجلد بعد أن بقى في طريقه بضعة أيام في رجل الفولة.
وهنا بدأ الإتصال بين الحبيبين. وخوفاً من أعين الناس وشفقة على حبهما كان يتقابلا سراً، ويتفقان على مواعيد اللقاء بالرسائل. وقد وجدت بعض رسائل نجمة إلي يوسف التي تحدد له فيه ميعاد ومكان اللقاء.
كانت نجمة تسكن مع أحد أقربائها حيث تركها حسن، وكان في جوارهم قريبات ليوسف يتردد عليهن، ويبدو إن هناك قابلها لأول مرة، و كانت نجمة مصممة على ألا تعود لحسن وأن تبقى في الأبيض إلي الأبد حيث وجدت حبيبها وسكنت إليه وسكن إليها حتى يستطيعا أن يبنيا عشهما الهادئ وتنفيذاً لهذا التفكير أشتغلت نجمة موظفة للآلة الكاتبة في وكالة عروس الرمال للسفر والسياحة، وكان ذلك إبتداء من يوم 7/7/1969.
في إحدى رسائلها لحبيبها وهي معه في الأبيض كتبت له قائلة (أتمنى لنا دائماً السعادة والرفاهية في ظل القوي المتين الذي لا نهاية له كما أتمنى للعوازل آلاماً مرة على مدى السنين. وصلت البارحة في آمان الله وروحي بل ومعنوياتي في الثريا ونمت نوم قرير العين (مضت تحكي له أنها سمعت بعض الصغار في الحي يتحدثون عن حبهما وتكرار زيارته لمنزل عبدالمجيد لكي يراها. وقالت أنها قابلت هذا الحديث بجمود وبدون إكتراث، لأن مسألة حبهما لا ريب فيها، وعليهما أن يقابلا الموضوع بشجاعة، إذا عرفه وتناقله الناس.
كان حسن قد أرسل خطاباً إلي قريبهما الذي كانت تقيم معه لكي يستعجلها الرجوع وأيضاً أرسل لها برقية، وأخيراً أرسل خطاباً الذي ردت عليه بخطابها الذي عليه ختم بريد الأبيض المؤرخ 27/7/1969 وأيضاً عليه ختم بريد الملجد المؤرخ 31/7/1969.
وقالت له في هذا الخطاب إن الخطابات التي تجدها وبحوزته كانت قد أرسلت في لقاوة وكانت لها حياتها الخاصة التي تحياها بإعتبارها طالق. فقالت له إن شكوكه فيها لا محل لها. قالت فيه أنها أشتغلت بالمؤسسة، وإن العمل حق و واجب وشرف وكرامة، وإن إبنهما بشير فهو أمانة في عنقه، وثم أسترسلت في قصيدة من الشعر الحديث أنقل منها ما يلي:
متى يا سيدي تفهم بأني لست واحدة من صديقاتك
ولا فتحاً نسائياً يضاف إلي فتوحاتك
أياً جملاً من الصحراء لم يلجم
بأني لن أكون هنا رماداً في سيجارتك
ولا رأساً بين آلاف الرؤوس في مخداتك
ونهاد فوق مرمرة تسجل شكل بصماتك
وأياً سيد إنفعالاتـــــــــــك
ومن صارت الزوجات بعضاً من هواياتك تكدسهن
بالعشرات في جدران صالاتك
متى تفهم؟
كهوف الليل في (المجلد) قد قتلت مرؤاتك
و أنت صريع شهواتك
تنام كأن المأساة ليست مآساتك
متى تفهم؟
متى يستقيظ الإنسان في ذاتك
وكان وصول هذا الخطاب في يوم الخميس وما أن قرأه حسن إلا وأستعد لسفر إلي الأبيض التي وصلها في حوالي العاشرة صباحاً يوم السبت وذهب للمنزل و وجد نجمة وطلب منها أن تذهب معه في الحال إلي المكتب الذي أشتغلت فيه لكي تستقيل. وأقترحت عليه كتابة خطاب إستقالة، ورفض حسن هذا الإقتراح واصر على الذهاب. وذهبا إلي ذلك المكتب وكانت تصحبهما قريبتهما جدة محمد الفقير. ودخلوا مكتب وكالة عروس الرمال للسياحة والسفر، و وجدوا صاحبها. و وجه له حسن السؤال عن كيف شغلوا نجمة عندهم إمرأة بدون موافقة زوجها. ويبدو إن الردود لم تكن مقنعة له وفيها بعض السخرية به، فأنفعل وهدد من كان هناك و وصل إلي الدرجة أن بعثر أثاث المكتب. وهنا خرج صاحب الوكالة لكي يبلغ البوليس. ولكن حسن ونجمة وجدة خرجوا قبل حضور البوليس ذهبوا إلي المنزل. و روت جدة محمد الفقير ما حصل بعد ذلك ويتلخص في الأتي:
ذهبوا إلي منزل حاج يوسف، وجلسوا. وقال حسن إنه كان غضبانا لأنه كان يفتكر في الأمر شيئاً آخر، ولكن ما دام نجمة تركت العمل وستذهب معه فإن الغضب زال عنه. وقال إنه لم يشرب شاي منذ أيام وطلب عمل شاي. وخرجت نجمة لتذهب إلي منزل جدة لأن ملابسها وأمتعتها كانت هناك. ولحق بها حسن ودخلا معاً في الحجرة وجلسا معاً، وجلست جدة في الفرندة. و لم يكن هناك حديث بين حسن ونجمة. وحضرت إحدى البنات تدعو حس للغداء، فرد بأنه لا يريد غداء وأنه مصدوع. وبعدها قالوا فلتحضر نجمة للغداء وقال حسن لا بأس. ولم تتحرك نجمة وقام حسن فجأة وطعنها وهي أستلقت في السرير، وخرج حسن وهو يحمل السكين وجلس تحت شجرة. وفي نفس اللحظة دخلت جدة و وجدت نجمة مغمورة بدمائها ولا حركة فيها. وأستغاثت جدة حتى حضر إبنها جبارة. وحاولت جدة أخذ السكين من حسن، وقبل أن يتركها لها طعن بها نفسه و وقع على الأرض. وقد نقلت نجمة جثة هامدة كما نقل حسن جريحاً إلي المستشفى.
رواية حسن تقول إنهم بعد أن رجعوا من الوكالة للمنزل، قال إنه كان غضباناً لأنه كان يعتقد إن الشخص الذي أرسل لها الخطابات الغرامية، وهو الشخص الذي شغلها لكي تبقى معه في الأبيض، وكان مستاء من سلوكها لأنها أشتغلت بدون إذن. وقال إنه عاتهبها لأنه تركها في الأبيض للعلاج وليس للعمل وكتابة الخطابات الغرامية وأقترح عليها أن يحضر مصحف لتحلف عليه بأنها ستقطع علاقاتها مع يوسف، وأن ينتهي أمر الخطابات بدون أن يعرف عنها أحد شيئاً. وقبل ان ترد نجمه سمع حركه فى الباب الخارجي وذهب ولم يجد شيئاً وفي اثناء رجوعه رأى نجمة ترمي ببعض أوراق في حفرة الأدبخانة، ومن هناك ذهبت إلي منزل جدة. وقال إنه في أثناء ذلك وجد خطاباً غرامياً في حقيبة يدها وقام ولحق بها هناك، وجلس معها في الحجرة، قال إنه سألها عن ذلك الخطاب وردت عليه بأن تلك الخطابات التي وجدها حررت عندما كانت طالقة. وقال إنه رد عليها بأنه طلقها الساعة العاشرة مساء ورداها إلي عصمته في الساعة الثامنة صباحاً فكيف تكون مطلقة وكيف تتبادل تلك الخطابات. وقال إنها ردت عليه بما معناه أن ينظر إلي وجهها جيداً إن كان يرى إن مثل هذا الوجه يستحق أن يكون آهلاً لوجه مثل وجهه لولا أنها كانت غبية عندما تزوجته وهو رد عليها بما معناه إن وجهها ذلك الذي تفخر به فإنه سيشوهه لها حتى لا يرغب فيه أحد من بعد. وقال إنه أستل السكين الذي كان يلبسها وأراد أن يضربها في وجهها ومالت قليلاً فأصابتها السكين حيث أصابتها، هذا ملخص أقواله أمام المحكمة الكبرى، أما أمام قاضي الإحالة فلم يرد على قوله أنه في أثناء النقاش عن الخطابات الغرامية المتوفاة أساءته وهو أستل سكينه وطعنها ولا يدري في أي جزء من جسمها. وفي أقواله التي أدلى بها للمتحري عقب الحادث مباشرة، قال إنه أحضر مصحفاً وطلب منها أن تحلف أنها تترك يوسف ولا تكون لها علاقة معه، وأنها ردت أنها ستحلف أنها ستتركه، ولكن ليس كلياً وقال إنه هنا أخرج سكينه وطعنها.
لقد سردت كل هذا لأن المحكمة الكبرى لم تكن دقيقة في تقرير الوقائع التي قبلتها عما كان حاصلاً بالفعل، والتي طبقت عليها القانون للوصول إلي النتيجة إنه لم يكن هناك إستفزازاً شديد ومفاجئ أفقد حسن السيطرة على نفسه في وقت الطعن. إن المحكمة لم تعط إهتماماً كلياً لأقوال حسن في الصورتين، الصورة الأولى إنه طلب منها أن تحلف إنها ستترك يوسف وقالت إنها ستحلف أن تتركه ولكن ليس كلياً. والصورة الثانية أنها قالت له إن وجهها لا يستحق أن يكون آهلاً لوجهه يبدو إن المحكمة أعتبرت حسن غير صادق في الصورتين لوجود التناقض في أقواله، وأخذت بأقوال جدة وقبلتها على أنها تمثل الصورة الحقيقية، التي كانت أنه لم يكن هناك أي حديث بين حسن ونجمة. وكان حسن مستلقياً على سرير، وكانت نجمة تجلس على سرير آخر، وكانا صامتين. وفجأة قام حسن وخطأ نحو باب الحجرة، وأقبل على نجمة وطعنها. ناقشت المحكمة الكبرى قصة الخطابات الغرامية، أولاً الخطابات التي وجدها حسن في حقيبة نجمة في المجلد، وهي رسائل يوسف الثلاث التي سلف ذكرها.والرسالة التي قال حسن إنه وجدها في حقيبتها في اللحظات الأخيرة، على إعتبار أنها لا تحدث إستفزازاً شديداً مفاجئاً. قيل عن الرسائل إن حسن وجدها في 31/7/1969، وقد إستفزته ودفعته للقيام من المجلد والحضور إلي الأبيض. والواقع إنه لم يجدها في ذلك اليوم بل وجدها في وقت سابق وأنه كتب بشأنها لنجمة، وقد ردت عليه نجمة بخطابها الأخير الذي عليه ختم البريد 27/7/1969.
قررت المحكمة الكبرى إنه كانت هذه الخطابات الغرامية إستفزته، فإن الإستفزاز لم يكن مفاجئاً في وقت إرتكاب الجريمة، وعن الخطاب الذي وجده في اللحظات الأخيرة لم يكن مفاجئاً أيضاً لأنه أعتاد على مثل هذه الخطابات من قبل.
ركز السيد محامي المتهم دفاعه من ناحية الوقائع التي سببت الإستفزاز الشديد المفاجئ على الأتي:
(1) أثير المتهم بالمعلومات التي وصلته عن إلتحاق زوجته المتوفاة بوظيفة في الأبيض بدون علمه أو موافقته في حين أنه تركها هناك للعلاج.
(2) وفي نفس يوم وصول المعلومات عثر على رسائل الحب التي أرسلها لها يوسف.
(3) وأهتز المتهم للمرة الثالثة عندما حاول أن يضع حداً لعلاقة غير الشريفة بين المتوفاة وبين عشيقها يوسف، بأن يجلعها تحلف في المصحف بقطع علاقتها معه، وهي ترددت أو أمتنعت.
(4) وأهتز للمرة الرابعة عندما وجد في حقيبة يدها خطاباً غرامياً، أغلب الظن إنه من يوسف.
من كل ما تقدم فإني أقرر الوقائع التي أعتقد حصولها على الوجه الأتي:
عثر المتهم على الرسائل الغرامية بين أمتعة المتوفاة في المجلد وبعدها سمع بإلتحاقها بعمل في الأبيض. وعند ذلك حرر لها خطاباً يعاتبها ويتهمها ويتشكك في سلوكها وكان ردها عليه في خطابها الذي وصله يوم 31/7/1969 فقالت له عن الرسائل إنها كانت حياتها الخاصة التي تحياها عندما كانت طالق وتنفي الإتهامات وترد الشكوك. وقالت عن العمل إنه حق و واجب وشرف وكرامة. ومفهوم هذا مع مفهوم الشعر الذي كتبته في الخطاب انها لم تعد له، ولا ستعود له. لأنها ليست فتحاً نسائياً يضاف إلي فتوحاته، ولا رأساً بين آلاف الرؤوس على مخداته، وسألته متى يفهم ويستقيظ الإنسان في ذاته، إثارة هذا الخطاب وأعتقد إن عشيقها هو الذي هيأ لها العمل في الأبيض لكي تبقى معه. فأسرع للمجيء إليها.
وقبل أن أسترسل في سرد الوقائع بعد مقابلته لهأ يجب أن أعيد إلي الذاكرة ان رسائل يوسف التي وجدها حسن في المجلد، لم تكن رسائل غرامية وكفى، ولكنها تعلن بوجود وعداً اوإتفاق على الزواج، وفيها إستنكار لها بالإسراع للحضور له بالأبيض. وكان حسن طبعاً قرأها وأحضرها معه. ورسائل نجمة ليوسف تؤكد وجود إتفاق على الزواج بعد الخلاص من حسن. وبطبيعة الحال لم يكن لحسن مجال للإطلاع على رسائل نجمة. والرسالة التي قيل إن حسن وجدها في اللحظات الأخيرة و وصفت بأنها من ضمن رسائلها الغرامية ليوسف، لم يكن واضحاً هي أي الرسائل التي عرضت في القضية، و لم يكن واضحاً ماذا كان فيها.
ذهب حسن مباشرة. إلي المنزل الذي تسكن فيه نجمة، وكان الوقات حوالي العاشرة صباحاً. و وجدها وقابلته ببرود وهدوء، وذهبا إلي مكان عملها ورجعها. ودخلا في الحجرة، وأنتقلا إلي الأخرى. وما يعتقد كان قصد حسن من كل هذا، لم يكن سوى أن يقطع صلتها بعشيقها وبالأبيض ويأخذها معه إلي المجلد لتكون بجانبه. لم يكن بينهما حديث مسموع وهما معاً في الحجرة، ويبدو إن نجمة كانت باردة صامتة واجمة. وشعر حسن بأنها لا تريد أن تذهب معه وأنها مصممة على البقاء في الأبيض، وفي هذه اللحظة أستسل سكينه التي كانت في ملابسه وطعنها الطعنة القاتلة.
والسؤال المهم هو هل في هذه الظروف وقع الإستفزاز بمعناه القانوني الذي يخفف الجريمة من القتل العمد إلي القتل الجنائي.
إن الإستفزاز هو الحالة النفسية والعصبية التي يصاب بها المتهم متأثراً بأي فعل أو سلوك يصدر من المجني عليه، يحيث يكون المتهم فاقد الشعور والإحساس بطريقة فجائية و مؤقتة، وغير قادر على تملك أعصابه وتحكيم عقله. ولابد لهذا من أن يكون الفعل الإستفزازي شديداً وعنفياً في وقعه وتأثيره على نفس المتهم، وبالدرجة التي تثير غضبه الشديد، الذي يفقد في لحظة شعوره وإحساسه ويفقد أيضاً المقدرة على التحكم في تصرفاته. ولابد أيضاً من أن يكون الفعل الإستفزازي قد وقع عليه بطريقة مفاجئة بدون تقوع وأنه إرتكب جريمة في حالة الإنفعال وحدة العاطفة فقدان الشعور والإحساس يجب أن يتحد عنصران أولها شدة وعنف الفعل أو السلوك الإستفزازي، وثانيهما عنصر المفاجأة وعدم التوقع. ونتيجة لهما حصلت للشخص حالة فقدان السيطرة على نفسه وتصرفاته وفي تلك الحالة وقعت منه الجريمة.
وقد أصبح واضحاً إن المقياس درجة فقدان السيطرة على التصرفات في مقابل الفعل أو السلوك الإستفزازي، هو مستوى الشخص العادي وهو في البيئة التي نشأ فيها، والمجتمع الذي يعيش فيه. لأن نظرته إلي الأشياء تتكيف بسلوك تلك البيئة أو ذلك المجتمع. ومع أهمية القاعدة و أخذها دائماً في الإعتبار فإن الأهم هو إخراج الشخص ذي الإحساس الشاذ غير المتلائم مع أخلاق وتقاليد أهل مجتمعه.
لا يوجد خلاف في أن سلوك الزوجة المشين أو المريب يعتبر فعلاً أو سلوكاً إستفزاياً لزوجها، وهذا في أغلب المجتمعات بما فيها مجتمع المسيرية. والخلاف في درجة شدة الإستفزاز وفجائيته التي نتج عنه ذلك السلوك. إن القاعدة التي هي حصول الإستفزاز الشديد المفاجئ عندما يجد الزوج زوجته في المضجع مع شخص آخر، ليست على إطلاقها. فإذا كان الزوج يعلم إن زوجته لها صلات غير شريفة مع عشيق لها، وكتم ذلك في نفسه وصار يترصد لها. وليلة الحادث خرجت الزوجة، معتقدة إن زوجها لا يعلم شيئاً عن خروجها. وسارت، وسار الزوج خلفها متخفياً، حتى دخلت منزل عشيقها، وأنتظر قليلاً حتى صارت في المضجع مع عشيقها، هنا دخل عليهما وقتلهما. فإن هذه الحالة أعتبرت في الهند ليست حالة إستفزاز شديد ومفاجئ، بل أعتبرت حالة إنتقام وتشفي. إن الزوج هنا يعلم بسلوك زوجته وليس غريباً أن تحمل من إتصالها بعشيقها. وفي مثال ثالث: كان للزوجة عشيق تتردد عليه، وطلب منها زوجها أن تقطع علاقتها به وهي رفضت، وعلى إثر ذلك وقعت بينهما مشاجرة وفي أثنائها أشتد غضبه فقتلها. أعتبر رفضها لقطع علاقتها مع عشيقها ليس فعلاً إستفزازياً شديداً ومفاجئاً.
في بعض القضايا أعتبر إعتراف الزوجة بالخيانة الزوجية، فعلاً إستفزازياً مفاجئاً إذا كان الزوج خالي الذهن عن أي سلوك سيئ كانت الزوجة تمارسه، ولم تكن تثاوره أي شكوك في عفتها وعصمتها. وإن سماعه لإعترافها لأول مرة وبدون مقدمات، ينطوي على عنصر المفاجأة. وأما إذا كان الإعتراف بالخيانة قد سبقه علم الزوج بها أو علمه بسلوك الزوجة الذي يوحي بإعترافها للخيانة أو يوجد في نفسه الشكوك نحو عفتها، فإن عنصر المفاجأة قد ينعدم فيه أو يكون ضعيفاً أو ليس بالدرجة التي تلهب الشعور وتفقد المقدرة على تملك التصرفات.
في القضية الإنجليزية التي قتلت فيها الزوجة لضيقها من سوء معاملته لها، قال اللورد كودارد ما معناه وهو ما نقلته المحكمة الكبرى في حكمها في هذه القضية و أعتمدت عليه.
الإستفزاز هو أي فعل أو سلسلة أفعال أتى بها المتوفى نحو الجاني، من شأنها أن تسبب لأي شخص إعتيادي فقدان السيطرة على نفسه فجأة ومؤقتاً، يخضعه للعاطفة التي تجلعه في لحظتها ليس مالكاً لقواه العقلية. ويكون ذلك قد وقع بالفعل. أما الغيظ أو السخط أو إثارة الإضطراب النفسي الشديد، أو السلوك طويل الأمد الذي يسبب الألام والقلق، لا يكون بمفرده منتجاً للإستفزاز في معناه القانوني. وبالطبع كلما بعدت الحادثة عن الجريمة كلما قل الإعتماد عليها. والسلوك الذي يتسم بسوء المعاملة المتكرر المستمر قد يكون فعلاً مستحقاً لملامة ولزمه ، أكثر من كونه فعلاً فجائياً إستفزازياً يقابل بالقتل.
كانت الحياة الزوجية بين حسن ونجمة في الفترة الأخيرة التي كانت حوالي السنة حياة غير سعيدة، والسبب فيها إن حسن بالإضافة إلي زوجته الثانية تزوج بالثالثة أشتدت المشاكل حتى وصلت إلي الطلاق والرجعة. وصارت نجمة تضيق بحسن وتحاول أن تضيق عليه ولكي تظفر منه بالطلاق الذي لا رجعة فيه وقبل الحادث الأخير بأيام وجد حسن رسائل يوسف لنجمة. وهي رسائل تدل على علاقة عميقة وحب مكشوف. وفهم أن تضيق عليه لكي تظفر منه بالطلاق الذي لا رجعة فيه. وقبيل الحادث الأخير بايام وجد سلوكها الذي أقل ما يقال عنه إنه يجلب الشك و الظنون في عفتها وعصمتها. وكتب لها مبدياً شكوكه، وردت عليه بخطابها الذي كان واضحاً فيه إنها ليست له ولا تريد العودة له. فهذا زاد شكوكه وربما قربها إلي درجة اليقين. وحضر إلي الأبيض لكي يقطع علاقتها مع حبيبها ولا يتم قطع تلك العلاقة إلا برجوعها معه إلي المجلد. وقد قابلته ببرود و وجوم وأظهرت له عدم رغبتها في الرجوع معه. وأنتهت القصة بقتلها.
لا شك في إن سلوك نجمة كان سلوكاً مثيراً للشعور ولكن ماهي درجته من الشدة، وما هي درجته من الفجائية. إن أي شخص عادي في مثل البيئة التي يعيش فيها حسن، كان يتوقع من خطاب نجمة الأخير أنها لن تعود معه إلي المجلد. إن الرفض للعودة معه في حد ذاته، ليس إستفزازاً شديداً، حتى إذا صاحبه إمتناعها عن القسم بقطع علاقتها مع عشيقها. كما ذكر حسن في أقواله التي لم تقبل من ناحية الوقائع. تمثل في سلسلة من الأفعال التي تجلب لزوجها المتهم عدم الرضي والغضب والقلق والإضطراب النفسي. وهو نوع من فساد الحياة الزوجية الذي يؤدي في النهاية إلي الإنفصال و الطلاق وليس أكثر من ذلك. كما يمكن أن يقال إن سلوك نجمة بالرغم مما وجدته من حسن من سؤ المعاملة، كان سلوكاً مستحقاً للملامة والمذمة ولكنه لم يمكن مصدر إستفزاز شديد ومفاجئ بحيث يثور فيه شعور حسن بالدرجة التي تفقده السيطرة على نفسه إلي أن يصل إلي قتلها.
لهذه الأسباب فإني أؤيد إدانة المتهم بالقتل العمد تحت المادة 251 من قانون عقوبات، و أؤيد الحكم عليه بالإعدام.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد حسن ملاح محمد الفقير
م أ / م ك / 243/1970
المبادئ:
قانون العقوبات – الإستفزاز الشديد المفاجئ- المادة 249 (1) من قانون العقوبات يجب إتحاد العنصرين (1) شدة الفعل الإستفزازي و (2) عنصر المفاجأة- السلوك السي من جانب الزوجة نوع من فساد الحياة الزوجية يؤدي إلي الإنفصال أو الطلاق ولا يعتبر سلوكاً إستفزازياً إذا أنعدم إتحاد عنصر الشدة والمفاجأة.
الإستفزاز الشديد هو الحالة النفسية أو العصبية التي يصاب بها المتهم متأثراً بأي فعل أو سلوك يصدر من المجني عليه بحيث يكون المتهم فاقد الشعور والإحساس بطريقة فجائية ومؤقتة وفي نفس الوقت يجب أن يكون الفعل الإستفزازي شديداً وعنيفاً في وقته وعليه سلوك الزوجة المشين أو المريب يعتبر فعلاً أو سلوكاً إستفزازياً شديداً وعنيفاً في وقته 249 (1) من قانون العقوبات إذا أنعدم إتحاد عنصري الشدة والمفاجأة وفي هذه الحالة يعتبر نوعاً من فساد الحياة الزوجية يؤدي إلي الإنفصال أو الطلاق.
المحامي:
الحاج الطاهر أحمد............عن المتهم
الحكم:
عثمان الطيب(رئيس القضاء)- أغسطس 19/1970.
أنعقدت المحكمة الكبرى في الأبيض برئاسة القاضي الجزئي زكريا أحمد ؟؟؟؟بين يومي 12/4/ و 9/5/1970 لمحاكمة المتهم المذكور أعلاه متهماً بأنه في يوم 2/8/1969 بالأبيض طعن زوجته نجمة بشير محمد الفقير بسكين في صدرها و سبب وفاتها وبذلك يكون مرتكباً جريمة القتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات. أدانته المحكمة تحت هذه المادة وحكمت عليه بالإعدام.
طعن المتهم المتوفاة طعنة واحدة في الجانب الأيسر من صدرها، وتوفيت في نفس الوقت. ونقلت جثتها إلي مستشفى الأبيض وظهر من الكشف الطبي عن سبب الوفاة إن السكين وصلت إلي غشاء البلورة وفتحته، وأدى ذلك إلي دخول الهواء في الصدر وإنكماش الرئيتين، و تعطلت عملية التنفس، ونتجت الوفاة، أول ما أستجوب المتهم في يومية التحري بعد القبض عليه أعترف بأنه طعنها قاصداً ذلك وعندما أخذت أقواله أمام قاضي قال إنه كان يريد أن يضربها في وجهها ولكن أصابتها السكين في مكان آخر من جسمها لا يعرفه. وفي أقواله أمام قاضي التحقيق القضائي قال إنه أخذ السكين وطعنها ولكن لا يعرف في أي جزء من جسمها. وفي أقواله أمام المحكمة الكبرى قال إنه كان يريد أن يضربها بالسكين في وجهها وهي راقدة و أصابتها السكين في جنبها.
من خلاصة هذه الأقوال يتضح-كما وجدت المحكمة الكبرى- إن المتهم قد قصد طعن المتوفاة، وطعنها طعنة قوية بسكين حادة يستنتج منها أنه قد قصد قتلها.
ركز السيد محامي المتهم دفاعه على الفقرة الأولى من المادة 249 من قانون العقوبات. أي إن المتهم عند طعن المتوفاة كان واقعاً تحت إستفزاز شديد ومفاجئ أفقده السيطرة على نفسه، وبذلك تلزم أن تكون إدانته بالقتل الجنائي تحت المادة 253 من قانون العقوبات.
ولكيما تقرر صحة هذا الدفاع أو عدمه يتوجب تتبع الوقائع عن العلاقة بين المتهم والمتوفاة وسلوكهما حتى لحظة الحادث.
ينتمي المتهم والمتوفاة إلي قبيلة المسيرية ولك واحد منهما إبن عم الآخر. و والد المتهم هو ملاح محمد الفقير رئيس محكمة أبوكوع الأهلية ومن أعيان المسيرية. ويظره إن أبناء العائلة وبناتها نالوا حظاً من التعليم. يعمل المتهم محاسباً في مجلس ريفي المسيرية. تزوج المتهم بإبنة عمه المتوفاة من قبل حوالي عشر سنوات، وظلوا يعيشون بين المجلد والفولة ولقاوة ويقومون بزيارات للأبيض. تزوج المتهم بزوجة ثانية، وتزوج بثالثة في حوالي 1968. وبطبيعة الحال ضاقت المتوفاة ذرعاً بهذه الزيجات المتعددة ولم ترض عن زوجها وصارت تشعر بتعاسة معه. ونشأت بينهما الخلافات التي أدت في مرة من المرات إلي الطلاق الذي أعادها بعده إلي عصمته. ويبدو أنها أصبحت تفكر جدياً في الإبتعاد عنه.
يظهر إنها في إحدى سفراتها إلي الأبيض أو في غيرها تعرفت على شاب يدعى يوسف عباس (شاهد الإتهام الخامس)، و أنسجمت معه في علاقة حب. وأصبحا يتبادلان خطابات الحب. ولإستكمال القصة أرى أن نرجع إلي بعض تلك الخطابات.
أول رسالة عثرت ليوسف إلي المتوفاة نجمة مرسلة من الأبيض ومؤرخة 29/6/1968، ويسمى نفسه فيها (أختك المشتاقة سلمى) وبعد التحية والأشواق يقول لها فيها تسلمت منذ يومين رسالتك التي أنتظرتها، والحق يقال لقد أعادت الطمأنينة إلي قلبي كما أعاد قميص يوسف البصر إلي عيني والده. ويذكر لها إن الأيام القصيرة التي قضياها معاً كان لها أطيب الأثر في نفسيهما وينهي الخطاب بأبيات الشعر الأتية:
لك في خيالي روضة فينانة غنى على أغصانها شاديها
يحمي مغارسها ويرعى نبتها راع يجنبها البلي وبقيها
فإذا النوى طالت على وشفني جرحى وعاد لمهجتي يدميها
نسق الخيال زهورها و ورودها فقطفتها وشممت عطرك فيها
ورسالة أخرى من الأبيض مؤرخة 19/11/1968 مذيلة بعبارة (المخلص إلي الأبد أنا) يقول في هذه الرسالة: أريد أن أكتب شيئاً منمغاً كعبارات القصص ولكني لا أجد أبلغ من الكلمة السهلة (أحبك) عندما تنبع من أعماق القلب ويردد كلمة أحبك. ويمضي فيتغزل في سحر عينيها الغامض وإبتسامتها ورقتها الحالمة. ويذكر أيام اللقاء التي مرت سريعاً ويتشوق إلي لقائها وإنه في إنتظار الموعد الذي حددته والذي يراه بعيداً ويستعجلها الحضور. ويذكر لها إنه عرف بقصة طلاقها، ويعلق عليه بأن المولى أنقذها من حسن، وإنه سعيد لهذه النهاية. وبعد حديث عن بعض الأخوات وذهابه للخرطوم وعودته يقول لها (ما زلت عند وعدي وطبعاً الظروف تغيرت) ونضيف إلي ذلك إنه كان ينوي أن يحضر لها في المجلد، ولكن عليها أن تحضر بأسرع فرصة لأن الشوق فاض. ويمضي في حديث حب وهيام عنيف ويضيف إليه أبياتاً من الشعر اللطيف ويختم الرسالة هكذا.
إلي حين حضورك
سأظل بعدك للسجون وللعصابات الآخر
أقتات بالذكرى الحبيبة إذ تعاودني الذكر
إن أتجهت أو إلتفت أرى خيالك في الأثر
والرسالة الثانية من يوسف من الأبيض مؤرخة 18/12/1968 إلي منية النفس نجمة- كما بداها. بعد الشوق واللهفة الشديد إلي اللقيا، خبرها إنه في ذلك اليوم استلم رسالتها الغالية، وأعتذر عن عدم الرد على رسالتها السابقة. ودخل معها في حوار بهذه العبارة (لاحظت تساؤلاً في خطابك عما أقصد بكلمة الظروف عندما علقت على قولك (أما زلت عند وعدك. بالطبع أوعدتك بأنني سأظل أحبك ما دمت حيا، وإن ما من حب إلا وله نهاية سعيدة هذا هو مفهوم الحب. وعندما حصل ما زلت أريد حيا، وإن ما صدراً حنوناً ويقول لها إن الظروف هي ظروف رجوعها إلي زوجها ما زالت قائمة. ويمضي فيجد لها العذر بأنها كتبت تلك في إندفاعاتها عندما ذكرت أنها لا تريد أن تغمس نفسها مع الزوجة الثالثة و إن حسن خلق لها مشاكل كثيرة. ويذهب في القول هكذا.
(نجمة) أنت شابة يتمناها الجميع ولو القدر كان يجمعنا قبل زواجك من حسن لكنت فتاة أحلامي وزوجتي. هل تذكرين في أول لقاء لنا إنني قلت لك لماذ لم أعرفك قبل اليوم. وبعد معرفتي لك أكثر و أكثر وحبي لك يا ترى ماذا كنت تتوقعين غير ان احمد الله على خلاصك وبانك صرت حره وكلانا متعلق بالآخر ماذا ياترى ان نفعل غير العيش مع بعض .
ثم يتساءل إن كانت تحب حسن أو أنها تحب طفلها بشير ويؤكد لها إنه لا زال عند وعده ويردد ما زال عند وعده وإنه مستعد أن يضحي تضحية كبرى في سبيل حبها.
وظهرت في إجراءات القضية رسالة من نجمة إلي يوسف، وهي ليس (مؤرخة) ولكن يبدو أنها كانت قبل رسالة يوسف المؤرخة 8/12/1968 إذ أنها ذكرت فيها إقتران حسن بزوجة ثالثة. والطلاق الذي تدعى وقوعه وحسن ينكره وإصرارها عليه ومحاولتها الإبتعاد عنه ودخول الوساطات لحملها على تغيير رأيها. وهي تبدأ هذه الرسالة بأبيات من الشعر أولها:
أستخبر الشمس كلما طلعت و أسال البرق عنكم كلما لمعا
و آخر تلك الأبيات:
لا تحسبو إنني بالغير مشتغل إن الفؤاد بحب الغير ما وسعا
وتزف إليه الأشواق مع النسمات الرقيقة عبر المسافات البعيدة، وتعبر له عما في قلبها من شوق لرؤياه. وتعتذر عن التأخير في الكتابة إليه لما هي فيه من مشاكل، وتعتذر أيضاً لعدم تمكنها من كتابة كل شئ عن قصتها مع الثعلب الماكر الذي أضاف إلي العدد ثالثة- تعني الزوجة الثالثة. و تختم الرسالة بأبيات من الشعر.
وتكتب له رسالة أخرى مؤرخة 15/1/1969، تقول فيها (حبيبي لقد أتاني خطابك الذي أحاطني بعبارته العميقة العالية، وأعاد إلي طمأنينتي التي فقدتها منذ زمن، حبيبي إني لا اشك في حبك وغايتك أبداً.. والله ومدى قداسته أبداً... إنما الذي أرجوه هو الغاية وكل حب يدوم.. إلا وله نهاية سعيدة.. وتمضي فتتحدث عن الطلاق وتدخل الناس والرياء الإجتماعي وسوء العادات والتقاليد، التي وقفت سداً منيعاً دون بلوغتها غايتها، وتشكو حزنها وألمها وإنكسار قلبها في منزل حسن حيث لا يوجد عزاء ولا توجد رحمة وتحدثت عن منعها من الذهاب للأبيض ولكنها ستسعى لتجد الطريق إليها لكي تقابله.
ورسالة أخرى مؤرخة 15/3/1969 ترسلها نجمة لعزيزها تبدأ بالقبلات الحارة وتردد كلمة حبيبي وتقول ما أبلغ هذه الكلمة التي تنبع من سويداء قلب مفعم بالشوق الأكيد... وتمضي قائلة، طبعاً أعلم علم اليقين بما تكنه لي من إخلاص وحب فياض وتضحية، وقد تسئ فهمي بأنني قد خنت حبك ولكن والله هذا لم ولن يحصل. وتطمئنه بأنها لم تكن لها حيلة في الرجوع لحسن بسبب الوساطات، وإن التأخير سيكون على حسابها، وأنها رأت الإستسلام لكي تجد فرصة أخرى، وترى إن هذا من اللباقة، إلي أن تنال إستقلالها كاملاً في القريب إنشاء الله. وحتى يتمكنان من بناء عشهما الحبيب وتؤكد له إن الذي أرجعها لحسن ليس حباً، و تتألم من الظلام الذي أطفأ نور عينيها وهصر قلبها وأنها فقدت شخصيتها وصارت له بلا إحساس. وتتساءل إن كان حسن يستطيع أن يستمر مع آلة بلا إحساس أو شعور. وترد بالنفي. ثم تسأل حبيبها (هل رجوعي بجسدي تراه خطأ في حق حبك؟ وروحي معك عقلي معك.. لا أظن ذلك) وتتألم لما هي فيه من عذاب نفسي، وتؤكد له إنها ستأخذ إستقلالها كاملاً شاملاً في القريب.
وأنقضت فترة زمنية حوالي الثلاثة أشهر لا تعرف ما حصل فيها من شأن يوسف. وبعدها شاءت المقادير أن تجمع العشيقين قدر الله أن توفيت عمة لحسن ونجمة في الأبيض، وحضر الأثنان للعزاء، وكان ذلك يوم 24/6/1969. وبعد نهاية أيام العزاء كان على حسن أن يرجع إلي مقر عمله في المجلد، و أما نجمة فأظهرت رغبتها لتبقى في الأبيض للعلاج. وتركها حسن هناك ورجع إلي المجلد بعد أن بقى في طريقه بضعة أيام في رجل الفولة.
وهنا بدأ الإتصال بين الحبيبين. وخوفاً من أعين الناس وشفقة على حبهما كان يتقابلا سراً، ويتفقان على مواعيد اللقاء بالرسائل. وقد وجدت بعض رسائل نجمة إلي يوسف التي تحدد له فيه ميعاد ومكان اللقاء.
كانت نجمة تسكن مع أحد أقربائها حيث تركها حسن، وكان في جوارهم قريبات ليوسف يتردد عليهن، ويبدو إن هناك قابلها لأول مرة، و كانت نجمة مصممة على ألا تعود لحسن وأن تبقى في الأبيض إلي الأبد حيث وجدت حبيبها وسكنت إليه وسكن إليها حتى يستطيعا أن يبنيا عشهما الهادئ وتنفيذاً لهذا التفكير أشتغلت نجمة موظفة للآلة الكاتبة في وكالة عروس الرمال للسفر والسياحة، وكان ذلك إبتداء من يوم 7/7/1969.
في إحدى رسائلها لحبيبها وهي معه في الأبيض كتبت له قائلة (أتمنى لنا دائماً السعادة والرفاهية في ظل القوي المتين الذي لا نهاية له كما أتمنى للعوازل آلاماً مرة على مدى السنين. وصلت البارحة في آمان الله وروحي بل ومعنوياتي في الثريا ونمت نوم قرير العين (مضت تحكي له أنها سمعت بعض الصغار في الحي يتحدثون عن حبهما وتكرار زيارته لمنزل عبدالمجيد لكي يراها. وقالت أنها قابلت هذا الحديث بجمود وبدون إكتراث، لأن مسألة حبهما لا ريب فيها، وعليهما أن يقابلا الموضوع بشجاعة، إذا عرفه وتناقله الناس.
كان حسن قد أرسل خطاباً إلي قريبهما الذي كانت تقيم معه لكي يستعجلها الرجوع وأيضاً أرسل لها برقية، وأخيراً أرسل خطاباً الذي ردت عليه بخطابها الذي عليه ختم بريد الأبيض المؤرخ 27/7/1969 وأيضاً عليه ختم بريد الملجد المؤرخ 31/7/1969.
وقالت له في هذا الخطاب إن الخطابات التي تجدها وبحوزته كانت قد أرسلت في لقاوة وكانت لها حياتها الخاصة التي تحياها بإعتبارها طالق. فقالت له إن شكوكه فيها لا محل لها. قالت فيه أنها أشتغلت بالمؤسسة، وإن العمل حق و واجب وشرف وكرامة، وإن إبنهما بشير فهو أمانة في عنقه، وثم أسترسلت في قصيدة من الشعر الحديث أنقل منها ما يلي:
متى يا سيدي تفهم بأني لست واحدة من صديقاتك
ولا فتحاً نسائياً يضاف إلي فتوحاتك
أياً جملاً من الصحراء لم يلجم
بأني لن أكون هنا رماداً في سيجارتك
ولا رأساً بين آلاف الرؤوس في مخداتك
ونهاد فوق مرمرة تسجل شكل بصماتك
وأياً سيد إنفعالاتـــــــــــك
ومن صارت الزوجات بعضاً من هواياتك تكدسهن
بالعشرات في جدران صالاتك
متى تفهم؟
كهوف الليل في (المجلد) قد قتلت مرؤاتك
و أنت صريع شهواتك
تنام كأن المأساة ليست مآساتك
متى تفهم؟
متى يستقيظ الإنسان في ذاتك
وكان وصول هذا الخطاب في يوم الخميس وما أن قرأه حسن إلا وأستعد لسفر إلي الأبيض التي وصلها في حوالي العاشرة صباحاً يوم السبت وذهب للمنزل و وجد نجمة وطلب منها أن تذهب معه في الحال إلي المكتب الذي أشتغلت فيه لكي تستقيل. وأقترحت عليه كتابة خطاب إستقالة، ورفض حسن هذا الإقتراح واصر على الذهاب. وذهبا إلي ذلك المكتب وكانت تصحبهما قريبتهما جدة محمد الفقير. ودخلوا مكتب وكالة عروس الرمال للسياحة والسفر، و وجدوا صاحبها. و وجه له حسن السؤال عن كيف شغلوا نجمة عندهم إمرأة بدون موافقة زوجها. ويبدو إن الردود لم تكن مقنعة له وفيها بعض السخرية به، فأنفعل وهدد من كان هناك و وصل إلي الدرجة أن بعثر أثاث المكتب. وهنا خرج صاحب الوكالة لكي يبلغ البوليس. ولكن حسن ونجمة وجدة خرجوا قبل حضور البوليس ذهبوا إلي المنزل. و روت جدة محمد الفقير ما حصل بعد ذلك ويتلخص في الأتي:
ذهبوا إلي منزل حاج يوسف، وجلسوا. وقال حسن إنه كان غضبانا لأنه كان يفتكر في الأمر شيئاً آخر، ولكن ما دام نجمة تركت العمل وستذهب معه فإن الغضب زال عنه. وقال إنه لم يشرب شاي منذ أيام وطلب عمل شاي. وخرجت نجمة لتذهب إلي منزل جدة لأن ملابسها وأمتعتها كانت هناك. ولحق بها حسن ودخلا معاً في الحجرة وجلسا معاً، وجلست جدة في الفرندة. و لم يكن هناك حديث بين حسن ونجمة. وحضرت إحدى البنات تدعو حس للغداء، فرد بأنه لا يريد غداء وأنه مصدوع. وبعدها قالوا فلتحضر نجمة للغداء وقال حسن لا بأس. ولم تتحرك نجمة وقام حسن فجأة وطعنها وهي أستلقت في السرير، وخرج حسن وهو يحمل السكين وجلس تحت شجرة. وفي نفس اللحظة دخلت جدة و وجدت نجمة مغمورة بدمائها ولا حركة فيها. وأستغاثت جدة حتى حضر إبنها جبارة. وحاولت جدة أخذ السكين من حسن، وقبل أن يتركها لها طعن بها نفسه و وقع على الأرض. وقد نقلت نجمة جثة هامدة كما نقل حسن جريحاً إلي المستشفى.
رواية حسن تقول إنهم بعد أن رجعوا من الوكالة للمنزل، قال إنه كان غضباناً لأنه كان يعتقد إن الشخص الذي أرسل لها الخطابات الغرامية، وهو الشخص الذي شغلها لكي تبقى معه في الأبيض، وكان مستاء من سلوكها لأنها أشتغلت بدون إذن. وقال إنه عاتهبها لأنه تركها في الأبيض للعلاج وليس للعمل وكتابة الخطابات الغرامية وأقترح عليها أن يحضر مصحف لتحلف عليه بأنها ستقطع علاقاتها مع يوسف، وأن ينتهي أمر الخطابات بدون أن يعرف عنها أحد شيئاً. وقبل ان ترد نجمه سمع حركه فى الباب الخارجي وذهب ولم يجد شيئاً وفي اثناء رجوعه رأى نجمة ترمي ببعض أوراق في حفرة الأدبخانة، ومن هناك ذهبت إلي منزل جدة. وقال إنه في أثناء ذلك وجد خطاباً غرامياً في حقيبة يدها وقام ولحق بها هناك، وجلس معها في الحجرة، قال إنه سألها عن ذلك الخطاب وردت عليه بأن تلك الخطابات التي وجدها حررت عندما كانت طالقة. وقال إنه رد عليها بأنه طلقها الساعة العاشرة مساء ورداها إلي عصمته في الساعة الثامنة صباحاً فكيف تكون مطلقة وكيف تتبادل تلك الخطابات. وقال إنها ردت عليه بما معناه أن ينظر إلي وجهها جيداً إن كان يرى إن مثل هذا الوجه يستحق أن يكون آهلاً لوجه مثل وجهه لولا أنها كانت غبية عندما تزوجته وهو رد عليها بما معناه إن وجهها ذلك الذي تفخر به فإنه سيشوهه لها حتى لا يرغب فيه أحد من بعد. وقال إنه أستل السكين الذي كان يلبسها وأراد أن يضربها في وجهها ومالت قليلاً فأصابتها السكين حيث أصابتها، هذا ملخص أقواله أمام المحكمة الكبرى، أما أمام قاضي الإحالة فلم يرد على قوله أنه في أثناء النقاش عن الخطابات الغرامية المتوفاة أساءته وهو أستل سكينه وطعنها ولا يدري في أي جزء من جسمها. وفي أقواله التي أدلى بها للمتحري عقب الحادث مباشرة، قال إنه أحضر مصحفاً وطلب منها أن تحلف أنها تترك يوسف ولا تكون لها علاقة معه، وأنها ردت أنها ستحلف أنها ستتركه، ولكن ليس كلياً وقال إنه هنا أخرج سكينه وطعنها.
لقد سردت كل هذا لأن المحكمة الكبرى لم تكن دقيقة في تقرير الوقائع التي قبلتها عما كان حاصلاً بالفعل، والتي طبقت عليها القانون للوصول إلي النتيجة إنه لم يكن هناك إستفزازاً شديد ومفاجئ أفقد حسن السيطرة على نفسه في وقت الطعن. إن المحكمة لم تعط إهتماماً كلياً لأقوال حسن في الصورتين، الصورة الأولى إنه طلب منها أن تحلف إنها ستترك يوسف وقالت إنها ستحلف أن تتركه ولكن ليس كلياً. والصورة الثانية أنها قالت له إن وجهها لا يستحق أن يكون آهلاً لوجهه يبدو إن المحكمة أعتبرت حسن غير صادق في الصورتين لوجود التناقض في أقواله، وأخذت بأقوال جدة وقبلتها على أنها تمثل الصورة الحقيقية، التي كانت أنه لم يكن هناك أي حديث بين حسن ونجمة. وكان حسن مستلقياً على سرير، وكانت نجمة تجلس على سرير آخر، وكانا صامتين. وفجأة قام حسن وخطأ نحو باب الحجرة، وأقبل على نجمة وطعنها. ناقشت المحكمة الكبرى قصة الخطابات الغرامية، أولاً الخطابات التي وجدها حسن في حقيبة نجمة في المجلد، وهي رسائل يوسف الثلاث التي سلف ذكرها.والرسالة التي قال حسن إنه وجدها في حقيبتها في اللحظات الأخيرة، على إعتبار أنها لا تحدث إستفزازاً شديداً مفاجئاً. قيل عن الرسائل إن حسن وجدها في 31/7/1969، وقد إستفزته ودفعته للقيام من المجلد والحضور إلي الأبيض. والواقع إنه لم يجدها في ذلك اليوم بل وجدها في وقت سابق وأنه كتب بشأنها لنجمة، وقد ردت عليه نجمة بخطابها الأخير الذي عليه ختم البريد 27/7/1969.
قررت المحكمة الكبرى إنه كانت هذه الخطابات الغرامية إستفزته، فإن الإستفزاز لم يكن مفاجئاً في وقت إرتكاب الجريمة، وعن الخطاب الذي وجده في اللحظات الأخيرة لم يكن مفاجئاً أيضاً لأنه أعتاد على مثل هذه الخطابات من قبل.
ركز السيد محامي المتهم دفاعه من ناحية الوقائع التي سببت الإستفزاز الشديد المفاجئ على الأتي:
(1) أثير المتهم بالمعلومات التي وصلته عن إلتحاق زوجته المتوفاة بوظيفة في الأبيض بدون علمه أو موافقته في حين أنه تركها هناك للعلاج.
(2) وفي نفس يوم وصول المعلومات عثر على رسائل الحب التي أرسلها لها يوسف.
(3) وأهتز المتهم للمرة الثالثة عندما حاول أن يضع حداً لعلاقة غير الشريفة بين المتوفاة وبين عشيقها يوسف، بأن يجلعها تحلف في المصحف بقطع علاقتها معه، وهي ترددت أو أمتنعت.
(4) وأهتز للمرة الرابعة عندما وجد في حقيبة يدها خطاباً غرامياً، أغلب الظن إنه من يوسف.
من كل ما تقدم فإني أقرر الوقائع التي أعتقد حصولها على الوجه الأتي:
عثر المتهم على الرسائل الغرامية بين أمتعة المتوفاة في المجلد وبعدها سمع بإلتحاقها بعمل في الأبيض. وعند ذلك حرر لها خطاباً يعاتبها ويتهمها ويتشكك في سلوكها وكان ردها عليه في خطابها الذي وصله يوم 31/7/1969 فقالت له عن الرسائل إنها كانت حياتها الخاصة التي تحياها عندما كانت طالق وتنفي الإتهامات وترد الشكوك. وقالت عن العمل إنه حق و واجب وشرف وكرامة. ومفهوم هذا مع مفهوم الشعر الذي كتبته في الخطاب انها لم تعد له، ولا ستعود له. لأنها ليست فتحاً نسائياً يضاف إلي فتوحاته، ولا رأساً بين آلاف الرؤوس على مخداته، وسألته متى يفهم ويستقيظ الإنسان في ذاته، إثارة هذا الخطاب وأعتقد إن عشيقها هو الذي هيأ لها العمل في الأبيض لكي تبقى معه. فأسرع للمجيء إليها.
وقبل أن أسترسل في سرد الوقائع بعد مقابلته لهأ يجب أن أعيد إلي الذاكرة ان رسائل يوسف التي وجدها حسن في المجلد، لم تكن رسائل غرامية وكفى، ولكنها تعلن بوجود وعداً اوإتفاق على الزواج، وفيها إستنكار لها بالإسراع للحضور له بالأبيض. وكان حسن طبعاً قرأها وأحضرها معه. ورسائل نجمة ليوسف تؤكد وجود إتفاق على الزواج بعد الخلاص من حسن. وبطبيعة الحال لم يكن لحسن مجال للإطلاع على رسائل نجمة. والرسالة التي قيل إن حسن وجدها في اللحظات الأخيرة و وصفت بأنها من ضمن رسائلها الغرامية ليوسف، لم يكن واضحاً هي أي الرسائل التي عرضت في القضية، و لم يكن واضحاً ماذا كان فيها.
ذهب حسن مباشرة. إلي المنزل الذي تسكن فيه نجمة، وكان الوقات حوالي العاشرة صباحاً. و وجدها وقابلته ببرود وهدوء، وذهبا إلي مكان عملها ورجعها. ودخلا في الحجرة، وأنتقلا إلي الأخرى. وما يعتقد كان قصد حسن من كل هذا، لم يكن سوى أن يقطع صلتها بعشيقها وبالأبيض ويأخذها معه إلي المجلد لتكون بجانبه. لم يكن بينهما حديث مسموع وهما معاً في الحجرة، ويبدو إن نجمة كانت باردة صامتة واجمة. وشعر حسن بأنها لا تريد أن تذهب معه وأنها مصممة على البقاء في الأبيض، وفي هذه اللحظة أستسل سكينه التي كانت في ملابسه وطعنها الطعنة القاتلة.
والسؤال المهم هو هل في هذه الظروف وقع الإستفزاز بمعناه القانوني الذي يخفف الجريمة من القتل العمد إلي القتل الجنائي.
إن الإستفزاز هو الحالة النفسية والعصبية التي يصاب بها المتهم متأثراً بأي فعل أو سلوك يصدر من المجني عليه، يحيث يكون المتهم فاقد الشعور والإحساس بطريقة فجائية و مؤقتة، وغير قادر على تملك أعصابه وتحكيم عقله. ولابد لهذا من أن يكون الفعل الإستفزازي شديداً وعنفياً في وقعه وتأثيره على نفس المتهم، وبالدرجة التي تثير غضبه الشديد، الذي يفقد في لحظة شعوره وإحساسه ويفقد أيضاً المقدرة على التحكم في تصرفاته. ولابد أيضاً من أن يكون الفعل الإستفزازي قد وقع عليه بطريقة مفاجئة بدون تقوع وأنه إرتكب جريمة في حالة الإنفعال وحدة العاطفة فقدان الشعور والإحساس يجب أن يتحد عنصران أولها شدة وعنف الفعل أو السلوك الإستفزازي، وثانيهما عنصر المفاجأة وعدم التوقع. ونتيجة لهما حصلت للشخص حالة فقدان السيطرة على نفسه وتصرفاته وفي تلك الحالة وقعت منه الجريمة.
وقد أصبح واضحاً إن المقياس درجة فقدان السيطرة على التصرفات في مقابل الفعل أو السلوك الإستفزازي، هو مستوى الشخص العادي وهو في البيئة التي نشأ فيها، والمجتمع الذي يعيش فيه. لأن نظرته إلي الأشياء تتكيف بسلوك تلك البيئة أو ذلك المجتمع. ومع أهمية القاعدة و أخذها دائماً في الإعتبار فإن الأهم هو إخراج الشخص ذي الإحساس الشاذ غير المتلائم مع أخلاق وتقاليد أهل مجتمعه.
لا يوجد خلاف في أن سلوك الزوجة المشين أو المريب يعتبر فعلاً أو سلوكاً إستفزاياً لزوجها، وهذا في أغلب المجتمعات بما فيها مجتمع المسيرية. والخلاف في درجة شدة الإستفزاز وفجائيته التي نتج عنه ذلك السلوك. إن القاعدة التي هي حصول الإستفزاز الشديد المفاجئ عندما يجد الزوج زوجته في المضجع مع شخص آخر، ليست على إطلاقها. فإذا كان الزوج يعلم إن زوجته لها صلات غير شريفة مع عشيق لها، وكتم ذلك في نفسه وصار يترصد لها. وليلة الحادث خرجت الزوجة، معتقدة إن زوجها لا يعلم شيئاً عن خروجها. وسارت، وسار الزوج خلفها متخفياً، حتى دخلت منزل عشيقها، وأنتظر قليلاً حتى صارت في المضجع مع عشيقها، هنا دخل عليهما وقتلهما. فإن هذه الحالة أعتبرت في الهند ليست حالة إستفزاز شديد ومفاجئ، بل أعتبرت حالة إنتقام وتشفي. إن الزوج هنا يعلم بسلوك زوجته وليس غريباً أن تحمل من إتصالها بعشيقها. وفي مثال ثالث: كان للزوجة عشيق تتردد عليه، وطلب منها زوجها أن تقطع علاقتها به وهي رفضت، وعلى إثر ذلك وقعت بينهما مشاجرة وفي أثنائها أشتد غضبه فقتلها. أعتبر رفضها لقطع علاقتها مع عشيقها ليس فعلاً إستفزازياً شديداً ومفاجئاً.
في بعض القضايا أعتبر إعتراف الزوجة بالخيانة الزوجية، فعلاً إستفزازياً مفاجئاً إذا كان الزوج خالي الذهن عن أي سلوك سيئ كانت الزوجة تمارسه، ولم تكن تثاوره أي شكوك في عفتها وعصمتها. وإن سماعه لإعترافها لأول مرة وبدون مقدمات، ينطوي على عنصر المفاجأة. وأما إذا كان الإعتراف بالخيانة قد سبقه علم الزوج بها أو علمه بسلوك الزوجة الذي يوحي بإعترافها للخيانة أو يوجد في نفسه الشكوك نحو عفتها، فإن عنصر المفاجأة قد ينعدم فيه أو يكون ضعيفاً أو ليس بالدرجة التي تلهب الشعور وتفقد المقدرة على تملك التصرفات.
في القضية الإنجليزية التي قتلت فيها الزوجة لضيقها من سوء معاملته لها، قال اللورد كودارد ما معناه وهو ما نقلته المحكمة الكبرى في حكمها في هذه القضية و أعتمدت عليه.
الإستفزاز هو أي فعل أو سلسلة أفعال أتى بها المتوفى نحو الجاني، من شأنها أن تسبب لأي شخص إعتيادي فقدان السيطرة على نفسه فجأة ومؤقتاً، يخضعه للعاطفة التي تجلعه في لحظتها ليس مالكاً لقواه العقلية. ويكون ذلك قد وقع بالفعل. أما الغيظ أو السخط أو إثارة الإضطراب النفسي الشديد، أو السلوك طويل الأمد الذي يسبب الألام والقلق، لا يكون بمفرده منتجاً للإستفزاز في معناه القانوني. وبالطبع كلما بعدت الحادثة عن الجريمة كلما قل الإعتماد عليها. والسلوك الذي يتسم بسوء المعاملة المتكرر المستمر قد يكون فعلاً مستحقاً لملامة ولزمه ، أكثر من كونه فعلاً فجائياً إستفزازياً يقابل بالقتل.
كانت الحياة الزوجية بين حسن ونجمة في الفترة الأخيرة التي كانت حوالي السنة حياة غير سعيدة، والسبب فيها إن حسن بالإضافة إلي زوجته الثانية تزوج بالثالثة أشتدت المشاكل حتى وصلت إلي الطلاق والرجعة. وصارت نجمة تضيق بحسن وتحاول أن تضيق عليه ولكي تظفر منه بالطلاق الذي لا رجعة فيه وقبل الحادث الأخير بأيام وجد حسن رسائل يوسف لنجمة. وهي رسائل تدل على علاقة عميقة وحب مكشوف. وفهم أن تضيق عليه لكي تظفر منه بالطلاق الذي لا رجعة فيه. وقبيل الحادث الأخير بايام وجد سلوكها الذي أقل ما يقال عنه إنه يجلب الشك و الظنون في عفتها وعصمتها. وكتب لها مبدياً شكوكه، وردت عليه بخطابها الذي كان واضحاً فيه إنها ليست له ولا تريد العودة له. فهذا زاد شكوكه وربما قربها إلي درجة اليقين. وحضر إلي الأبيض لكي يقطع علاقتها مع حبيبها ولا يتم قطع تلك العلاقة إلا برجوعها معه إلي المجلد. وقد قابلته ببرود و وجوم وأظهرت له عدم رغبتها في الرجوع معه. وأنتهت القصة بقتلها.
لا شك في إن سلوك نجمة كان سلوكاً مثيراً للشعور ولكن ماهي درجته من الشدة، وما هي درجته من الفجائية. إن أي شخص عادي في مثل البيئة التي يعيش فيها حسن، كان يتوقع من خطاب نجمة الأخير أنها لن تعود معه إلي المجلد. إن الرفض للعودة معه في حد ذاته، ليس إستفزازاً شديداً، حتى إذا صاحبه إمتناعها عن القسم بقطع علاقتها مع عشيقها. كما ذكر حسن في أقواله التي لم تقبل من ناحية الوقائع. تمثل في سلسلة من الأفعال التي تجلب لزوجها المتهم عدم الرضي والغضب والقلق والإضطراب النفسي. وهو نوع من فساد الحياة الزوجية الذي يؤدي في النهاية إلي الإنفصال و الطلاق وليس أكثر من ذلك. كما يمكن أن يقال إن سلوك نجمة بالرغم مما وجدته من حسن من سؤ المعاملة، كان سلوكاً مستحقاً للملامة والمذمة ولكنه لم يمكن مصدر إستفزاز شديد ومفاجئ بحيث يثور فيه شعور حسن بالدرجة التي تفقده السيطرة على نفسه إلي أن يصل إلي قتلها.
لهذه الأسباب فإني أؤيد إدانة المتهم بالقتل العمد تحت المادة 251 من قانون عقوبات، و أؤيد الحكم عليه بالإعدام.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد هارم برجو حسين وآخر
م أ / م ك / 372/1970م
المبادئ:
قانون العقوبات- حضور المحرض وقت إرتكاب الجريمة- المادة 89 من قانون العقوبات- إثبات وجود تحريض سابق لإرتكاب الجريمة وحضور المحرض لإرتكاب الجريمة كما حرض على إرتكابها.
المادة 89 من قانون العقوبات تطبق في حالة التحريض السابق لإرتكاب الجرية في غير مكانها على إفتراض إن المحرض سوف لا يكون حاضراً إرتكاب الجريمة أو مشترك فيها ولكنه يحضر ويشهد إرتكاب الجريمة كما حرض على إرتكابها.
الحكم:
عثمان الطيب (رئيس القضاء)-سبتمبر26/1970- قدم المتهمان (1) هارم برجو حسين و (1) إبراهيم إدريس أبكر إلي محكمة كبرى أولهما متهماً بأنه في يوم 19/8/1969 طعن كلتوم أحمد وسبب وفاتها وبذلك يكون مرتكباً جريمة القتل العمد الذي يحاكم عليها تحت المادة 251 من قانون العقوبات. وثانيهما متهماً بتحريض الجريمة التي كان يحاكم عليها تحت المادتين 89/251 من قانون العقوبات.
وفي نفس الوقت قدم المتهمون الآتى اسماءوهم اولهم متهم بانه في نفس التاريخ المزكور اعلاه تسبب في احداث ازى جسيماً لهارم برجو حسين وبذلك يكون مرتكبً الجريمه التي يحاكمون عليها تحت المادتين /89/278 من قانون العقوبات
المتهمون هم:
1- إساغة أبكر عقيد.
2- أبكر علي آدم.
3- محمد إسحق يحي.
4- محمد آدم محمد.
5- الدومة محمد آدم.
6- سليمان إبراهيم آدم.
7- رمضان يحي إساغة.
أنعقدت المحكمة الكبرى ما بين 17/3/1970 و 16/9/1970 في المناقل وحاكمت هؤلاء المتهمين بالطريقة المشتركة في محضرين منفصلين. أنها وجدت المتهم الأول (1) هارم برجو حسين مداناً تحت المادة 251 من قانون العقوبات وأصدرت عليه الحكم بالإعدام. و وجدت المتهم الثاني (1) إبراهيم إدريس أبكر غير مدان كما أتهم ولكنه مدان تحت المادة 279 (2) من قانون العقوبات (على أنه سبب أذى جسيماً لمحمد آدم محمد بأن طعنه بالسكين) و حكمت عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات إبتداء من 19/8/1969.
أما المتهمون من الفريق الثاني (الذي يشار إليه بالفريق (ب) فقد وجدت المحكمة أنهم غير مدانين، لأنهم كانوا يستعملون حق الدفاع الشرعي.
وقائع القضية كما أظهرتها البينات يبدو كالأتي:
إساغة أبكر هو شيخ الكمبو، وكان قد وصله إعلان موجه من محكمة المناقل الشرعية إلي المرأة التي تدعى عيدة. وعندما ذهب لتنفيذ الإعلان كان المتهم الثاني إبراهيم إدريس أبكر حاضراً، فتدخل الأخير بدون مبرر وشتم إساغة. وشيخ إساغة عزم على أن يشتكيه لتدخله وتعرضه له في عمله الرسمي. وبعد ذلك نفذ شيخ إساغة الإعلان، وأنصرفوا. وفي المساء ذهب المتهمان الأول والثاني إلي الإنداية وشربا، وبعد خروجهما عرجا على منزل شيخ إساغة، وحيث كان يجلس للعشاء مع جماعة شهود الإتهام. نادى المتهم الثاني شيخ إساغة، الذي خرج له. وبدون أي نقاش رفع المتهم عكازه ليضرب شيخ إساغة، والأخير أمسك بالعكازة وأخذه. وهنا أستل المتهم الأول سكينه وطعن الشيخ إساغة. في أثناء ذلك خرج الجماعة. ومسك أبكر على آدم سكين المتهم الأول وأصيب بجرح في كف يده اليسرى. و إعتدى المتهم الأول على محمد إسحق يحي وطعنه طعنتين واحدة في الكتف والأخرى في الساعد اليمين. وأشتبك المتهم الثاني مع محمد آدم محمد و أصابه بعدة طعنات. وخرجت المتوفاة وكانت تقف أمام منزل شيخ إساغة وصرخت لما كان حاصلاً. فقفز عليها المتهم الأول وطعنها الطعنة التي قضت عليها. وبعد كل هذا تمكن شيخ إساغة من إيقاف المتهم الأول بأن ضربه بالعكاز سبب له كسراً في ساعده اليمين وآخر في ساعده الشمال. أصيب المتهم الثاني بجروح خطيرة في رأسه وهي ضربات بعكاز. و لا يوجد في البينات ما يشير إلي الشخص الذي ضربه.
أصيبت المتوفاة بجرح بين الضلعين الاولى والثانية من الأمام تحت الترقوة اليسرى نفذ إلي داخل القفص الصدري، وأخترق الرئة اليسرى ومزقها، ونتج عنه نزيف حاد أدى إلي الوفاة في نفس الوقت. إني أوافق المحكمة الكبرى إنه في هذه الظروف فإن المتهم الأول كان يعلم إن الموت سيكون النتيجة الراجحة لفعله. وأيضاً ليس له أن يستفيد من أي واحد من الإستثناءات الواردة في المادة 249 من قانون العقوبات. إن فريق الشيخ إساغة كانوا مسالمين ، كانوا يتعشون في داخل المنزل عندما حضر المتهمان وخرج لهم شيخ إساغة كما حضر جماعته من بعده، لا يحملون أسلحة ولم يكونوا متوقعين شراً. لم يحدث من جانبهم إستفزازاً، ما لم يدخلوا مع المتهمين في معركة. ولكن بادر المتهمان بالهجوم والتعدي على هذا وذاك من أفراد جماعة الشيخ إساغة، حتى وصل المتهم الأول إلي المتوفاة التي لم يكن لها حيلة ولا قوة غير صراخها لما كان واقعاً من المتهمين من إعتداء. في هذه الظروف فإن المتهم الاول يكون إرتكب جريمة القتل العمد التي يحاكم عليها بالإعدام تحت المادة 251 من قانون العقوبات.
أما المتهم الثاني فإنه يلاحظ إن مادة التحريض 89 من قانون العقوبات التي وضعت له في الإتهام غير صحيحة. هذه المادة تطبق في حالة التحريض السابق لإرتكاب الجريمة أو مشتركاً فيها. ولكنه حضر أو شهد إرتكاب الجريمة كما حرض على إرتكابها. وربما يكون خير مثال له: أن يقع التحريض على طفل أو فاقد العقل لإرتكاب جريمة معينة، وبعد ذلك حضر المحرض في مسرح الجريمة، كمشاهد ليتأكد من إرتكابها بنفس القصد الجنائي الذي حرض إرتكابها به. وهو هنا يعتبر كما لو إرتكب الجريمة بنفسه.
المادة المناسبة في مثل هذه القضية هي 88 من قانون لأن المحرض غالباً يكون قد حرض على الإعتداء، ولكنه لم يحرض على إرتكاب جريمة القتل. وهو ما حصل هنا. إن المتهم الثاني لا شك حرض المتهم الاول للهجوم على المجني عليهم، ولكنه لم يحرضه على طعن المتوفاة تلك الطعنة التي أدت إلي وفاتها. هذا حسب ما توصلت إليه المحكمة وهو غير صحيح، لأنه المتهم الثاني كان صاحب التدبير في الإعتداء وكان المبادر به، ودفع فيه المتهم الأول. ويمكن أن يقال إن المتهم الثاني يعتبر عالماً بأن النتائج كانت الراجحة أو كانت محتملة فقط. ويمكن تقرير هذه الآراء، ولكن ذلك يستدعى ارجاع النقضيه للمحكمه الكبرى لاعاده النظر في ادانه التهم الثاني ولكني لا اميل الى مثل هذا الاجراء الا في القضايا التي يظهر فيها إنتهاك واضح للعدالة. وكل ما يمكن التعليق به إنه محظوظ إذ ذهب بحكم خفيف.
إني أؤيد إدانة المتهم الاول هارم برجو حسين بالقتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات والحكم عليه بالإعدام.
المحكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد عبدالحميد أحمد علي
م أ / أ ن ج / 524/1970
المبادئ:
قانون الإجراءات الجنائية- لا يوجد في قانون الاجراءآت الجنائية ما يعرف بمراجعة الأمر أو الحكم على أساس خطأ أو نحوه.
لا يوجد في قانون الإجراءات الجنائية ما يعرف بمراجعة الأمر أو الحكم على أساس خطأ أو نحوه، ولكن يجوز للسلطة الإستئنافية تصحيح الخطأ أو نحوه بممارسة سلطاتها تحت المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية.
الحكم:
عثمان الطيب (رئيس القضاء) ، نوفمبر 17/1970- لا أرى سبباً للتدخل.
إن بقاء هذا الحدث في الإصلاحية لمدة سنتين لا شك مفيد له.
كان قاضي الجنايات قد حدد مدة الإصلاحية بخمس سنوات. و بعد ذلك أدرك إن هذه المادة طويلة لكون الحدث يبلغ من العمر 8 سنة، وإنه سيبقى بعد بلوغ هذه السن سنتين في الإصلاحية. ولذا طلب من السيد قاضي المديرية السماح له بمراجعة الأمر. فأذن له السيد القاضي بذلك. وفتح قاضي الجنايات المحضر وأصدر أمراً جديداً يحدد المدة بسنتين. هذا اجراء خاطئ. إنه لا يوجد في قانون الإجراءات الجنائية ما يعرف بالمراجعة على أساس خطأ أو نحوه. وكان يجوز للسيد قاضي المديرية تصحيح الوضع بممارسة سلطاته تحت المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد كمال محمد عطا
م أ / أ ن ج / 528/1970
المبادئ:
قانون العقوبات- الحفظ في الإصلاحية ليس بكم أو عقوبة- إصلاح شأن الحدث.
الحفظ في الإصلاحية ليس بحكم أو عقوبة و إنما الغرض منه إصلاح شأن الحدث وعليه وبناء على المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية لا يجوز للسلطة الإستئنافية إلغاء أمر الحفظ في الإصلاحية وإستبداله بعقوبة، ولكن يجوز إلغاء الأمر وإعادة النظر في الحكم مرة أخرى أو تقليل مدة الحفظ في الإصلاحية أو الأمر بإطلاق سراح الحدث بتعهد حسن سير وسلوك تحت المادة 24 من قانون الإجراءات الجنائية على حسب الظروف المتعلقة بالحدث.
الحكم:
عثمان الطيب (رئيس القضاء)- نوفمبر 18/1970- لا أرى سبباً للتدخل.
والدة السجين تسترحم. الواقع إنه لم يعاقب ولكن وضع في الإصلاحية بغرض إصلاح شأنه على أمل أن يخرج وهو أنفع لنفسه وأنفع لها.
ألاحظ إن السيد قاضي المديرية عدل أمر الإصلاحية بالحكم بالجلد بالنسبة للمتهم الثاني، بدون ذكر أسباب. مع إن المحكمة أعتمدت على تقرير ضابط المراقبة الذي وصى بالوضع في الإصلاحية. ملاحظاً إن الحدث كان قد وضع تحت المراقبة مرة، وجلد مرتين. ويهمني أن أذكرهنا إن السيد قاضي المديرية قد أخطأ قانونياً. وهو إن الحفظ في الإصلاحية ليس بحكم أو عقوبة وإن الجلد هو مثل السجن أو الغرامة عبارة عن عقوبة، و إنزال العقوبة في هذه الظروف هو عبارة عن زيادة في الحكم أو الأمر الذي يقوم مقام الحكم. لا يجوز للسيد قاضي المديرية وهو مستعملاً سلطاته تحت المادة 257 من قانون الإجراءات الجنائية. أن يلغي أمر الحفظ في الإصلاحية، وإستبداله بعقوبة. ولكن كان عليه إن توفرت له الأسباب الموضوعية أن يلغي أمر الحفظ في الإصلاحية، ويأمر محكمة الأحداث إعادة النظر في الحكم. التخفيف في حالة الحفظ في الإصلاحية،يوجد اما في تقليل المده او في الامر باطلاق السراح بتعهد حسن السير والسلوك تحت المادة 24 من قانون الإجراءات الجنائية.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد أحمد حامد مصطفى
م أ / م ك / 541/1970
المبادئ:
قانون العقوبات- الإستفزاز الشديد المفاجئ- المادة 249 (1) من قانون العقوبات- تذكير المتهم بحادث إرتكاب الفاحشة فيه مع الفاعل بعد مضي مدة طويلة من الزمن مع بعض الإصرار ما يفهم منه إن الفاعل سوف يفعلها مرة ثانية تقع تحت الإستفزاز الشديد المفاجئ.
تذكير المتهم بحادث إرتكاب الفاحشة فيه مع الفاعل بعد مضي مدة طويلة من الزمن مع الترداد والتكرار و مع بعض الإصرار خاصة إذا كان التكرار فيه ما يفهم منه إن الفاعل سوف يفعلها مرة ثانية لا شك هذا ينطوي على إستفزاز شديد مفاجئ تقع تحت المادة 249 (1) من قانون العقوبات.
الحكم:
المحامي: الأستاذ/ محمود عزالدين.............عن المتهم
عثمان الطيب (رئيس القضاء)- يناير 9/1971- أنعقدت المحكمة الكبرى في أم روابة في 25/8/1970 لمحاكمة المذكور أعلاه، متهماً بأنه في 4/3/1970 بسوق أم روابة طعن المتوفي رباح مريود بسكين وسبب وفاته، وبذلك يكون مرتكباً جريمة القتل العمد التي يعاقب عليها تحت المادة 251 من قانون العقوبات. أدانته المحكمة تحت هذه المادة وحكمت عليه بالإعدام.
أصيب المتوفي بطعنة في أسفل العنق أخترقت عمق ستة بوصات، وقطعت الشرايين. ونتج عنها نزيف حاد أدى إلي الوفاة في نفس الوقت، عندما كان المتوفي منقولاً من المكان الذي طعن فيه إلي المستشفى. أعترف المتهم في كل أطوار الإجراءات بأنه طعن تلك الطعنة، وقبض عليه هو في طريقه إلي نقطة البوليس لكي يسلم نفسه، وأستلمت منه سكينه التي كان يحملها وهي تقطر دماً.
و قد تأسفت المحكمة الكبرى- وهو ما أشاركما فيه- إن البوليس في أثناء التحري لم يجد أحداً من الناس يعطي بينة عما حدث بين المتهم والمتوفي في اللحظات الأخيرة، بينما كان الحادث في السوق وبين المتاجر ولم يكن أمام المحكمة إلا أقوال المتهم. توجد مقدمة تاريخية مهمة لابد من ذكرها. وهي إنه في حوالي 1952، عندما كان المتهم في حوالي السادسة أو السابعة من عمره، إلتقى به المتوفي في خارج الحلة. وإن المتوفي إرتكب الفاحشة في المتهم، و وصل الامر إلي البوليس والمحكمة وتحاكم المتوفي عن تلك الجريمة بالسجن حوالي سبعة سنوات. ولم يكن المتوفي أن يدخل تلك الحلة بعد ذلك. وقبل أشهر من حادث القتل حضر أحمد مريود لشقيق المتوفي، الى الحله ووقعت شكله بينه وبين والد المتهم وسبب والد المتهم ازى لشقيق المتوفيوتحاكم بالسجن لمده ثلاثه اشهر .
وفي يوم الحادث كان المتوفي يريد أن يأخذ بعض أغنامه إلي سوق أم روابة لبيعها فركب اللوري من حيث وجده. وكان اللوري يمر على حلة المتهم. وفي خارج الحلة أنزل اللوري المتوفي وأغنامه لكي يعود له فيما بعد. ولعل ذلك بسبب إن المتوفي ممنوع من دخول تلك الحلة أو لأن اللوري سيشحن جوالات ومحصول والإغنام يجب أن تكون فوقها. وكان المتهم يريد أن يأخذ بعض الصمغ لبيعه في السوق. وركب المتهم. وعندما خرج اللوري من الحلة ركب المتوفي. وتحدث المتهم مع من في اللوري مستنكراً وجود المتوفي هناك. و وصلوا المدينة وذهب المتوفي إلي زريبة الحيوان وذهب المتهم إلي سوق الصمغ. وفي العصر تقابلا في القهوة حيث حصل الطعن.
قال المتهم في يومية التحري للمتحري وللقاضي الذي دون إعترافه، وكرره أيضاً أمام قاضي الإحالة وأمام المحكمة الكبرى، إن المتوفي وجده جالساً في القهوة، وذكره بأنه إستعمله، وإنه سيستعمله بعد ذلك، وإنه لا يستطيع أن يفعل له شيئاً. ويقول المتهم إنه كان يحاول أن يبتعد عنه، وكرر له المتوفي ذلك القول وأنه قام من القهوة، وتبعه المتوفي يكرر له ذلك القول أو ما يماثله. وقال المتهم إنه قد حصل له إستفزاز شديد ومفاجئ وأخرج سكينه و طعن بها المتوفي. أقتصر المتهم في أقواله للمتحري وللقاضي الذي دون في أقواله في يومية التحري على هذا. أما في أقواله أمام قاضي الإحالة و أمام المحكمة الكبرى فإنه بعد أن ذكر الأفعال الإستفزازية أضاف إن المتوفي كان يحمل عصاه، وإنه رفع العصاة لكي يضربه بها، وهو بادر بإخراج السكين وطعن المتوفي بها دفاعاً عن نفسه.
رفضت المحكمة قبول أقوال المتهم عن الدفاع عن نفسه، لأنها لو كانت صحيحة لقالها المتهم من أول الأمر، وثانياً لم توجد حول المتوفي أي عصاه. هذا معقول وإني أوافق المحكمة عليه وأيضاً لم تصدق المحكمة المتهم في أقواله عن الإستفزاز. وقررت المحكمة إنه حتى لو كان المتهم صادقا فإن حادث إرتكاب الفاحشة معه كان في وقت بعيد، ويفقد عنصر الفجائية.
السيد محامي المتهم في مذكرة إستئنافه يركز على وجود الإستفزازز حسب أقوال المتهم. وإني أميل إلي موافقته. ليس الإعتماد على واقعة إرتكاب الفاحشة البعيدة ولكن الإعتماد على على تكرارها حسب ما ذكر المتهم أولاً لا يوجد ما يمنع من أخذ أقوال المتهم وتصديقها. وكونه أضاف اليها قوله إن المتوفي كاني ريد أن يعتدي عليه بعصاة وإنه إستمعل حقه في الدفاع عن النفس، وكوننا رفضنا الأقوال الأخيرة المضافة، لا يقوم كمبرر رفض عدم تصديق تلك الأقوال.
إن حادث إرتكاب الفاحشة في المتهم وهو صبي، أعتقد ليس من السهل عليه نسيانه. وإنه كان أعتدى على المتوفي عند رؤيته بدون أي بادرة من المتوفي، فإنه يكونو معتدياً بدافع الإنتقام والتشفي ولا يحق له أن يستند على الإستفزاز الشديد المفاجئ. ولكن تذكيره بها وذكرها له مع الفاعل نفسه مع الترداد والتكرار، ومع بعض الإصرار، خاصة إذا كان التكرار فيه ما يفهم منه سيفعلها مرة ثانية، وإنه (أي المتهم) لا يستطيع أن يفعل شيئاً. لا شك إن هذا ينطوي على إستفزاز شديد و مفاجئ، ويحق للمتهم أن يدعي إنه فقد السيطرة على أعصابه وأستل سكينه وطعن بها المتوفي.
إن المتهم والمتوفي ركبا اللوري معاً، وسار بهما الساعة والساعتين، ولم يحاول المتهم أي إعتداء على المتوفي عند أول مقابلة وما بعدها. و أفترقا في السوق كل ذهب إلي شأنه. وحضر المتهم وجلس في القهوة. وجاءه المتوفي، وصار ينبش له تلك الذكريات الرديئة، ويكررها له، ويحاول المتهم أن يبتعد، يقوم من القهوة، ويمشي في السوق. ويلاحقه المتوفي، ويكرر الحادث في إصرار ويزيد عليه إنه يمكنه أن يستعمله مرة أخرى وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً. في هذه الظروف إن المتهم قد فقد السيطرة على أعصابه إذ إستفز إستفزازاً بشديداً ومفاجئاً، مما يعطيه الحق للإستفادة من الإستثناء الاول للمادة 249 (1) من قانون العقوبات و يخفف الجريمة من القتل العمد إلي القتل الجنائي.
التي أستبدل إدانة المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات بالمادة 253 من قانون العقوبات وأصدر عليه الحكم بالسجن لمدة أربعة عشر (14) سنة إبتداء من يوم وضعه في الحراسة.
محكمة الإستئناف
حكومة السودان ضد حمودة بخيت
م أ / م ك / 470/1970
المبادئ:
قانون العقوبات- الإستفزاز الشديد المفاجئ- المادة 249 (1) من قانون العقوبات- غناء الزوجة بذكر حبيبها وأملها في اللقاء به به أمام زوجها يعتبر إستفزازاً شديداً ولكن يجب أن يتوفر عنصر الفجائية حتى تقع تحت هذه المادة.
غناء الزوجة بذكر حبيبها وأملها في اللقاء به أمام زوجها يعتبر إستفزازاً شديداً يجعل الزوج يفقد السيطرة على أعصابه ولكن حتى يقع هذا الإستفزاز تحت المادة 249 (1) من قانون العقوبات يجب أن يتوفر عنصر الفجائية بان يكون الزوج قد سمع ذلك الغناء لأول مرة وبدون أن يكون له علم بذلك الحبيب الذي تتغنى به الزوجة.
الحكم:
عثمان الطيب (رئيس القضاء)- يناير 12/1971- أنعقدت المحكمة الكبرى في النهود في 7/11/1970 لمحاكمة المتهم المذكور، متهماً بانه في 14/6/1970 أصاب زوجته عائشة نجم الدين بفأس وسكين بجروح أدت إلي وفاتها، وبذلك يكون مرتكباً جريمة القتل العمد الذي يحاكم عليها تحت المادة 251 من قانون العقوبات. أدانته المحكمة بهذه الجريمة وحكمت عليه بالإعدام.
وقائع القضية بسيطة وهي كما وجدتها المحكمة وأيدتها البينات كانت كالأتي:
المتوفاة تحب المتهم، ولم تكن تجد عنده المتعة الجنسية التي يعيش فيها الزوجان السعيدان. كان المتهم يعاني نقصاً جنسياً. وأفضت المتوفاة بذلك إلي شقيق المتهم، وإلي إبن عمها مستور محمد، و كان ذلك عندما تنفر المتوفاة من المتهم ويتدخل هذين لإسترضائها وإصلاح حالهما. وأعترف المتهم بما يعاني من نقص جنسي. ونصحه كل واحد من هذين بأن يلتمس العلاج لنفسه. لا يوجد ما يدل على إنه إلتمس علاجاً. و ولدت المتوفاة ولداً يبلغ السنة من العمر تقريباً في وقت الحادث.
وقبل يوم الحادث بحوالي الشهر أو الشهرين نزل عليهما ضيف وهو المدعو موسى عبدالله- ولعله من نوع الناس الذين يمارسون الدجل- وسكن معهما أربعة أيام. وشعر المتهم بوجود علاقة غير شريفة بين هذا الشخص والمتوفاة وعندما أزمع موسى الرحيل إتفق مع المتوفاة على اللحاق به في حلة أخرى. وعلم المتهم بذلك وبعد يوم او يومين ذهبت المتوفاة إلي تلك الحلة حيث قابلت موسى ومكثت معه خمسة أيام عادت بعدها إلي زوجها. ويظهر أنها أحبت موسى. وصارت تغني على مسمع من زوجها بحبها له قائلة:" كان لي مراد نلحق موسى البولاد" ولم يفعل المتهم شيئاً.
في يوم الحادث خرجا للزراعة، وكانت المتوفاة جالسة مع طفلة تحت الشجرة وبدأت تتغنى بحب موسى. فأقبل عليها المتهم بفأسه وبسكينه وأصابها بجروح بليغة في وجهها وقطع يدها، وفي أجزائها الجنسية. وتركها هناك وذهب إلي المنا (شاهد الإتهام الثالث)، وسأله إن كانت المتوفاة حضرت عندهم، فأجابه بالنفي، وثم طلب المتهم من هذا الشاهد لكي يذهب للزرع لأخذ الطفل. وذهب المنا و وجد المتوفاة تحتضر وماتت في نفس اللحظة.
أغلب هذه الوقائع ثبتت وأخذت من أقوال المتهم نفسه. وبالنظر فيها لا يوجد ما يمكن أن يؤخذ في الإعتبار والنظر على أمل تخفيف الجريمة من القتل العمد إلي القتل الجنائي سوى الإستفزاز، إن كان ما حصل يجوز أن يعتبر إستفزازاً شديداً ومفاجئاً يجوز أن يفقد المتهم المقدرة للتحكم في تصرفاته، مما يقع تحت الإستثناء الأول للمادة 249 من قانون العقوبات. ردت المحكمة الكبرى على هذا التساؤل بالنفي، وهو ما أتفق معها فيه.
إن غناء الزوجة بذكر حبيبها وأملها، اللقاء به، أما زوجها لاشك في كونه مصدر إستفزاز شديد لعله في كل بيئة من البيئات التي تجعل للزواج حرمة وقداسة- وهو شديد بالدرجة التي تجعل الزوج يفقد السيطرة على أعصابه ويضرب الزوجة حتى يقضي عليها. ولكن يجب أن يتوفر عنصر الفجائية بان يكون قد سمع ذلك الغناء لأول مرة وبدون أن يكون له علم بذلك الحبيب الذي تتغنى به الزوجة. لم يكن هذا هو الواقع في هذه القضية. لم يكن المتهم يرضى المتوفاة جنسياً ويبدو إنه كان يمنحها بعض الحرية مع بقائها في عصمته. أقام معهما موسى أربعة أيام، وسمع المتهم تواعده، مع المجني عليها للقائه في القرية الأخرى. وذهبت ومكثت مع موسى خمسة ايام وعادت وهي تتغنى به ولكن كل ذلك بعلم المتهم ولعله كان يحاول أن تتقاضى عنه، وأن تتسامح في شأنه. ولهذا لم يكن غناؤها في وقت الحادث جديداً عليه ولا مفاجئة له. ويؤخذ من هذا إن إعتداءه عليها كان بدفاع الحقد والإنتقام للخلاص منها.
لهذه الأسباب فإني أؤيد إدانة المتهم بالقتل العمد تحت المادة 251 من قانون العقوبات والحكم عليه بالإعدام.
محكمة الإستئناف
حكومة السودان ضد أم سلامة فضل المولى
م أ / م ك / 519/1970
المبادئ:
قانون العقوبات- المعركة المفاجئة- المادة 249 (4) من قانون العقوبات. تكرار المشاجرة أو حدوثها بين الطرفين كل ليلة لا يمنعها من أن تكون مفاجئة.
تكرار المشاجرة أو حدوثها بين الطرفين كل ليلة لا يمنعها من أن تكون مفاجئة على حسب منصوص المادة 249 249(4) من قانون العقوبات هذا لأن المعركة المفاجئة هي التي لم تعد لها العدة من قبل وإنما تحصل فجأة دون أن يكون هناك تدبير أو تنظيم من الجاني.
الحكم:
صالح محمد علي عتيق (قاضي المحكمة العليا) –مارس 4/1971 تعترف المتهمة بأنها ضربت زوجها المرحوم بكيس العفريتة الذي يزن حوالي 11½ رطلاً في رأسه وقد أثبت القرار الطبي إن تلك الضربة أحدثت كسورا مركبهً بالناحية اليمنى من الرأس وتهشماً بخلايا المخ نتجت عنها الوفاة.
لم تكن بينة مباشرة غير إعتراف المتهمة و أقوالها في مرحلتي التحقيق القضائي والمحاكمة تلك الأقوال التي جاءت مضاربة و لو إن القاعدة الأساسية هي قبول الإعتراف ككل دون تجزئتة وجعله سبباً للإدانة إلا أن هذا التضارب في أقوالها في المراحل اللاحقة يجعل من العسير الإعماد على بعض الإجراءات التي في صالحها.
لقد ثبت أنهما كانا مصدر إزعاج للجيران يدمنان في الشراب ثم يتشاجران أو كادت تكون هي الحياة المألوفة لديهما حتى ضج الجيران وضاق بهما ذرعاً شيخ القرية الذي تكرم وأسكنهما في منزله دون أجرة.
فإذا أخذنا في الإعتبار أنهما كانا يعيشان كزوجين ويجمعها منزل واحد ثم يسكران وينهيان ليلهما بالمشاجرة ثم يستأنفان حياتهما في اليوم الثاني كأن لم يحصل شئ في الليلة الماضية فلا شك إننا نتوصل إلي أن المشاجرة كانت عفوية و وقعت دون تدبير من أحدهما.
إن تكرار المشاجرة أو حدوثها بين الطرفين في كل ليلة لا يمنعها من أن تكون مفاجئة خصوصاً إذا كانا زوجين يعيشان معاً في منزل واحد تجمعهما علاقة الزوجية فالعراك أو القتال المفاجئ هو الذي لم تعد له العدة من قبل وإنما حصل فجأة دون أن يكون هناك تدبير أو تنظيم من الجاني أو سبق إصرار على العراك.
ولكيما يستفيد الجاني من المادة 249 (4) من قانون العقوبات يجب أن يكون غير منتهز للفرصة بان يستغل الظروف أو يسلك سلوكاً قاسياً أو غير عادي و أن يقع الفعل منه في حدة العاطفة.
تقول المتهمة أنها تناولت كيس العفريتة أثناء العراك وضربت به زوجها على رأسه وهربت من المنزل. ليست هناك من البينات ما ينفي هذا الجزء من الإعرتاف وما يؤيد إستنتاج المحكمة في أن المصاب كان يغط في نوم عميق ساعة الإعتداء عليه. فالكيس الذي يزن ½11 رطلاً لم يكن في ثقل الوزن بدرجة يتعسر معه رفعه بواسطة إمرأة وإستعماله لضرب المجني عليه.
ولذى فإنني لا أوافق المحكمة الكبرى في قرارها بحرمان المتهمة من فائدة هذا الإستثناء. وعليه فإنني أستبدل قرار الإدانة تحت المادة 251 من قانون العقوبات ليكون تحت المادة 253 من قانون العقوبات وأحكم بسجن المتهمه لمدة عشرة سنوات إعتبار من تاريخ القبض عليها.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد محمد علي أحمد
م أ / أ ن ج / 106/1971
المبادئ:
قانون العقوبات- الحفظ في الإصلاحية- المادة 184 من قانون العقوبات- الحفظ في الإصلاحية يدخل في معنى الحراسة تحت هذه المادة.
الحفظ في الإصلاحية يعتبر حراسة على حسب المعنى الوارد في المادة 184 من قانون العقوبات هذا لانه، قد صدر بها أمر قضائي بمقتضى القانون.
الحكم:
محامي المستأنف...........معتصم التقلاوي (عن المتهم)
عثمان الطيب (رئيس القضاء)-مارس4/1971- ظهر من البينات إن المتهم في 1958 كان محفوظاً في الإصلاحية أبوجيلي بمركز سنار، بناء على أمر صادر من محكمة كبرى تحاكم أمامها. وكانت المدة التي حددت لبقائه في الإصلاحية هي سبعة سنوات وإن المتهم هرب من الإصلاحية في 17/8/1958، ودون ضده بلاغ تحت المادة 184 من قانون العقوبات ونسى البلاغ أو حفظ لعدم العثور عليه. وفي أكتوبر 1970 قبض على المتهم، وقدم للمحاكمة في محكمة سنار. أدين المتهم تحت المتهم تحت المادة 184 من قانون العقوبات لهروبه من الحراسة وصدرت عليه العقوبة التي دونت كالأتي/ "بالسجن لمدة شهرين تبتدئ عند نهاية أي عقوبة يقضيها المتهم الآن."
تقدم محامي المتهم بإستئناف للسيد قاضي المديرية معترضاً على الإدانة والعقوبة ولكن السيد قاضي المديرية أيد الإدانة والعقوبة وعليه قدم طلب إعادة النظر هذا للفصل فيه. وهو يتلخص في النقاط الأتية:
(1) إن الحفظ في الإصلاحية لا يعتبر حراسة في معنى المادة 184 من قانون العقوبات. لأن الإصلاحية هي مدرسة للإصلاح وليس سجناً ولا عقوبة وعليه فإن الهرب منها لا يعاقب عليه بمقتضى المادة المذكورة.
(2) إن المتهم لم يعد حدثاً حتى يمكن أن يعاد للإصلاحية لقضاء المدة التي قررت له، كما لا يجوز أن يقضي تلك المدة في السجن.
(3) إن مدة البقاء في الإصلاحية التي صدر بها القرار كانت سبعة سنوات، وبهذا فقد خالفت نص المادة 67 من قانون العقوبات فقد صار القرار معيباً ويجب أن لا يعطى إعتبار.
إني لا أوافق السيد المحامي في النقطة الأولى. إن الحفظ في الإصلاحية لا يدخل في معنى الحراسة المنصوص عليها في المادة 184 من قانون العقوبات. ويجب أن أقر إن المادة الأصلح للتطبيق هي المادة 183وليس 184. لأن الإرسال والحفظ في الإصلاحيه يكون كما كان في هذه القضيه بعد ادانه في ارتكاب جريمه صحيح ان الاصلاحيه ليست سجناً ً، والحفظ فيها ليس عقوبة، وإنه أمر بديل للعقوبة. ولكن مع ذلك فهو حفظ او حراسة صدر بها أمر قضائي بمقتضى القانون. ولهذا فإن الإدانة صحيحة. وما جاء في النقطة الثالثة بإعتباره موجه كطعن في الإدانة، لا أعتقد إنه طعن معقول. أقصى مدة للبقاء في الإصلاحية على حسب المادة 67 من قانون العقوبات هي خمسة سنوات فإذا أخطأت المحكمة وحددت مدة أطول إن الخطأ لا يمنع أن يكون البقاء في الإصلاحية حفظاً أو حراسة قانونية.
أما النقطة الثانية فإني أوافقه عليها كل الموافقة. إن هذا المتهم لا يجوز إعادته إلي الإصلاحية، كما إنه لا يجوز أن يبقى في السجن لإكمال مدة الإصلاحية. كان حدثاً في 1958. ذكر مرة إن عمره كان 12 سنة ومرة أخرى إن عمره كان 18سنة. في إجراءات القضية الحالية ذكر إن عمره الآن هو 24 سنة. وفي هذه السن لا يجوز إعادته للإصلاحية. من الناحيه الثانيه لايوجد سبيل قانوني لتغيير مده الاصلاحيه لتكون سجنناًعادياً وعليه يجب أن يكون سجنه الحالي من تاريخ وضعه في الحراسة هذا إذا أيد هذا الحكم.
وبالنسبة لأن الحادث طالت مدته، إن المتهم كان في ذلك الحين صغير السن، وأغلب الظن إنه قد أهمل في حراسته، فأرى أن يطلق سراحه بضمانة حسن السلوك تحت المادة 24 من قانون الإجراءات الجنائية.
يلغى الحكم ويستبدل بضمانة حسن السير والسلوك تحت المادة 24 من قانون الإجراءات الجنائية.
محكمة الإستئناف المدنية
عبدالله نجيب ضد شاكر جميل كبابه
م أ / أ ن / 269/1971
المبادئ:
قانون المحاماة- تقدير أتعاب المحامي بواسطة رئيس المحكمة- المادة 41 (2) من قانون المحاماة 1970- عبارة (رئيس المحكمة) تعني منصب قضائي يجوز أن يتغير القاضي الذي يشغله من وقت لآخر لأداء المهام القضائية.
بناء على المادة 41 (2) من قانون المحاماة 1970 (رئيس المحكمة) تعني أنها منصب قضائي يجوز أن يتغير القاضي الذي يشغله من وقت لآخر لاداء المهام القضائية التي أنيطت به. إذ أنه ليس من المعقول أن يكون النص على (رئيس المحكمة) معناه الرئيس الذي باشر رئاسة المحكمة فعلاً حتى نهايتها... بمعنى إنه اذ لم يتيسر وجوده في مكان المحاكمة مؤقتاً أو إلي الأبد يكون المحامي قد فقد حقه المشروع في تقرير أتعابه.
المحامي:
الأستاذ/ عبدالله نجيب...............عن المستأنف.
الأساتذ: عبدالوهاب والكارب والضو .........عن المستأنف ضده.
الحكم:
عثمان الطيب (رئيس القضاء)- أبريل 25/1971- المستأنف هو محامي مرخص له بمزاولة المهنة بموجب قانون المحاماة لسنة 1970 تقدم المستأنف بعريضة لقاضي المديرية الدائرة الجنائية الخرطوم يقرر فيها أنه كان يتولى الدفاع عن المستأنف ضده في قضية جنائية أنتهت في محكمة كبرى بتاريخ 27/9/1970. وأنه لم يكن بينه وبين المستأنف ضده اتفاق على اتعاب اجماليه وصبح من الضروري ان تقدر المحكمة المختصة مقدار الاتعاب على اساس العمل القضائي الذي قام به وان المحكمه المختصه على حسب نص المادة 41 من قانون المحاماة لسنة 1970 هو رئيس المحكمة الكبرى. وبما إن رئيس المحكمة الكبرى متغيب الآن في بعثة دراسية في خارج السودان فإنه يرى أن يكون الإختصاص لمحكمة قاضي المديرية الدائرة الجنائية، لأنها المحكمة التي تملك سلطة تعيين المحاكم الكبرى.
رفض السيد قاضي المديرية هذا الطلب مشيراً إلي ان المادة 41 (2) تنص على إن رئيس المحكمة بإعتباره المحكمة المختصة لنظر دعوى الأتعاب، وإذا تعذر وجود رئيس المحكمة فيتعين على المحامي أن يطالب بالأتعاب في قضية مدنية عادية.
تقدم السيد المحامي بهذا الإستنئاف يعترض فيه على قرار السيد قاضي المديرية معتمداً على الحجج الأتية:
(1) إن تشكيل المحكمة الكبرى بموجب قانون الإجراءات الجنائية يوكل لها القيام بالمحاكمة حتى نهايتها، وفي نفس الوقت يوكل لها أي واجبات أخرى بموجب أي قانون آخر، ومن بين ذلك تقدير أتعاب المحاماة بموجب المادة 41 من قانون المحاماة.
(2) فإذا تعذر وجود المحكمة قبل أن تنتهي من واجباتها، كان على قاضي المديرية أن يعين رئيس آخر للقيام بالأعمال التي لم تنته بعد.
(3) ويجوز أن يتولى تقدير الأتعاب بنفسه بإعتبار السلطة الأمر بتشكيل المحكمة الكبرى.
(4) ولا يجوز أن يفهم من نص قانون المحاماة إنه أهدر حق المحامي في أتعابه في غياب رئيس المحكمة الكبرى.
ورد السيد عبدالوهاب محمد عبدالوهاب المحامي بالنيابة عن المستأنف ضده معارضاً الطلب على أساس إن نص المادة 41 (2) يجعل السلطة المختصة لنظر دعوى الأتعاب هي رئيس المحكمة الكبرى التي نظرت في القضية، لا غيره. وإنه الشخص الذي يعرف أكثر من غيره ما تكبده المحامي من أتعاب وما أداه من أعمال. وذكر السيد المحامي نقطة أخرى وهي إن قانون المحاماة لسنة 1970 لا يجوز أي إستئناف أو إعادة نظر أو مراجعة من القرارات المتعلقة بحقوق المحامين في الأتعاب.
يجدر بي أن أرد اولاً على النقطة التي ذكرت أخيراً. وإني أتفق مع السيد المحامي على عدم وجد نص في قانون المحاماة يجوز الإستنئاف أو إعادة النظر في تقدير الأتعاب الذي يتم بموجب المادة 41. ولكن ما هو منظور الآن أمامنا ليس هذا، إنه موضوع إختصاص، أي المحكمة التي تنظر في تقدير الأتعاب من مفهوم المادة 41. وموضوع الإختصاص هو موضوع أساسي ينظر في كل المراحل ، وحتى المراحل الإستئنافية، وإن لم يوجد نص عليه في أي قانون.
وثانياً يجب تقرير خطأ السيد قاضي المديرية الذي يرى إن المحامي عليه أن يرفع قضية مدنية عادية لتقدير أتعابه. هذا لا يجوز بنص الفقرة (1) من المادة 41 حيث تقول :" لا يجوز للمحامي رفع دعوى للمطالبة بالأتعاب المستحقة له من موكله ويرفع كل نزاع يتعلق بالاتعاب بطلب يقدم للمحكمة التي نظرت الدعوى في غرفة المداولة للفصل فيها."
فإذا تعين عدم جواز رفع دعوى مدنية، أصبح من الضروري إيجاد السبيل إلي تقدير الأتعاب بين نصوص قانون المحاماة لسنة 1970. إذا أن المشرع قصد أن تكون شؤون المحامين جميعها منظمة في قانون واحد خاصة تقدير الأتعاب التي منع بالنص المحاكم العادية بالنظر فيها. وكما ذكر المستأنف فإنه يجب أن لا يفهم بأن المشروع قصد إلي إهدار حقوق المحامين عن عمل أنجز في حالة من الحالات ، وإنه يجب أن يفسر القانون بالطريقة التي تجعله يلبي طلبات المحامين المشروعة. والنص موضوع النظر هو في الفقرة (2) من المادة 41 وهو كالأتي:
"يقدم الطلب إلي رئيس المحكمة إذا كانت الأتعاب مستحقة عن قضية أو مسألة في المحكمة أو أي عمل مرتبط بها..."
في هذه الفقرة ذكر "رئيس المحكمة" وفي الفقرة السابقة لها مباشرة جاء ذكر "المحكمة التي نظرت الدعوى". ولا تعارض في النصين. إن رئيس المحكمة سواء أكانت محكمة مشكلة من أكثر من قاضي أو كانت محكمة قاضي واحد، وكان قد مارس نظر القضية فعلاً فهو لا شك أقدر الناس على تقدير أتعاب المحامي. إنها ناحية تفضيل له عن غيره من القضاة لانه فى مقدور قاضي آخر ان يقوم بتقدير الاتعاب بعد ان يطلع على اجراءات القضيه موضع الخلاف، ويستمع إلي أي بينات يتقدم بها المحامي المدعى وتلك الأخرى التي يتقدم بها المدعى عليه. فإذا لم يكن القاضي الذي نظر الدعوى موجوداً في محكمتها، وخلفه فيها قاضي آخر، جاز للخلف أن ينظر في دعوى تقدير الأتعاب.
و أرى أن أوضح إن لفظة المحكمة تعني المنصب القضائي الذي يحتله القاضي في مدة بقائه فيه، خلفاً لسابق، ومخلوفاً بلاحق. وكما جرى العمل فإن القاضي ينتقل من محكمته ويترك أعمال لغيره، ويخلفه غيره ويستلم تلك الاعمال، والمسألة واضحة في المحاكم- جنائية أو مدنية- التي يجلس فيها قاضي واحد. فإن القاضي الخلف يقوم بالواجبات التي كان يقوم بها السلف. وإن القاضي الواحد يطلق عليه المحكمة أو رئيس المحكمة.
ولا تختلف قصة المحكمة الكبرى كثيراً. أنها يشكلها قاضي المديرية لنظر قضية معينة برئاسة أحد قضاة الدرجة الأولى، بمقتضى المادة 9 من قانون الإجراءات الجنائية. ولأسباب مختلفة يعدل تشكيل المحكمة الكبرى بإدخال رئيس لها غير الرئيس السابق. وأظهر الأسباب أنه بعد أن تبدأ المحكمة في نظر القضية، ترى وجود مبررات لتأجيلها لوقت طويل، و في أثناء ذلك ينقل القاضي رئيس المحكمة إلي محكمة أخرى، فيتحتم أن يعين رئيس جديد، لكي تواصل المحكمة النظر في القضية إلي نهايتها، فإذا كان قانون المحاماة قد وضع إختصاص رئيس المحكمة هو واجباً آخر بالإضافة إلي المحاكمة، وهو تقدير أتعاب المحامي الذي ظهر في تلك القضية وإن ذلك الرئيس لم يكن موجوداً في المحكمة، أي المحكمة التي نظرت فيها القضية، فإني أرى أن يعين قاضي آخر لكي ينظر في دعوى الأتعاب، إني أعتقد إن هذا التفسير معقول، ويقبله النص القانوني. إذ أنه ليس من المعقول أن يكون النص على رئيس المحكمة معناه الرئيس الذي يباشر رئاسة المحكمة فعلاً حتى نهايتها. بمعنى أنه إذا لم يتيسر وجوده في مكان المحاكمة مؤقتاً أو إلي الأبد، يكون المحامي قد فقد حقه المشروع في تقدير أتعابه. ويجب أن تفهم عبارة "رئيس المحكمة" على أنها منصب قضائي يجوز أن يتغير القاضي الذي يشغله من وقت لآخر لأداء المهام القضائية التي أنيطت به.
يقبل هذا الطلب، ويلغى قرار السيد قاضي المديرية، ويتعين عليه أن ينظر طلب المستأنف أو يعين قاضي من الدرجة الاولى لنظره والفصل فيه.
صالح محمد علي عتيق (قاضي المحكمة العليا) – مايو 17/1971- أوافق.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد خلف الله أحمد البلك
م أ / م ك / 545/1970
المبادئ:
قانون العقوبات- حق الدفاع الشرعي- المادة 56 من قانون العقوبات – إثبات هذا الحق يقع على عاتق المتهم- لا يتطلب إثبات ذلك بما لا يدع مجالاً للشك يكفي ترجيحه لصالح المتهم وخلق شك معقول.
إثبات حق الدفاع الشرعي تحت المادة 56 من قانون العقوبات يقع على عاتق المتهم ولا يتطلب من المتهم إثبات ذلك الحق بما لا يدع مجالاً للشك إنما يكفي ترجيحه لصالح المتهم أو خلق شك معقول يحمل المحكمة على الإعتقاد بأن المتهم كان يمارس الحق عندما أتى بالفعل المشكو منه.
الحكم:
صالح محمد علي عتيق (قاضي المحكمة العليا)- يونيو 3/1971- بعد الإطلاع على إجراءات هذه المحاكمة وبإستقراء البينات الورادة فلا يمكنني الموافقة على قرار المحكمة الكبرى بإدانة المتهم تحت المادة 241 من قانون عقوبات السودان ولا أية مادة أخرى.
يعترف المتهم بأنه سدد تلك الطعنة اليتيمة القالتة للمجني عليه ويدفع بأنه كان يمارس حقه الشرعي في الدفاع عن النفس إذ ألقاه المجني عليه أرضاً وجثم على صدره خانقاً إياه.
ينشأ حق الدفاع الشرعي عن النفس بمجرد بدء التخوف من إعتداء على وشك الوقوع ويمتد هذا الحق تحت شروط معينة مبينة تحت المادتين 58 و 59 من قانون العقوبات إلي تعمد تسبيب الموت إذا كان الفعل المراد دفعه إعداء يتخوف أن يحدث منه الموت أو الأذى الجسيم إذا قام ذلك التخوف على أسباب معقولة أو كان إغتصاباً أو تهجماً بقصد إشباع شهوة غير طبيعة أو خطفاً لإنسان أو إستدراجاً له.
ولو إن إثبات هذا الحق يقع على عاتق المتهم إلا أن القانون لا يتطلب منه إثبات ذلك بعد مرحلة الشك المعقول إنما يكفي ترجيحه لصالحه أو خلق شك معقول يحمل المحكمة على الإعتقاد بأنه كان يمارسه عندما أتى بالفعل المشكو منه.
فالشاهدة الوحيدة وهي زوجة المرحوم وشقيقة المتهم نفسه تؤيد إن المجني عليه إعتدى عليها بالضرب وإن المتهم حضر لإنقاذها غير إن المرحوم لاحقه وإشتبك معه وإنهما وقعا أرضاً وأنها خرجت مستغيثة وأنها لم تشاهد واقعة الطعن.
ولكن المتهم يمضي فيقول في إعترافه إن المجني عليه جثم على صدره وخنقه وإنه لم يجد وسيلة أخرى للإفلات من قبضته إلا بتسديد تلك الطعنة اليتيمة إليه وبها تمكن من الخلاص منه.
والقاعدة العامة هي أخذ الإعتراف ككل دون تجزئته فلا يصح أخذ ما هو ضده وترك ما هو في صالحه. وأما إذا كانت هناك بينات أخرى تناهض أي جزء من الإعتراف فيجب إلغاء ذلك الجزء على إنه غير جدير بالإعتبار لبعده عن الحقيقة ومجافاته للواقع.
إن المجني عليه أدلى بأقواله وهو محتضر ولكنها لا تتناقض أي جزء في هذا الإعتراف فلم يبين الطريقة التي وقعت بها الحادثة وحتى لم يذكر واقعة الإشتباك و وقوعهما على الأرض. والبينات الظرفية التي أعتمدت عليها المحكمة لا ترقى لترجيح المجني عليه ولا تشير بوضوح أن المتهم كان معتدياً. فخروج الزوجة من المنزل جارية مستغيثة لا يثبت بالضرورة أنها كانت تعلم ان المتهم جاء معتدياً ولغرض الانتغام من المجني عليه بل كان طبيعياً أن تخرج إلي الشارع وتملأه صراخاً ليحضر من يستطيع أن يتدخل بين المتعاركين وبفصلهما عن بعضهما.
وعلاوة على ذلك فإن شكوى الشاهده لزوجها المرحوم بمعاونة أخيها المتهم لاشك أثارت حفيظة المجني عليه وجعلته يصب جام غضبه عليها بالسب والضرب والإنتقام من معاونها الذي حضر للفصل بينهما.
ويتضح من الإجراءت التي أتخذت في هذه القضية إن المتحري قصر في داء واجبه ولم يقدم المتهم لكشف طبي للتأكد من إدعائه بأن المجني عليه قد ألقاه أرضاً وخنقه.
وعليه فإنني أرفض تأييد قرار الإدانة وأمر بأطلاق سراحه في الحال.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد فاروق محمد أحمد
م أ / أ ن ج / 545/1971
المبادئ:
قانون العقوبات- إعادة شيك من البنك لعدم وجود رصيد يغطي الشيك- المادة 362 (ب) من قانون العقوبات- يجب تعويض الشاكي تحت المادة 77 (ب) من قانون العقوبات بالإضافة إلي أي عقوبة أخرى.
في حالة الإدانة تحت المادة 362 (ب) والمادة 362 (ج) من قانون العقوبات الخاصة بإعادة شيك من البنك لعدم وجود رصيد يغطي الشيك- يجب على المحكمة تعويض الشاكي بإسترداد قيمة الشيك خاصة عندما يكون واضحاً إنه مستحق لتلك القيمة إذا ما رفع قضية مدنية تحت المادة 77 (ب) من قانون العقوبات بالإضافة إلي أي عقوبة أخرى.
الحكم:
المحامي: الأستاذ/ كامل عبدالرازق حامد...........عن المتهم
عثمان الطيب (رئيس القضاة)- سبتمبر 26/1971- أدين المتهم تحت المادة 362 (ب) من قانون العقوبات وحكم عليه بالسجن ليوم واحد ينتهي بإنتهاء الجلسة وبالغرامة مقدارها ثلاثون جنيهاً وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة شهرين، وأمرت المحكمة إن الغرامة إذا دفعت يدفع منها للشاكية مبلغ 25 جنيهاً، وهو عبارة عن قيمة الشيك الذي حرره المتهم للشاكية ولم يصرف.
بناء على طلب تخفيف العقوبة الذي قدم إليه، قرر السيد قاضي المديرية الأتي: تؤيد الإدانة ويعدل الحكم إلي السجن لمدة 21 يوماً ويطلق سراحه لإنقضاء المدة، وتلغى باقي الأوامر.
يطعن محامي الشاكية في هذا القرار على إنه قرار خاطئ والمهم في الموضوع إنه حرم الشاكية من حقها في إسترداد المبلغ المحكوم به بالتنفيذ بمقتضى المادة 267 من قانون الإجراءات الجنائية.
إن السيد قاضي المديرية قد أخطأ لأنه زاد العقوبة التي أراد تخفيفها إن السجن الأساسي كان يوماً واحداً، والسيد قاضي المديرية قد عدله إلي 21 يوماً. وهذا لا يجوز حسب نص المادة 256 (ب) من قانون الإجراءات الجنائية يجوز تخفيف الحكم بالسجن إلي مدة أقصر مع الغرامة أو إلي الغرامة فقط. وكان الطريق الذي يجب أن يسلكه السيد قاضي المديرية، وهو يقصد التخفيف أن يخفف الغرامة وبالتالي يخفف مدة السجن في حالة عدم دفع الغرامة، أو أن يخفف مدة السجن بدون تخفيف الغرامة. ويكون قد تفادى زيادة الحكم بالسجن، وعدم إلغاء الغرامة وإلغاء الأمر بدفع التعويض للشاكية الذي تضرر منه.
نأتي إلي النقطة التي أثارها السيد المحامي بإعتقاده إنه يستطيع تنفيذ الغرامة وإستلام التعويض بموجب المادة 267 من قانون الإجراءات الجنائية وبكل أسف فإن هذه المادة لا تفيده إذا بقى الأمر على ما هو عليه. تنص هذه المادة على إنه يجوز للمحكمة بعد أن تصدر حكماً بالغرامة أن تأمر بتحصيلها بحجز ممتلكات المحكوم عليه وبيعها. وينفذ هذا الامر بالطريقة التي تنفذ بها الأحكام المدنية. وإذا كان مع هذا أصدرت أمر بدفع كل جزء من الغرامة إلي الشخص الذي أصابه ضرر من الجريمة كتعويض له بموجب المادة 311 من قانون الإجراءات الجنائية يكون لذلك الشخص الحق في متابعة سير الإجراءات. ولم يصدر في هذه القضية أمر بتحصيل الغرامة بالحجز والبيع لممتلكات المدين.
والأمر بالتعويض الذي يجوز للشخص المضرور متابعة بإتخاذ إجراءات التنفيذ بموجب قانون القضاء المدني، هو الأمر الذي يصدر بموجب المادة 77 (ب) من قانون العقوبات. إن التعويض الذي يصدر الأمر به بموجب هذه المادة هو ليس غرامة وليس جزءاً من العقوبة، ولكنه تعويض كما لو كان قد صدر في إجراءات قضية مدنية.
لاحظت في غير هذه القضية إن المحكمة تميل إلي اللين في العقوبات التي تنزل على المدانين تحت المادتين 362 (ب) و 362 (ج) من قانون العقوبات الجنائية الخاصة بقضايا الشيكات التي لا تصرف، وفي نفس الوقت لا تهتم بإسترداد الشاكي لقيمة الشيك خاصة عندما يكون واضحاً إنه مستحق لتلك القيمة إذا ما رفع بها قضية مدنية. وعدم تعويضه في المحكمة الجنائية ربما يكون الطريق الوحيد له لإسترداد قيمة الشيك، لأنه باللجوء إلي المحكمه الجنائيه في اغلب الاحيان يغفل اتخاذ اجراءات البروتستو في وقتها وتضيع عليه الفرصة في رفع قضية عن الشيك.وترى إن تطبيق المادة 77 (ب) من قانون العقوبات في هذه القضايا ضروري لتعويض الشاكي بالإضافة إلي أي عقوبة أخرى.
إن قرار السيد قاضي المديرية يجب إلغاؤه. ويعدل قرار السيد قاضي الجنايات كالأتي: السجن لمدة يوم. الغرامة مبلغ خمسة جنيهات وفي حالة عدم الدفع واحد وعشرين يوماً سجن. يدفع المتهم تعويضاً للشاكية مقداره خمسة وعشرين جنيهاً تحت المادة 77 (ب) من قانون العقوبات.
المحكمة العليا
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد أحمد التجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد حسن محمد حمدون
(م ع/م ك/148/1978)
المبادئ:
إثبات – الاعتراف القضائي – على المحكمة عدم الاعتماد على اعتراف معيب.
إثبات – الاعتراف المعدول عنه – سلطة المحكمة في الأخذ بالاعتراف المعدول عنه بشرط صدوره دون إكراه.
1- يتعين على المحكمة ألا تعتمد في إدانة المتهم على اعتراف صدر من جراء إكراه أو تعذيب للمتهم في حالة عدول المتهم عن اعترافه لدى المحكمة.
2- في حالة عدول المتهم عن اعترافه يجوز للمحكمة أخذ المتهم باعترافه بشرط أن يكون الاعتراف قد صدر دون إكراه أو وعد يؤثر على سلامته وأن يكون ذلك مطابقاً للحقيقة والواقع.
المحامون : محمد حسن الشيخ ..... عن المتهم
الحكم:
10/12/1978 :
رئيس القضاء خلف الله الرشيد :
حوكم المتهم حسن محمد حمدون أمام محكمة كبرى عقدت بامدرمان برئاسة القاضي عبد الله حسن عثمان ثم برئاسة القاضي عبد الرحيم صباحي بتهمة بموجب المادة 251 عقوبات وذلك لإزهاقه روح المرحوم أحمد محمد أحمد . بدأت المحاكمة بتاريخ 4/5/1978 وحكم على المتهم بالإعدام شنقاً حتى الموت بتاريخ 17/10/1978.
تتلخص وقائع هذه القضية كما يبين من سائر الأوراق في أن المتهم والمرحوم كانا ضمن اللذين اعتادوا المبيت أمام الجامع الكبير بأمدرمان . وفي يوم 6/5/1977 في الساعة الخامسة صباحاً وصل بلاغ إلى نقطة بوليس السوق بأن المرحوم أحمد محمود قد وجد ملقي على الأرض وقد فارق الحياة وهو مضرج بدمائه.
ألقى القبض على بعض المشتبه فيهم ومن ضمنهم المتهم حسن محمد حمدون الذي اعترف بطعنه المرحوم بسكين بسبب خلاف حول قطعة من الكرتون اختلف على ملكيتها الطرفان.
جاء في تقرير الطبيب أن هناك جرحاً قاطعاً بالظهر حوالي 2 بوصة عرضاً و 8 بوصات من الجانب الأيمن وقد اخترقت الرئة كما وجد أن اثنين من القواطع قد فقدا وأن نائب السن غير ثابت كما وجد جرح سطحي بالركبة اليمنى أدى الجرح الذي في القفص الصدري إلى نزيف بالقفص الصدري وأن الجرح قد ترك الرئة في حالة انكماش وأن النزيف أدى إلى الوفاة وقد سبب الجرح بواسطة آله حادة.
يطعن محامي المتهم في حكم المحكمة الكبرى وتتلخص أسباب الطعن في الآتي :-
1- ارتكب عدة أخطاء إجرائية بدءاً بالطريقة التي قبض بها المتهم وعدم تقديم المعروضات التي قيل أنها وجدت في مسرح الحادث أمام المحكمة واستجواب الشهود عليها ثم الاعتراف (الذي رجع عنه المتهم) قد انتزع منه انتزاعاً.
2- لم تأخذ أقوال الخفير (ش أ ت 6) أمام المحكمة الكبرى ولم يستجوب عن المعروضات التي زعم أن المتهم قد تركها في الحجرة المخصصة للخفير في الجامع وأن اختفاء الخفير هذا فيه شك.
3- وجد اختلاف في فصيلة الدم التي وجدت في المعروضات وبين فصيلة دم القتيل ثم أن تقرير المعمل قد قدم كمعروض ولم تستدع من كتبه وأن التقرير ما كان له أن يقبل دون استجواب من محرره كما جاء في قضية حكومة السودان ضد محمد عبد الباقي (م ع/ط ج/130/1977) النشرة الشهرية ديسمبر سنة 1977 صفحة 161.
4- ليس هناك برهان يدل على ارتكاب المتهم للجرم خلافاً للاعتراف المعدول عنه وأن الاعتماد على هذا الاعتراف بعد ما عدل عنه المتهم لا يصح إلا إذا أيدته بينات أخرى وقد ذكر المتهم أن الاعتراف قد انتزع منه وعلى الاتهام إثبات أن الاعتراف قد أدلى به عن طواعية وليس على المتهم إثبات أن الاعتراف قد أعطي بلا اختيار.
وعليه يجب أن يؤخذ الاعتراف المعدول عنه في الحسبان في ضوء السابقتين حكومة السودان ضد ماريا كابيري (961 مجلة الأحكام القضائية ص 23) وحكومة السودان ضد آدم أحمد محمد (ط ج/16/1978 نشرة الأحكام الشهرية مارس وأبريل 1978 ص 19).
وبما أن طلب الطعن قد استوفى أشكاله القانونية فهو مقبول شكلاً ويقتضي ذلك مناقشة الأسباب التي ساقها محامي المحكوم عليه.
يطعن محامي المحكوم عليه بالسبب الأول في الإجراءات التي اتخذتها الشرطة زاعماً أنها إجراءات خاطئة ولم يبين وجه الخطأ في تلك الإجراءات ويبين من المحضر أن الشرطة قد ألقت القبض على من اشتبه فيهم وكان ضمن المشتبه فيهم المتهم ثم أن الشرطة قد استعانت بالكلب البوليسي في التعرف على القاتل وقد استدلت على المتهم ولا ندري ما وجه الخطأ في ذلك ولم تعتمد الشرطة على تعرف الكلب البوليسي ولم بسق الاتهام بينة الكلب البوليسي أمام المحكمة كواحدة من الأدلة المقدمة لبرهان الجرم.
قدمت المعروضات أمام المحكمة خلافاً لما زعم المحامي ولكن لا نجد أن الاتهام قد اعتمد عليها أو أن المحكمة أخذت ذلك في الحسبان ولو قرأ المحامي أقوال شاهد الاتهام الأول لوجد أن المعروضات قد قدمت وأن المتهم قد استجوب حولها وأنه اعترف بحيازتها ثم أن المتحري قد أثبت أن الخنجر – وهو الآلة التي يحتمل أن تكون قد استعملت في إحداث الجرح – أثبت أن الخنجر لم يكن ملوثاً بالدماء لذلك لا نجد وجهاً لهذا الطعن.
ويطعن بالسبب الثاني في أن المحكمة لم تستمع إلى أقوال الخفير (ش أ ت 5) وليس السادس وأن المحكمة الكبرى اعتمدت على أقواله أمام محكمة الإحالة وليس في ذلك مأخذ إذ أن أقوال الشاهد الخامس فيها الكثير وإنما تتعلق بالمعروضات التي لم تقدم كثيراً في الحكم في هذا الصدد ولكن لها جانب آخر نشير إليه فيما بعد.
يقودنا ذلك إلى مناقشة السبب الثالث هو اختلاف فصيلة الدم . لم يقدم التقرير ولا المعروضات كدليل ولكن ذكر المتحري كل ذلك في أقواله التي أشرنا إليها أي أن ذلك الاختلاف قد قرر كحقيقة أمام المحكمة ولم تشر إليه المحكمة في حيثياتها مما يدل على أن المحكمة لم تعتمد على المعروضات وليس هناك ما يوجب استدعاء كاتب التقرير لأن التقرير كما قلنا لم يقدم لإثبات شيء.
ويطعن محامي المحكوم عليه بالنقطة الأخيرة في اعتماد المحكمة الكبرى كلياً على الاعتراف المعدول عنه وقد دفع المحامي بأن الاعتراف المعدول عنه لا يصح أن يعتمد عليه في قرار الإدانة وأن على الاتهام إثبات أن الاعتراف قد أدلى به عن طواعية وليس على المحكوم عليه (المتهم) أن يثبت خلاف ذلك وذكر المحامي سابقتين تؤيدان حجته.
السابقة الأولى حكومة السودان ضد ماريا كابيري (961 مجلة الأحكام القضائية ص 23) لم يناقش المحامي السابقة ولكنه ذكر هذه السابقة وسابقة أخرى هي حكومة السودان ضد آدم أحمد محمد (ط ج/16/1978 نشرة الأحكام الشهرية مارس وأبريل 1978) وذلك لتأييد أن الاعتراف المعدول عنه لا ينهض أساساً لتأسيس قرار الإدانة وليس ثمة شك في أن هذا المبدأ كما هو مقرر صحيح ولكن المحكمة لم تقل إطلاقاً أن هذا مبدأ قانوني وإنما ذكرت المحكمة في قضية ماريا كابيري أن العدول عن الاعتراف لا يلغي الاعتراف ولكنه يتطلب أن تسأل المحكمة نفسها عن قيمة الاعتراف وعما إذا كان قد أدلى به بالطوع أو الاختيار وعما إذا كان الاعتراف يشتمل على الحقيقة وقد ذكرت المحكمة أن هذا المبدأ تمليه ضرورات المحكمة والتعقل ولم تكن هناك بينة أخرى خلاف الاعتراف المعدول عنه في تلك القضية . أما قضية آدم محمد والتي لم يناقشها المحامي تعتبر سابقة تقرر المبدأ الآتي :- (أن الاعتراف المعدول عنه والذي انتزع بالإكراه لا قيمة له) . ففي تلك القضية تبين للمحكمة أن المحكوم عليه قد ضرب فعلاً وإذا ما ثبت أن المتهم قد ضرب أو عذب فإن الاعتراف لا قيمة له البتة مهما كانت الظروف وفي هذه الحالة هذا مبدأ قانوني أساسي وليس مبدأ ضرورة وتعقل وحكمة.
ولم يثبت في هذه القضية الماثلة أن المحكوم عليه قد عذب أو ضرب أو أن الاعتراف قد انتزع منه انتزاعاً كما رأى المحامي بل أن المحكوم عليه قد أدلى باعترافه كما دون القاضي الذي سجل الاعتراف (أن المتهم حسن محمد حمدون وبعد تبصره التبصر القانوني أدلى بطوعه واختياره وبمحض إرادته دون أي إغراء أو إكراه).
قبلت المحكمة الكبرى الاعتراف رغم عدول المحكوم عليه عنه بسبب ما ورد في الاعتراف من تفصيلات لم ترد بشأنها أدلة أخرى مما يدل على أن المحكوم عليه قد تحدث بالحقيقة وكان ذلك الاعتراف في يوم 6/4/4977 أي في نفس اليوم الذي فتح فيه البلاغ ثم أن المحكوم عليه قد أدلى باعترافه للمتحري بعد ما رأى جلابيته الممزقة وباقي أغراضه وقد فسر نظافة الخنجر من الدم بأنه غسله وأوضح أن المجني عليه كان عصبياً ولعله كان مريضاً بأعصابه وهذا التفصيل لم يترك للمحكمة الكبرى إلا أن تصديق ما اعترف به . وهناك أدلة أخرى رغم ضآلتها إلا أنها تعضد الاعتراف فقد جاء في أقوال ( ش أ ت 5) أن المحكوم عليه اعتاد أن ينام عنده لبضعة أيام ولكنه لم ينم في ليلة الحادث ثم أنه جاء في الصباح الباكر وترك أشياء أمانة بما فيها الجلابية الممزقة والخنجر (أنظر ص 9 من يومية التحري) حيث لاحظ الشاهد أن الجلابية ممزقة .وردت عبارة تدل على ذلك في اقواله أمام قاضي الاحالة وهذه الاقوال قد ارفقت في محضر المحكمة الكبرى (ص 26من المحضر )حيث ذكر الشاهد أن الجلابية كانت مشروطة من الأمام كان ذلك في معرض الرد على الأسئلة التي وجهتها المحكمة.
هذا التمزيق أو الشرط يمكن تعدليه بما ورد على لسان المحكوم عليه من أن المجني عليه أمسك به من جلابيته عندما اشتجرا على قطعة الكرتونة وعلى حد تعبيره (قبضني من جلابيتي) (ص 12 من يومية التحري) أضف إلى ذلك نوع الأذي الذي أصاب المرحوم فقدان للقواطع وعدم ثبات النائب . كل ذلك يدل على مشاجرة حدثت وللأسف لم يرسل المتهم للكشف عن حالة الأذى حتى لو كان ذلك الأذى طفيفاً كخدوش والمتهم يقول أن المرحوم كانت عنده أعصاب أي أنه كان مريضاً مرضا عصبياً وهذا أيضاً ورد في أقوال والد المرحوم (ص 5 من يومية التحري) وهذا أيضاً لم تدون أقواله في أي من مراحل الإجراءات القضائية ولكن أقوال ابن عم القتيل عباس عثمان أحمد أمام المحكمة الكبرى (ص 16) تشير إلى أن المرحوم كان مريضاً بأعصابه وقد ذكر نفس هذه النقطة في معرض الاستجواب أمام محكمة الإحالة.
مجموع هذه الأدلة يؤيد ما ورد في اعتراف المتهم من تفصيل ونستطيع أن نستنبط من حالة الأذى وتمزق الجلابية وحالة المرحوم العصبية أن مشاجرة قد حدثت وكان يمكن للصورة أن تكتمل لو أخذ المتهم للكشف الطبي كما نوهنا ولكن ما ورد في أقوال الشاهد الخامس من أن الجلابية كانت ممزقة مع عدم مبيت المتهم في حجرة الخفير حيث كان قد اعتاد أن ينام . كل ذلك يدل على أن المتهم قد دخل مع المرحوم في شجار انتهى بطعنه المرحوم بالخنجر ولعل خوف المتهم من حالة المرحوم العصبية هي التي دفعته إلى ذلك . جاء في استجواب ابن عمه (ش . أ . ت. 2) عباس عثمان أحمد أمام محكمة الإحالة أن المرحوم في حالة الغيبوبة يقوم بأعمال لا يدري شيئاً عنها ويضرب أي شخص أمامه.
لم تناقش المحكمة الكبرى الاستثناء الرابع استفاضة وإنما اكتفت بتقرير حدوث المعركة لأنها رأت أن المتهم قد استغل الظروف وأن سلوكه كان قاسياً ولكننا نرى أن تسبيب المحكمة الكبرى قد قصر على استيعاب الظروف كلها وذلك لأن الواضح أن اعتماد المحكمة كان على ما ورد في الاعتراف المعدول عنه وهذا وحده لم يكن كافياً ولولا أننا قد وجدنا من الأوراق أدلة أخرى وبينات ثانوية تؤيدها وردت في الاعتراف لما ترددنا في رفض تأييد القرار والإفراج عن المتهم.
لهذه الأسباب نرى تعديل قرار الإدانة إلى مذنب بموجب المادة 253 عقوبات ونحكم على المتهم حسن محمد حمدون بالسجن لمدة عشرة سنوات ابتداء من 6/4/1977.
المحكمة العليا
القضاة :
صاحب السعادة السيد خلف الله الرشيد رئيس القضاء رئيساً
سعادة السيد محمد الفضل شوقي قاضي المحكمة العليا عضواً
سعادة السيد أحمد التيجاني عبد الهادي قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان ضد محجوب عثمان السيد
(م ع/ط ج/97/1978)
المبادئ:
قانون جنائي- قانون العقوبات لسنة 1974- السبب المعقول لوقف الشيك – المادة 362(ب)(ج) .
1- السبب المعقول لوقف الشيك هو مسألة تتعلق بالوقائع البحتة ولا تتعدى ذلك إلى القانون كما وليس متاحاً للمحكمة الجنائية أن تنظر في أمر الاخلال بالالتزام وماهية الالتزام من الناحية المدنية لأن ذلك ليس من اختصاص المحكمة الجنائية ولكن على المحكمة الجنائية أن تنظر في التصرف الذي يعفيه من المسئولية الجنائية في ظروف القضية الماثلة أمامها .
ملحوظة :-
أخذت محكمة الاستئناف برأي مخالف في السابقة بانقا أحمد بانقا (م أ/أ ن ج/ 440/1978) الصادرة بتاريخ 27/1/1978) .
الحكم:
7/1/1979 :
القاضي محمد الفضل شوقي:-
تأخر نظر الطعن المقدم في هذه القضية كنتيجة لاعتذار قاضيين على التوالي عن مباشرته لأسباب خاصة .
لقد مثل المتهم محجوب عثمان السيد أمام محكمة كبرى في الخرطوم وسط برئاسة السيد صديق عبد الحليم فأصدرت قرارها يوم 5/3/1978 الذي برأته بموجبه عن التهمة الموجهة إليه بجريمة وقف صرف شيكات كان قد حررها وذلك تحت المادة 362 (ب)(ج) من قانون العقوبات وقد أيدت محكمة الاستئناف قرار البراءة بتاريخ 14/4/1978.
بعد استقراء البينات يتضح لنا أن الوقائع في صورتها المصغرة تتلخص في أن المتهم اتفق مع الشاكي على أن يشتري بواسطته كمية من الحديد المستورد بمبلغ 269.449.000 مليمجــ وحرر له شيكات مقابل ذلك الاتفاق بلغت جملة المبالغ الموضحة بها 11,227,000 مليمجـ .ولكن بعد مفاوضات واتصالات مع الجهات الرسمية المعنية بهذه العملية التجارية عاد ونكص على عقبيه وعدل عن الصفقة ولم يكن الحديد قد وصل بل ولم يكن قد تم شحنه في الخارج وقد أقدم المتهم على وقف الشيكات التي كان قد سلمها للشاكي .
يطعن أمامنا الشاكي بنفسه ضد قرار المحكمة الكبرى المؤيد بواسطة محكمة الاستئناف وقد جاءت مذكرته ضافية ومطولة في خمس عشرة صفحة يتضح منها أنه ذو معلومات قانونية ولكننا نأخذ عليه هجومه على محكمة الموضوع ومحكمة الاستئناف في عبارات اتسمت بالحدة والعنف وفيها كثير من عدم اللياقة وتفتقر إلى الكياسة والتزام حدود الأدب والتقاليد القضائية الراسخة التي توضح كيفية مخاطبة المحاكم وقد بينت القوانين والعرف القضائي لغة المخاطبة والمرافعات أمام المحاكم .
وكان بوسع هذه المحكمة أن تأمر باتخاذ إجراءات في مواجهة الطاعن ولكنا نسبق إلى افتراض حسن النية ولا نرى ما يوجب اتخاذ إجراءات قانونية في هذا الأمر فنحن مطمئنون إلى أن الدافع كان هو مجرد الحماس المفرط وشدة الاندفاع ولم يكن سوء النية أو قصد الإساءة ونحن نختلف معه في النقطة الأساسية التي ارتكز عليها طعنه ولتي وردت في الفقرة 9 من مذكرته وهي عن الظروف والأسباب التي تبرر وقف الشيك بعد تحريره . لقد حاول الطاعن تحديد المبررات التي تدعو لوقف الشيك وحصرها في أربع نقاط ورغم أن المشرع السوداني هو الذي حدد ذلك ولا نعرف من أين جاء بهذا ؟ ليس في قانوننا شيئ من ذلك والمادة 362(ب)(ج) واضحة ولا تزيد على القول بأن وقف الشيك بدون سبب معقول يعد جريمة . وقد قصد المشرع أن يترك تفسير السبب المعقول للمحاكم ، وقد تم تفسير ذلك أخيراً في الحكم الذي أصدرناه في قضية حكومة السودان ضد محمد عدنان وهي رقم (م ع/ط ج/121/1978) التي قلنا فيها :-
السبب المعقول هو مسألة تتعلق بالوقائع البحتة ولا يتعدى ذلك إلى القانون كما نوهنا وليس متاحاً للمحكمة الجنائية أن تنظر في أمر الإخلال بالالتزام وماهية الالتزام من الناحية المدنية لأن ذلك ليس من اختصاص المحكمة الجنائية ولكن على المحكمة الجنائية أن تنظر في الوقائع بغرض معرفة ما إذا كان المتهم قد تصرف التصرف الذي يعفيه من المسئولية الجنائية في ظروف القضية الماثلة أمامها .
لقد رأت المحكمة الكبرى ومن بعدها محكمة الاستئناف أن هذه القضية ذات طبيعة مدنية وأن النزاع في الأصل يقم على أساس نظرية الإخلال بالعقد وأن هذا هو محور الموضوع
أصلاً وفصلاً – والبينات المقدمة يتضح منها ان المتهم لم يقم بوقف الشيك إلا تخوفاً من مستلزمات العقد المبرم بينه وبين الشاكي الذي استشعر أخيراً أنه فوق طاقته وإمكانياته المادية والتجارية وأنه أقدم على تلك الخطوة في ظروف وملابسات تطغى عليها الروح المدنية والتجارية وأنه أقدم على تلك الخطوة في ظروف وملابسات تطغى عليها الروح المدنية والتجارية وليس الجنائية وأنه فعل ذلك قبل أن يتسلم شيئاً من البضاعة أو المستندات الخاصة بها ، وأن حقوق الشاكي في هذه الحال تتمثل في المطالبة بالتعويض على الإخلال بالعقد وتغطية أي خسائر قد تكون عادت عليه نتيجة للإخلال بالعقد ومما لا شك فيه أن الشاكي لديه أساس للمطالبة بهذه التعويضات ولكن ليس ذلك أمام المحكمة الجنائية عن طريق جريمة وقف الشيكات التي اتضح أن مقوماتها غير مكتملة لأن السبب المعقول ليس منعدماً تماماً ، وإنما عن طريق الدعوى المدنية للإخلال بالعقد والتي لا نرى سبباً لتأخر الشاكي في رفعها والسير بها بدلاً من تبديد جهوده وزمنه أمام المحاكم الجنائية التي قد لا تحقق له ما يصبو إليه فقد لا تحكم له بالتعويض فهي غير ملزمة بأن تأمر بصرف الشيكات الموقوفة أو دفع قيمتها عند ثبوت الجريمة ويقف اختصاصها الأساسي عند حد توقيع العقاب على الجاني ولا تحكم بالتعويض إلا كإجراء استثنائي وفي نطاق مختصر لا يشمل كل الخسائر المطالب بها .
يشطب الطعن .
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد خلف الله أحمد البلك
م أ / م ك / 545/1970
المبادئ:
قانون العقوبات- حق الدفاع الشرعي- المادة 56 من قانون العقوبات – إثبات هذا الحق يقع على عاتق المتهم- لا يتطلب إثبات ذلك بما لا يدع مجالاً للشك يكفي ترجيحه لصالح المتهم وخلق شك معقول.
إثبات حق الدفاع الشرعي تحت المادة 56 من قانون العقوبات يقع على عاتق المتهم ولا يتطلب من المتهم إثبات ذلك الحق بما لا يدع مجالاً للشك إنما يكفي ترجيحه لصالح المتهم أو خلق شك معقول يحمل المحكمة على الإعتقاد بأن المتهم كان يمارس الحق عندما أتى بالفعل المشكو منه.
الحكم:
صالح محمد علي عتيق (قاضي المحكمة العليا)- يونيو 3/1971- بعد الإطلاع على إجراءات هذه المحاكمة وبإستقراء البينات الورادة فلا يمكنني الموافقة على قرار المحكمة الكبرى بإدانة المتهم تحت المادة 241 من قانون عقوبات السودان ولا أية مادة أخرى.
يعترف المتهم بأنه سدد تلك الطعنة اليتيمة القالتة للمجني عليه ويدفع بأنه كان يمارس حقه الشرعي في الدفاع عن النفس إذ ألقاه المجني عليه أرضاً وجثم على صدره خانقاً إياه.
ينشأ حق الدفاع الشرعي عن النفس بمجرد بدء التخوف من إعتداء على وشك الوقوع ويمتد هذا الحق تحت شروط معينة مبينة تحت المادتين 58 و 59 من قانون العقوبات إلي تعمد تسبيب الموت إذا كان الفعل المراد دفعه إعداء يتخوف أن يحدث منه الموت أو الأذى الجسيم إذا قام ذلك التخوف على أسباب معقولة أو كان إغتصاباً أو تهجماً بقصد إشباع شهوة غير طبيعة أو خطفاً لإنسان أو إستدراجاً له.
ولو إن إثبات هذا الحق يقع على عاتق المتهم إلا أن القانون لا يتطلب منه إثبات ذلك بعد مرحلة الشك المعقول إنما يكفي ترجيحه لصالحه أو خلق شك معقول يحمل المحكمة على الإعتقاد بأنه كان يمارسه عندما أتى بالفعل المشكو منه.
فالشاهدة الوحيدة وهي زوجة المرحوم وشقيقة المتهم نفسه تؤيد إن المجني عليه إعتدى عليها بالضرب وإن المتهم حضر لإنقاذها غير إن المرحوم لاحقه وإشتبك معه وإنهما وقعا أرضاً وأنها خرجت مستغيثة وأنها لم تشاهد واقعة الطعن.
ولكن المتهم يمضي فيقول في إعترافه إن المجني عليه جثم على صدره وخنقه وإنه لم يجد وسيلة أخرى للإفلات من قبضته إلا بتسديد تلك الطعنة اليتيمة إليه وبها تمكن من الخلاص منه.
والقاعدة العامة هي أخذ الإعتراف ككل دون تجزئته فلا يصح أخذ ما هو ضده وترك ما هو في صالحه. وأما إذا كانت هناك بينات أخرى تناهض أي جزء من الإعتراف فيجب إلغاء ذلك الجزء على إنه غير جدير بالإعتبار لبعده عن الحقيقة ومجافاته للواقع.
إن المجني عليه أدلى بأقواله وهو محتضر ولكنها لا تتناقض أي جزء في هذا الإعتراف فلم يبين الطريقة التي وقعت بها الحادثة وحتى لم يذكر واقعة الإشتباك و وقوعهما على الأرض. والبينات الظرفية التي أعتمدت عليها المحكمة لا ترقى لترجيح المجني عليه ولا تشير بوضوح أن المتهم كان معتدياً. فخروج الزوجة من المنزل جارية مستغيثة لا يثبت بالضرورة أنها كانت تعلم ان المتهم جاء معتدياً ولغرض الانتغام من المجني عليه بل كان طبيعياً أن تخرج إلي الشارع وتملأه صراخاً ليحضر من يستطيع أن يتدخل بين المتعاركين وبفصلهما عن بعضهما.
وعلاوة على ذلك فإن شكوى الشاهده لزوجها المرحوم بمعاونة أخيها المتهم لاشك أثارت حفيظة المجني عليه وجعلته يصب جام غضبه عليها بالسب والضرب والإنتقام من معاونها الذي حضر للفصل بينهما.
ويتضح من الإجراءت التي أتخذت في هذه القضية إن المتحري قصر في داء واجبه ولم يقدم المتهم لكشف طبي للتأكد من إدعائه بأن المجني عليه قد ألقاه أرضاً وخنقه.
وعليه فإنني أرفض تأييد قرار الإدانة وأمر بأطلاق سراحه في الحال.
محكمة الإستئناف المدنية
حكومة السودان ضد فاروق محمد أحمد
م أ / أ ن ج / 545/1971
المبادئ:
قانون العقوبات- إعادة شيك من البنك لعدم وجود رصيد يغطي الشيك- المادة 362 (ب) من قانون العقوبات- يجب تعويض الشاكي تحت المادة 77 (ب) من قانون العقوبات بالإضافة إلي أي عقوبة أخرى.
في حالة الإدانة تحت المادة 362 (ب) والمادة 362 (ج) من قانون العقوبات الخاصة بإعادة شيك من البنك لعدم وجود رصيد يغطي الشيك- يجب على المحكمة تعويض الشاكي بإسترداد قيمة الشيك خاصة عندما يكون واضحاً إنه مستحق لتلك القيمة إذا ما رفع قضية مدنية تحت المادة 77 (ب) من قانون العقوبات بالإضافة إلي أي عقوبة أخرى.
الحكم:
المحامي: الأستاذ/ كامل عبدالرازق حامد...........عن المتهم
عثمان الطيب (رئيس القضاة)- سبتمبر 26/1971- أدين المتهم تحت المادة 362 (ب) من قانون العقوبات وحكم عليه بالسجن ليوم واحد ينتهي بإنتهاء الجلسة وبالغرامة مقدارها ثلاثون جنيهاً وفي حالة عدم الدفع السجن لمدة شهرين، وأمرت المحكمة إن الغرامة إذا دفعت يدفع منها للشاكية مبلغ 25 جنيهاً، وهو عبارة عن قيمة الشيك الذي حرره المتهم للشاكية ولم يصرف.
بناء على طلب تخفيف العقوبة الذي قدم إليه، قرر السيد قاضي المديرية الأتي: تؤيد الإدانة ويعدل الحكم إلي السجن لمدة 21 يوماً ويطلق سراحه لإنقضاء المدة، وتلغى باقي الأوامر.
يطعن محامي الشاكية في هذا القرار على إنه قرار خاطئ والمهم في الموضوع إنه حرم الشاكية من حقها في إسترداد المبلغ المحكوم به بالتنفيذ بمقتضى المادة 267 من قانون الإجراءات الجنائية.
إن السيد قاضي المديرية قد أخطأ لأنه زاد العقوبة التي أراد تخفيفها إن السجن الأساسي كان يوماً واحداً، والسيد قاضي المديرية قد عدله إلي 21 يوماً. وهذا لا يجوز حسب نص المادة 256 (ب) من قانون الإجراءات الجنائية يجوز تخفيف الحكم بالسجن إلي مدة أقصر مع الغرامة أو إلي الغرامة فقط. وكان الطريق الذي يجب أن يسلكه السيد قاضي المديرية، وهو يقصد التخفيف أن يخفف الغرامة وبالتالي يخفف مدة السجن في حالة عدم دفع الغرامة، أو أن يخفف مدة السجن بدون تخفيف الغرامة. ويكون قد تفادى زيادة الحكم بالسجن، وعدم إلغاء الغرامة وإلغاء الأمر بدفع التعويض للشاكية الذي تضرر منه.
نأتي إلي النقطة التي أثارها السيد المحامي بإعتقاده إنه يستطيع تنفيذ الغرامة وإستلام التعويض بموجب المادة 267 من قانون الإجراءات الجنائية وبكل أسف فإن هذه المادة لا تفيده إذا بقى الأمر على ما هو عليه. تنص هذه المادة على إنه يجوز للمحكمة بعد أن تصدر حكماً بالغرامة أن تأمر بتحصيلها بحجز ممتلكات المحكوم عليه وبيعها. وينفذ هذا الامر بالطريقة التي تنفذ بها الأحكام المدنية. وإذا كان مع هذا أصدرت أمر بدفع كل جزء من الغرامة إلي الشخص الذي أصابه ضرر من الجريمة كتعويض له بموجب المادة 311 من قانون الإجراءات الجنائية يكون لذلك الشخص الحق في متابعة سير الإجراءات. ولم يصدر في هذه القضية أمر بتحصيل الغرامة بالحجز والبيع لممتلكات المدين.
والأمر بالتعويض الذي يجوز للشخص المضرور متابعة بإتخاذ إجراءات التنفيذ بموجب قانون القضاء المدني، هو الأمر الذي يصدر بموجب المادة 77 (ب) من قانون العقوبات. إن التعويض الذي يصدر الأمر به بموجب هذه المادة هو ليس غرامة وليس جزءاً من العقوبة، ولكنه تعويض كما لو كان قد صدر في إجراءات قضية مدنية.
لاحظت في غير هذه القضية إن المحكمة تميل إلي اللين في العقوبات التي تنزل على المدانين تحت المادتين 362 (ب) و 362 (ج) من قانون العقوبات الجنائية الخاصة بقضايا الشيكات التي لا تصرف، وفي نفس الوقت لا تهتم بإسترداد الشاكي لقيمة الشيك خاصة عندما يكون واضحاً إنه مستحق لتلك القيمة إذا ما رفع بها قضية مدنية. وعدم تعويضه في المحكمة الجنائية ربما يكون الطريق الوحيد له لإسترداد قيمة الشيك، لأنه باللجوء إلي المحكمه الجنائيه في اغلب الاحيان يغفل اتخاذ اجراءات البروتستو في وقتها وتضيع عليه الفرصة في رفع قضية عن الشيك.وترى إن تطبيق المادة 77 (ب) من قانون العقوبات في هذه القضايا ضروري لتعويض الشاكي بالإضافة إلي أي عقوبة أخرى.
إن قرار السيد قاضي المديرية يجب إلغاؤه. ويعدل قرار السيد قاضي الجنايات كالأتي: السجن لمدة يوم. الغرامة مبلغ خمسة جنيهات وفي حالة عدم الدفع واحد وعشرين يوماً سجن. يدفع المتهم تعويضاً للشاكية مقداره خمسة وعشرين جنيهاً تحت المادة 77 (ب) من قانون العقوبات.
مجلة الأحكام القضائية 0791
📌لمتابعة جميع المقالات و الاخبار و الوظائف و الدورات التدريبية القانونية عبر قروبات "وعي قانوني" انضم لاحد القروبات